وَاحْتَجَجْتَ١ فِي رَدِّ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَرَاهِيَةِ طَلَبِهَا، وَالِاشْتِغَالِ بِجَمْعِهَا، بِحِكَايَةٍ حَكَيْتَهَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ٢ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ عِدَدِ الْمَوْتِ"٣.
وَبِقَوْلِ شُعْبَةَ٤ "إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَصُدُّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَعَن الصَّلَاة،
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "ثمَّ احتججت". ٢ سُفْيَان الثَّوْريّ، تقدم ص”٢٦٨". ٣ أخرجه ابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله، ١٥٨/٢ بِسَنَدِهِ إِلَى سُفْيَان بِلَفْظ: "لَيْسَ طلب الحَدِيث من عدَّة الْمَوْت وَلكنه عِلّة يتشاغل بِهِ الرجل". وأبونعيم فِي الْحِلْية، الطبعة الثَّانِيَة ٣٦٤/٦ عَن سُفْيَان بِلَفْظ: "لَيْسَ هَذَا الحَدِيث من عدَّة الْمَوْت" وَمن طَرِيق آخر عَن سُفْيَان أَيْضا بِلَفْظ ابْن عبد الْبر. وَذكره الذَّهَبِيّ فِي تذكرة الْحفاظ ٢٠٤/١-٢٠٥ قَالَ: قَالَ أَبُو أُسَامَة: سَمِعت سُفْيَان يَقُول: "لَيْسَ طلب الحَدِيث من عدَّة الْمَوْت، لكنه عِلّة يتشاغل بهَا الرجل". قَالَ الذَّهَبِيّ: قلت: صدق وَالله، إِن طلب الحَدِيث شَيْء غير الحَدِيث، فَطلب الحَدِيث اسْم عرفي لأمور زَائِدَة على تَحْصِيل مَاهِيَّة الحَدِيث، وَكثير مِنْهَا مراق إِلَى الْعلم، وأكثرها أُمُور يشغف بهَا الْمُحدث من تَحْصِيل النّسخ المليحة وتطلب العالي وتكثير الشُّيُوخ والفرح بِالْأَلْقَابِ وَالثنَاء، وتمني الْعُمر الطَّوِيل ليروي، وَحب التفرد، إِلَى أُمُور عديدة لَازِمَة للأغراض النفسانية لَا الْأَعْمَال الربانية إِلَخ. وَانْظُر فِيمَا يلْزم من إخلاص النِّيَّة فِي طلب الحَدِيث: الإلماع ص"٥٤-٦١". ٤ شُعْبَة، تقدم ص"٢٥٠".
[ ٢ / ٦٥٠ ]
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ "١ وَبِقَوْلِ٢ ابْنِ الْمُبَارَكِ٣: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رِحْلَتِي فِي الْحَدِيثِ"٤.
فَتَوَهَّمْتَ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا طَعْنٌ فِي الْآثَارِ وَكَرَاهِيَةٌ مِنْهُم لجمعها
_________________
(١) ١ أخرجه ابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله ١٥٩/٢، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَارِث بن سُفْيَان قَالَ: حَدثنَا قَاسم بن أصبغ قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ: حَدثنَا عبيد الله بن عمر قَالَ: حَدثنَا يحيى بن سعيد الْقطَّان، قَالَ: سَمِعت شُعْبَة يَقُول: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَصُدُّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَهَلْ أَنْتُم مُنْتَهُونَ؟، وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ١٥٦/٧ من طَرِيق آخر عَن شُعْبَة بِلَفْظِهِ، وَأخرجه الْبَغْدَادِيّ فِي شرف أَصْحَاب الحَدِيث/ تَحْقِيق د. مُحَمَّد سعيد أوغلي/ ص”١١٤"، بِسَنَدِهِ عَن شُعْبَة بِلَفْظِهِ. قَالَ الْبَغْدَادِيّ: "قَالَ أَبُو خَليفَة -وَيُرِيد شُعْبَة﵀: أَن أَهله يضيعون الْعَمَل بِمَا يسمعُونَ مِنْهُ، ويتشاغلون بالمكاثرة بِهِ أَو نَحْو ذَلِك، والْحَدِيث لَا يصد عَن ذكر الله، بل يهدي إِلَى أَمر الله" ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَسُئِلَ عَن قَول شُعْبَة فَقَالَ: لَعَلَّ شُعْبَة كَانَ يَصُوم، فَإِذا طلب الحَدِيث وسعى فِيهِ يضعف فَلَا يَصُوم، أَو يُرِيد شَيْئا من أَعمال الْبر فَلَا يقدر أَن يَفْعَله للطلب، فَهَذَا مَعْنَاهُ". ٢ فِي ش "وَيَقُول". ٣، ٤ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص”١٤٣" قلت: وَلم أَقف على هَذَا الْمَأْثُور عَن ابْن الْمُبَارك بنصه، وَفِي شرف أَصْحَاب الحَدِيث للبغدادي/ تَحْقِيق مُحَمَّد سعيد أوغلي ص”١٠٨-١٠٩" بِسَنَدِهِ إِلَى عَليّ بن أَحْمد السواق، قَالَ: حَدثنَا زَكَرِيَّا بن عدي قَالَ: رَأَيْت ابْن الْمُبَارك فِي النّوم، فَقلت: مَا صنع الله بك؟ قَالَ: غفر لي برحلتي. وَمن طَرِيق آخر إِلَى أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ قَالَ: سَمِعت الْعَلَاء يَقُول: أَخْبرنِي رجل قَالَ: رَأَيْت عبد الله بن الْمُبَارك فِي الْمَنَام، فَقلت: مَا فعل الله بك؟ قَالَ: غفر لي برحلتي فِي الحَدِيث. وَفِي تذكرة الْحفاظ/ بتحقيق شُعَيْب الأرناؤوط ٨/ ٣٧٠ عَن نَوْفَل بِمثلِهِ.
[ ٢ / ٦٥١ ]
وَاسْتِعْمَالِهَا، وَقَدْ أَخْطَأْتَ الطَّرِيقَ وَغَلِطْتَ فِي التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ عَنْهُمْ١ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا٢ هَذِهِ الْآثَارَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا طَلَبَهُ٣ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَلَكِنْ خَافُوا أَنْ يَكُونَ٤ قَدْ خَالَطَ ذَلِكَ بَعْضُ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ٥ بِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُمْ إِذَا جَمَعُوهَا وَكَتَبُوهَا لَمْ يَقُومُوا بِالْعَمَلِ بِهَا الَّذِي٦ يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَيَصِيرُ٧ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا أَزْرَوْا٨ فِيمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ٩ بِأَنْفِسِهِمْ لَا بِالْعِلْمِ وَالْأَحَادِيثِ. كَمَا تَفْعُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ. وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُمْ مِنْ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ -كَمَا ادَّعيت عَلَيْهِمْ- مَا صَنَّفُوهَا وَنَقَلُوهَا إِلَى الْأَنَامِ، وَلَا دَعَوْهُمْ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا وَالْأَخْذِ بِهَا، فَيُشْرِكُوهُمْ فِي إِثْم مَا وَقَعُوا
_________________
(١) ١ لَفْظَة "عَنْهُم" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ فِي ط، ش "لَا يعدون"، وَفِي س "لَا يعدوا"، قلت: وَلَا مُوجب لحذف النُّون فِي س. ٣ فِي ط، ش "طلبَهَا". ٤ فِي ط، س، ش "أَن قد خالط" وَلَعَلَّ لَفْظَة "يكون" سَقَطت. ٥ فِي طن ش "أَو الاستطالة" ٦ فِي ط، ش "كَالَّذي". ٧ لم يعجم أَولهَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "وَيصير" ٨ أزروا بِأَنْفسِهِم أَي: عابوها، قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٣٣٨/٤ مَادَّة "زرى": "زر عَلَيْهِ زريًا وزراية زريانًا: عابَه وعاتبه كأزرى لكنه قَلِيل، وتزرّى وأزرى بأَخيه: أَدخل عَلَيْهِ عَيْبا أَو أمرا يُرِيد أَن يلبس عَلَيْهِ بِهِ، وبالأمر: تَهاونَ" بِتَصَرُّف. ٩ لَفْظَة "عَنْهُم" لَيْسَ فِي ط، س، ش وتزيد الْمَعْنى وضوحًا.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
فِيهِ١، وَمَنْ يَظُنُّ بِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُكَ بَعْدَ الَّذِي رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "حدِّثوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ"٢، وَقَالَ: "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَبَلَّغَهَا غَيْرَهُ" ٣، وَقَوْلَهُ: "لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُم الْغَائِب" ٤،
_________________
(١) ١ فِي س "مَا وقفُوا فِيهِ" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٢ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه/ تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الزّهْد وَالرَّقَائِق/ بَاب التثبت فِي الحَدِيث وَحكم كِتَابَة الْعلم/ حَدِيث ٧٢، ٢٢٩٨/٤ عَن أبي سعيد مَرْفُوعا فِي آخِره بِلَفْظ: "حدثوا عني وَلَا حرج، وَمن كذب عليَّ -قَالَ همام: أَحْسبهُ قَالَ: مُتَعَمدا- فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار". وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ١٢/٣-١٣ عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي الْمسند أَيْضا ٤٦/٣، ٥٦ عَن أبي سعيد مَرْفُوعا فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "حدثوا عني وَلَا تكذبوا عَليّ.. إِلَخ ". وَأخرجه القَاضِي عِيَاض فِي الإلماع/ تَحْقِيق أَحْمد صقر/ الطبعة الأولى ص"١١-١٢" بِإِسْنَادِهِ إِلَى أنس مَرْفُوعا بِلَفْظ: "حدثوا عني كَمَا سَمِعْتُمْ وَلَا حرج.. الحَدِيث ". ٣ تقدم تَخْرِيجه ص"٦٤٠" ٤ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه، الْفَتْح/ كتاب الْعلم/ بَاب ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب/ حَدِيث ١٠٤، ١٩٧/١-١٩٨ عَن أبي شُرَيْح مَرْفُوعا فِي آخِره بِلَفْظ: "وليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب"، وَانْظُر أَيْضا: الْمصدر نفس الْأَحَادِيث "١٨٣٢، ٤٢٩٥، ٤٤٠٦". وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه/ تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الْقسَامَة/ بَاب تَغْلِيظ تَحْرِيم الدِّمَاء والأعراض وَالْأَمْوَال/ حَدِيث ٢٩، ١٣٠٥/٣ عَن أبي بكرَة مَرْفُوعا فِي آخِره بِلَفْظ: "أَلا ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب".، وَفِي الحَدِيث بعده عَن أبي بكرَة مَرْفُوعا فِي آخِره: "فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب". وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٣٧/٥ عَن أبي بكرَة مَرْفُوعا فِي آخِره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه/ تَحْقِيق مُحَمَّد فؤاد/ الْمُقدمَة، حَدِيث ٢٣٣، ٨٥/١ عَن أبي بكرَة مَرْفُوعا، وَانْظُر الْمصدر نَفسه الْأَحَادِيث: "٢٣٤، ٢٣٥".
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وَقَوْلَهُ: "طَلْبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" ١، وَقَوْلَهُ: "مَا سَلَكَ رجلٌ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهَا عِلْمًا إِلَّا سهَّل اللَّهُ بِهِ ٢ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ" ٣، وَقَوْلَهُ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ" ٤.
وَهِيَ هَذِهِ الْآثَارُ، وَهِيَ أُصُولُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَمَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي حضَّ٥ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى طَلَبِهَا وَإِبْلَاغِهَا وَأَدَائِهَا٦ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهَا عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَا حكيت عَن
_________________
(١) ١ تقدم تَخْرِيجه ص"٦٣٨". ٢ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، ش "سهّل الله لَهُ بهَا" وَفِي س: "سهل الله لَهُ بِهِ"، وَفِي سنَن ابْن مَاجَه: "سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة". ٣ قلت: هُوَ قِطْعَة من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء الْمُتَقَدّم تَخْرِيجه ص"٦٣٨". وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه/ تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الذّكر وَالدُّعَاء/ بَاب فضل الِاجْتِمَاع على تِلَاوَة الْقُرْآن حَدِيث ٢٦٩٩، ٢٠٧٤/٤ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما، سهل الله لَهُ بِهِ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة". وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي سنَنه/ إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس/ أَبْوَاب الْعلم/ بَاب فضل طلب الْعلم/ حَدِيث ٢٦٤٨، ٣٠٠/٧-٣٠١ عَن أبي هُرَيْرَة بِمثل لفظ مُسلم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي سنَنه/ إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد/ كتاب الْعلم/ بَاب الْحَث على الْعلم/ حَدِيث ٣٦٤٣، ٥٩/٤ عَن أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ. ٤ تقدم ص”٦٣٨" من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء. ٥ فِي س "خص" بالصَّاد الْمُهْملَة وَمَا أثْبته أوضح. ٦ فِي س "أودّاها".
[ ٢ / ٦٥٤ ]
سُفْيَانَ١ وَشُعْبَةَ٢ وَابْنِ الْمُبَارَكِ٣ عَلَى خِلَافِ مَا تَأَوَّلْتَهُ.
وَيْحَكَ! إِنَّمَا قَالَ الْقَوْمُ هَذَا تَخَوُّفًا عَلَى أَنْفِسِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أُوتُوا مِنْهُ الْكَثِيرَ فَلَمْ يُوَفَّقُوا لِاتِّبَاعِهِ كَمَا يَجِبُ، وَلَمْ يَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ؛ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَمْ يَتَأَدَّبُوا بِأَحْسَنِ آدَابِهِمْ.
فَقَدْ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى٤ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ٥: "طَلَبْنَا الْعِلْمَ فَأَصَبْنَا مِنْهُ شَيْئًا، فَطَلَبْنَا الْأَدَبَ فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ مَاتُوا"٦ وَكَمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ٧: "زَيَّنَ الْعِلْمَ حِلْمُ أَهْلِهِ"٨، وَكَمَا قَالَ ابْن سِيرِين٩: "ذهب
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "سُفْيَان الثَّوْريّ" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص”٢٦٨". ٢ شُعْبَة، تقدم ص"٢٥٠". ٣ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٤ يحيى بن يحيى بن كثير، تقدم ص"١٥١". ٥ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٦ أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ١٦٩/٨ من طَرِيق الْوَلِيد بن عتبَة قَالَ: قَالَ عبد الله ابْن الْمُبَارك: "طلبنا الْأَدَب حِين فاتنا المؤدبون". ٧ الشّعبِيّ، تقدم ص"١٦٨". ٨ أخرجه الدَّارمِيّ فِي سنَنه/ تَحْقِيق وَتَخْرِيج عبد الله هَاشم/ بَاب صِيَانة الْعلم/ الْأَثر رقم ٨٥٣، ٥٨٥، ١١٦/١ من طَرِيقين عَن الشّعبِيّ بِلَفْظِهِ، وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ٣١٨/٤ بِسَنَدِهِ عَن الشّعبِيّ بِلَفْظِهِ. ٩ ابْن سِيرِين، تقدم ص"١٨١".
[ ٢ / ٦٥٥ ]
الْعِلْمُ وَبَقِيَ مِنْهُ غُبْرَاتٌ١ فِي أَوْعِيَةِ سُوءٍ"٢. وَكَانَ تَخَوُّفُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْحِكَايَاتِ الَّتِي حَكَيْتَهَا عَنْهُمْ، عَسَى أَنْ لَمْ يُرْزَقُوا هَذِهِ الْآدَابَ٣ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِلْمُ٤، حَتَّى يَخْلُصَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى٥، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِعْظَامًا لِلْعِلْمِ وَإِجْلَالًا لَهُ، لَا اسْتِخْفَافًا بِهِ وَتَعْرِيضًا لِإِبْطَالِهِ، كَمَا فَعَلْتَ أَنْتَ.
وَسَمِعْتُ الطَّيَالِيسِيَّ أَبَا٦ الْوَلِيدِ أَنَّهُ سمع
_________________
(١) ١ لم يعجم أَولهَا فِي الأَصْل، وَقد أثبتها بالغين الْمُعْجَمَة كَمَا فِي ط، س، ش، وكما هُوَ عِنْد ابْن عب الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله، انْظُر تَخْرِيجه بعد سطو. قلت: والغبرات: البقايا، قَالَ الفيروز ىبادي فِي الْقَامُوس ٩٩/٢ مَادَّة "غبر": "وغبر الشَّيْء بِالضَّمِّ بَقِيَّته كغبره جمعه أغبار وَغلب على بَقِيَّة دم الْحيض وَبَقِيَّة اللَّبن فِي الضَّرع" بِتَصَرُّف. ٢ فِي الأَصْل "سَوَاء" وَفِي س "سواهُ" وَلَا يَتَّضِح بهما الْمَعْنى، وَفِي ط، ش "سَوْدَاء"، وَقد أثبتها "سوء" لموافقتها للفظ ابْن عبد الْبر، وَقد أخرجه فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله ١٨٥/١ قَالَ: أخبرنَا عبد الْوَارِث قَالَ: حَدثنَا قَاسم قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ: حَدثنَا الْوَلِيد بن سجاع قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن أُسَامَة عَن إِسْمَاعِيل -يَعْنِي ابْن مُسلم- عَن ابْن سِيرِين قَالَ: "ذهب الْعلم، فَلم يبْق إِلَّا غبرات فِي أوعية سوء" انْتهى. ٣ فِي ط، س، ش "هَذَا الْأَدَب" ٤ ف ط، س، ش "إِلَيْهِ للْعلم". ٥ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ فِي الأَصْل لم تتضح، وَهِي قريبَة من لفظ "أنبأ الْوَلِيد" وَقد أثبتها "أَبَا الْوَلِيد" كَمَا فِي ط، س، ش وكما هُوَ فِي إِسْنَاد ابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله ٢٨/٢، وَقد وجدت فِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ١٤٤٢/٣ أَنه روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قلت: وَهُوَ هِشَام بن عبد الْملك، الْبَاهِلِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ الْبَصْرِيّ، ثِقَة ثَبت، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَله أَربع وَتسْعُونَ/ ع "التَّقْرِيب ٣١٩/٢".
[ ٢ / ٦٥٦ ]
ابْنَ عُيَيْنَةَ١ يَقُولُ: "طَلَبْتُ هَذَا الْعِلْمَ يَوْمَ طَلَبْتُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَعْقَبَنِي مَا تَرَوْنَ"٢.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ٣: "لَمْ أَعْرِفْ٤ لِنَفْسِي يَوْمَ طَلَبْتُهُ تِلْكَ النِّيَّةَ الْخَالِصَةَ، فَأَعْقَبَنِي مِنْهُ أَنِّي اشغلت بِتَحْدِيثِ النَّاسِ بِهِ لَا بِالْعَمَلِ بِهِ، وَالزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْعِبَادَةِ".
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ٥ أَنَّهُ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ"٦ أَيْ لَمَّا أَنَّ الَّذِي سَأَلْتُ عَنْهُ صَارَ عَلَيَّ حُجَّةً.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ٧ أَيْضًا: "إِنَّا لسنا بفقهاء، وَلَكنَّا رُوَاة
_________________
(١) ١ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، تقدم ص"١٧٥". ٢ أخرجه ابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله ٢٨/٢ من طَرِيق عَبَّاس السندي قَالَ: سَمِعت أَبَا الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ يَقُول: سَمِعت ابْن عُيَيْنَة مُنْذُ أَكثر من سِتِّينَ سنة يَقُول: طلبنا هَذَا احديث لغير الله، فأعقبنا مَا ترَوْنَ". ٣ قلت: هُوَ أبوسعيد الدَّارمِيّ. ٤ فِي ط، ش، طيقول: لم أعرف" وَهُوَ أوضح. ٥، ٦ الشّعبِيّ، تقدم ص"١٦٨". ٧ أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ٣١٣/٤ عَن الشّعب بِمَعْنَاهُ، وَفِي شرف أَصْحَاب الحَدِيث للبغدادي/ تَحْقِيق د. مُحَمَّد سعيد أوغلي ص"١١٨" بِسَنَدِهِ عَن مَالك شَيْئا" قَالَ الْبَغْدَادِيّ: "إِنَّمَا قَالَ ذَلِك الشّعبِيّ مُخَالفَة أَن لَا يقوم بِحقِّهِ وَلَا بشكره". وَفِي طَبَقَات ابْن سعد/ طبعة بيروت/ ٢٥٠/٦ من طَرِيق سُفْيَان قَالَ: أَخْبرنِي من سمع الشّعبِيّ يَقُول: "لَيْتَني انفلت من علمي كفافًا لَا عَليّ وَلَا لي وبمثله فِي التَّذْكِرَة للذهبي ٨٨/١.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
الْحَدِيثِ"١ وَكَمَا قَالَ الْحَسَنُ٢: "هَلْ رَأَيْت فقهيًا قَطُّ؟ إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي، بِنَشْرِ٣ حُكْمِ اللَّهِ فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللَّهَ"٤.
فَتَخَوَّفَ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَدْ كَانُوا أَهْلَهُ، وَمَا زَادَهُمْ تَخَوُّفُهُمْ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا حُبًّا وعِظمًا٥، وَلِلْعِلْمِ تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا؛ إِذْ خَافُوا أَنْ لَا يَكُونُوا من صالحي أوعيته.
_________________
(١) ١ أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ٣١١/٤ عَن الشّعبِيّ بِلَفْظ: "يَا معشر الْعلمَاء، يَا معشرالفقهاء، لسنا بفقهاء، وَلَا عُلَمَاء، وَلَكنَّا قوم قد سمعنَا حَدِيثا فَنحْن نحدثكم بِمَا سمعنَا إِلَخ". وَذكره الذَّهَبِيّ فِي تذكرة الْحفاظ: الطبعة الْهِنْدِيَّة ٧٩/١ من طَرِيق أبي نعيم، حَدثنَا أَبُو الجابة الْفراء قَالَ: قَالَ الشّعبِيّ: "إنَّا لسنا بالفقهاء وَلَكنَّا سمعنَا الحَدِيث فَروينَاهُ، الْفُقَهَاء من إِذا علم عمل". ٢ الْحسن الْبَصْرِيّ، تقدم ص”٢٢٧". ٣ ف ط، س، ش "ينشر" بالمثناه التَّحْتَانِيَّة. ٤ أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الزّهْد/ تَصْحِيح عبد الرَّحْمَن بن قَاسم ص”٢٦٧" من طَرِيق سُفْيَان عَن عمرَان الْقصير قَالَ: سَمِعت الْحسن وَسَأَلَهُ رجل فَقَالَ: إِنِّي سَأَلت فَقِيها فَقَالَ: وَهل رَأَيْت فَقِيها لَا أَبَا لَك؟! إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا الْبَصِير بِذَنبِهِ المداوم على عبَادَة ربه، وبنحوه ص”٢٧٩". وبمثل مَا ذكره الإِمَام أَحْمد أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ١٤٧/٢ من طَرِيق سُفْيَان عَن عمرَان عَن الْحسن، وَفِي الْحِلْية أَيْضا ٢٨٠/٧ عَن سُفْيَان بِنَحْوِهِ. ٥ ف ط، ش "إِلَّا حبا وتعظيمًا فِي قُلُوب الْمُسلمين"، وَفِي س "إِلَّا حبا وتعظمًا فِي قُلُوب الْمُسلمين".
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وَرَوَى الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ١ عَنِ الْحَسَنِ٢ قَالَ: "مَا رَأَيْتُ فِيمَا مضى وفيا بَقِي مُؤمنا ازْدَادَ إحسانًا إِلَّا ازْدَادَ شَفَقَةً، وَلَا مَضَى مُنَافِقٌ وَلَا بَقِيَ ازْدَادَ إِسَاءَةً إِلَّا ازْدَادَ بِاللَّهِ غِرَّةً"٣.
حَدَّثَنَا سَعْدَوَيْه٤ عَن الْمُبَارك بن فاضلة٥ عَنِ الْحَسَنِ٦.
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِ الْأَوَّلِ بِحَدِيثٍ مُسْتَنْكَرٍ تَعَجَّبَ الْجُهَّالُ مِنْهُ، وَيُوهِمُهُمْ أَنَّ مَا رَوَى٧ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الصِّحَاحِ الْمَشْهُورَةِ وَمِمَّا يُنْقَضُ٨ بِهَا عَلَى الْجَهْمِيَّةِ٩ فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ وَسَائِرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى١٠ مُسْتَنْكَرٌ مَجْهُولٌ مَهْجُورٌ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَزعم أَن حَمَّاد بن
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢٢٧/٢: الْمُبَارك بن فضَالة بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة أَبُو فضَالة الْبَصْرِيّ، صَدُوق وَيُسَوِّي، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ١٦٦ على الصَّحِيح/ خت د ت ق. وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١١٨/٣ أَنه روى عَن الْحسن وَبكر بن عبد الله وَعنهُ ابْن الْمُبَارك وَسلم وشيبان وهدية. ٢، ٦ الْحسن الْبَصْرِيّ، تقدم ص"٢٢٧". ٣ لم أَقف عَلَيْهِ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ بنصه، وَفِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة لِابْنِ كثير/ طبعة مطبعة السَّعَادَة بِمصْر ٢٧٣/٩ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ بِصِيغَة الْحلف بِنَحْوِهِ. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢٩٨/١: سعيد بن سُلَيْمَان الضبين أَبُو عُثْمَان الوَاسِطِيّ، نزيل بَغْدَاد، الْبَزَّاز، لقبه: سعدوه، ثِقَة حَافظ، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٢٥، وَله ١٠٠ سنة، وَانْظُر: الكاشف ٣٦٢/١، وَالْخُلَاصَة ص"١٣٩". ٥ الْمُبَارك بن فضَالة، تقدم قَرِيبا. ٧ فِي ط، ش "مِمَّا روى". ٨ فِي ط، س، ش "مَا ينقص". ٩ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ١٠ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
سَلَمَةَ١ رَوَى عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٣ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ رَبُّنَا؟ فَقَالَ: "مِنْ مَاءٍ مَرُورٍ لَا مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ، خَلَقَ خَيْلًا فَأَجْرَاهَا فَعَرَقَتْ فَخَلَقَ نَفسه من ذَلِك الْعرَاق" ٤.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَوْ كَانَ لَكَ فَهْمٌ وَعَقْلٌ لَمْ تَكُنْ تُذِيعُ فِي النَّاسِ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ عِنْد الْعَلَاء، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ حَمَّادٍ٥ إِلَّا
_________________
(١) ١، ٥ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم ص"١٨٧". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٤٧٨/٢: أَبُو المهز -بتَشْديد الزَّاي الْمَكْسُورَة- التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ، اسه يزِيد، وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن سُفْيَان، مَتْرُوك، من الثَّالِثَة، د. ت. ق، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣٨١/٣ أَنه رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَعنهُ شُعْبَة، وَبعد الْوَارِث ضعفه أَبُو حَاتِم وَغَيره. ٣ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"١٧٩". ٤ أوردهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٣٧٢" وعنون لَهُ بقوله: "بَاب ذكر الحَدِيث الْمُنكر الْمَوْضُوع على حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَب الهزم فِي إِجْرَاء الْفرس". وَذكره من طَرِيق مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي، قَالَ: وَكَانَ يضع أَحَادِيث فِي التَّشْبِيه، نَسَبهَا إِلَى أَصْحَاب الحَدِيث ليثلبهم بهَا، وَرُوِيَ عَن حبَان بن هِلَال -وحبان ثِقَة- وَعَن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي المهزم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِن الله تَعَالَى خلق الْفرس فاجراها فعرقت فخلق نَفسه مِنْهَا" مَعَ أَحَادِيث كَثِيرَة وَضعهَا ن هَذَا النَّحْو ليثلب أهل الْأَثر بهَا. انْتهى. وَقَالَ الْكِنَانِي بعد أَن أوردهُ: "رَوَاهُ ابْن عدي من طَرِيق مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي وَأبي المهزم، وَالْمُتَّهَم بِهِ الثَّلْجِي، فلعنة الله على وَاضعه، إِذْ لَا يضع هَذَا مُسلم وَلَا بسيط وَلَا عَاقل" انْظُر: تَنْزِيه الشَّرِيعَة/ بتحقيق عبد الْوَهَّاب عبد اللَّطِيف وَعبد الله مُحَمَّد الصّديق، الطبعة الأولى ١٣٤/١.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
كُلُّ مَقْرُوفٍ١ فِي دِينِهِ، فَيَظُنُّ بَعْضُ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْكَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا، فَيُضَلُّ بِهِ أَوْ يَضِلُّ٢، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَلَمَةَ٣، وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ إِلَى الْمُعَارِضِ؟ وَمِمَّا٤ يَسْتَنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ مُحَالُ الْمَعْنَى بَلْ هُوَ كُفْرٌ لَا يَنْقَادُ وَلَا ينقاسن فَكَيْفَ خَلَقَ الْخَيْلَ الَّتِي عَرَقَتْ قبل أنتكون نَفْسُهُ فِي دَعْوَاكَ؟.
وَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ! إِنَّا نُكَفِّرُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ٥ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَكَيْفَ ن قَالَ: نَفسه٦؟ لَا جزال اللَّهُ خَيْرًا عَمَّا٧ تُورِدُ عَلَى قُلُوبِ الْجُهَّالِ، مِمَّا لَا حَاجَةَ لَهُمْ٨ إِلَيْهِ، فَعَمَّنْ رَوَيْتَهُ؟ عَنْ حَمَّاد٩؟ وَمِمَّنْ سمعته؟ فسه لَنَا نَعْرِفْهُ، فَإِنَّا لَا نَعْرِفُ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ١٠ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ كَانَ هَذَا الْعَرَقُ قَبْلَهُ، حَتَّى خَلَقَ مِنْهُ نَفسه؟ ١١ وَهَذَا
_________________
(١) ١ المُرَاد هُنَا الْمَعِيب الْمُتَّهم فِي دينه. قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ١٨٤/٣ مَادَّة "القرف": "وقرف عَلَيْهِم يقرف بغي والقنرفل قشرة بعد يبسه، وَفُلَانًا عابه أَو اتهمه ولعياله كسب وخلط وَكذب". ٢ فِي ط، ش "فيضل بِهِ ويضل". ٣ فِي ط، س، ش "حَمَّاد بن سَلمَة" قلت: انْظُر تَرْجَمته ص"١٨٧". ٤ فِي ط، س، ش "وَمهما" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٥ فِي ط، س، ش "يَقُول: كَلَام الله مَخْلُوق". ٦ فِي ط، س، ش "فَكيف من قَالَ: نَفسه مخلوقه". ٧ فِي س "عَن مَا". ٨ لَفْظَة "لَهُم" لَيست فِي ش. ٩ هُوَ حَمَّاد بن سَلمَة، وَقد تقدّمت تَرْجَمته ص"١٨٧". ١٠ فِي ط، س، ش "أَن الله تَعَالَى". ١١ فِي ط، س، ش "حَتَّى خلق نَفسه مِنْهُ".
[ ٢ / ٦٦١ ]
الْحَدِيثُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرِهِ فَإِنَّ الشَّاهِدَ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ.
ثُمَّ لَمْ تَرْضَ با قُلْتَ وَرَوَيْتَ١ مِمَّا تُشَنِّعُهُ٢، حَتَّى ادَّعَيْتَ لَهُ تَفْسِيرًا عَنْ إِمَامِكَ الثَّلْجِيِّ٣ أَنَّهُ قَالَ: يَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هَذَا الحَدِيث أنيكون الْكُفَّارُ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ٤ عَزَّ وَجَلَّ٥ وَذَلِكَ أَنَّ كُبَرَاءَهُمْ وَأَحْبَارَهُمْ٦ كَانُوا عِنْدَهُمْ٧ كَالْأَرْبَابِ، قَالَ تَعَالَى٨: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ٩
فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الْجَاهِلِ: وَيْلَكَ! يَخْلُقُ اللَّهُ أُولَئِكَ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ عَرَقِ الْخَيْلِ الَّذِي أَجْرَى١٠. وَفِي الْحَدِيثِ١١ أَنه خَلَقَ آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ، وَذُرِّيَّتَهُ من نَسْله؟.
_________________
(١) ١ فِي ش "بِمَا قلت رويت". ٢ فِي ط، س، ش "مِمَّا تستشنعه". ٣ فِي ط "عَن إمامك ابْن الثَّلْجِي"، وَفِي ش "عَن إمامك عَن ابْن الثَّلْجِي". ٤ فِي ط، س، ش "من دون الله تَعَالَى". ٥ لَفْظَة "﷿" لَيست فِي ط، س، ش ٦ فِي ش، س، ش "أَن كبراءهم وَأَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ". ٧ قَوْله: "كَانُوا عِنْدهم" لَيست فِي ط، ش، وَبهَا يَتَّضِح الْمَعْنى. ٨ فِي ط، س، ش "قَالَ الله تَعَالَى". ٩ سُورَة التَّوْبَة، آيَة "٣١". ١٠ فِي ط، ش "الَّتِي أجراها". ١١ مُرَاده الحَدِيث الْمَوْضُوع الْمَذْكُورَة آنِفا.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
أَو لم يَعْلَمْ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١ مِمَّا٢ خَلَقَ اللَّهُ الْأَحْبَارَ٣ وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ أَو لم يَدْرِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، حَتَّى يَقُولَ: خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ عَرَقِ الْخَيْلِ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ مِنْ أَرْضٍ وَلَا سَمَاءٍ؟ لَقَدْ ضَلَّ هَذَا٤ الثَّلْجِيُّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ وَضَلَّ بِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ. وَلَوْ فَسَّرَ هَذَا صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ٥ مَا زَادَ عَلَى هَذَا جَهْلًا وَاسْتِحَالَةً، هُوَ كُفْرٌ أَضَافَهُ هَذَا الثَّلْجِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَيْلَكَ! نَحْنُ نَدْفَعُ الْحَدِيثَ وَنَسْتَنْكِرُهُ، وَأَنْتَ تَسْتَشْنِعُهُ ثُمَّ تُثْبِتُهُ وَتُفَسِّرُهُ وَتَلْتَمِسُ لَهُ الْمَخَارِجَ، كَيْ تَصُونَهُ٦، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرًا فَتَفْسِيرُكَ لَهُ أَنْكَرُ.
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا فِي دَفْعِ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقْلِيدِ رُوَاتِهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ بِحِكَايَةٍ حَكَاهَا عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ كَانَ٧ يَحْكِيهَا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ٨، فَقَالَ مُعْجَبًا بِسُؤَالِهِ: سَأَلْتُ بِشْرَ بْنَ غياث٩ عَن التَّقْلِيد.
_________________
(١) ١ فِي س "أَو لم تعلم أَيهَا الثَّلْجِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ" ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٢ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي س، وَفِي ش "مِمَّن"، وَفِي ط "مِم". ٣ فِي ط، س، ش "خلق الْأَحْبَار". ٤ لَفْظَة "هَذَا" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ الْحِنْث، تقدم عناها ص"١٩٨". ٦ كَذَا فِي الأَصْل بالنُّون، وَفِي ط، س، ش "تصوبه" بِالْبَاء الْمُوَحدَة التَّحْتَانِيَّة. ٧ فِي ط، س، ش "كَأَنَّهُ يحكيها" وَهُوَ الْأَظْهر عِنْدِي، وساقها الْمُؤلف على سَبِيل التهكم. ٨ عَامر الشّعبِيّ، تقدم ص ش"١٦٨". ٩ فِي ط، س، ش "بشر بن غياث المريسي".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ: حَرَامٌ مُحَرَّمٌ لِلْعُلَمَاءِ، حَتَّى يَعْرِفَ هَذَا الْعَالِمُ أَصْلَهُ وَمَعْرِفَتَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا التَّقْلِيدُ لِلْجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ١.
وَافْتَخَرَ الْمُعَارِضُ بِسُؤَالِ بِشْرٍ عَنْ هَذَا كَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْهَا٢ الْحَسَنَ٣ وَابْنَ سِيرِينَ٤، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْهَا جهيمًا جَاهِلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، إِنْ أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ خَطَؤُهُ٥، وَإِنْ أَصَابَ لَمْ يُلْتَفَتْ لِإِصَابَتِهِ، لِأَنَّهُ الْمَأْبُونُ٦ فِي دِينِ اللَّهِ الْمُتَّهَمُ على كتاب الله٧، الطاعن فلي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَيْفَ تَسْتَفْتِي٨ الْمَرِيسِيَّ، وَقَدْ رَوَيْتَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ٩، أَنَّهُ هَمَّ بِأَخْذِهِ وَتَنْكِيلِهِ فِي هَذِهِ الضَّلَالَاتِ، حَتَّى فَرَّ مِنْهُ إِلَى الْبَصْرَةِ١٠ فَإِنْ يَكُنْ مَا قَالَ١١ بِشْرٌ حَقًّا فَبُؤْسًا لَكَ ولأصحابك الَّذين
_________________
(١) ١ قلتك مَسْأَلَة التَّقْلِيد وَمن قَالَ بإنكاره مسالة مشتهرة عِنْد الْأُصُولِيِّينَ يقصر باعي، وَهَذَا التَّعْلِيق الْمُخْتَصر عَن بسطها، وَلابْن حز فِي ذَلِك رِسَالَة سَمَّاهَا: "إبِْطَال الْقيَاس والرأي وَالِاسْتِحْسَان" أظهر فِيهَا بعض مَا نقل فِي إِنْكَار التَّقْلِيد، مطبوعة بتحقيق سعيد الأفغاني وللشوكاني أَيْضا فِي ذَلِك رِسَالَة سَمَّاهَا: "القَوْل الْمُفِيد فِي أَدِلَّة الِاجْتِهَاد والتقليد" طبعت بمطبعة البابي الْحلَبِي بِمصْر، كَمَا أَن كتب الْأُصُول الْمُعْتَمدَة غنية بالتفصيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. ٢ فِي ط، ش "عَنهُ". ٣ الْحسن الْبَصْرِيّ، تقدم ص"٢٢٧". ٤ ابْن سِيرِين، تقدم ص"١٨١". ٥ فِي الأَصْل وس "خطاؤه" وَفِي ط، ش "خطأه". ٦ المأبون، تقدم مَعْنَاهَا ص"٣٥٣". ٧ فِي ط، س، ش "فِي كتاب الله". ٨ فِي ط، س، ش "يستفتي" بالمثناه التَّحْتَانِيَّة. ٩ أَبُو يُوسُف القَاضِي، تقدم ص"١٦٧". ١٠ الْبَصْرَة انْظُر: ص"٥٣٠" وَانْظُر مَا نَقَلْنَاهُ عَن أبي يُوسُف ص"٥٣٣". ١١ فِي ط، س، شء "فَإِن يكن مَا قَالَه".
[ ٢ / ٦٦٤ ]
قَلَّدْتُمْ دِينَكُمْ أَبَا حَنِيفَةَ١ وَأَبَا يُوسُفَ٢ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ٣ فِي أَكْثَرِ مَا٤ تُفْتُونَ مِمَّا لَا تَقَعُونَ مِنْ أَكْثَرِهِ عَلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ٥.
غَيْرَ أنَّا نَقُولُ: إِنَّ عَلَى الْعَالِمِ بِاخْتِلَافِ٦ الْعُلَمَاءِ، أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَفْحَصَ عَنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، حَتَّى يَعْقِلَهَا بِجَهْدِهِ٧ مَا أَطَاقَ، فَإِذَا أَعْيَاهُ أَنْ يَعْقِلَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَرَأْيُ مَنْ قَبْلَهَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ رَأْيِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٨: "أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنْ كُنْتُم لابد فَاعِلِينَ فَالْأَمْوَاتَ٩، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا
_________________
(١) ١ أَبُو حنيفَة، تقدم ص"١٩٢". ٢ أَبُو يُوسُف القَاضِي، تقدم ص"١٦٧". ٣ مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ، أَبُو عبد الله، أحد الْفُقَهَاء، لينه النَّسَائِيّ وَغَيره من قبل حفظه، يروي عَن مَالك بن أنس وَغَيره، وَكَانَ من بحور الْعلم وَالْفِقْه، قَوِيا فِي مَالك. انْظُر: الْمِيزَان للذهبي ٥١٣/٣. ٤ فِي ش "مِمَّا". ٥ الْكَلَام هُنَا يقْصد بِهِ الذَّم على من أَخذ عَن أبي حنيفَة وَأَصْحَابه فِيمَا لَا يقعون فِيهِ على كتاب وَلَا سنة، وهذ حق وَلَيْسَ ذَلِك خَاصّا بِأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، بل إِن هَذَا يَشْمَل أَبَا حنيفَة وَأَصْحَابه وَغَيرهم؛ لَا يجوز تقليدهم فِي شَيْء لَيْسَ لَهُ مُسْتَند من كتاب وَلَا سنة لمن كَانَ قَادِرًا على الاستنباط وَالْأَخْذ عَن كتاب الله وَسنة رَسُوله، أما الْعَاميّ فَإِنَّهُ يُقَلّد من يَثِق بِعِلْمِهِ وَدينه وورعه، لقَوْله: ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ [سُورَة الْأَنْبِيَاء، آيَة: "٧"] . ٦ كَذَا فِي جَمِيع النّسخ، وَالْأَقْرَب أَن يُقَال: "عِنْد اخْتِلَاف". ٧ فِي ط، ش "بجده". ٨ قَوْله: "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش. قلت: وَقد تقدّمت تَرْجَمته ص"١٩٠". ٩ فِي ط، س، ش "فبالأموات".
[ ٢ / ٦٦٥ ]
يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ"١.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ٢ أَيْضًا: "مَنْ عُرِضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَفِيمَا٣ قَضَى بِهِ الصالحون قبله"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير/ تَحْقِيق وَتَخْرِيج حمدي السلَفِي/ رقم ٨٧٦٤، ١٦٦/٩ بِسَنَدِهِ عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله قَالَ: لَا يقلدون أحدكُم دينه رجلا، فَإِن آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، وَإِن كُنْتُم لابد مقتدين فاقتدوا بِالْمَيتِ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَة". وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة/ تَحْقِيق د. أَحْمد سعد حمدَان جـ١ ص"٩٣" عَن أبي الْأَحْوَص عِنْد عبد الله بِهِ. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ١٣٠/١ عَن عبد الله بِهِ. وَقَالَ الهيثمي فِي الْمجمع ١٨٠/١: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله رجال الصَّحِيح". ٢ عبد الله بن مَسْعُود، تقدم ص"١٩٠". ٣ فِي ط، ش "فبمَا". ٤ أخرجه النَّسَائِيّ فِي سنَنه بشرح السُّيُوطِيّ وحاشية السندي/ كتاب آدَاب الْقُضَاة/ الحكم بِاتِّفَاق أهل الْعلم/ ٢٣٠/٨-٢٣١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيه: "فَمن عُرِضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ جَاءَ أَمر لَيْسَ فِي كتاب الله، فليقض بِمَا قضى بِهِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَإِن جَاءَ أَمر لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا قضى بِهِ نَبِيِّهِ ﷺ، فليقض بِمَا قضى بِهِ الصالحون إِلَخ" قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا الحَدِيث جيد جيد "مرَّتَيْنِ". وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي سنَنه/ تَحْقِيق وَتَخْرِيج عبد الله هَاشم/ بَاب الْفتيا وَمَا فِيهَا من الشدَّة/ حَدِيث ١٦٧، ٥٤/١ مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود بِنَحْوِهِ، وَزِيَادَة فِي آخِره. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْكَبِير/تَحْقِيق وَتَخْرِيج حمدي السلَفِي/ حَدِيث ٨٩٢٠، ٢١٠/٩ عَن ابْن مَسْعُود مطولا. وَنَقله ابْن الْقيم فِي أَعْلَام الموقعين ٦٢/١-٦٣ عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
فَأَبَاحَ ابْنُ مَسْعُودٍ١ التَّقْلِيدَ لِلْأَمْوَاتِ، وَقَضَاءِ الصَّالِحِينَ عَلَى التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ. فمَنْ هَذَا الْمَرِيسِيُّ الضَّالُّ الَّذِي يحظره٢ على الْأمة؟ وَمن حَتَّى يُسْتَحَلَّ بِقَوْلِهِ شَيْءٌ أَوْ يُحَرَّمَ؟
وَقَالَ شُرَيْحٌ٣ وَابْنُ سِيرِينَ٤: "لَنْ نَضِلَّ مَا تَمَسَّكْنَا بِالْأَثَرِ"٥وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ٦: "مَا الْأَمْرُ إِلَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ، لَوْ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ لم يغسلوا إِلَّا الظفر
_________________
(١) ١ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص”١٩٠". ٢ فِي س "يخطوه" وَقَالَ ناسخها: "لَعَلَّه يحظره" وَقلت: وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٣٤٩/١: شُرَيْح بن الْحَارِث بن قيس الْكُوفِي النخعفي، القَاضِي، أَبُو أُميَّة، مخضرم، ثِقَة لَهُ صُحْبَة، مَاتَ قبل الثَّمَانِينَ أَو بعْدهَا، وَله ١٠٨ سِنِين أَو أَكثر، قَالَ بَعضهم: حكم سبعين سنة/ بخ س، قلت: قَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ١٤٧/٢: "أدْرك شُرَيْح القَاضِي الْجَاهِلِيَّة ويعد فِي كبار التَّابِعين"، وَانْظُر: أَسد الغابة ٣٩٤/٣، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١٤٤/٢. ٤ مُحَمَّد بن سِيرِين، تقدم ص"١٨١". ٥ أخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة/ تَحْقِيق د. أَحْمد سعد حمدَان ٨٦/١ من طَرِيق أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن الْعَلَاء بن الْمسيب عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: "إِنَّا نقتدي وَلَا نبتدي، وَنَتبع وَلَا نبتدع، وَلنْ نضل مَا تمسكنا بالأثر". وَأخرج الدَّارمِيّ فِي سنَنه/ تَحْقِيق وَتَخْرِيج عبد الله هَاشم يماني/ بَاب من هاب الْفتيا/ الْأَثر رقم ١٤٢، ٥٠/١ عَن ابْن سِيرِين قَالَ: "كَانُوا يرَوْنَ أَنه على الطَّرِيق مَا كَانَ على الْأَثر"، وَعنهُ: "مَا دَامَ على الْأَثر فَهُوَ على الطَّرِيق". وَفِي بَاب تغير الزَّمَان مَا يحدث فِيهِ/ الْأَثر ٢٠٤، ٥٩/١ عَن شُرَيْح فِي أَثْنَائِهِ: "فَإنَّك لن تضل مَا أخذت بالأثر". ٦ إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، تقدم ص"٣٧٤"، وَعنهُ جَاءَ هَذَا الْأَثر عِنْد أبي نعيم فِي الْحِلْية ٢٢٧/٤.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
مَا جَاوَزْنَاهُ، كَفَى إِزْرًا١ عَلَى قَوْمٍ أَنْ تَتَخَالَفَ أَعْمَالُهُمْ"٢.
وَالِاقْتِدَاءُ بِالْآثَارِ تَقْلِيدٌ، فَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ فِي دَعْوَى الْمَرِيسِيِّ أَنْ يَقْتَدِيَ الرَّجُلُ بِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَمَا مَوْضِعُ الِاتِّبَاعِ الَّذِي قَالَه اللَّهُ تَعَالَى٣: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ ٤؟ وَمَا يَصْنَعُ٥ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ، بَعْدَ أَنْ لَا يَسَعَ٦ الرَّجُلُ اسْتِعْمَالَ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا مَا اسْتَنْبَطَهُ بِعَقْلِهِ فِي خِلَافِ الْأَثَرِ؟ إِذَا بَطَلَتِ الْآثَارُ وَذَهَبَتِ الْأَخْبَارُ، وَحُرِّمَ طَلَبُ الْعِلْمِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَزِمَ النَّاسُ الْمَعْقُولَ، مِنْ كُفْرِ الْمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالْمُسْتَحِيلَاتِ مِنْ تفاسيرهم، فقد عرضنَا كَلَامهم عل الْكتاب وَالسّنة فأخطأوا فِي أَكْثَرِهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَلَمْ يُصِيبُوا السّنة٧.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "إزراء" بِالْهَمْز. ٢ فِي ط، "أَن نخالف أَعْمَالهم" وَفِي ش "أَن تخَالف أَعْمَالهم" وَبِمَا فِي ش جَاءَ فِي سنَن الدَّارمِيّ. قلت: أخرجه الدَّارمِيّ فِي سنَنه/ تَخْرِيج وَتَحْقِيق عبد الله هَاشم يماني/ بَاب الِاقْتِدَاء بالعلماء/ الْأَثر ٢٢٤، ٦٣/١ بِسَنَدِهِ عَن شريك عَن أبي حَمْزَة، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: "لقد أدْركْت أَقْوَامًا لَو لم يُجَاوز أحدهم ظفرًا لما جاوزته وَكفى إزراء على قوم أَن تخَالف أفعالهم". وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ٢٢٧/٤ عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بِنَحْوِهِ. ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش ٤ سُورَة التَّوْبَة، آيَة "١٠٠". ٥ فِي ط، س، ش "وَمَا تصنع" بِالتَّاءِ. ٦ فِي "أَن لَا يسمع" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٧ فِي ط، ش "فأخطأوا فِي أَكْثَرهَا الْكتاب وَلم يُصِيبُوا السّنة".
[ ٢ / ٦٦٨ ]
حَدثنَا١ عبد الله صَالِحٍ الْمَصْرِيُّ٢ عَنِ الْهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ٣ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ٤ قَالَ: "مَا٥ رَأْيُ٦ امْرِئٍ فِي أَمْرٍ بَلَغَهُ٧ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا اتِّبَاعه، ولولم يَكُنْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ فِيهِ٨ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَوْلَى فِيهِ بِالْحَقِّ مِنَّا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى٩ أَثْنَى عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ ١٠، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: بَلْ١١ نَعْرِضُهَا عَلَى رَأْيِنَا فِي الْكِتَابِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا صَدَّقْنَاهُ وَمَا خَالَفَهُ تَرَكْنَاهُ، وَتِلْكَ غَايَةُ كُلِّ مُحدِث فِي الْإِسْلَامِ: رَدُّ مَا خَالَفَ١٢ رَأْيَهُ من السّنة.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فقد حَدَّثَنَا". ٢ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمصْرِيّ، تقدم ص”١٧١". ٣ هِقْل بن زِيَاد، تقدم ص”٤٣٣". ٤ الْأَوْزَاعِيّ، تقدم ص”٤٣٣". ٥ فِي ط، س، ش "وَمَا". ٦ فِي ط، ش "رأى" بِالْألف الْمَقْصُورَة. ٧ فِي ط، س، ش، "بلغه فِيهِ". ٨ لَفْظَة "فِيهِ" لَيست فِي ش. ٩ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ الْآيَة من سُورَة التَّوْبَة، آيَة "١٠٠". قلت: وَلم أَقف على هَذَا الْمَأْثُور نَصه عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي سنَن الدَّارمِيّ/ تَحْقِيق وَتَخْرِيج عبد الله هَاشم/ الْأَثر ٤٣٨، ٩٥/١ عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: كتب إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز وَذكر بِمَعْنَاهُ. ١١ لَفْظَة "بل" لَيْسَ فِي س، وَفِي ط، ش "لَا بل". ١٢ فِي ش "ردّ مَا خَالف" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ١ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ٢: "لَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: "رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ٣ لِأَنْفُسِهِمْ"٤.
وَكَيْفَ تَسْأَلُ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ بِشْرًا عَنِ التَّقْلِيدِ، وَهُوَ لَا يُقَلِّدُ دِينَهُ قَائِلَ الْقُرْآنِ وَمُنْزِلَهُ، وَلَا الرَّسُولَ الَّذِي جَاءَ بِهِ، حَتَّى عَارَضَهُمَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ٥ وَكَلَامِهِ بِخِلَافِ مَا عَنَيَا وَفَسَّرَ عَلَيْهِمَا٦ بِرَأْيِهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ٧؟
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: إِنِّي٨ سَأَلْتُ بِشْرًا٩ الْمَرِيسِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى١٠: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ١١ فَقَالَ بِشْرٌ: كَوْنُهُ كَمَا شَاءَ بِغَيْر "كن" أَو مَا وَجَدْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِيمَنْ رَأَيْتَ مِنَ الْمَشَايِخِ شَيْخًا أَرْشَدَ مِنْ بِشْرٍ وَأَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ بِشْرٍ الَّذِي كَفَرَ بِرَبٍّ قَالَ قَوْلًا لِشَيْءٍ قَطُّ: كُنْ فَكَانَ؟، وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ الْمَعْرُوف
_________________
(١) ١ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، تقدم ص"١٧٦". ٢ الْحسن الْبَصْرِيّ، تقدم ص"٢٢٧". ٣ فِي ط، س، ش "رَأْيهمْ". ٤ تقدم تَخْرِيجه ص"٥٩٤". ٥ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ عطف الرَّسُول على الله وإعادة الضَّمِير مثنى عَلَيْهِمَا فِيهِ قَولَانِ؛ فقد ورد جَوَاز ذَلِك وَورد القَوْل بِعَدَمِ جَوَازه. ٧ فِي ش "مَا أَرَادَ"، وَصَوَابه التَّثْنِيَة. ٨ قَوْله: "إِنِّي" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٩ فِي س "بشر" بِلَا تَنْوِين. ١٠ لَفْظَة "تَعَالَى" فِي ط، س، ش. ١١ سُورَة النَّحْل، آيَة "٤٠".
[ ٢ / ٦٧٠ ]
فِي كُلِّ مِصْرٍ: أَنَّ اللَّهَ١ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ قَطُّ٢ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِهَا قَطُّ، فَسُؤَالُكَ بِشْرًا عَن هَذِه الْآيَة من بن الْمَشَايِخِ دَلِيلٌ مِنْكَ عَلَى الظِّنَّةِ٣ وَالرَّيْبَةِ الْقَدِيمَةِ، وَأَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْهُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ ضَمِيرٍ مُتَقَدِّمٍ، أَفَلَا سَأَلْتَ عَنْهُ مَنْ أَدْرَكْتَ مِنَ الْمَشَايِخِ، مِثْلَ أَبِي عُبَيْدٍ٤ وَأَبِي نُعَيْمٍ٥ وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالسُّنَّةِ؟! ثُمَّ ادَّعَيْتَ أَنَّ بِشْرًا قَالَ: مَعْنَاهُ أَن يكون حَتَّى يَكُونَ، مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ يَقُولُ لَهُ: "كُنْ" وَلَكِنْ يُكَوِّنُهُ عَلَى مَا أَرَادَ.
ثُمَّ فَسَّرْتَ قَوْلَ بِشْرٍ هَذَا، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً مِنْ "كُنْ" وَلَكِنِ اللَّهُ كَوَّنَهَا عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ كَيْفِيَّةٍ، وَلِلْكَلَامِ وُجُوهٌ بِزَعْمِكَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: قَدِ افْتَرَيْتُمَا على اله جَمِيعًا فِيمَا تَأَوَّلْتُمَا مِنْ ذَلِكَ، وَجَحَدْتُمَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى٦: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٧ إِذِ ادَّعَيْتُمَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تكون بقوله: "كن" وَلَكِن
_________________
(١) ١ فِي ش "أَن لم الْمُتَكَلّم" وَلَعَلَّ السقط كَانَ سَهوا من النَّاسِخ. ٢ لَفْظَة "قطّ" لَيست فِي ش. ٣ فِي ش "الظَّن". ٤ هُوَ الْقَاسِم بن سَلام، تقدم ص"٥٥٦". ٥ الرَّاجِح أَنه الْفضل بن دُكَيْن، تقدم ص"٣١٢". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ سُورَة النَّحْل، آيَة "٤٠".
[ ٢ / ٦٧١ ]
بِكَوْنِهِ١ بِإِرَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَوْلِ: "كُنْ"٢، وَهَذَا هُوَ الْجُحُودُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى٣ جَمَعَ فِيهِ الْقَوْلَ وَالْإِرَادَةَ، فَقَالَ: َ ﴿ِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ فَسَبَقَتِ الْإِرَادَةُ قَبْلَ٤ "كُنْ"، ثُمَّ قَالَ: "كُنْ" فَكَانَ بِقَوْلِهِ وَإِرَادَتِهِ جَمِيعًا: فَكَيْفِيَّةُ هَذَا كَمَا قَالَ أَصْدَقُ الصَّادِقِينَ إنَّهُ إِذَا قَالَ كُنْ فَكَانَ٥، لَا مَا تَأَوَّلَهُ أَكْذَبُ الْكَاذِبِينَ٦، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهَا إِلَى تَفْسِير٧، وَلَا هِيَ من العويض٨ الَّذِي يَجْهَلُهَا الْعَوَامُّ٩، فَكَيْفَ الْخَاصُّ مِنَ الْعُلَمَاءِ؟
وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُشْكِلُ عَلَى رَجُلٍ رُزِقَ شَيْئًا مِنَ الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ مِثْلَ الْمَرِيسِيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ رَبَّهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُ قَوْلَهُ؟
وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْمَرِيسِيُّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَنْ يُقِرُّوا بِهَذَا أَنَّهُمْ قَالُوا: مَتى أقررنا أَنا اللَّهَ قَالَ لِشَيْءٍ: كُنْ كَلَامًا مِنْهُ لَزِمَنَا١٠ أَنْ نُقِرَّ بِالْقُرْآنِ والتوراة١١.
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل بِالْيَاءِ الْمُوَحدَة، وَفِي س "وَلَكِن بِكَوْنِهِ"، وَفِي ط، ش "وَلَكِن يكونها". قلت: وَهُوَ بِالْمُثَنَّاةِ أوضح مِنْهُ بِالْمُوَحَّدَةِ. ٢ فِي ط، س، ش "من غير قَول مِنْهُ: كن". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س، ش "قَول". ٥ كَذَا فِي الأَصْل وس وَفِي ط، ش "إِذا قَالَ لشَيْء كن فَكَانَ". ٦ فِي ط، ش "الْكَذَّابين". ٧ فِي ط، س، ش "إِلَى تَأْوِيل". ٨ العويص، تقدم مَعْنَاهَا ص"٢١٦". ٩ فِي س "الَّذِي لَا يحلهَا". ١٠ فِي ش "لزامنا". ١١ التَّوْرَاة، انْظُر الْكَلَام عَنْهَا ص"٢٦٣".
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وَالْإِنْجِيلِ١ أَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِهِ. فَامْتَنَعُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -فِي دَعْوَاهُمْ- لَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْمُعَارِضِ بِسُؤَالِ بِشْرٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَدِيمًا فِي شَبَابِهِ، وَقَدْ عَرَفَ مَذْهَبَ بِشْرٍ أَنَّهُ اضْطَمَرَ٢ هَذَا الرَّأْيَ فِي أَوَّلِ دَهْرِهِ وَلَيْسَ بِرَأْيٍ اسْتَحْدَثَهُ حَدِيثًا.
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ٣ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ: إِنَّ رَحْمَتِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، وَغَضَبِي كَلَامٌ، إِنَّمَا قَوْلِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ ٤ أَنْ أَقُول لَهُ: كن فَيكون" ٥.
_________________
(١) ١ الْإِنْجِيل، انْظُر الْكَلَام عَنهُ ص"٥٦٧". ٢ كَذَا فِي الأَصْل بالضاد الْمُعْجَمَة ثمَّ الطَّاء، وَفِي وضع آخر من هَذَا الْكتاب قَالَ: اصطمر، بالصَّاد الْمُهْملَة ثمَّ الطَّاء، كَمَا فِي ص"٥٦٠"، وَفِي ط، ش: اصطلم، بالصَّاد الْمُهْملَة ثمَّ الطَّاء ثمَّ اللَّام وَالْمِيم، وَفِي س: اصطمر، بالصَّاد الْمُهْملَة ثمَّ طاء، وَقَالَ: وَلَعَلَّه أضمر. قلت: انْظُر مَعَانِيهَا ص"٥٦٠". ٣ أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ ﵁، تقدم ص"٣٦٣". ٤ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س "إِذا أردته"، وَفِي ش "إِذا أردته" بِدُونِ الدَّال، ولعلها سَقَطت. ٥ أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه التُّحْفَة/ أَبْوَاب صفة الْقِيَامَة/ بَاب ١٥/ حَدِيث ٢٦١٣، ١٩٦/٧-١٩٨ عَن أبي ذَر فِي آخِره بِلَفْظ: "ذَلِك بِأَنِّي جواد وَأَجد ماجد، أفعل مَا أُرِيد، عطائي كَلَام، وعذابي كَلَام، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: كن فَيكون". قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، وروى بَعضهم هَذَا الحَدِيث عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ معد يكرب عَن أبي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحوه. قَالَ المباركفوري: وَأخرجه أَحْمد وَابْن مَاجَه، وروى مُسلم نَحوه بِزِيَادَة وَنقص. قلت: مُرَاده بذلك حَدِيث أبي ذَر فِي مُسلم رقم ٢٥٧٧ جـ١٩٩٤/٤، وَلم أجد فِيهِ مَا أوردهُ التِّرْمِذِيّ فِي آخر حَدِيث. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ١٥٤/٥ عَن أبي ذَر مَرْفُوعا فِي آخر بِلَفْظ: "ذَلِك بِأَنِّي جواد ماجد صَمد، عطائي كَلَام، وعذابي كَلَام، إِذا أردْت شَيْئا فَإِنَّمَا أَقُول لَهُ: كن فَيكون"، فِي الْجُزْء نَفسه أَيْضا ص”١٧٧" عَن أبي ذَر مَرْفُوعا بِنَحْوِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه/ تَحْقِيق وترقيم مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الزّهْد/ بَاب ذكر التَّوْبَة/ حَدِيث ٤٢٥٧، ١٤٢٢/٢، عَن أبي ذَر فِي آخِره.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
ادَّعَى١ هَذَا الْمُعَارِضُ أَيْضًا٢ فِي قَول الله تَعَالَى٣ لعيسى بن مَرْيَمَ٤: "رُوحُ اللَّهِ وَكلِمَتُهُ"٥ فَقَالَ: يَقُولُ أَهْلُ الْجُرْأَةِ فِي مَعْنَى "كَلِمَتُهُ": أَيْ بِكَلِمَتِهِ، وَإِنْ سُئلوا عَنِ الْمَخْرَجِ مِنْهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلُوا عَلَى اللَّهِ بِرَأْيِهِمْ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: أوَ يَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى تَفْسِيرٍ وَمَخْرَجٍ؟ قد عقل
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وادَّعى". ٢ فِي ط، س، ش "أَيْضا مثله". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ عِيسَى بن مَرْيَم ﵇، تقدّمت تَرْجَمته ص”٢٩٥". ٥ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاء آيَة "١٧١": ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه..﴾ الْآيَة، وانظرحديث الشَّفَاعَة، وَفِيه: ﴿فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم فَيَقُول: لست لَهَا، وَلَكِن عَلَيْكُم بمُوسَى كليم الله، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُول: لست لَهَا، وَلَكِن عَلَيْكُم بِعِيسَى، فَإِنَّهُ روح الله وكلمته ﴾ الحَدِيث. أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه، الْفَتْح/ كتاب التَّوْحِيد/ بَاب كَلَام الرب ﷿ يَوْم الْقِيَامَة/ حَدِيث ٤٧٣/١٣٥١٠. قلت: وَمعنى "روح الله" أَي روح مخلوقه من عِنْد الله، و"كلمة الله" أَي أَن الله خلقه بِكَلِمَة "كن"، وَالْإِضَافَة للتشريف، لما امتاز بِهِ الْمُضَاف من الصِّفَات الَّتِي تميزه عَن غَيره، وَنَظِيره قَوْلنَا: رَسُول الله، وَبَيت الله، وناقة الله.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
تَفْسِيرَهُ عَامَّةُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ١: "كُنْ فَيَكُونُ"٢، وَمَتَى٣ لَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ، لَا يَكُونُ، فَإِذَا قَالَ: "كُنْ" كَانَ، فَهَذَا الْمَخْرَجُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ بِإِرَادَتِهِ وَبِكَلِمَتِهِ لَا أَنَّهُ نَفْسُ الْكَلِمَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَلَكِنْ بِالْكَلِمَةِ كَانَ، فَالْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ "كُنْ" غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَالْكَائِنُ بِهَا مَخْلُوقٌ.
وَقَوْلُ اللَّهِ فِي عِيسَى٤ "رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ"٥ فَبَيْنَ الرُّوحِ وَالْكَلِمَةِ فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الرُّوحَ الَّذِي نَفَخَ فِيهَا٦ مَخْلُوقٌ امْتَزَجَ بِخَلْقِهِ، وَالْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لَمْ تَمْتَزِجْ بِعِيسَى، وَلَكِنْ كَانَ بِهَا، وَإِنْ كَرِهَ لِأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ أَمْرٌ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قُلْنَا، لَا عَلَى مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا مِنَ الْكَذِبِ وَالْأَبَاطِيلِ.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ". ٢ يدل لذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة آل عمرَان، آيَة "٤٧": ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وَفِي سُورَة يس، آيَة "٨٢": ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ٣ وَفِي س "وَحَتَّى لَا يَقُول لَهُ" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى، وَفِي ط، ش "وَشَيْء لَا يَقُول لَهُ". ٤ عِيسَى ﵇، تقدّمت تَرْجَمته ص”٢٩٥". ٥ انْظُر: سُورَة النِّسَاء، آيَة "١٧١". ٦ فِي ط، ش "نفخ فِيهِ".
[ ٢ / ٦٧٥ ]