هَؤُلَاءِ عِنْدَكَ١ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْكَلَامِ٢، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالتَّمْيِيزِ؟ فَقَدْ أَخْبَرْنَاكَ أَنَّ النَّوْحَ وَالْغِنَاءَ وَنُبَاحَ الْكِلَابِ أَحْسَنُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَتَفَاسِيرِهِمْ.
ثُمَّ زَعَمَ الْمُعَارِضُ أَنَّهُ فَرَغَ مِنَ الْأَحَادِيثِ٣ الْمُشْتَبِهَةِ وَابْتَدَأَ فِي التَّوْحِيدِ بالمعقول٤ ثمَّ حلى٥ تَفْسِيرَ التَّوْحِيدِ كَلَامًا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ، وَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا٦ مِنْهَا فِي الرِّوَايَاتِ.
فَقَالَ: يُسْأَلُ٧ الرَّجُلُ: هَلْ عَرَفْتَ الْخلق بِاللَّه أوعرفت اللَّهَ بِالْخَلْقِ؟
فيُقال لَهُ: مَعْبُودُكَ هَذَا مَا هُوَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ وَمَا صِفَتُهُ؟ وَمَا مِثَاله؟ ثمَّ فسَّرها بتفاسير لَا يؤثرشيء٨ مِنْهَا عَنْ أَحَدٍ مَوْسُومٍ بِالْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى وَمِمَّنْ غَبَرَ فَلَمْ أَجَدْ لِبَعْضِهَا نَقِيضَةً أَسْلَمَ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ، وَكَثِيرًا مِنْهَا قَدْ فَسَّرْتُ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا؛ فَإِنْ لَمْ يوحِّد الله٩ من أمة
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَهَؤُلَاءِ"، وَفِي س "لهَؤُلَاء". ٢ فِي ط، س، ش "فِي الْكَلَام". ٣ فِي س "فرغ من الحَدِيث من الْأَحَادِيث المشتبهة"، وَفِي ط، ش "من الحَدِيث عَن الْأَحَادِيث المشتبهة". ٤ فِي ط، س، ش "الْمَعْقُول". ٥ فِي ط، س، ش "ثمَّ حكى فِي تَفْسِير التَّوْحِيد". ٦ لَفْظَة "شَيْئا" لَيست فِي ط، ولعلها سَقَطت. ٧ فِي الأَصْل وس "يسئل" وَصَوَابه مَا اثبتناه. ٨ فِي الأَصْل "لَا يأثر شَيْء مِنْهَا" وَكَانَ حَقه أَن ينصب "شَيْئا"، وَفِي ط، س، ش "لَا يُؤثر شَيْء مِنْهَا" وَهُوَ الَّذِي أثْبته. ٩ فِي ط، س، ش "وَلم يوحد الله تَعَالَى".
[ ٢ / ٨٣٨ ]
مُحَمَّدٍ١ إِلَّا مَنْ قَامَ بِهَذِهِ٢ الْخُرَافَاتِ، وَجَوَابِهَا٣ مَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ هَذَا الْمُعَارِضِ مُوَحِّدٌ.
وَقَدْ فسَّرنا لِلْمُعَارِضِ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ مَا كَانَ فِيهِ مَنْدُوحَةٌ٤ من هَذِه التخالط: أَنَّهُ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ٥، هَذَا تَفْسِيرُهُ الْمَعْقُولُ، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، مَنْ جَاءَ بِهَا مُخْلِصًا فَقَدْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى٦، وَإِن لم يجىء بِمَا فَسَّرَ الْمُعَارِضُ مِنْ هَذِهِ الْعَمَايَاتِ٧ وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي رَضِيَ٨ بِهَا مُحَمَّدٌ ﷺ من عَمه٩ هُوَ الدَّلِيل على
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "مُحَمَّدٍ ﷺ". ٢ فِي الأَصْل "بِهَذِهِ الخرافات". ٣ فِي ط، س، ش "وجواباتها". ٤ "مندوحة" تقدم مَعْنَاهَا ص"٧٧٩". ٥ انْظُر كَلَام الْمُؤلف الْمُتَقَدّم ص"١٥٢" وَمَا بعْدهَا. ٦ فِي ط، ش زِيَادَة "وَمن لم يَجِيء بهَا مخلصًالم يوحد الله تَعَالَى". ٧ قَوْله: "وَإِن لم يَجِيء بِمَا فسر الْمعَارض ن هَذِه العمايات" لَيْسَ فِي ط، ش، والعبارة فِي س بِلَفْظ "وَإِن لم يجء بهَا فسر الْمعَارض وَلم يحسن من هَذِه العمايات" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٨ فِي ط، ش "طلبَهَا" بدل "رَضِي بهَا". ٩ فِي ط، ش "من عَمه أبي طَالب ليحاجج لَهُ بهَا عِنْد الله" قلت: وَهُوَ أبوطالب عبد منَاف بن عبد الْمطلب "شيبَة" بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي، عَم النَّبِيِّ ﷺ ووالد عليِّ ﵁، أوصاه عبد الْمطلب بحماية النَّبِيِّ ﷺ فَفعل وناصره وآزره حَتَّى مَاتَ، وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيه "أنَّ أَبَا طَالب لما حَضرته الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ النَّبِيِّ ﷺ - وَعِنْده =
[ ٢ / ٨٣٩ ]
إِيمَانِ الرَّجُلِ وَإِسْلَامِهِ وَتَوْحِيدِهِ١.
وَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ! أَوَلَمْ تَزْعُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي التَّوْحِيدِ إِلَّا الصَّوَابُ٢؟ أَفَتَأْمَنُ الْجَوَابَ٣ فِي هَذِهِ الْعَمَايَاتِ أَنْ تَجُرَّكَ إِلَى الْخَطَإِ فِي التَّوْحِيدِ، وَالْخَطَأُ فِيهِ كُفْرٌ؟ فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ نَفْسِكَ لَمَّا نَدَبْتَ إِلَيْهِ غَيْرَكَ مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ وَمَا أشبهه؟
_________________
(١) = أَبُو جهل- فَقَالَ: "أَي عَم، قل: لَا إِلَه إِلَّا الله كلمة أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله"، فَقَالَ أَبُو جهل وَعبد الله بن أبي أُميَّة: يَا أَبَا طَالب، ترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب؟ فَلم يَزَالَا يكلمانه حَتَّى قَالَ آخر شَيْء كَلمهمْ بِهِ: على مِلَّة عبد الْمطلب. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لأَسْتَغْفِرَن لَك، مَا لم أنِه عَنهُ"، فَنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوْبَة: ١١٣]، وَنزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت﴾ [الْقَصَص: ٥٦] . وَذكر ابْن الْأَثِير أَن وَفَاته كَانَت فِي شَوَّال أَو فِي ذِي الْقعدَة قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وعمره بضع وَثَمَانُونَ سنة. "انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح/ كتاب مَنَاقِب الْأَنْصَار/ بَاب قصَّة أبي طَالب حَدِيث ٣٨٨٤، ١٩٣/٧، وصحيح مُسلم تَرْتِيب مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الْإِيمَان/ بَاب الدَّلِيل على صِحَة إِسْلَام من حَضَره الْمَوْت مالم يشرع فِي النزع/ حَدِيث ٣٩، ٥٤/١، وَانْظُر: الْكَامِل فِي التَّارِيخ لِابْنِ الْأَثِير ٥/٢، ٩٠". ١ فِي ط، س، ش "وَهِي الدَّلِيل على إِسْلَام الرجل وإيمانه وتوحيده". ٢ انْظُر ص"١٥٢". ٣ فِي ط، س، ش "أفتأمن من الْجَواب".
[ ٢ / ٨٤٠ ]