١- عصره السياسي:
يتَّفق جُمْهُور المؤرخين على تَقْسِيم الدولة العباسية إِلَى عصرين متميزين:
الْعَصْر الأول:
ويعبرون عَنهُ بالعصر الزاهي ويمتد من نشأة الدولة سنة١٣٢هـ إِلَى آخر أَيَّام الْخَلِيفَة الواثق سنة٢٣٢هـ.
وَالْعصر الثَّانِي:
ويعبرون عَنهُ بعصر التدهور والانحطاط، وَالَّذِي ابْتَدَأَ بخلافة المتَوَكل سنة٢٣٢، وانْتهى بِسُقُوط الدولة العباسية تَمامًا على أَيدي التتار سنة ٦٥٦هـ.
وَلما كُنَّا بصدد الحَدِيث عَن عصر المريسي فَإِنَّهُ يُمكن القَوْل بِأَنَّهُ عايش بدايات الْعَصْر الأول العباسي، حَيْثُ كَانَت وِلَادَته أبان خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور تَقْرِيبًا، وَهُوَ الْخَلِيفَة العباسي الثَّانِي، وامتدت خِلَافَته من سنة "١٣٦هـ-١٥٨" وعاصر خلَافَة كل من الْمهْدي "١٥٨-١٦٩"، وَالْهَادِي "١٦٩-١٧٠" ثمَّ خلَافَة الرشيد "١٧٠-١٩٣"، والأمين "١٩٣-١٩٨هـ"، والمأمون "١٩٨-٢١٨هـ" حَيْثُ هلك فِي آخر خلَافَة الْمَأْمُون
[ ١ / ٤٧ ]
أَو أول خلَافَة المعتصم.
وَلست هُنَا بصدد تَفْصِيلًا عَن الْأَحْدَاث السياسية فِي عصر كل من ذكرت من خلفاء الدولة العباسية، وسأكتفي بِذكر عدد من الْأَحْدَاث السياسية على سَبِيل التَّمْثِيل لَا الْحصْر، إِذْ لَا يَتَّسِع المجال للْحَدِيث عَن كل الْحَوَادِث تَفْصِيلًا.
فقد تمّ فِي عصر أبي جَعْفَر الْمَنْصُور الْقَضَاء على عدد من المناوئين لَهُ وعَلى رَأْسهمْ عَمه عبد الله بن عَليّ، كَمَا قضى على أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي، وَقتل أَيْضا مُحَمَّدًا ذَا النَّفس الزكية فِي الْحجاز وأخاه فِي الْعرَاق، وَبنى بَغْدَاد واستوزر خَالِد بن برمك وَمن ثمَّ بدا دور البرامكة.
كَمَا تمّ فِي عهد الْمهْدي إخماد الثورات والفتن الَّتِي قَامَت فِي بِلَاد الشَّام سنة١٦١هـ بزعامة عبد الله بن مَرْوَان الْأمَوِي، والفتنة الَّتِي قَامَت فِي الجزيرة سنة١٦٢هـ بقيادة عبد السَّلَام الْيَشْكُرِي، وَلَعَلَّ من أبرز الْفِتَن جَمِيعًا فِي عَهده فتْنَة الزَّنَادِقَة دعاة الانحلال وَالشَّر وَالْفساد، وَلم يتَمَكَّن من الْقَضَاء عَلَيْهِم.
وَفِي عهد الْهَادِي اشْتَدَّ فِي طلب الزَّنَادِقَة وقتلهم، كَمَا اشْتَدَّ فِي محاربة الشِّيعَة خَاصَّة عِنْدَمَا ظهر الْحُسَيْن بن على بن الْحسن بن عَليّ ابْن أبي طَالب سنة١٦٩هـ.
وَلم تطل خِلَافَته، حَيْثُ توفّي فِي بَغْدَاد سنة ١٧٠هـ بعد أَن ظلّ فِي الْخلَافَة سنة وشهرًا واثنين وَعشْرين يَوْمًا.
[ ١ / ٤٨ ]
وَجَاء عهد الْخَلِيفَة هَارُون الرشيد، فاستمرت خِلَافَته زهاء ثَلَاث وَعشْرين سنة، اهتم خلالها بِأَمْر الحروب مَعَ البيزنطيين اهتمامًا كَبِيرا فنظم الْحُدُود مَعَهم وحصنها وَعين على جيوشه خيرة القادة، وانتصر على البيزنطيين، وَفتحت كثير من الْحُصُون والقلاع واضطرات ملكة الرّوم "إيريني" إِلَى دفع الْجِزْيَة.
ويقفنا التَّارِيخ على مدى مَا كَانَ للدولة الإسلامية فِي عَهده من قُوَّة، وَفِي شخصيته من عزة وأنفة، فقد حدث أَن عزلت الملكة "إيريني" وَتَوَلَّى عرش الإمبراطورية "نقفور" الَّذِي نقض الْعَهْد ورفض دفع الْجِزْيَة وَكتب إِلَى الرشيد رِسَالَة استطال فِيهَا عَلَيْهِ فَكَانَ رد الرشيد بالآتي:
"بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من هَارُون الرشيد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى نقفور كلب الرّوم، فقد قَرَأت كتابك وَالْجَوَاب مَا ترَاهُ دون أَن تسمعه وَالسَّلَام"١.
وبالفعل جهز جَيْشًا قَادَهُ بِنَفسِهِ وغزا دولة الرّوم وانتصر بِنَفسِهِ على "نقفور" وَأَعَادَهُ للهدنه وَدفع الْجِزْيَة.
وَلم يكن للمريسي فِي عهد الرشيد قبُول وَلَا لنحلته نُفُوذ وسلطان فقد تواعده وهم بقتْله شَرّ قَتله، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يختفي طيلة عهد الرشيد وظل كَذَلِك فِي عهد الْأمين إِلَى أَن جَاءَ عهد الْمَأْمُون فَوجدَ الْمُعْتَزلَة مِنْهُ انتصارًا لمذهبهم.
وَلم تكن الْحَال بعد هَارُون الرشيد كَمَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عَهده، فقد تولى
_________________
(١) ١ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٨/ ٣٠٨".
[ ١ / ٤٩ ]
ابْنه عبد الله الْأمين الْخلَافَة من بعده، وَفِي عصره فسد حَال الرّعية وَخرجت بعض معالم الدولة العباسية، ونشبت الْحَرْب بَينه وَبَين أَخِيه حَتَّى أَنه أرسل جَيْشًا يَأْتِيهِ بالمأمون فَهزمَ عِنْد الرّيّ، فأعلن الْمَأْمُون نَفسه خَليفَة وقبلته فَارس بأجمعها، وحاصر بَغْدَاد إِلَى أَن وَافق الْأمين على تسلم نَفسه إِلَّا إِنَّه قتل قبل وُصُوله ذَلِك سنة ١٩٨، وَبِذَلِك آلت الْخلَافَة من بعده إِلَى الْمَأْمُون وَقد أَشرت إِلَى تِلْكَ الفترة بِشَيْء من الإيجاز فِي الحَدِيث عَن عصر الدَّارمِيّ السياسي١.
٢- عصره العلمي:
لقد عايش المريسي فَتْرَة من الازدهار العلمي قل أَن تتسنى لمثله وعاصره من الْعلمَاء الْأَعْلَام من يعدهم المنصفون جبال الدُّنْيَا وأئمة الْحِفْظ ومشاعل النُّور، ملؤوا الدُّنْيَا بعلمهم واستنارت البشرية بِنور آثَارهم حَتَّى يَوْمنَا هَذَا، فَمن منا لَا يعرف الإِمَام أَحْمد أوالشافعي وَمَالك بن أنس وَالْبُخَارِيّ وَمُسلمًا وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأَبا يُوسُف، وَغَيرهم من الْعلمَاء الَّذين أثروا المكتبات الإسلامية ببديع المصنفات. يَقُول أَحْمد أَمِين فِي كِتَابه ضحى الْإِسْلَام:
"نشط الْعلم فِي أحضان العباسيين نشاطًا كَبِيرا، وَإِن كَانَت بذرة النشاط بدأت فِي آخر الْعَصْر الْأمَوِي، فالتأليف فِي الْعَهْد العباسي شَمل كل فرع من فروع الْعُلُوم، وعد المؤلفون والمؤلفات بالمئات، واستعراض
_________________
(١) ١ وَانْظُر بسط الْكَلَام فِي تَارِيخ كل من هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء فِي: تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٧/ ٤٧١-٨/ ٤٧٨"، وَانْظُر الإيجاز فِي ذَلِك فِي: حضارة الدولة العباسية د. أَحْمد رَمَضَان "٢١-٢٩".
[ ١ / ٥٠ ]
لفهرست ابْن النديم فِيمَا ألف فِي ذَلِك الْعَصْر يقفنا موقف الدهشة والاستغراب"١.
وَلست هُنَا بصدد الحَدِيث التفصيلي عَن منجزات هَذَا الْعَصْر العلمية، فَلَيْسَ هَذَا بَابه، إِلَّا أَنِّي أود الْإِشَارَة إِلَى أَن المريسي لم يكن مِمَّن يألف هَذَا الْوسط العلمي الزَّاهِر، فَلَقَد كَانَ يعِيش فِي جو آخر يألفه هُوَ وَأَضْرَابه من الْجَهْمِية الأشقياء، فوهب حَيَاته لعلم الْكَلَام حَتَّى أتقنه وبرع فِيهِ، وسلك مناهجه فِي الْحجَّة وَالِاسْتِدْلَال، مؤثرًا ذَلِك عَليّ النهج القرآني والمسلك النَّبَوِيّ فِي الْحجَّة وَالْبَيَان فضل وأضل، وَكَانَ خليق بِهِ إِن لم يرق إِلَى مَرَّات الْعلمَاء الأفذاذ مِمَّن ذكرنَا، أَن يَأْتِي على غير علم الْكَلَام والفلسفة، فيبدع فِي علم من عُلُوم الْعَرَبيَّة والآداب، أَو التَّارِيخ أَو غَيرهَا من الْعُلُوم، على أَنه إِن لم يكن أغفل جَانب الْفِقْه فتعلمه إِلَّا أَنه أوغل فِي اعتزاله وجهميته.
وَلَعَلَّ من أبرز السلبيات فِي مجَال الْحَيَاة العليمة فِي هَذَا الْعَصْر هُوَ اتساع دَائِرَة التَّرْجَمَة، حَيْثُ عرضت الْكتب اليوناينة والفارسية وَغَيرهَا، اخْتَلَط الغث بالسمين وَحصل بذلك أَنْوَاع من الْفساد وَالِاضْطِرَاب، وَفِي ذَلِك يَقُول شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية:
"ثمَّ إِنَّه لما عربت الْكتب اليونانية فِي حُدُود الْمِائَة الثَّانِيَة وَقبل ذَلِك وَبعد ذَلِك، وَأَخذهَا أهل الْكَلَام وتصرفوا فِيهَا من أَنْوَاع الْبَاطِل فِي الْأُمُور الإلهية مَا ضل بِهِ كثير مِنْهُم وَصَارَ النَّاس فِيهَا أشتاتًا: قوم
_________________
(١) ١ ضحي الْإِسْلَام "٢/ ٣٦٣".
[ ١ / ٥١ ]
يقبلونها، وَقوم يجلون مَا فِيهَا، وَقوم يعرضون مَا فِيهَا على أصولهم وقواعدهم، فيقبلون مَا وَافق ذَلِك دون مَا خَالفه، وَقوم يعرضونها على مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْكتاب وَالْحكمَة.
وَحصل بِسَبَب تعريبها أَنْوَاع من الْفساد وَالِاضْطِرَاب، مَضْمُونا إِلَى مَا حصل من التَّقْصِير والتفريط فِي معرفَة مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْكتاب وَالْحكمَة، حَتَّى صَار مَا مدح من الْكتاب وَالْحكمَة من مُسَمّى الْحِكْمَة، يظنّ كثير من النَّاس أَنه حِكْمَة هَذِه الْأمة أَو نَحْوهَا من الْأُمَم كالهند وَغَيرهم"١.
_________________
(١) ١ بَيَان تلبيس الْجَهْمِية "١/ ٣٢٣".
[ ١ / ٥٢ ]