وادَّعى الْمُعَارِضُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصَّلْتِ٢ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ٣ بَيْتٌ يُسمى بَيْتَ الْحِكْمَةِ. فَمَنْ٤ وَجَدَ حَدِيثًا أَلْقَاهُ فِيهِ٥ ثُمَّ رُويت بَعْدَهُ.
فَهَذِهِ حِكَايَةٌ لَمْ نَعْرِفْهَا٦ وَلَمْ نَجِدْهَا٧ فِي الرِّوَايَاتِ، فَلَا تَدْرِي٨ عَمَّنْ رَوَاهَا أَبُو الصَّلْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ عَنْ ثِقَةٍ. فَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ مَعْرُوفًا بِقِلَّةِ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولوشاء لَأَكْثَرَ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَّقِي ذَلِكَ وَيَتَقَدَّمُ إِلَى النَّاسِ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْإِكْثَارِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِن كَانَ لَيَقُولُ: "اتَّقُوا مِنَ الرِّوَايَاتِ٩ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَا كَانَ يذكر مِنْهَا فِي
_________________
(١) ١ العنوان من المطبوعتين ط، ش وَانْظُر تَرْجَمَة مُعَاوِيَة ﵁ ص"٦١٧". ٢ الرَّاجِح أَنه عبد السَّلَام بن صَالح بن سُلَيْمَان، أَبُو الصَّلْت الْهَرَوِيّ، مولى قُرَيْش، نزيل نيسابور، صَدُوق لَهُ مَنَاكِير، كَانَ يتشيع، وأفرط الْعقيلِيّ، فَقَالَ: كَذَّاب/ ق. انْظُر: التَّقْرِيب ٥٠٦/١، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١٩٥/٢ أَنه تُوفي سنة ٢٣٥هـ، وَفِي ميزَان الِاعْتِدَال ٦١٦/٢ قَالَ ابْن سيار: إِلَّا أَن ثمَّ أَحَادِيث يَرْوِيهَا فِي المثالب. ٣ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، تقدم ص"٦١٧". ٤ فِي ط، ش "فَكلما". ٥ لَفْظَة "فِيهِ" تَكَرَّرت فِي س. ٦ فِي ط، س، ش "لَا نعرفها". ٧ فِي ط، ش "وَلَا نجدها". ٨ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "فَلَا نَدْرِي" وَهُوَ أولى. ٩ فِي ط، ش "أتقوا الرِّوَايَات" بِفَتْح الْهمزَة.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
زَمَنِ عُمَرَ١، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٢ كَانَ يُخوِّف النَّاسَ فِي اللَّهِ"٣.
حَدَّثَنَا٤ ابْنُ صَالِحٍ٥ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ٦ وَسَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ٧.
وَهَذَا طَعْنٌ كَثِيرٌ٨ مِنَ الْمُعَارِضِ أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ أَحَادِيثَ النَّاسِ عَنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَيَجْعَلُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَوِ استحلَّ مُعَاوِيَةُ٩ هَذَا الْمَذْهَبَ لَافْتَعَلَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَنَحَلَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَكَانَ يُقْبَلُ مِنْهُ لِمَا أَنَّهُ عُرِفَ١٠ بِصُحْبَةِ١١ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَمْ يَكُنْ يُنْحِلُهُ قَوْلَ غَيره من عوام النَّاس.
_________________
(١) ١ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، تقدم ص"٢٧٧". ٢ لفظ "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش "فِي الله تَعَالَى". ٤ فِي ط، س، ش "حدّثنَاهُ". ٥ فِي ط "ابْن أبي صَالح" وَفِي ش "عَن أبي صَالح". قلت: وَصَوَابه أَنه "ابْن صَالح" كَمَا فِي الأَصْل أَو "أَبُو صَالح" وهما كنيتان لعبد الله بن صَالح الْجُهَنِيّ أَبُو صَالح الْمصْرِيّ، تقدم ص"١٧١". ٦ مُعَاوِيَة بن صَالح، تقدم ص"٦١٧". ٧ ذكره الذَّهَبِيّ فِي تذكرة الْحفاظ الطبعة الْهِنْدِيَّة ٧/١ من طَرِيق ابْن علية عَن رَجَاء بن أبي سَلمَة، قَالَ: بَلغنِي أَن مُعَاوِيَة كَانَ يَقُول: عَلَيْكُم من الحَدِيث بِمَا كَانَ فِي عهد عمر، فَإِنَّهُ كَانَ قد أَخَاف النَّاس فِي الحَدِيث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ٨ لم تعجم فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "كثير". ٩ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، تقدم ص"٦١٧" ١٠ فِي ط، س، ش "لما عرف". ١١ فِي ط، ش "بِصُحْبَتِهِ" وَفِي س "من صُحْبَة".
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وَيَدُلُّكَ١ قِلَّةُ رِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ٢ عَنِ النَّبِيِّ ﷺوَكَانَ كَاتِبَهُ- عَلَى تَكْذِيبِ مَا رَوَيْتَ عَنْ أَبِي الصَّلْتِ٣. فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاكْشِفْ عَنْ إِسْنَادِهِ فَإِنَّكَ لَا تُسْنِدُهُ إِلَى ثِقَةٍ.
الذَّبُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ٤:
وَكَذَلِكَ ادَّعَيْتَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ٥، وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ رِوَايَةً عَنْهُ، مَعْرُوفًا٦ بِذَلِكَ. فَزَعَمت أَنه أَصَابَت يَوْمَ الْيَرْمُوكِ٧ زَامِلَتَيْنِ٨ مِنْ كُتُبِ أهل الْكتاب، فَكَانَ يَرْوِيهَا.
_________________
(١) ١ فِي س "وَبِذَلِك" ٢ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، تقدم ص"٦١٧". ٣ أَبُو الصَّلْت، انْظُر ص"٦٣٢". ٤ العنوان من المطوعتين ط، ش، قلت: وَقد تقدّمت تَرْجَمَة عبد الله بن عَمْرو ص"٢٥٦". ٥ انْظُر تَرْجَمته ص"٢٥٦". ٦ فِي س "معارفًا" وَمَا فِي الأَصْل أصح. ٧ اليرموك: وَاد بِنَاحِيَة الشَّام فِي طرف الْغَوْر يصب فِي نهر الْأُرْدُن، ثمَّ يمْضِي إِلَى الْبحيرَة المنتنة، وَقعت فِيهِ الْحَرْب الْمَشْهُورَة بَين الْمُسلمين وَالروم أَيَّام أبي بكر الصّديق، وَكَانَ ذَلِك فِي السّنة الثَّالِثَة عشرَة من الْهِجْرَة، قاد الْمُسلمين فِيهَا خَالِد بن الْوَلِيد ﵁، وانتصر الْمُسلمُونَ نصرا مؤزرًا. انْظُر: الْكَامِل فِي التَّارِيخ لِابْنِ الْأَثِير ٤١٠/٢-٤١٤، والحموي فِي مُعْجم الْبلدَانِ ٤٣٤/٥. ٨ الزاملتين مثنى زاملة. قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٣٩٠/٣: "والزاملة الَّتِي يحمل علها من الْإِبِل وَغَيرهَا". قلت: وَفِي السّنة قبل التدوين لمُحَمد عجاج الْخَطِيب ص"٣٥١" أَنه كَانَ عِنْد =
[ ٢ / ٦٣٤ ]
لِلنَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ١ يُقال لَهُ: أَلا تحدثنا٢ عَن الزاملتين.
_________________
(١) = ابْن عَمْرو كتب كَثِيرَة عَن أهل الْكتاب أَصَابَهَا يَوْم اليرموك فِي زاملتين وَقد ادّعى بشر المريسي أَنَّ "عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو كَانَ يرويهما لِلنَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يُقَال لَهُ: لَا تحدثنا عَن الزاملتين" قَالَ: "وَهَذِه الدَّعْوَى بَاطِلَة، فقد ثَبت أَن ابْن عَمْرو كَانَ أَمينا فِي نَقله وَرِوَايَته، لَا يحِيل مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ على أهل الْكتاب، كَمَا لَا يحِيل مَا رُوِيَ عَن أهل الْكتاب عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ويكف ابْن عَمْرو فخرًا أَنه كَانَ أول من دون الحَدِيث بَين يَدي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بإذنهن وَفِي مُخْتَلف أَحْوَاله فِي الْغَضَب وَالرِّضَا" انْتهى. وَقَالَ فِي حَاشِيَة الْمصدر نَفسه ص"٣٥١" هَامِش "٤": "وَقد ذكر مَحْمُود أَبُو رية صَاحب كتاب أضواء على السّنة المحمدية أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو "كَانَ أصَاب زَامِلَتَيْنِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَانَ يَرْوِيهَا لِلنَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فتجنب الْأَخْذ عَنهُ كثير من أَئِمَّة التَّابِعين، وَكَانَ يُقَال لَهُ: لَا تحدثنا عَن الزاملتين. ص١٦٦ جـ١ فتح الْبَارِي". انْتهى مَا نَقَلْنَاهُ عَن أضواء على السّنة المحمدية. قَالَ: "وَمن العجيب أَن يسمع إِنْسَان مثل هَذَا الْخَبَر ويصدقه لِأَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم، كَانُوا أدق النَّاس لِسَانا، وأنقى الْأمة قلوبًا، وأخلص الْبَريَّة للرسول ﷺ، فَلَا يعقل أَن يكذب أَمْثَال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فيعزو إِلَيْهِ مَا سَمعه من أهل الْكتاب فهرعت إِلَى فتح الْبَارِي وَإِذا بِهِ -شهد الله- خَالِيا من عبارَة أبي رية، فَلَيْسَ فِي قَول ابْن حجر "عَن النَّبِي" إِنَّمَا زَادهَا الْكَاتِب من عِنْده. فَهَل تَكْذِيب الصَّحَابَة والافتراء عَلَيْهِم، والانتحال على الْعلمَاء أَمْثَال ابْن حجر وَغَيره من الْأَمَانَة العلمية؟؟ وَقد ثَبت لنا سوء نِيَّة أبي رية فِي مَوَاضِع كَثِيرَة يظْهر بَعْضهَا فِي بحثنا عَن أبي هُرَيْرَة" انْتهى. وَانْظُر: أضواء على السّنة المحمدية/ الطبعة الأولى ص"١٦٢" هَامِش "٣" وَانْظُر: فتح الْبَارِي طبعة المكتبة السلفية ٢٠٧/١، والأنوار الكاشفة ص"١٢٥". ١ فِي ط، س، ش "وَكَانَ". ٢ فِي ط، س، ش "لَا تحدثنا".
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ! إِنْ كَانَ عبد الله بْنُ عَمْرٍو١ أَصَابَ الزَّامِلَتَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ٢. فَقَدْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ أَمِينًا عِنْدَ الْأُمَّةِ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ لَا يَجْعَلَ مَا وَجَدَ فِي الزَّامِلَتَيْنِ٣ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنْ كَانَ يَحْكِي عَنِ الزَّامِلَتَيْنِ٤ مَا وَجَدَ فِيهِمَا، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا سَمِعَ مِنْهُ، لَا يُحِيلُ ذَاكَ٥ عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا عَلَى ذَاكَ. كَمَا تأوَّلت عَلَيْهِ بِجَهْلِكَ، وَاللَّهُ سَائِلُكَ عَنْهُ.
_________________
(١) ١ ابْن عَمْرو ﵄، تقدم ص"٢٥٦". ٢ تقدم قبل قَلِيل. ٣، ٤ تقدم قبل قَلِيل. ٥ فِي س "ذَلِك".
[ ٢ / ٦٣٦ ]