وَفِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَا. لَمْ نَأْتِ بِهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا١ دِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا دَلَّسَ هَذَا الْمُعَارِضُ عَنْ زُعَمَائِهِ الَّذِينَ كَنَى عَنْهُمْ مِنَ الْكَلَامِ الْمُمَوَّهِ٢ الْمُغَطَّى٣، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يَسْتَخْفِي عَلَى مَنْ لَا٤ يَفْطَنُ لِمَعْنَاهُ وَلَا يَدْرِي٥، وَنَحْنُ نَكْتَفِي مِنْهُ بِالْيَسِيرِ الْأَدْنَى؛ حَتَّى تَقَعَ٦ عَلَى٧ الْفَرْحَةِ الْكُبْرَى، فَلَمْ يَزَلْ هَذَا الْمُعَارِضُ يُلَجْلِجُ بِأَمْرِ الْقُرْآنِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى كَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ الْغِطَاءَ، وَطَرَحَ٨ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ، فَصَرَّحَ وَأَفْصَحَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّ من قَالَ: غير
_________________
(١) = ص"١٩٢-١٩٣" عَن سُلَيْمَان بن حَرْب بِهَذَا السَّنَد، قَالَ زيد بن أسلم: لَا أعلمهُ إِلَّا عَن عَطاء بن يسَار. وَأوردهُ الهيثمي فِي الْمجمع ٢١٩/٤-٢٢٠ وَقَالَ: رَوَاهُ كُله أَحْمد، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِنَحْوِهِ وَزَاد فِي رِوَايَة: "وأوصيك بالتسبيح فَإِنَّهَا عبَادَة الْخلق، وبالتكبير". وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عمر. وَأخرجه ابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة/ ط. الولى ١١٩/١ بِمثل مَا ذكره أَحْمد، وَقَالَ: وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَلم يخرجوه. ١ فِي س "فِيهَا". ٢ من التمويه، تقدم مَعْنَاهُ ص"٥٣٥". ٣ فِي س "المغطا". ٤ فِي ط، س، ش "حَتَّى لَا يفْطن لمعناه". ٥ فِي ط، س، ش "وَلَا يدْرِي" بِالْألف الْمَقْصُورَة. ٦ لم تعجم هَذِه الْكَلِمَة فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "حَتَّى تقع". ٧ حرف "على" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٨ فِي س "فَطرح".
[ ٢ / ٨٩١ ]
مَخْلُوقٍ كَافِرٌ١ فِي دَعْوَاهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ لِمَتَأَوِّلٍ عَلَيْهِ مَوْضِعَ تَأْوِيلٍ، وَلَا لِمُسْتَنْبِطٍ عَلَيْهِ مَوْضِعَ اسْتِنْبَاطٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَافِرًا عِنْدَهُ٢، فَالَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُؤْمِنٌ مُوَفَّقٌّ٣ رَاشِدٌ، تَابِعٌ لِلْحَقِّ.
فَحِينَ يَكْشِفُ٤ عَنْهُ لِلنَّاسِ إِرَادَتَهُ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِهَا عِبَارَتُهُ، سُقِطَ فِي يَدِهِ وَكُسِرَ فِي دِرْعِهِ، فَادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ بِالْإِكْفَارِ إِلَى مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ ذَلِكَ بفهم وَلِسَانٍ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ٥ يُسْأَلُونَ عَنِ الْكَلَامِ، فَإِنِ ادَّعوا فَمًا وَلِسَانًا فَهُوَ كفر لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ أَمْسَكُوا عَنِ الْجَوَابِ فِيهِ كَانُوا بِإِمْسَاكِهِمْ أَن يدعوا فَمَا وَلِسَانًا جهل لَا يُعْذَرُونَ بِهِ٦.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُحْتَجِّ بِالْمُحَالِ مِنَ الضَّلَالِ: تَفَلَّتَتْ٧ مِنْكَ الْكَلِمَةُ بِلَا تَفْسِيرٍ وَلَا بِحَضْرَةِ مَنْ تَدَّعِي٨ عَلَيْهِ فَمَا وَلِسَانًا،
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فهوكافر". ٢ فِي الأَصْل "كَافِر عِنْده"، وَفِي ط، ش "عِنْده كَافِر" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي س بِالنّصب على أَن "كَافِرًا" خبر كَانَ. ٣ فِي ط، س، ش "موقن". ٤ لم يعجم أول هَذِه الْكَلِمَة فِي الأَصْل، ولعلها بِالْيَاءِ كَمَا فِي س، وَفِي ط، ش "كشف للنَّاس إِرَادَته" وَهِي أوضح. ٥ فِي ط، ش "وهم دون من سواهُم". ٦ عود الضَّمِير فِي "بِهِ" على الْجَهْل أَو على الْإِمْسَاك. ٧ فِي ط، س، ش "تقلبت" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٨ فِي ط، س، ش "يَدعِي".
[ ٢ / ٨٩٢ ]
أوَ تَقْدِرُ١ أَنْ تُشِيرَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنَّهُ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ٢؟ فَتَعَلُّقُكَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ الْيَوْمَ مِنْكَ مُوَارَبَةٌ٣ وَاعْتِذَارٌ٤ مِنْكَ إِلَى الْجُهَّالِ كَيْلَا يَفْطَنُوا لِمُرَادِكَ مِنْهَا. وَلَئِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَهْلِ فِي غَلَطٍ مِنْ مُرَادِكَ إِنَّا مِنْهُ لَعَلَى يَقِينٍ، وَلَئِنْ جَازَ لَكَ هَذَا التَّأْوِيلُ، إِذًا يَجُوزُ لِكُلِّ زِنْدِيقٍ٥ وَجَهْمِيٍّ٦ أَنْ يَقُولَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
فَإِذَا وُبِّخَ، وَوُقِفَ عَلَى دَعْوَاهُ قَالَ: إِنَّمَا قَصَدْتُ بِالْكُفْرِ قَصْدَ مَنْ يَدَّعِي بِهِ فَمًا وَلِسَانًا. وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَّهُ قَالَهُ، فَلَمْ يَنَلِ٧ الْمُعَارِضُ عِنْدَ النَّاسِ بِاعْتِذَارِهِ عُذْرًا، بَلْ حَقَّقَ بِمَا فسَّر، وَأَكَّدَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِ٨؛ لِأَنَّهُ قَالَ٩: يُسْأَلُ من
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "أَو تعذر" وَلَفظ الأَصْل أوضح. ٢ فِي ط، س، ش "أَن يتَوَهَّم بذلك". ٣ فِي س "موارية" بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّة، وَفِي الأَصْل، ط، ش "مواربة" بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وهوالصواب. قلت: المُواربَةُ المُداهاةُ والمُخاتَلَة. انْظُر: القاوس الْمُحِيط للفيروزآبادي ١٣٦/١ مَادَّة "الوَرْبُ". ٤ فِي الأَصْل "واعتذارًا" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، س، ش وَهُوَ الصَّوَاب. ٥ الزنديق وَاحِد الزَّنَادِقَة، انْظُر ص”٥٣١". ٦ الجهمي وَاحِد الْجَهْمِية، انْظُر ص”١٣٨". ٧ فِي ط، س، ش "فَلم يبل"، وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٨ فِي ط، س، ش "أَنه كَلَام الْمَخْلُوق دون الْخَالِق". ٩ فِي الأَصْل "لَا قَالَ" وَلَعَلَّه سقط بعضه، وَفِي ط، س، ش "لِأَنَّهُ قَالَ" وَبِه يَسْتَقِيم السِّيَاق.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
قَالَ: كَلَام الله غيرمخلوق. فَإِنِ ادَّعَوْا فَمًا وَلِسَانًا لَقَدْ كَفَرُوا، وَإِنْ١ أَمْسَكُوا عَنِ الْجَوَابِ فَقَدْ جَهِلُوا، وَلَمْ يُعْذَرُوا، لِمَا أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ فِي دَعْوَاهُ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى إِلَّا بِفَمٍ وَلِسَانٍ، وَخُرُوجٍ مِنْ جَوْفٍ، وَمَنْ لَمْ يَفْقَهْ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدَ الْمُعَارِضِ جَاهِلٌ.
فَإِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَى فَقَدْ٢ حَقَّقَ أَنَّهُ كَلَامُ الْبَشَرِ لَمْ يَخْرُجْ بِزَعْمِهِ إلَّا مِنَ الْأَجْوَافِ وَالْأَلْسُنِ وَالْأَفْوَاهِ الْمَخْلُوقَةِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ وَتَكَبَّرَ؛ لِأَنَّهُ٣ كَلَامُ الْمَلِكِ الْأَكْبَرِ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى خَيْرِ الْبَشَرِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا عَدَدَ مَنْ مَضَى وَغَبَرَ، وَعَدَدَ التُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ.
ثمَّ قفًَّى الْمعَارض بِكِتَاب آخركالمعتذر لِمَا سَلَفَ مِنْهُ، مُصَدِّقًا لِبَعْضِ مَا سَبَقَ مِنْ ضَلَالَاتِهِ، مُكَذِّبًا لِبَعْضٍ٤، يُرِيدُ أَنْ يَنَالَ٥ عِنْدَ الرِّعَاعِ لِنَفْسِهِ فِي زَلَّاتِهِ وَسَقَطَاتِهِ عُذْرًا. فَلَمْ ينلْ بِهِ عُذْرًا٦؛ بَلْ أَقَامَ عَلَى نَفْسِهِ حُجَّةً بَعْدَ حُجَّةٍ، وَكَانَتْ حُجَّتُهُ الَّتِي احتجَّ بِهَا فِي كِتَابِهِ أَعْظَمَ من جُرمه. وَكَذَا
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فَإِن أَمْسكُوا". ٢ فِي ش "قد حقق". ٣ فِي س "لَا كَلَام"، ويستقيم السِّيَاق بِمَا فِي الأَصْل، ط، ش. ٤ فِي س "بِالْبَعْضِ". ٥ فِي الأَصْل "أَن ينل" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ إِذْ لَا مُوجب لحذف الْألف، وَفِي ط، س، ش "أَن يبْلى" وَهُوَ غير وَاضح. ٦ قَوْله: "فَلم ينل بِهِ عذرا" لَيْسَ فِي ط، س، ش وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
الْبَاطِل مَا ازْدَادَ الْمَرْء١ احْتِجَاجًا إِلَّا ازْدَادَ اعْوِجَاجًا، وَلِمَا خَفِيَ مِنْ ضَمَائِرِهِ إِخْرَاجًا.
فَادَّعَى أَنَّ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَهُوَ يَعْنِي أَنَّهُ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ غَيْرُ اللَّهِ فَهُوَ مُصِيبٌ، ثُمَّ إِنْ قَالَ بَعْدَ إِصَابَتِهِ إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ جَاهِلٌ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ٢ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ جِسْمٍ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ٣. قَالَ: وَالْكَلَامُ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْقَوْلُ غَيْرُ الْقَائِلِ وَالْقُرْآنُ، وَالْمَقْرُوءُ وَالْقَارِئُ كُلُّ وَاحِد مِنْهَا لَهُ مَعْنًى.
فيُقال لِهَذَا الْمُعَارِضِ: مَا أثبتَّ بِكَلَامِكَ هَذَا الْأَخِيرِ عُذْرًا، وَلَا أَحْدَثْتَ مِنْ ضَلَالَتِكَ٤ بِهِ تَوْبَةً، بَلْ حَقَّقْتَ وَأَكَّدْتَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِتَمْوِيهٍ٥ وَتَدْلِيسٍ٦، وَتَخْلِيطٍ مِنْكَ وَتَلْبِيسٍ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ مَوَّهْتَ عَلَى مَنْ لَا يَعْقِلُ بَعْضَ التَّمْوِيهِ فَسَنَرُدُّهُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى تَنْبِيهٍ٧.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "لَهُ الْمَرْء". ٢ فِي ط، ش "أَنه" يفتح الْهمزَة وَصَوَابه الْكسر؛ لِأَنَّهَا وَقعت موقع القَوْل. ٣ قَوْله: "وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ فَهُوَ كَافِر" لَيست فِي ط، س، ش، وَالظَّاهِر أَنه سقط مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ ورد فِي معرض الرَّد كَمَا سيتبين بعد سطور. ٤ فِي س "عَن ضلالاتك". ٥ تقدم معنى التمويه ص"٥٣٥". ٦ التَّدْلِيس، تقدم مَعْنَاهُ ص"١٤٢". ٧ فِي ط، س، ش "إِلَى تَنْبِيه".
[ ٢ / ٨٩٥ ]
وَأَمَّا قَوْلُكَ: الْكَلَامُ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْقَوْلُ غَيْرُ الْقَائِلِ، فَإِنَّهُ لَا يشك عَرَبِيّ ولاعجمي أَنَّ الْقَوْلَ وَالْكَلَامَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ وَالْقَائِل يخرج من ذواتهم١ سواهُ٢.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: مَنْ زَعَمَ٣ أَنَّ الْقُرْآنُ غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ أَصَابَ، فَهَذَا مِنْكَ تَأْكِيدٌ وَتَحْقِيقٌ بِأَنَّهُ٤ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللَّهِ فِي دَعْوَاكَ وَدَعْوَانَا مَخْلُوقٌ.
ثُمَّ أَكَّدْتَ أَيْضًا فَقُلْتَ: مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَدْ جَهِلَ. وَقُلْتَ مَرَّةً: فَقَدْ كَفَرَ، فَأَيُّ تَوْكِيدٍ أَوْكَدُ فِي الْمَخْلُوقِ مِنْ هَذَا؟ ثُمَّ رَاوَغْتَ٥ فَقُلْتَ فِي بَعْضِ كَلَامِكَ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ٦ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، تَمْوِيهًا٧ مِنْكَ وَتَدْلِيسًا٨ عَلَى الْجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ عِنْدَكَ جَاهِلًا كَافِرًا، كَانَ مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ عِنْدَكَ عَالِمًا مُؤْمِنًا. فَقَوْلُكَ مُبْتَدَعٌ لَا يَنْقَاسُ لَكَ فِي مَذْهَبِكَ، غَيْرَ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُرْضِيَ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "من ذاتهم". ٢ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "سَوَاء". ٣ فِي ط، س، ش "إِن من زعم". ٤ فِي ط، س، ش "أَنه مَخْلُوق". ٥ يُقَال: راغ الرجل والثعلب روغًا وروغانًا: مَال وَاد عَن الشَّيْء، انْظُر: الْقَامُوس الْمُحِيط ١٠٧/٣ مَادَّة "راغ". ٦ كلمة "مَخْلُوق" لَيست فِي ش، ولعلها سَقَطت سَهوا. ٧ تقدم معنى التمويه، ص"٥٣٥". ٨ التَّدْلِيس، تقدم مَعْنَاهُ ص"١٤٢".
[ ٢ / ٨٩٦ ]
بِهِ مَنْ حَوْلَكَ مِنَ الْأَغْمَارِ١.
وَأَمَّا قَوْلُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ جِسْمٍ فَهُوَ كَافِرٌ، فَلَيْسَ يُقَالُ كَذَلِكَ، وَلَا أَرَاكَ سَمِعْتَ أَحَدًا يَتَفَوَّهُ بِهِ كَمَا ادَّعَيْتَ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ اللَّهِ ﵎ دُونَ مَنْ سِوَاهُ٢. وَذِكْرُ الْجِسْمِ٣ وَالْفَمِ وَاللِّسَانِ خُرَافَاتٌ٤ وَفُضُولٌ مَرْفُوعَةٌ عَنَّا، لَمْ نُكَلَّفْهُ فِي دِينِنَا، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ الْكَلَامَ يَخْرُجُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، فَهَذَا أَيْضًا مِنْ تِلْكَ الْفُضُولِ، وَمَا رَأَيْنَا أَحَدًا يَصِفُهُ بِالْأَجْزَاءِ، وَالْأَعْضَاءِ، جلّ عَن هَذَا الْوَصْف
_________________
(١) ١ الأغمار، انْظُر مَعْنَاهَا ص"١٤٧". ٢ فِي ش "دون سواهُ". ٣ لفظ الْجِسْم كَلَفْظِ الْجِهَة والحيز لم ترد فِي الْكتاب وَلَا السّنة نفيا وَلَا إِثْبَاتًا، وَقد يُرَاد بهَا معَان متنوعة، قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية: "فالمعارضة بهَا لَيست مُعَارضَة بِدلَالَة شَرْعِيَّة، لَا من كتاب وَلَا من سنة وَلَا إِجْمَاع، بل وَلَا أثر عَن صَاحب أَو تَابع، وَلَا إِمَام من الْمُسلمين، بل الْأَئِمَّة الْكِبَار أَنْكَرُوا على الْمُتَكَلِّمين بهَا وجعلوهم من أهل الْكَلَام الْبَاطِل المبتدع، وَقَالُوا فِيهَا أقوالًا غَلِيظَة مَعْرُوفَة عَن الْأَئِمَّة؛ كَقَوْل الشَّافِعِي ﵀: حكمي فِي أهل الْكَلَام أَن يضْربُوا بالجرد وَالنعال وَيُطَاف بهم فِي الْقَبَائِل والعشائر، وَيُقَال: هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأَقْبل على الْكَلَام"، انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٢٩٨/٥، وَانْظُر: مَا ذَكرْنَاهُ تَعْلِيقا على هَذَا المُصَنّف ص"٢٢٣". ٤ الخراف والخرافة، تقدم مَعْنَاهُمَا ص"٦٨٢".
[ ٢ / ٨٩٧ ]
وَتَعَالَى١، وَالْكَلَامُ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَا يشبه الصِّفَات: من الْوَجْه
_________________
(١) ١ قلت: لفظ الْأَعْضَاء والأبعاض، والأجزاء والجوارح والأركان والأدوات لم يرد ذكرهَا فِي صِفَات الله تَعَالَى لَا نفيا وَلَا إِثْبَاتًا، وَهِي أَلْفَاظ مجملة تحْتَمل حَقًا وباطلًا، فَمن أطلقها نفيا وإثباتًا سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ؛ فَإِن أَرَادَ بهَا معنى بَاطِلا رُدَّ، وَإِن أَرَادَ بهَا معنى صَحِيحا قبل الْمَعْنى ورد اللَّفْظ؛ لِأَنَّهُ لم يرد، وَأمر أَن يعتصم بِأَلْفَاظ الْكتاب وَالسّنة. قَالَ شَارِح الطحاوية: "وَأما لفظ الْأَركان والأعضاء والأدوات فيستدل بهَا على نفي بعض الصِّفَات الثَّابِتَة بالأدلة القطعية، كَالْيَدِ وَالْوَجْه. قَالَ أَبُو حنيفَة فِي "الْفِقْه الْأَكْبَر": لَهُ يَد وَوجه وَنَفس، كَمَا ذكر تَعَالَى فِي الْقُرْآن من ذكر الْيَد وَالْوَجْه وَالنَّفس، فَهُوَ لَهُ صفة بِلَا كَيفَ، وَلَا يُقَال: إِن يَده قدرته وَنعمته؛ لِأَن فِيهِ إبِْطَال الصّفة، انْتهى. وَهَذَا الَّذِي قَالَه الإِمَام ﵁ ثَابت بالأدلة القاطعة. ثمَّ أورد الْأَدِلَّة إِلَى أَن قَالَ..: وَلَكِن لَا يُقَال لهَذِهِ الصِّفَات أَنَّهَا أَعْضَاء أَو جوارح أَو أدوات أَو أَرْكَان؛ لِأَن الرُّكْن جُزْء الْمَاهِيّة، وَالله تَعَالَى هُوَ الْأَحَد الصَّمد لَا يتَجَزَّأ، ﷾، والأعضاء فِيهَا معنى التَّفْرِيق والتعضية، تَعَالَى الله عَن ذَلِك، وَمن هَذَا الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الْحجر: ٩١] . والجوارح فِيهَا معنى الِاكْتِسَاب وَالِانْتِفَاع، وَكَذَلِكَ الأدوات هِيَ الْآلَات الَّتِي ينْتَفع بهَا فِي جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة، وكل هَذِه الْمعَانِي منتفية عَن الله تَعَالَى، وَلِهَذَا لم يرد ذكرهَا فِي صِفَات الله تَعَالَى. فالألفاظ الشَّرْعِيَّة صَحِيحَة الْمعَانِي سَالِمَة من الِاحْتِمَالَات الْفَاسِدَة، فَكَذَلِك يجب أَن لَا يعدل عَن الْأَلْفَاظ الشَّرْعِيَّة نفيا وَلَا إِثْبَاتًا؛ لِئَلَّا يثبت معنى فَاسد، أَو يَنْفِي معنى صَحِيح. وكل هَذِه الْأَلْفَاظ المجملة عرضه للمحق والمبطل". انْظُر: شرح الطحاوية بتخريج الألباني ط. الْخَامِسَة ص"٢٤٠-٢٤٢".
[ ٢ / ٨٩٨ ]
وَالْيَدِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَلَا يُشْبِهُ الْكَلَام من١ الْخَالِق والمخلوق سائرالصفات. وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ٢ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ٣ تَفْسِيرًا فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٤.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنْ قَالُوا: الْقُرْآنُ هُوَ اللَّهُ، فَهُوَ كُفْرٌ؛ فَإِنَّا لَا نَقُولُ: هُوَ اللَّهُ كَمَا ادَّعَيْتَ، فَيَسْتَحِيلُ٥ وَلَا نَقُولُ: هُوَ غَيْرُ اللَّهِ، فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَقُولَ: كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، كَمَا لَزِمَكَ. وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، خَرَجَ مِنْهُ كَمَا شَاءَ٦ أَنْ يَخْرُجَ، وَاللَّهُ بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ عَلَى عَرْشِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: فِي الْقِرَاءَةِ وَالْقَارِئِ وَالْمَقْرُوءِ: إِنَّ٧ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ مَعْنًى عَلَى حِدَةٍ فَهَذَا أَمْرُ مَذَاهِبِ اللَّفْظِيَّةِ٨، لَا نَدْرِي مِنْ أَيْن وَقعت عَلَيْهِ،
_________________
(١) ١ حرف "من" لَيْسَ فِي س، وَلَعَلَّه سقط سَهوا إِذْ لابد مِنْهُ. ٢ فِي ط، س، ش "ذَلِك". ٣ انْظُر: "القَوْل فِي كَلَام الله" ص"٥٢٤". ٤ فِي ط، س، ش "إِن شَاءَ الله تَعَالَى". ٥ فِي س "مُسْتَحِيل". ٦ فِي ط، س، ش "كَمَا يَشَاء". ٧ فِي ط، ش "وَإِن لكل شَيْء مِنْهُ". ٨ هم الَّذين يَقُولُونَ: ألفاظنا وتلاوتنا لِلْقُرْآنِ مخلوقة. وعددهم الإِمَام أَحْمد من الْجَهْمِية، فَقَالَ: "افْتَرَقت الْجَهْمِية على ثَلَاث فروق، فرقة تَقول: الْقُرْآن مَخْلُوق، وَفرْقَة تَقول: كَلَام الله وتسكت، وَفرْقَة تَقول: ألفاظنا وتلاوتنا لِلْقُرْآنِ مخلوقة". =
[ ٢ / ٨٩٩ ]
وَكَيْفَ تَقَلَّدْتَهُ؟ فَمَرَّةً أَنْتَ جَهْمِيٌّ، وَمَرَّةً وَاقِفِيٌّ، وَمَرَّةً لَفْظِيٌّ، وَلَوْلَا أَنْ يَطُولَ الْكِتَابُ لَبَيَّنَّا لَكَ وُجُوهَ الْقَارِئِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْمَقْرُوءِ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ١ طَوَّلْتُ وَأَكْثَرْتُ، وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَصَرْتُ وَتَخَطَّيْتُ٢ خُرَافَاتٍ٣ لَمْ يَسْتَقِمْ٤ لِكَثِيرٍ مِنْهَا جَوَابٌ، غَيْرَ أَنَّا٥ مَا فَسَّرْنَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى مَا لَمْ نُفَسِّرْ٦، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِصَوَابِ٧ مَا نَأْتِي٨ وَمَا نذر.
_________________
(١) = قلت: وَرُبمَا قَالُوا: إِن ألفاظنا بِالْقُرْآنِ غير مخلوقة، والتلاوة غير المتلو، وَالْقِرَاءَة هِيَ المقروء، وَهَؤُلَاء يسمون اللفظية المثتبة، أَو قَالُوا: إِن ألفاظنا بِالْقُرْآنِ مخلوقة والتلاوة غير المتلو، وَالْقِرَاءَة غير المقروء، وَهَؤُلَاء يسمون باللفظية الخلقية. وَسُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن اللفظية فَقَالَ: "إِنَّمَا يدورون على كَلَام جهم يَزْعمُونَ أَن جِبْرِيل إِنَّمَا جَاءَ بِشَيْء مَخْلُوق"، وَقَالَ عَنْهُم أَيْضا: "هم شَرّ من الْجَهْمِية". انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ٣٧٣/١٢، ٤٢١، وَانْظُر: مُلْحق فِي الْجَهْمِية من كتاب مسَائِل الإِمَام أَحْمد/ ضمن مَجْمُوع عقائد السّلف/ لعَلي سامي النشار ص"١١٢". ١ "قد" لَيست فِي ش. ٢ فِي الأَصْل وس "وتخطات". ٣ خرافات، تقدم مَعْنَاهَا ص"٦٨٢". ٤ فِي س "لم يَسْتَقِيم" وَالصَّوَاب حذف يائه الثَّانِيَة للجزم. ٥ فِي س "غير أَنه". ٦ فِي ط، س، ش "مالم يُفَسر". ٧ فِي ط، س، ش "للصَّوَاب". ٨ "مَا يَأْتِي وَمَا نذر".
[ ٢ / ٩٠٠ ]