وَرَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ١ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ٢
عَنْ أَبِي يَحْيَى٣ عَنْ أَبِي يَزِيدَ٤ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ٥ عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ٦ أَن الني ﷺ قَالَ "أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ فَقُلْتُ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَبِّ ٧ فَوَضَعَ كَفَّهُ ٨ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ فِي صَدْرِي، فَتَجَلَّى لِي مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض" ٩.
_________________
(١) ١ عبد الله بن صَالح، تقدم ص "١٧١". ٢ مُعَاوِيَة بن صَالح، تقدم ص "١٧١"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٣٤٥ أَنه روى عَن سليم بن عَامر الخبائري وَعنهُ أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث. ٣قَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد/ مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد هراس/ ص”٢١٩": "هُوَ عِنْدِي سُلَيْمَان أَو سليم بن عَامر" قلت: قَالَ فِي التَّقْرِيب ٣٢٠/١: سليم ابْن عَامر الكلَاعِي، وَيُقَال: الخبائري بخاء مُعْجمَة وموحدة -أَبُو يحيى الْحِمصِي، ثِقَة من الثَّالِثَة، غلط من قَالَ: إِنَّه أدْرك النَّبِيِّ ﷺ، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة/ بخ م وَالْأَرْبَعَة. وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٥٢٩/١ أَن مُعَاوِيَة بن صَالح الْحَضْرَمِيّ روى عَنهُ. ٤ قَالَ أَبُو بكر بن خُزَيْمَة: "لست أعرف أَبَا يزِيد هَذَا بعدالة وَلَا جرح"، وَقَالَ الألباني: "اسْمه غيلَان بن أنس الْكَلْبِيّ" قلت: فَإِن يكنه فَهُوَ غيلَان بن أنس الْكَلْبِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو يزِيد الدِّمَشْقِي، مَقْبُول، من السَّادِس/ ي د ق. "التَّقْرِيب/ ١٠٦/٢"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١٠٩١/٢ أَنه روى عَن أبي سَلام الحبشي، وَانْظُر: ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد ص”٢٢٠"، وَتَخْرِيج الألباني على السّنة لِابْنِ أبي عَاصِم ٢٠٥/١. ٥ فِي ش "عَن سَلام" وَصَوَابه اأَثْبَتْنَاهُ، وَانْظُر تَرْجَمته ص”٢٧٦". ٦ ثَوْبَان الهاشي، مولى النَّبِيِّ ﷺ، صَحبه ولازمه، وَنزل بعده الشَّام، وَمَات بحمص سنة ٥٤/ بخ م وَالْأَرْبَعَة، التَّقْرِيب ١٢٠/١، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٢١٠/١-٢١١، وَأسد الغابة ٢٤٩/١-٢٥٠، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٢٠٥/١، وتهذيب التَّهْذِيب ٣١/٢. ٧ فِي ط، س، ش "يارب لَا علم لي". ٨ فِي ط، س، ش "فَوضع يَده". ٩ جَاءَ من هَذَا الطَّرِيق عِنْد ابْن عَاصِم فِي السّنة/ بتخريج الألباني جـ١ =
[ ٢ / ٧٣٣ ]
_________________
(١) = ص"٢٠٤-٢٠٥" قَالَ الألباني: "حَدِيث صَحِيح بِمَا تقدم لَهُ من الشواهد"، وَأخرجه أَيْضا من هَذَا الطَّرِيق ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد/ مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد هراس ص"٢١٩". وَمن طرق أُخْرَى أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي أَبْوَاب التَّفْسِير/ تَفْسِير سُورَة "ص"/ حَدِيث ٣٢٨٦ عَن ابْن عَبَّاس، وَحَدِيث ٣٢٨٧ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَحَدِيث ٣٢٨٨ عَن معَاذ بن جبل مَرْفُوعا، وَقَالَ عَن هَذَا الْأَخير: "هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا صَحِيح، وَقَالَ: هَذَا أصح من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم بِسَنَدِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن العائش الْحَضْرَمِيّ". وَقَالَ المباركفوري: "وَأخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَمُحَمّد بن نصر فِي كتاب الصَّلَاة، وَابْن مَدُّوَيْهِ" انْظُر: الْمصدر السَّابِق ١٠١/٩-١٠٩. وَأخرجه أَيْضا الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٦٦/٤، و٣٤٣/٥، ٣٨٧، والدارمي فِي السّنَن/ كتاب الرُّؤْيَا/ بَاب رُؤْيَة الرب تَعَالَى فِي النّوم/ حَدِيث ٢١٥٥، ٥١/٢، وَابْن أبي عَاصِم فِي السّنة/ بتخريج الألباني ١٦٩/١، ٢٠٣-٢٠٥، وَابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد ص"٢١٥-٢١٩"، والآجري فِي الشَّرِيعَة بتحقيق حَامِد الفقيهي ص"٤٩٦-٤٩٧"، وَابْن مَنْدَه فِي الرَّد على الْجَهْمِية/ بتحقيق عَليّ الفقيهي ص"٨٩-٩١"، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٢٩٨-٣٠٠". فَتبين من هَذَا أَن لَهُ طرقًا تبلغ بِهِ دَرَجَة الصِّحَّة، قَالَ ابْن مَنْدَه فِي الْمصدر السَّابِق ص"٩١": "رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عشرَة مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، ونقلها عَنْهُم أَئِمَّة الْبِلَاد، من أهل الشرق والغرب". قلت: وَلَيْسَ فِي مَتنه غرابة؛ إِذْ الرُّؤْيَة الْمَقْصُود بهَا هُنَا رُؤْيا منامية كَمَا هُوَ مَفْهُوم من بعض طرقه، وَبِذَلِك فسره عُثْمَان بن سعيد ﵀، وَبِه قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣٨٧/٣، وَانْظُر بسط الْكَلَام فِي شرح هَذَا الحَدِيث وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من فَوَائِد فِي كتاب: "اخْتِيَار الأولى فِي شرح حَدِيث اختصام الْمَلأ الْأَعْلَى"/ لِابْنِ رَجَب/ تَصْحِيح وَتَعْلِيق مُحَمَّد مُنِير الدِّمَشْقِي. وَانْظُر بسط الْكَلَام أَيْضا عَلَيْهِ فِي الْقسم السَّابِع من بَيَان تلبيس الْجَهْمِية/ لِابْنِ تَيْمِية/ رِسَالَة دكتوراة/ تَحْقِيق د. مُحَمَّد البريدي مُجَلد ٢٤٤/١-٣٠١.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ١: أَتَانِي رَبِّي مِنْ خَلْقِهِ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ فَأَتَتْنِي٢ تِلْكَ الصُّورَةُ، وَهِيَ غَيْرُ اللَّهِ، وَاللَّهُ فِيهَا مُدبر، وضع٣ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ فِي صَدْرِي، يَعْنِي تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْأَنَامِلُ لِتِلْكَ الصُّورَةِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: كَمْ تَدْحَضُ فِي قَوْلِكَ وَتَرْتَطِمُ٤ فِيمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم، أرأتك إِذَا ادَّعيت أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ صُورَةً مِنْ خَلْقِ اللَّهِ سِوَى اللَّهِ أَتَتْهُ، فَيُقَالُ لَهُ٥: هَلْ تَدْرِي يَا محمدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ أَفَتَتَأَوَّلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَجَابَ صُورَةَ غَيْرِ اللَّهِ: لَا يَا رَبِّ لَا أَدْرِي٦ فَدَعَاهَا رَبًّا، دُونَ اللَّهِ، أَمْ أَتَتْهُ صُورَةٌ مَخْلُوقَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَتَانِي رَبِّي"؟ إِنَّ هَذَا لَكُفْرٌ٧ عَظِيمٌ ادَّعَيْتَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَيَّةُ صُورَةٍ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَن يُقال". ٢ فِي ط، ش "فانتقى" بِالْقَافِ، وَفِي س "فَانْتفى" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي ط، س، ش "فَوضع". ٤ يُقَال: رَطَمَه أَي أوحلَه فِي الْأَمر لَا يخرج مِنْهُ فارتطم، وارتَطَم عَلَيْهِ الْأَمر لم يقدر على الْخُرُوج مِنْهُ، وَالشَّيْء ازْدحم عَلَيْهِ وتراكم "بِتَصَرُّف من الْقَامُوس الْمُحِيط ١٢٠/٤-١٢١". ٥ كَذَا فِي الأَصْل وس، وَفِي ط، ش "فَقَالَت لَهُ". ٦ فِي ط، س، ش "فَقَالَ لَهَا: يَا رب لَا أَدْرِي". ٧ فِي ط، س، ش "إِن هَذَا كفر عَظِيم"
[ ٢ / ٧٣٥ ]
تَضَعُ أَنَامِلَهَا وَكَفَّهَا فِي كَتِفِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَتَجَلَّى لَهُ بِذَلِكَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ غَيْرُ اللَّهِ؟ فَفِي دَعْوَاكَ ادَّعَيْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِصُورَةٍ مَخْلُوقَةٍ غَيْرِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِكَ أَنَّ الصُّورَةَ قَالَتْ لَهُ: "هَلْ تَدْرِي يَا مُحَمَّدُ" فَقَالَ لَهَا١: يَا رَبِّ٢، وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صُورَةٌ مَخْلُوقَةٌ تَضَعُ أَنَامِلَهَا فِي كَتِفِ نَبِيٍّ مِثْلِ مُحَمَّدٍ، فَيَتَجَلَّى لَهُ بِذَلِكَ٣ فِيمَا بَيْنَ٤ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أُمُورٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا قلَّ ٥ أَنْ تَضَعَ تِلْكَ الصُّورَةُ كَفَّهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ وَيْحَكَ! لَا يُمْكِنُ هَذَا جِبْرِيل٦ وَلَا مِيكَائِيل٧
_________________
(١) ١ فِي ش "يُقَال لَهَا". ٢ فِي ط، ش "لَا يَا رب". ٣ فِي ط، س، ش "فِي ذَلِك". ٤ فِي ط، ش "مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض"، وَفِي س "بَين السَّمَاء وَالْأَرْض". ٥ فِي ط، س، ش "من قبل". ٦ فِي ط، س "لجبريل". قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص”٣٨٩". ٧، ٨ مِيكَائِيل وإسرافيل ملكان من رُؤَسَاء الْأَمْلَاك الثَّلَاثَة، وَكَانَ النَّبِيِّ ﷺ يتوسل إِلَى الله بربوبيته الْخَاصَّة لهَؤُلَاء الْأَمْلَاك الثَّلَاثَة الموكلين بِالْحَيَاةِ، فَيَقُول: "اللَّهُمَّ رب جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل، فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض، عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة، أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهدني لما اخْتلف فِيهِ من الْحق فإذنك، إِنَّك تهدي من تشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم"، وَمِيكَائِيل هُوَ الْمُوكل بالقطر الَّذِي بِهِ حَيَاة الأَرْض والنبات وَالْحَيَوَان، وإسرافيل هُوَ الْمُوكل بالنفخ فِي الصُّور الَّذِي بِهِ حَيَاة الْخلق بعد مماتهم، كَمَا أَن جِبْرِيل مُوكل بِالْوَحْي الَّذِي بِهِ حَيَاة الْقُلُوب والأرواح، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الْبَقَرَة، آيَة "٩٨"]، وَانْظُر: إغاثة اللهفان ١٢٨/٢-١٢٩.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
وَلَا إِسْرَافِيلُ٨، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا غَيْرُ اللَّهِ، فَكَمْ١ تَجْلِبُ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْجَهْلِ وَالْخَطَإِ، وَتَتَقَلَّدُ مِنْ تَفَاسِيرِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ٢، مَا لَمْ يَرْزُقْكَ اللَّهُ مَعْرِفَتَهَا، وَلَا تَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَجُرَّكَ ذَلِكَ إِلَى الْكُفْرِ كَالَّذِي تَأَوَّلْتَ٣ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ صُورَةً مَخْلُوقَةً كَلَّمَتْهُ فَأَجَابَهَا مُحَمَّدٌ: "يَا رَبِّ"، أَمِ اللَّهُ صُورَةٌ لَمْ يَعْرِفْهَا، فَقَالَ: "أَتَانِي رَبِّي" لِمَا أَنَّ اللَّهَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مُدَبِّرٌ؟ فَفِي٤ دَعْوَاكَ يَجُوزُ لَكَ كُلَّمَا رَأَيْتَ كَلْبًا أَوْ حِمَارًا أَوْ خِنْزِيرًا قُلْتَ: "هَذَا رَبِّي" لِمَا أَنَّ اللَّهَ مُدَبِّرٌ فِي صُوَرِهِمْ فِي دَعْوَاكَ٥، وَجَازَ لِفِرْعَوْنَ٦ فِي دَعْوَاكَ أَنْ يَقُولَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ٧ لِمَا أَنَّ اللَّهَ مُدَبِّرٌ فِي صُورَتِهِ بِزَعْمِكَ، وَهَذَا أَبْطَلُ بَاطِلٍ، لَا يَنْجَعُ٨ إِلَّا فِي أَجْهَلِ جَاهِلٍ.
وَيْلَكَ! إِنَّ تَأْوِيلَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، لِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيث أبي ذرح "أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ"١٠، وَقَالَ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "فَلم" ٢ فِي ط، س، ش "الضعيفة". ٣ فِي ط، س، ش "أَن يجرك الله بذلك إِلَى كفر بِالَّذِي تأولت". ٤ فِي س "فِي دعواك" ٥ قلت: هَذ من قُوَّة اندفاع الدَّارمِيّ فِي الرَّد على المبتدعة، وَالسُّكُوت عَنْهَا أشبه بمنهج السّلف كَمَا قَالَ الذَّهَبِيّ ﵀، انْظُر: مُخْتَصر الْعُلُوّ للذهبي، اخْتِصَار وَتَحْقِيق نَاصِر الألباني ص"٢١٣-٢١٤". ٦ فِرْعَوْن، تقدم ص"١٦٥". ٧ سُورَة النازعات، آيَة "٢٤". ٨ مُرَاده أَنه لَا يُؤثر إِلَّا على أَجْهَل جَاهِل، قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ٤٣/٢ مَادَّة "نجع": "وَقد نجع فِيهِ الْخطاب، والوعظ، والدواء، أَي دخل فِيهِ وَأثر". ٩ أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ ﵁، تقدم ص"٣٦٣". ١٠ لَعَلَّه أَرَادَ معنى حَدِيث أبي ذَر الْمُتَقَدّم ص"٣٦٣"
[ ٢ / ٧٣٧ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا" ١، وَقَالَتْ عَائِشَةُ٢ ﵂: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ"٣، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى٤: ﴿لَا تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ﴾ ٥ يَعْنُونَ أَبْصَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الرُّؤْيَةُ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ، وَفِي الْمَنَام يُمكن رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى٦ عَلَى كُلِّ حَال وَفِي كل صُورَة.
_________________
(١) ١ جَاءَ فِي مُسلم عَن بعض أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْفُوعا بِلَفْظ "تعلمُوا أَنه لن يرى أحد مِنْكُم ربه ﷿ حَتَّى يَمُوت". انْظُر: صَحِيح مُسلم/ تَرْتِيب مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الْفِتَن/ بَاب ذكر ابْن صياد حَدِيث ١٦٩، ٢٢٤٥/٤. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه/ تَرْتِيب وترقيم مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الْفِتَن/ بَاب فتْنَة الدَّجَّال وَخُرُوج عِيسَى/ حَدِيث ٤٠٧٧، ١٣٥٩/٢-١٣٦٠ بِسَنَدِهِ إِلَى أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ مَرْفُوعا، وَفِيه: "وَلَا ترَوْنَ ربكُم حَتَّى تَمُوتُوا " الحَدِيث. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٣٢٤/٥ عَن عبَادَة بن الصَّامِت مَرْفُوعا، وَفِي آخِره: "وَإِنَّكُمْ لن ترَوْنَ ربكُم ﵎ حَتَّى تَمُوتُوا" قَالَ يزِيد: "تروا ربكُم حَتَّى تَمُوتُوا". وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي السّنة/ بتخريج الألباني/ بَاب ذكر قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا" / الْأَحَادِيث ٤٢٨، ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣١ ١٨٦/١-١٨٧ من طرق، والآجري فِي الشَّرِيعَة ٣٧٥ عَن عبَادَة مَرْفُوعا. ٢ عَائِشَة ﵂، تقدّمت ص”٢٥٢". ٣ الحَدِيث تقدم تَخْرِيجه ص”٧٢٦". ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٠٣". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبِلٍ١ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي، فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ" ٢، فَحِينَ وُجِدَ هَذَا لِمُعَاذٍ٣ كَذَلِكَ صُرِفَتِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا إِلَى مَا قَالَ مُعَاذٌ، فَهَذَا تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا مَا ذَهَبْتَ٤ إِلَيْهِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْخُرَافَاتِ، فَزَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ صُورَةً فِي الْيَقَظَةِ كَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: يَا رَبِّ، غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ لَوْ دَرَيْتَ أَنَّهُ يُخْرِجُكَ تَأْوِيلُكَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ لَأَمْسَكْتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ عَلَى حَدِّ الْحِوَارِ٥ آمِنًا مِنَ الْجَوَابِ غَارًّا أَنْ يُنْتَقَدَ عَلَيْكَ.
وَقَدْ رَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ الْأَعْمَشِ٦ عَنْ أَبِي وَائِلٍ٧ قَالَ: "بَيْنَمَا
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَكَذَلِكَ روى معَاذ بن جبل ﵁" قَالَ فِي التَّقْرِيب: "معَاذ بن جبل بن عَمْرو بن أَوْس الْأنْصَارِيّ، الخزرجي، أَبُو عبد الرَّحْمَن، من أَعْيَان الصَّحَابَة، شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا، وَكَانَ إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي الْعلم بِالْأَحْكَامِ وَالْقُرْآن، مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة، مَشْهُور/ ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢٥٥/٢، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٣٣٥/٣-٣٤١، وَأسد الغابة ٣٧٦/٤-٣٧٨، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٤٠٦/٣-٤٠٧، وتهذيب التَّهْذِيب ١٨٦/١٠-١٨٨. ٢ تقدم تَخْرِيجه ص"٧٣٣"، وَفِي بعض طرقه عَن معَاذ كَمَا أخرج ذَلِك التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع وَالْإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده، وَابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد، وَغَيرهم وَطَرِيق معَاذ هُنَا تفسر المُرَاد بالرؤيا وَأَنَّهَا منامية. ٣ فِي ط، س، ش "لِمعَاذ بن جبل". قلت: تقدّمت تَرْجَمته قَرِيبا. ٤ فِي س "إِلَّا مَا ذهبت"، وَسِيَاق الأَصْل أوضح. ٥ لم تعجم فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "الْجَوَاز" بِالْجِيم وَآخره زَاي. ٦ الْأَعْمَش، تقدم ص"١٥٧". ٧ أَبُو وَائِل شَقِيق ابْن سَلمَة، تقدم ص"٧٥٣".
[ ٢ / ٧٣٩ ]
عَبْدُ اللَّهِ١ يُمَجِّدُ رَبَّهُ إِذْ قَالَ مِعْضَدٌ٢: نِعْمَ الْمَرْءُ رَبُّنَا٣ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي أُجِلُّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"٤.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ فِي تَفْسِيرِهِ تَخْلِيطًا مِنَ الْكَلَامِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: الشَّخْصُ فِي قَوْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهَ، فَأَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَعْنِي الشَّيْءَ٥ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ شَخْصًا، وَاللَّهُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ شَيْءٌ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُعَارِضُ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَهَذَا مَحْض الزندقة٦
_________________
(١) ١ عبد الله هُوَ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٢ فِي ط، ش "معضل"، وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، قلت: هُوَ معضد بن يزِيد الْعجلِيّ، ويكنى أَبَا زِيَاد، وَكَانَ من الْمُجْتَهدين الْعباد، وَكَانَ خرج هُوَ وعدة من أَصْحَاب عبد الله إِلَى الْجَبانَة يتعبدون فَأَتَاهُم عبد الله فنهاهم عَن ذَلِك، وغزا أذربيجان فِي خلَافَة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁، وَعَلَيْهَا الْأَشْعَث بن قيس فَقتل بهَا شَهِيدا، وَقَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: "لَا أعرف لعضد مَعَ شهرته بِالْعبَادَة مُسْندًا مُتَّصِلا"، انْظُر: طَبَقَات ابْن سعد/ طبعة بيروت/ ١٦٠/٦، والحلية لأبي نعيم ١٥٩/٤-١٦٠. ٣ فِي ط، ش "نعم المرئي". ٤ أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات/ بَاب مَا ذكر فِي النَّفس/ ص"٢٨٨-٢٨٩" قَالَ: أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ، نَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب نَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي، نَا جَعْفَر بن عون، أَنا الْأَعْمَش عَن أبي وائلة قَالَ: "بَيْنَمَا عبد الله يمدح رَبَّهُ إِذْ قَالَ مِعْضَدٌ: نِعْمَ الْمَرْء هُوَ، قَالَ: فَقَالَ عبد الله: إِنِّي لأَجله، لَيْسَ كمثله شَيْء". ٥ فِي ط، ش "أَنه يَعْنِي بِهِ أَن الشَّيْء"، وَفِي س "أَنه يَعْنِي أَن بِهِ الشَّيْء". ٦ الزندقة، انْظُر: الزَّنَادِقَة، انْظُر: الزَّنَادِقَة ص"٥٣١".
[ ٢ / ٧٤٠ ]
لِأَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ الْأَشْيَاءِ، وَأَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ١ وَخَالِقُ الْأَشْيَاءِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ ٢ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٤ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ٥ عَنِ الزُّبَيْرِ أَبِي عَبْدِ السَّلَامِ٦ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ٧ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ٨: "وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نُورٍ مَخْلُوقٍ إِلَّا وَلَهُ مَرْأًى٩ وَمَنْظَرٌ، فَكَيْفَ النُّور الْأَعْظَم خَالق الْأَنْوَار١٠".
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "لِأَن الله أعظم الْأَشْيَاء وأكبر الْأَشْيَاء". ٢ سُورَة الشورى، آيَة "١١". ٣ قَوْله: "﵁" لَيست فِي ط، س، ش، وَانْظُر تَرْجَمته ص"١٩٠". قلت: والمأثور عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنه قَالَ: "نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجهه" قِطْعَة من الحَدِيث الْمُتَقَدّم تَخْرِيجه ص "٤٧٥". ٤ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٥ حَمَّاد بن سملة، تقدم ص"١٨٧". ٦ فِي ش "عَن أبي عبد السَّلَام". قلت: واسْمه الزبير، انْظُر تَرْجَمته ص"٤٧٥". ٧ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ، تقدم ص"٤٧٥". ٨ فِي ط، س، ش "عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁"، انْظُر تَرْجَمته ص"١٩٠". ٩ فِي ط، ش "منزل ومنظر". ١٠ لم أَقف فِيمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من مظان وجوده على من خرج هَذَا القَوْل مَنْسُوبا إِلَى ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁، وَالَّذِي اسْتَظْهرهُ -وَالله أعلم- أَن هَذَا من كَلَام الدَّارمِيّ ﵀، والإسناد الْمَذْكُور مُتَعَلق بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم قبله لِابْنِ مَسْعُود، وَهُوَ قَوْله: "نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجهه"، وَقد سبق وُرُوده، وتخريجه بِهَذَا السَّنَد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ص"٤٧٥" فَلْيتَأَمَّل. وعَلى فرض نسبته إِلَى ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁، فَإِن فِي إِسْنَاده ضعفا تقدم بَيَانه ص"٤٧٥".
[ ٢ / ٧٤١ ]