ثُمَّ لَمَّا فَرَغْتَ مِنْ إِنْكَارِ الْيَدَيْنِ وَنَفْيِهَا عَنِ اللَّهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ٢ أَقْبَلْتَ قِبَل وَجْهِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى٣ لِتَنْفِيَهُ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعَمَايَاتِ، كَمَا نَفَيْتَ عَنْهُ الْيَدَيْنِ، فَزَعَمْتَ أَنَّ وَكِيعًا٤ رَوَى عَنِ الْأَعْمَشِ٥ عَنْ أَبِي وَائِلٍ٦ عَنْ حُذَيْفَةَ٧ "أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أقبل الله
_________________
(١) ١ العنوان من ط، ش. ٢ فِي ط، س، ش "ونفيتهما عَن الله أَقبلت قبل وَجْهِ اللَّهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ". ٣ لفظ "﵎" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠". ٥ الْأَعْمَش، تقدم ص"١٥٧"، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٤٠١/١ أَنه روى عَن أبي وَائِل وَعنهُ شُعْبَة ووكيع. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٣٥٤/١: شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي، أَبُو وَائِل الْكُوفِي، ثِقَة مخضرم، مَاتَ فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَله مائَة سنة، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١٥/٢ أَنه سمع عمر وَمعَاذًا وَعنهُ مَنْصُور وَالْأَعْمَش، توفّي سنة ٨٢. ٧ حُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَاسم الْيَمَان: حسيل -مُصَغرًا- وَيُقَال: حسل -بِكَسْر ثمَّ سُكُون-الْعَبْسِي-بِالْمُوَحَّدَةِ-، حَلِيف الْأَنْصَار، صَحَابِيّ جليل من السَّابِقين، صَحَّ فِي مُسلم عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعلمهُ بِمَا كَانَ وَمَا يكون إِلَى أَن تقوم السَّاعَة، وَأَبوهُ صَحَابِيّ أَيْضا، اسْتشْهد بِأحد، وَمَات حُذَيْفَة فِي أول خلَافَة عَليّ سنة ٣٦/ع "التَّقْرِيب ١٥٦/١ وَانْظُر: صَحِيح مُسلم/ تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الْفِتَن وأشراط السَّاعَة/ بَاب إِخْبَار النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يكون إِلَى قيام السَّاعَة/ حَدِيث ٢٢، ٢٤، ٣٥، ٢٢١٦/٤-٢٢١٧، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٢٧٦/١-٢٧٨، وَأسد الغابة ٣٩٠/١-٣٩٢، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٣١٦/١-٣١٧، وتهذيب التَّهْذِيب ٢١٩/٢-٢٢٠".
[ ٢ / ٧٠٣ ]
عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ١ فَلَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ أَوْ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ حَدِيثَ٢ سُوءٍ"٣.
ثُمَّ قُلْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: إِنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّ اللَّهَ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِنِعْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَأَفْعَالِهِ٤، وَمَا أَوْجَبَ لِلْمُصَلِّي مِنَ الثَّوَابِ كَمَا قُلْتُمْ٥: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ٦، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالكٌ إلاَّ وّجْهَهُ﴾ ٧، وَكَقَوْلِه: ﴿ابْتِغَاءَ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "بِوَجْهِهِ الْكَرِيم". ٢ فِي س "حدث". ٣ أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي كتاب التَّوْحِيد/ مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد خَلِيل هراس/ ص”١٥"، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ: ثَنَا يحيى قَالَ: ثَنَا الْأَعْمَش قَالَ: ثَنَا شَقِيق قَالَ: كُنَّا عِنْد حُذَيْفَة فَقَامَ شبث بن ربعي فصلى فبصق بَين يَدَيْهِ وَذكره إِلَى أَن قَالَ: فَإِن العَبْد إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فيناجيه، فَلَا ينْصَرف عَنهُ حَتَّى ينْصَرف أَو يحدث حدث سوء. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص”٣٠٤" عَن الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ ﵁ مَرْفُوعا، وَعَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا أَيْضا بِمثلِهِ، وَعَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ بِلَفْظ "إِن الله ﷿ مقبل على عَبده بِوَجْهِهِ مَا أقبل عَلَيْهِ، فَإِذا الْتفت انْصَرف عَنهُ". وَفِي الْمسند للْإِمَام أَحْمد ٦٥/٣ عَن أبي سعيد مَرْفُوعا فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "إِذا كَانَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَلَا يبصق أَمَامه، فَإِن ربه أَمَامه" ويمثله فِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة بتحقيق مُحَمَّد الأعظمي ٤٦/٢-٤٧. ٤ كَذَا فِي الأَصْل وس، وَفِي ط، ش "أفضاله". ٥ فِي الأَصْل "كَمَا قُلْتُمْ" وَفِي ط، س، ش "كَمَا قَالَ"، وَمُقْتَضى السِّيَاق يستوجبه. ٦ سوة الْبَقَرَة، آيَة "١١٥". ٧ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٨٨"
[ ٢ / ٧٠٤ ]
وَجْهِ رَبِّهِ﴾ ١، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ﴾ ٢، أَيْ يَبْقَى اللَّهُ وَحْدَهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَلِلَّهِ وَجْهٌ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ٣، ﴿كُلْ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ﴾، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٤ فَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَإِنْ أَرَدْتَ عُضْوًا كَمَا تَرَى مِنَ الْوَجْهِ فَهُوَ الْخَالِقُ هَذِهِ٥ الْوُجُوهَ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا وَجْهُ الشَّيْءِ وَوَجْهُ الْأَمْرِ، وَيَقُولُ٦: هَذَا وَجْهُ الثَّوْبِ وَوَجْهُ الْحَائِطِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَجْهُ رَبِكَ﴾ ٧ مَا تَوَجَّهُ بِهِ٨ إِلَى رَبِّكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿َفأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ يَقُولُ: ثَمَّ قِبْلَةُ النَّاسِ يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ ثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَمْ تَدَعْ غَايَةً فِي إِنْكَارِ وَجْهِ اللَّهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْجُحُودِ بِهِ وَبِآيَاتِهِ الَّتِي تَنْطِقُ بِالْوَجْهِ، حَتَّى١٠ ادَّعَيْتَ أَنَّ
_________________
(١) ١ هَذِه الْآيَة لم ترد فِي ط، س، ش وَهِي من سُورَة اللَّيْل، آيَة "٢٠". ٢ سُورَة الرَّحْمَن، آيَة "٢٧". ٣ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٨٨". ٤ فِي ط، س، ش "وَ﴿فأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ " وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، انْظُر: سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١١٥". ٥ فِي ط، ش "لهَذِهِ". ٦ لم يعجم أَولهَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "وَتقول". ٧ سُورَة الرَّحْمَن، آيَة "٢٧". ٩ فِي ط، س، ش "أَيْنَمَا"، وَصَوَابه: "فأينما". انْظُر: سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١١٥". ١٠ فِي ط، س، ش "قد ادعيت".
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وَجْهَ اللَّهِ الَّذِي وَصَفَهُ بِالْجَلَالِ١ وَالْإِكْرَامِ مَخْلُوقٌ، لِأَنَّكَ ادَّعَيْتَ أَنَّهَا أَعْمَالٌ مَخْلُوقَةٌ، يُوَجَّهُ٢ بِهَا إِلَيْهِ وَنِعَمٌ وَإِحْسَانٌ. وَالْأَعْمَالُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا، فَوَجْهُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فِي دَعْوَاكَ مَخْلُوقٌ، فَزَعَمْتَ أَيْضًا أَنَّهَا قِبْلَةُ اللَّهِ، وَالْقِبْلَةُ٣ أَيْضًا مَخْلُوقَةٌ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ كُلَّ مَا٤ ذَكَرَ٥ اللَّهُ تَعَالَى٦ فِي كِتَابِهِ مِنْ ذِكْرِ وَجْهِهِ: وَجْهٌ مَخْلُوقٌ، لَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا وَجْهٌ مَعَهُ٧ وَلَا هُوَ ذُو وَجْهٍ فِي دَعْوَاكَ. وَكِتَابُ اللَّهِ الْمُكَذِّبُ لَكَ فِي دَعْوَاكَ، وَهُوَ مَا تلوث أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي كُلُّهَا نَاقِضَةٌ لِمَذْهَبِكَ، وَآخِذَةٌ بِحَلْقِكَ، أَوَ تَأثر٨ تَفْسِيرَكَ٩ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَثَرٍ مَأْثُورٍ مَنْصُوصٍ مَشْهُورٍ؟ وَلَنْ تَفْعَلَهُ أَبَدًا، لِمَا قد رُوِيَ عَنهُ خِلَافه وهوقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ ١٠ قَالَ: "النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ"
_________________
(١) ١ فِي س "ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام"، وَفِي ط، ش "ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام"، وَمَا فِي الأَصْل أنسب للسياق. ٢ فِي ط، ش "يتَوَجَّه"، وَفِي س "وَتوجه". ٣ فِي ش "والقبلذ" بِالذَّالِ وَظَاهر أَنه خطأ مطبعي. ٤ فِي الأَصْل وس "كلما". ٥ فِي ط، س، ش "ذكره". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ط، س، ش "لَيْسَ لله مِنْهَا وَجه صفة". ٨ فِي س "وتأثر"، وَسِيَاق النَّص يُنَاسِبه مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٩ فِي ط، س، ش "تَفْسِير". ١٠ سُورَة يُونُس، آيَة "٢٦". ١١ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ كتاب الْإِيمَان، بَاب إِثْبَات رُؤْيَة الْمُؤمنِينَ/ حَدِيث ٢٩٨، ٦٣/١ قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر =
[ ٢ / ٧٠٦ ]
أَفَيَجُوزُ أَنْ يتأوَّل هَذَا: أَنَّهُ قَالَ: الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَوْ إِلَى أَعْمَالِ الْمَخْلُوقِينَ؟ وَكَانَ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ" ١ فَيَجُوزُ فِي تَأْوِيلِكَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لذَّة النَّظَرِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ أَعْمَالِ خَلْقِكَ، أَمْ إِلَى الْقبْلَة٢؟
_________________
(١) = ابْن أبي شيبَة حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ مَرْفُوعا بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي/ الطبعة الثَّالِثَة/ أَبْوَاب صفة الْجنَّة بَاب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَة الرب ﵎/ حَدِيث ٢٦٧٦، ٢٦٧/٧ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ مَرْفُوعا بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الِاعْتِقَاد/ تَحْقِيق وَتَعْلِيق أَحْمد عَاصِم الْكَاتِب/ الطبعة الأولى ص”١٢٤" من طَرِيق أُبيِّ بن كَعْب وَكَعب بن عجْرَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ قَالَ: "النّظر إِلَى وَجه الرَّحْمَن". وَانْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ بهامشه غرائب الْقُرْآن/ الطبعة الثَّانِيَة ٧٤/١١-٧٥، وَذكره بِنَحْوِهِ من طرق كَثِيرَة عَن عدد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. ١ أخرجه النَّسَائِيّ فِي سنَنه "الْمُجْتَبى" بحاشية تعليقات من حَاشِيَة السندي ٤٧/٣ عَن عمار بن يَاسر مَرْفُوعا وَفِيه: "وَأَسْأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء وَبرد الْعَيْش بعد الْمَوْت وَلَذَّة النّظر إِلَى وَجهك". وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد/ بَاب ذكر الْبَيَان من أَخْبَار الْمُصْطَفى فِي إِثْبَات الْوَجْه لله ص٩ عَن عمار بن يَاسر مَرْفُوعا وَفِيه: "اللَّهُمَّ بعلمك الْغَيْب وقدرتك على الْخلق أحيني مَا علمت الْحَيَاة خيرا لي.. إِلَى أَن قَالَ: وَأَسْأَلك لذَّة النّظر إِلَى وَجهك". وَفِي الْمصدر نَفسه ص"١٠" من طَرِيق آخر عَن أبي الدَّرْدَاء عَن زيد بن ثَابت مَرْفُوعا، وَفِيه: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء، وَبرد الْعَيْش بعد الْمَوْت، وَلَذَّة النّظر إِلَى وَجهك" إِلَخ. ٢ فِي س "أم الْقبْلَة".
[ ٢ / ٧٠٧ ]
وَيْلَكُمْ! مَا سَبَقَكُمْ إِلَى مِثْلِ١ هَذِهِ الْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ، وَلَا فِرْعَوْنُ٢ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ، وَلَا شَيْطَانٌ.
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ: دَعْوَاكَ أَنَّ وَجْهَ اللَّهِ كَوَجْهِ الثَّوْبِ وَالْحَائِطِ وَالْمَيِّتِ الَّذِي لَا يُوقَفُ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ وَلَا ظَهْرٍ، مَا تَرَكْتُمْ مِنَ الْكُفْرِ بِوَجْهِ اللَّهِ غَايَةً، وَلَوْ قَدْ تَكَلَّمَ بِهَذَا رَجُلٌ بِالْمَغْرِبِ لَوَجَبَ عَلَى أَهْلِ الشَّرْقِ٣ أَنْ يَغْزُوهُ، حَتَّى يَقْتُلُوهُ غَضَبًا لِلَّهِ وَإِجْلَالًا لِوَجْهِهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ٤.
أَرَأَيْتَكَ أَيُّهَا الْجَاهِلُ، إِنْ كَانَ وَجْهُ اللَّهِ عِنْدَكَ قِبْلَتَهُ٥ وَالْأَعْمَالَ الَّتِي ابْتُغِيَ بِهَا وَجْهُهُ، وَكَوَجْهِ الثَّوْبِ وَالْحَائِطِ، أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْقِبْلَةِ وَالْأَعْمَالِ وَالْعِبَادِ٦: ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؟ فَقَدْ عَلِمَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يقدَّس وَجْهٌ بِذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ٧.
وَأَمَّا تَكْرِيرُكَ٨ وَتَهْوِيلُكَ علينا بالأعضاء والجوارح، وَهَذَا٩ مَا يَقُوله
_________________
(١) ١ لفظ "مثل" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ فِرْعَوْن، تقدم الْكَلَام عَنهُ ص”١٦٥". ٣ فِي ط، س، ش "الْمشرق". ٤ فِي ط، س، ش "غَضبا وإجلالًا لوجه الله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام". ٥ فِي ط، س، ش "قبْلَة". ٦ فِي ط، س، ش "وأعمال الْعباد". ٧ فِي ط، س، ش "غير وَجه الله تَعَالَى". ٨ يُقَال: "كَرَّرَه تكريرًا وتكرارًا وتَكِرةً كتحلة وكركَرَه: أَعَادَهُ مرّة بعد أُخْرَى". انْظُر: الْقَامُوس الْمُحِيط ١٢٥/٢. ٩ فِي ط، س، ش "فَهَذَا" وَهُوَ أوضح.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
مُسلم، غير أنَّا نقُول كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى١: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ﴾ ٢ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْوَجْهَ الَّذِي هُوَ الْوَجْهُ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ لَا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، وَلَا الْقِبْلَةَ، وَلَا مَا حَكَيْتَ٣ مِنَ الْخُرَافَاتِ كَاللَّاعِبِ بِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ٤، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ٥ نَفْسُهُ٦ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ، وَأَجْمَلُ الْوُجُوهِ وَأَنْوَرُ الْوُجُوهِ، الْمَوْصُوفُ بِذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَةَ غَيْرُ وَجْهِهِ، وَأَنَّ الْوَجْهَ مِنْهُ غَيْرُ الْيَدَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ مِنْهُ غَيْرِ الْوَجْهِ عَلَى رَغْمِ الزَّنَادِقَةِ٧ والجهمية٨.
وَسَنَذْكُرُ فِي ذِكْرِ الْوَجْهِ آيَاتٍ وَآثَارًا مُسْنَدَةً، لِيَعْرِضَهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ٩ عَلَى تَفْسِيرِكَ١٠؛ هَلْ يَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْهَا شَيْءٌ مِنْهُ١١؟ فَإِنْ كنت
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ سُورَة الرَّحْمَن، الْآيَتَيْنِ "٢٦، ٢٧". ٣ فِي ط، س، ش "وَلَا مَا حكيته". ٤ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٥ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٨٨". ٦ فِي ط، س، ش "يَقُول: كل وَجه هَالك إِلَّا وَجه نَفسه تَعَالَى الَّذِي هُوَ أحسن الْوُجُوه". ٧ انْظُر ص"٥٣١". ٨ انْظُر ص"١٣٨". ٩ لفظ "بِاللَّه" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ١٠ فِي ط، س، ش "على تفسيرك هَذَا". ١١ فِي س "هَل يحْتَملهُ شَيْء مِنْهَا شَيْء مِنْهُ" وَلَا يَسْتَقِيم إعرابًا، وَفِي ط، س "هَل يحْتَمل شَيْء مِنْهَا شَيْء مِنْهُ" وَلَا يَسْتَقِيم أَيْضا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقع فاعلان لفعل وَاحِد.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
لَا تُؤْمِنُ بِهَا فَخَيْرٌ مِنْكَ وَأَطْيَبُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ قَدْ آمَنَ بِهَا وَأَيْقَنَ١.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ٢، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ٣، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ ٤، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٥، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ ٦؛ فَالْخَيْبَةُ لِمَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَجْهِ٧ اللَّهِ نَفْسِهِ، وَأَنَّهَا وُجُوهٌ مَخْلُوقَةٌ.
وَمِمَّا يُوَافِقُهُ مِنْ صِحَاحِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا حَدَّثَنَا٨ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٩ ثَنَا جَرِيرٌ١٠، عَنِ الْأَعْمَشِ١١، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ١٢، عَنْ
_________________
(١) ١ لفظ "وأيقن" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ سُورَة الرَّحْمَن، الْآيَتَيْنِ "٢٦، ٢٧". ٣ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٨٨". ٤ سُورَة اللَّيْل، آيَة "٢٠". ٥ فِي ط، س، ش "وأينما توَلّوا فثم وَجه الله"، وَلَفظ الْآيَة مَا أَثْبَتْنَاهُ، انْظُر: سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١١٥". ٦ سُورَة الْإِنْسَان، آيَة "٩". ٧ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَلَعَلَّ فِي الْكَلَام سقطا، والأنسب أَن يُقَال: "وتأولها أَنَّهَا لَيست بِوَجْه الله إِلَخ". ٨ فِي ط، س، ش "مَا حَدَّثَنَاهُ". ٩ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، تقدم ص"١٨٨". ١٠ جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ، تقدم ص"١٧٩"، وَذكر ابْن حجر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥٧/٣ أَنه روى عَن الْأَعْمَش وَعنهُ ابْنا أبي شيبَة. ١١ الْأَعْمَش، تقدم ص"١٥٧". ١٢ عَمْرو بن مرّة، تقدم ص"٢٥٠".
[ ٢ / ٧١٠ ]
أَبُو عُبَيْدَةَ١، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ٢ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ٤ الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهَا٥ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ" ٦.
أَفَيَسْتَقِيمُ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: أَنْ يتأوَّل هَذَا أَنَّهُ أَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَوَجْهُ الْقِبْلَةِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ؟ مَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ فِي بُطُولِهِ٧ وَاسْتِحَالَتِهِ، أَمْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ سُلَيْمَانُ بن
_________________
(١) ١ أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود، تقدم ص”٢٥١"، ذكر ابْن حجر فِي التَّهْذِيب ٧٥/٥ أَنه روى عَن أَبِيه وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَعنهُ عَمْرو بن مرّة. ٢ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، تقدم ص”٢٥١". ٣ لفظ "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ فِي س "يخفط" وَصَوَابه مَا أثتناه. ٥ كَذَا فِي الأَصْل وط، ش وَهِي عِنْد أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة، وَلَكِن فِي رِوَايَة "حجابه النَّار" وَفِي س "لَو كشفه" وَهُوَ وَاضح. ٦ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ كتاب الْإِيمَان، بَاب قَوْله ﵇: "إِن الله لَا ينَام" الْأَحَادِيث: ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٥، ١٦١/١-١٦٢ بروايات مقاربة وَفِي بَعْضهَا: "حجابه النَّار". وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٣٩٥/٤، ٤٠١، ٤٠٥، وَابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد/ مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد خَلِيل هراس ص”١٩-٢٠". ٧ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَهِي فصيحة، انْظُر: الْقَامُوس للفيروز آبادي ٣٣٥/٣.
[ ٢ / ٧١١ ]
حَرْبٍ١، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ٢، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ٣، عَنِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ٤ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٥ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ٦ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ" ٧.
أَفَيَجُوزُ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنْ يتأوَّل هَذَا: أعوذ بثوابك والأعمال الَّتِي
_________________
(١) ١ سُلَيْمَان بن حَرْب، تقدم ص"٥٩٠". ٢ حَمَّاد بن زيد، تقدم ص"٤٥٢". ٣ عَمْرو بن دِينَار، تقدم ص"٢٤٤". ٤ جَابر بن عبد الله، تقدم ص"١٥٣". ٥ لفظ "﵄" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "٦٥". ٧ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي/ كتاب التَّفْسِير "سُورَة الْأَنْعَام" بَاب "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ"، حَدِيث ٤٦٢٨، ٢٩١/٨ قَالَ: حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بن دِينَار عَن جَابر ﵁ قالك لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أعوذ بِوَجْهِك"، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، قَالَ: "أعوذ بِوَجْهِك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَذَا أَهْون -أَو- هَذَا أيسر". وَانْظُر: الْمصدر نَفسه/كتاب الِاعْتِصَام بِالسنةِ/ بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ حَدِيث ٧٣١٣، ٢٩٥/١٣ بِفَظٍّ مقارب. وَانْظُر: الْمصدر نَفسه أَيْضا/ كتاب التَّوْحِيد/ بَاب قَول الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ حَدِيث ٧٤٠٦، ٣٨٨/١٣ بِلَفْظ مقارب. وَانْظُر: جَامع التِّرْمِذِيّ بشرحه تحفة الأحوذي/ أَبَوا التَّفْسِير/ تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام، حَدِيث ٥٠٦٠، ٤٣٨/٨.
[ ٢ / ٧١٢ ]
يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُكَ، وَبِوَجْهِ الْقِبْلَةِ؟ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُستعاذ بِوَجْهِ شَيْءٍ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى١، وَبِكَلِمَاتِهِ، لَا يُسْتَعَاذُ بِوَجْهِ مَخْلُوقٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا٢١ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ٣ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ٤، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ٥ عَنْ أَبِيهِ٦، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ٧ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ" ٨.
أَفَيَجُوزُ لَكَ أَنْ تَقُولَ فِي هَذَا: لذَّة النَّظَرِ إِلَى قِبْلَتِكَ٩ وَإِلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي ابْتُغِيَ بِهَا وُجْهُكَ؟
وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ١٠، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ١١،
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست ف ط، س، ش. ٢ فِي ط، ش "مَا حدّثنَاهُ". ٣ سُلَيْمَان بن حَرْب، تقدم ص"٥٩٠". ٤ حَمَّاد بن زيد، تقدم ص"٤٥٢". ٥ عَطاء بن السَّائِب، تقدم ص"١٧٣". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢٨٣/١: السَّائِب بن مَالك، أَو ابْن زيد، الْكُوفِي وَالِد عَطاء، ثِقَة، من الثَّانِيَة/ بخ وَالْأَرْبَعَة. "وَانْظُر: الكاشف للذهبي ٣٤٧/١". ٧ عمار بن يَاسر بن عَامر بن مَالك الْعَنسِي بالنُّون سَاكِنة بَين مهملتين أَبُو الْيَقظَان، مولى بني مَخْزُوم، صَحَابِيّ جليل مَشْهُور، من السَّابِقين الْأَوَّلين، بَدْرِي، قتل مَعَ عَليّ بصفين سنة ٣٧/ع "انْظُر: التَّقْرِيب ٤٨/٢، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٤٦٩/٢-٤٧٤، وَأسد الغابة ٤٣-٤٧، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٥٠٥/٢-٥٠٦، وتهذيب التَّهْذِيب ٤٠٨/٧-٤١٠". ٨ تقدم تَخْرِيجه ص"٧٠٧". ٩ فِي ط، س "لَذَّة النّظر"، وَفِي س "اللَّذَّة نظر إِلَى قبلتك". ١٠ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ١١ فِي ط، س، ش "ابْن أبي شيبَة أَبُو بكر" انْظُر تَرْجَمته ص"١٥٤".
[ ٢ / ٧١٣ ]
عَنْ شَرِيكٍ١ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ٢ عَنْ سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ٣ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ٤ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ٥ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ ٦ قَالَ: الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى٧.
أَفَيَجُوزُ أَنْ يتأوَّل هَذَا: أَنَّهُ النَّظَرُ إِلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي ابْتُغِيَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ
_________________
(١) ١ شريك هُوَ ابْن عبد الله النَّخعِيّ، تقدم ص"٣٣٠"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٥٨٠/٢ أَنه روى عَن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي وَعنهُ أَبُو بكر عبد الله ابْن أبي شيبَة. ٢ فِي ط، س، ش "عَن إِسْحَاق"، وَالرَّاجِح أَنه "أَبُو إِسْحَاق" كَمَا فِي الأَصْل، يُؤَيّدهُ وُرُود هَذَا الْأَثر فِي كتاب الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ "أبي إِسْحَاق"، وَكَذَا عِنْد الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع، انْظُر تَخْرِيجه، وَانْظُر الرَّد على الْجَهْمِية، طبع الْمكتب الإسلامي ص"٦٠". قلت: واسْمه عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، تقدّمت تَرْجَمته ص"١٤٦"، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٦٤/٨ أَن شَرِيكا روى عَنهُ. ٣ فِي ط، ش "سعيد بن نموان" وَصَوَابه فِيمَا ظهر لي بالراء كَمَا فِي الطَّبَرِيّ ولسان الْمِيزَان، قَالَ ابْن حجر فِي لِسَان الْمِيزَان ١٦١/٢: سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ عَنْ أَبِي بكر الصّديق، وَشهد اليرموك، وَكتب لعَلي. ٤ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، تقدم ص"٢٦٩". ٥ لفظ "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ سُورَة يُونُس، آيَة "٢٦". ٧ فِي ط، س، ش "النّظر إِلَى وَجهه ﷾" قلت: سبق تَخْرِيجه ص"٧٠٦"، وَأخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره من طَرِيق الْحمانِي قَالَ: ثَنَا شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ قَالَ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ ﵎". وَقَالَ أَيْضا: حَدثنَا شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَامر بن سعد مثله. انْظُر تَفْسِير الطَّبَرِيّ بهامشه تَفْسِير غرائب الْقُرْآن/ ط. الثَّانِيَة ٧٥/١١.
[ ٢ / ٧١٤ ]
وَإِلَى وَجْهِ الْقِبْلَةِ١؟
وَكَذَلِكَ قَالَهُ٢ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ ٣ قَالَ: "النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى" ٤.
حَدَّثَنَا٥ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٦ وَغَيْرُهُ٧ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ٨ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ٩ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى١٠ عَنْ صُهَيْب١١ رَضِي الله
_________________
(١) ١ فِي ط، س "أَو وَجه الْقبْلَة". ٢ فِي ط، س "وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ". ٣ فِي الأَصْل وس "أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة" وصواب الْآيَة مَا أَثْبَتْنَاهُ، انْظُر: سُورَة يُونُس، آيَة "٢٦". ٤ تقدم تَخْرِيجه ص"٧٠٦". ٥ فِي ط، س، ش "حَدثنَا". ٦ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٧ قلت: يدل لذَلِك وُرُوده من طَرِيق يزِيد بن هَارُون عَن حَمَّاد بن سَلمَة، وَمن طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن حَمَّاد بن سَلمَة، انْظُر تَخْرِيجه ص"٧٠٦". ٨ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم ص"١٨٧". ٩ ثَابت الْبنانِيّ، تقدم ص"٢٠١". ١٠ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، ثمَّ الْكُوفِي، ثِقَة، من الثَّانِيَة، اخْتلف فِي سَمَاعه عَن عمر، مَاتَ بوقعة الجماجم سنة ٨٦، وَقيل: غرق/ ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٤٩٦/١، والكاشف ١٨٣/٢. ١١ صُهَيْب بن سِنَان -أَبُو يحيى الرُّومِي- أَصله من النمر، وَيُقَال: كَانَ اسْمه عبد الْملك وصهيب لقب، صَحَابِيّ شهير، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة ٣٨ فِي خلَافَة عَليّ، وَقيل غير ذَلِكُم ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٣٧٠/١، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ١٦٧/٢-١٧٥، وَأسد الغابة ٣٠/٣-٣٣، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١٨٨/٢-١٨٩.
[ ٢ / ٧١٥ ]
عَنْهُ١ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ٢ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْحَنَّاطِ٣ عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ٤ عَنْ حَمَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ٥ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٦ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: "أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا بَلَغَ النَّعِيمُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَظَنُّوا أَنْ لَا نَعِيمَ أَفْضَلَ مِنْهُ، تَجَلَّى لَهُمُ الرَّبُّ، فَنَظَرُوا إِلَى وَجه الرَّحْمَن، فنسوا
_________________
(١) ١ لفظ "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ أَحْمد بن يُونُس، تقدم ص"١٧٣". ٣ لَفْظَة "الحناط" لم تعجم فِي الأَصْل، وَفِي س "الْخياط" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ الْمُثَنَّاة التَّحْتَانِيَّة، وَفِي ط، ش "الحناط" بِالْمُهْمَلَةِ ثمَّ الْمُوَحدَة الْفَوْقِيَّة وَهُوَ الصَّوَاب فِيمَا يظْهر لي، يُؤَيّدهُ أَنه ورد بذلك فِي الرَّد على الْجَهْمِية لعُثْمَان بن سعيد/ تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش وَتخرج نَاصِر الألباني ص"٦٠"، قلت: وَالرَّاجِح أَنه عبد ربه بن نَافِع، انْظُر تَرْجَمته ص"٢٠٧". ٤ هُوَ النيلي كَمَا جَاءَ فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"٦٠"، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢١٣/١: خَالِد بن دِينَار النيلي -بِكَسْر النُّون بعْدهَا تَحْتَانِيَّة- نِسْبَة إِلَى النّيل، بلد بَين وَاسِط، والكوفة، أَبُو الْوَلِيد الشَّيْبَانِيّ، صَدُوق، من الْخَامِسَة/ عخ ق، قَالَ فِي الْحَاشِيَة: رمزه فِي التَّهْذِيب: ق، وَفِي نُسْخَة التَّقْرِيب المولوية عخ ق، وَفِي المجتبائية ق، وَفِي الْخُلَاصَة مثل المولوية، وَهُوَ الْأَكْثَر فِي النّسخ. قلت: وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣٥٣/١ أَنه روى عَن حَمَّاد بن جَعْفَر وَعنهُ أَبُو شهَاب الْخياط "كَذَا". ٥ الرَّاجِح أَنه حَمَّاد بن جَعْفَر بن زيد الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، لين الحَدِيث، من السَّابِعَة/ ق، "التَّقْرِيب ١٩٦/١"، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٦/٣ قَالَ: "وَفرق أبوحاتم بَينه وَبَين حَمَّاد بن جَعْفَر الرَّازِيّ عَن عَطاء السليمي، وَعنهُ مُسلم بن سعيد، فَالله أعلم" قلت: وَانْظُر: الْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم/ قسم ٢ جلد ١ ص"١٣٤". ٦ لفظ "﵄" لَيْسَ فِي ط، س، ش، وَابْن عمر تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٤٥".
[ ٢ / ٧١٦ ]
كُلَّ نَعِيمٍ عَايَنُوهُ حِينَ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ" ١.
أَفَيَجُوزُ أَنْ تتأوَّل هَذَا أَنَّهُ يَتَجَلَّى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَنَظَرُوا إِلَى وَجْهِ قِبْلَتِهِ٢ وَإِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، كَأَنَّ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ الْقِبْلَةِ فِي دَعْوَاكَ آثَرُ عِنْدَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاء الْبَصْرِيّ٣ عَن
_________________
(١) ١ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث فِيهِ ضعف وَانْقِطَاع، فحماد بن جَعْفَر لين الحَدِيث، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ٥٨٩/١: "وثقة ابْن معِين وَابْن حبَان، وَقَالَ ابْن عدي: مُنكر، لم أجد لَهُ غير حديثين عَن شهر، عَن أم شريك: أمرنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَن نَقْرَأ على الْجَنَائِز بِأم الْقُرْآن، وَآخر فِي التزاور وفضله" بِتَصَرُّف. قلت: وَلم أَقف فِي تَهْذِيب الْكَمَال على أَنه روى عَن ابْن عمر، وَالظَّاهِر أَنه لم يروِ عَنهُ، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة ص"٢٥٣" من طَرِيق آخر عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ عَنِ الْحسن "يَعْنِي الْبَصْرِيّ" مُخْتَصرا، وَأوردهُ ابْن الْقيم فِي حادي الْأَرْوَاح/ الْبَاب الْخَامِس وَالسِّتُّونَ/ فصل مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر ص"٢٢٧" نقلا عَن الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ابْن شهَاب بِسَنَد الدَّارمِيّ فِي أَثْنَائِهِ بِنَحْوِهِ، ثمَّ أورد بعده هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ وَلَفظه عَن الدَّارمِيّ. قلت: وَلم أَجِدهُ فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا فِي كتاب الصِّفَات لَهُ وَلَعَلَّه فِي كتاب لَهُ مخطوط فِيهِ مَا ورد من النُّصُوص الْوَارِدَة وَالْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بِرُؤْيَة الْبَارِي "انْظُر: تَارِيخ التراث الْعَرَبِيّ لفؤاد سزكين/ طبعة جَامِعَة الإِمَام/ المجلد الأول/ الْجُزْء الأول فِي عُلُوم الْقُرْآن والْحَدِيث ص"٤٢٠". وَأوردهُ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب ٥٠٦/٤-٥٠٧ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعا مطولا وَفِيه: "ثمَّ إِذَا بَلَغَ النَّعِيمُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ وَظَنُّوا أَنْ لَا نَعِيمَ أَفْضَلَ مِنْهُ تَجَلَّى لَهُمُ الرَّبُّ تبَارك اسْمه فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجه الرَّحْمَن" قَالَ الْمُنْذِرِيّ: رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَفِي إِسْنَاده من لَا أعرفهُ الْآن. ٢ فِي ط، س، ش "وَجه الْقبْلَة". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٤١٤/١: عبد الله بن رَجَاء الْمَكِّيّ، أبوعمران الْبَصْرِيّ نزيل مَكَّة، ثِقَة تغير حفظه قَلِيلا، من صغَار الثَّامِنَة، مَاتَ فِي حُدُود ١٩٠هـ/ ز م د س ق. وَانْظُر: الكاشف ٢/ ٨٥.
[ ٢ / ٧١٧ ]
الْمَسْعُودِيِّ١، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخَارِقِ٢، عَنْ أَبِيهِ٣ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ٤: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ٥ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ، حطَّ عَلَيْهِنَّ مَلَكٌ فَضَمَّهُنَّ تَحْتَ جَنَاحِهِ فَصَعَدَ بِهِنَّ، لَا يمرُّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفرُوا لِقَائِلِهِنَّ٦ حَتَّى يحيا٧ بِهِنَّ وَجْهُ الرَّحْمَنِ، وَقَرَأَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٤٨٧/١: عبد الرَّحْمَن بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بن مَسْعُود الْكُوفِي المَسْعُودِيّ، صَدُوق، اخْتَلَط قبل مَوته، وضابطه أَن من سمع مِنْهُ بِبَغْدَاد فَبعد الِاخْتِلَاط، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ١٦٠، وَقيل: سنة ١٦٥/ خت وَالْأَرْبَعَة. ٢ كَذَا بِالْألف وَاللَّام، وَبِه جَاءَ أَيْضا عِنْد الطَّبَرِيّ "انْظُر تَخْرِيجه" وَعند البُخَارِيّ: عبد الله بن مُخَارق بن سليم السّلمِيّ، عَن أَبِيه، وروى عَنهُ المَسْعُودِيّ وَعبد الْملك بن أبي غنية، يعد فِي الْكُوفِيّين "انْظُر: التَّارِيخ الْكَبِير للْبُخَارِيّ/ الطبعة الأولى قسم ١ جـ٤ ص"٢٠٨". ٣ مُخَارق بن سليق الشَّيْبَانِيّ، أَبُو قَابُوس، مُخْتَلف فِي صحبته، وَذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين/ س "التَّقْرِيب ٢٣٤/٢". وَفِي تهذيبه الْكَمَال ١٣١١/٣ أَنه رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعبد الله بن مَسْعُود وَعنهُ ابناه عبد الله بن مُخَارق وقابوس بن مُخَارق، وَانْظُر: أَسد الغابة ٣٣٥/٤، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب/ ٣٦٨/٣، وَتَجْرِيد أَسمَاء الصَّحَابَة ط، الأولى ٦٨/٢. ٤ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٥ فِي ط، س، ش "وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَسُبْحَان الله". ٦ فِي ط، ش "لقائله". ٧ فِي ط، س، ش "يحيى". ٨ فاطر، آيَة: ١٠. وَهَذَا الْأَثر أخرجه الطَّبَرِيّ فلي تَفْسِيره بهامشه تَفْسِير غرائب الْقُرْآن ط. الثَّالِثَة ٨٠/٢٢ قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الأحمسي قَالَ: أَخْبرنِي جَعْفَر بن عون عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الْمَسْعُودِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمخَارِق عَن أَبِيه الْمخَارِق بن سليم قَالَ: قَالَ لنا عبد الله: إِذا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَدِيث =
[ ٢ / ٧١٨ ]
أَفَيَجُوزُ لَكَ أَنْ تَتَأَوَّلَ هَذَا١ الْملك يصعد بِهن حَتَّى يحيا٢ وَجْهُ الْقِبْلَةِ فِي السَّمَاءِ وَالْقِبْلَةِ فِي الْأَرْضِ؟ قَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ وَعَلِمَ كُلُّ ذِي فَهْمٍ أَنَّ هَذِهِ تَفَاسِيرُ مَقْلُوبَةٌ، وَمَغَالِيطُ لَا يَسْتَقِيمُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الْقِيَاسِ، فَكَيْفَ فِي الْأَثَرِ؟ وَلَا يهدي شَيْء مِنْهَا غلى هُدًى، وَلَا يُرْشِدُ إِلَى تُقًى.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٣، عَنْ وَكِيعٍ٤، عَنْ سُفْيَانَ٥ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ٦ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ٧، عَن مُسلم بن يزِيد٨
_________________
(١) = أَتَيْنَاكُم بِتَصْدِيق ذَلِك من كتاب الله، إِن العَبْد الْمُسلم إِذا قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، الْحَمد لله، لَا إِلَه إِلَّا الله، تبَارك الله، أخذهن ملك فَجعلْنَ تَحت جناحيه ثمَّ صعد بِهن إِلَى السَّمَاء، فَلَا يمر بِهن على جمع مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ حَتَّى يُحَيَّى بِهِنَّ وَجْهُ الرَّحْمَنِ، ثمَّ قَرَأَ عبد الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . وَانْظُر: مُخْتَصر الْعُلُوّ للذهبي/ اخْتَصَرَهُ وحققه وخرَّج آثاره الألباني ط. الأولى ص"١٠٤" حَيْثُ قَالَ مَا نَصه: "وَأخرج أَبُو أَحْمد الْعَسَّال بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: من قَالَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَالله أكبر تلقاهن ملك فعرج بِهن إِلَى الله ﷿ فَلَا يمر بملأ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ حَتَّى يُحَيَّى بِهِنَّ وَجْهُ الرَّحْمَنِ ﷿". ١ فِي ط، س، ش "أَن هَذَا الْملك". ٢ كَذَا فِي الأَصْل، وف س "يحيا بِهن"، وَفِي ط، ش "يحيى بِهن". ٣ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، تقدم ص"١٥٤". ٤ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠". ٥ سُفْيَان الثَّوْريّ، تقدم ص"٢٦٨". ٦ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، تقدم ص"١٤٦". ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٣٨٧/١: عَامر بن سعد البَجلِيّ، مَقْبُول، من الثَّالِثَة/ م د ت س، وَفِي الكاشف ٥٤/٢: عَن جرير وَأبي هُرَيْرَة وَعنهُ الْعيزَار بن حُرَيْث وَأَبُو إِسْحَاق. ٨ فِي ط، س، ش "مُسلم بن بدير" بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَآخر رَاء، وَصَوَابه مُسلم =
[ ٢ / ٧١٩ ]
عَن حُذَيْفَة١ رَضِي الله عَنهُ٢ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٣ قَالَ: "الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجه الله"٤.
_________________
(١) = ابْن نَذِير بالمعجمتين الموحدتين مُصَغرًا، أَو ابْن يزِيد أَوله مثناة تَحْتَانِيَّة، وَآخره دَال كَمَا فِي الأَصْل. قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢٤٧/٢: مُسلم بن نَذِير -بالنُّون مُصَغرًا- وَيُقَال: ابْن يزِيد، كُوفِي، يكني أَبَا عِيَاض، مَقْبُول من الثَّالِثَة/ بخ ت س ق، وَقَالَ فِي الكاشف ١٤٣/٣: عَن عَليّ وَحُذَيْفَة وَعنهُ أَبُو إِسْحَاق وعايش العامري، وَانْظُر أَيْضا تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٣٩/١٠، والتاريخ الْكَبِير للْبُخَارِيّ ٢٧٣/١/٤، وَالرَّدّ على الْجَهْمِية للدارمي ص"٦١". ١ حُذَيْفَة بن الْيَمَان، تقدم ص"٧٠٣". ٢ لفظ "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ سُورَة يُونُس، آيَة "٢٦". ٤ تقدم تَخْرِيجه ص"٧٠٦"، وَمِمَّا ورد فِي ذَلِك عَن حُذَيْفَة مَا أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره تَحْقِيق وَتَخْرِيج مَحْمُود شَاكر ٦٤/١٥، قَالَ: حَدثنَا ابْن بشار قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن قَالَ: حَدثنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُسلم بن نَذِير عَن حُذَيْفَة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قَالَ: "النّظر إِلَى وَجه رَبهم"، وَأخرجه الْآجُرِيّ أَيْضا فِي الشَّرِيعَة، تَحْقِيق مُحَمَّد حَامِد الفقي/ كتاب التَّصْدِيق بِالنّظرِ إِلَى وَجه الله ﷿ ص"٢٥٧" من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن مُسلم بن نَذِير عَن حُذَيْفَة بِلَفْظ مقارب، وَمن طرق أُخْرَى عَن أبي بكر الصّديق بِأَلْفَاظ مقاربة أَيْضا.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ١ عَنْ جُوَيْبِرٍ٢ عَنِ الضَّحَّاكِ٣، وَعَنْ جَرِيرٍ٤ عَنْ لَيْثٍ٥ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ٦، وَحَدَّثَنَاهُ الْحِمَّانِيُّ٧ عَنْ وَكِيعٍ٨ عَن
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَعَن أبي مُعَاوِيَة جُوَيْبِر"، وَصَوَابه فَمَا يظْهر لي مَا فِي الأَصْل، يُؤَيّدهُ أَنه ورد فِي كتاب عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ الآخر: "الرَّد على الْجَهْمِية" كَمَا فِي الأَصْل هُنَا، انْظُر: الرَّد على الْجَهْمِية/ لعُثْمَان بن سعيد، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش وَتَخْرِيج الألباني ص"٦١" وَهُوَ أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، تقدم تَرْجَمته ص"١٥٧". ٢ جُوَيْبِر بن سعيد، تقدم ص"٤٥١"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٢٠٨/١ أَنه روى عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم، وَجل رِوَايَته عَنهُ، وَعنهُ أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرِير. ٣ الضَّحَّاك بن مُزَاحم الْهِلَالِي، أَبُو الْقَاسِم، أَو أَبُو مُحَمَّد الْخُرَاسَانِي، صَدُوق، كثير الْإِرْسَال، من الْخَامِسَة، مَاتَ بعد الْمِائَة/ الْأَرْبَعَة "انْظُر: التَّقْرِيب ٣٧٣/١". ٤ الرَّاجِح أَنه جرير بن عبد الحميد، تقدم ص"١٨٩". ٥ الرَّاجِح أَنه لَيْث بن أبي سليم بن زنيم، بالزاي وَالنُّون، مُصَغرًا، وَاسم أَبِيه أَيمن، وَقيل غير ذَلِك، صَدُوق، اخْتَلَط أخيرًا، وَلم يتَمَيَّز حَدِيثه فَترك، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ١٤٨/ خت م وَالْأَرْبَعَة، انْظُر: التَّقْرِيب ١٣٨/٢، وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤٤٦/٨ أَنه روى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، وَعنهُ جرير بن عبد الحميد. ٦ عبد الرَّحْمَن بن سابط، تقدم ص"٢٦٨"، وَذكر ابْن حجر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٨٠/٦ أَنه روى عَن عمر وَسعد، وَعنهُ لَيْث بن أبي سليم. قلت: وَمن هَذَا الطَّرِيق عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره بهامشه تَفْسِير الغرائب ٧٥/١١، واللالكائي فِي شرح السّنة/ تَحْقِيق د. أَحْمد سعد حمدَان ٤٦٢/٣. ٧ الْحمانِي يحيى، تقدم ص"٣٩٩". ٨ الرَّاجِح أَنه وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠"، وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب أَن مِمَّن روى عَنهُ أَحْمد وَعلي وَيحيى وَإِسْحَاق وابنا أبي شيبَة.
[ ٢ / ٧٢١ ]
أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ١ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ٢ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ٣ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ٤: كُلُّهُمْ قَالُوا: "الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى"٥، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِلَى وَجْهِ الْكَعْبَةِ٦، وَوُجُوهِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، كَمَا ادَّعَيْتَ.
وَعَلَى تَصْدِيقِ هَذِهِ الْآثَارِ وَالْإِيمَانِ بِهَا أَدْرَكْنَا أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَا رَوَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ عَنْ وَكِيعٍ٧ عَنِ الْأَعْمَشِ٨ عَنْ أَبِي وَائِلٍ٩ عَنْ حُذَيْفَةَ١٠: "أنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أقبل الله
_________________
(١) ١ أَبُو بكر الْهُذلِيّ، قيل: اسْمه سُلمى بِضَم الْمُهْملَة، ابْن عبد الله، وَقيل: روح أخباري، مَتْرُوك الحَدِيث، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ١٦٧/ق. انْظُر: التَّقْرِيب ٤٠١/٢، والكاشف ٣١٨/٣. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٣٧٨/١: طريف بن مُجَاهِد الهُجَيْمِي، أَبُو تَمِيمَة: بِفَتْح أَوله الْبَصْرِيّ، ثِقَة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٩٧ أَو قبلهَا أَو بعْدهَا/ خَ وَالْأَرْبَعَة. ٣ فِي الأَصْل أَبُو مُوسَى الْأَشْجَعِيّ، وَصَوَابه الْأَشْعَرِيّ كَمَا فِي بَقِيَّة النّسخ، يُؤَيّدهُ أَنه ورد فِي "الرَّد على الْجَهْمِية" للمؤلف بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي مُوسَى، وَكَذَا فِي تَفْسِير الطَّبَرِيّ بهامشه تَفْسِير غرائب الْقُرْآن ٧٤/١١، وَأَبُو مُوسَى ﵁ تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٥١". ٤ أَبُو سعيد هُوَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ. ٥ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش، قلت: تقدم تَخْرِيجه ص"٧٠٦" من طرق، وَانْظُر أَيْضا ص"٧١٤". وَعَن أبي مُوسَى خرّجه ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد ٤٥٦/١. ٦ فِي ط، س، ش "إِلَى وَجه الْقبْلَة". ٧ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠". ٨ الْأَعْمَش سُلَيْمَان بن مهْرَان، تقدم ص"١٥٧". ٩ أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، تقدم ص"٧٥٣". ١٠ حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁، تقدم ص"٧٠٣".
[ ٢ / ٧٢٢ ]
عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ"١ فَادَّعَيْتَ أَنَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِنِعْمَتِهِ وَثَوَابِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: وَجْهُ اللَّهِ فِي الْمَجَازِ، كَمَا يُقَالُ: وَجْهُ الْحَائِطِ، وَوَجْهُ الثَّوْبِ.
وَيْلَكَ! فَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ مُحَالٌ فِي الْكَلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُقال لِشَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْوُجُوهِ: أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى إِنْسَانٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا وَالْمُقْبِلُ بِوَجْهِهِ مِنْ ذَوِي الْوُجُوهِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لِلثَّوْبِ وَجْهٌ، وَالْحَائِطِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَقْبَلَ الثَّوْبُ بِوَجْهِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي٢، وَأَقْبَلَ الْحَائِطُ بِوَجْهِهِ عَلَى فُلَانٍ، لَا يُقَالُ: أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْإِقْبَالِ.
وَكُلُّ قَادِرٍ عَلَى الْإِقْبَالِ ذُو وَجْهٍ، هَذَا مَعْقُولٌ مَفْهُومٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَإِنْ جَهِلْتَهُ فَسَمِّ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْأَوْجُهِ يَجُوزُ٣ أَنْ تَقُولَ: أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى فُلَانٍ؛ فَإِنَّكَ لَا تَأْتِي بِهِ، فَافْهَمْ، وَمَا أَرَاكَ وَلَا إِمَامَكَ تَفْهَمَانِ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَلَوْلَا كَثْرَةُ مَنْ يَسْتَنْكِرُ الْحَقَّ وَيَسْتَحْسِنُ الْبَاطِلَ مَا اشْتَغَلْنَا كُلَّ هَذَا الِاشْتِغَالِ بِتَثْبِيتِ وَجْهِ الله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام، ولولم يَكُنْ فِيهِ إِلَّا اجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ مِنَ الْعَالِمِينَ: "أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَأَعُوذُ بِوَجْهِكَ يَا رَبِّ"٤،
_________________
(١) ١ تقدم تَخْرِيجه ص"٧٠٤". ٢ فِي ط، س، ش "على شَيْء أَو على المُشْتَرِي". ٣ فِي ط، س، ش "يجوز لَك". ٤ ثَبت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استعاذ بِوَجْه الله، فَفِي البُخَارِيّ عَن جَابر قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ ﷺ: "أَعُوذُ بِوَجْهِك"، قَالَ: ﴿أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ قَالَ: "أعوذ بِوَجْهِك ". الحَدِيث. انْظُر تَخْرِيجه ص"٧١٢".
[ ٢ / ٧٢٣ ]
وَجَاهَدْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ١ وَأَعْتَقْتُ لِوَجْهِ اللَّهِ، لَكَانَ كَافِيًا مِمَّا ذَكَرْنَا؛ إِذْ عَقِلَهُ٢ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْعَرَبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ، غَيْرَ هَذِهِ الْعِصَابَةِ الزَّائِغَةِ الْمُلْحِدَةِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ، الْمُعَطِّلَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ وَلِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، ﷿ وَجْهُهُ، وتقدَّست أَسْمَاؤُهُ. لَقَدْ سَبَبْتُمُ اللَّهَ بِأَقْبَحِ مَا سبَّه٣ الْيَهُودُ٤: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة﴾ ٥، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: يَدُ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ٦ لَمَّا ادَّعيتم أَنَّهَا٧ نِعْمَتُهُ وَرِزْقُهُ، لِأَنَّ النِّعْمَةَ وَالْأَرْزَاقَ مَخْلُوقَةٌ كُلُّهَا، ثُمَّ زِدْتُمْ عَلَى الْيَهُودِ، فَادَّعَيْتُمْ أَن وَجه الله مَخْلُوق؛ إِذا ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ وَجْهُ الْقِبْلَةِ٨ وَوُجُوهُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَكَوَجْهِ الثَّوْبِ وَالْحَائِطِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ، فَادَّعَيْتُمْ أَنَّ عِلْمَهُ وَكَلَامَهُ وَأَسْمَاءَهُ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، كَمَا هِيَ لكم٩، فَمَا بَقِي١٠ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا: هُوَ بِكَمَالِهِ مَخْلُوقٌ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّكُمْ سَبَبْتُمُ اللَّهَ بِأَقْبَحِ مَا سبَّته١١ الْيَهُودُ.
_________________
(١) ١ لم يذكر لفظ الْجَلالَة فِي الأَصْل، ويستقيم السِّيَاق بِذكرِهِ. ٢ فِي ط، ش "عقلته". ٣ فِي ط، ش "مِمَّا سبته"، وَفِي س "مَا سبته". ٤ لفظ "الْيَهُود" سقط فِي ش. ٥ الْمَائِدَة، آيَة "٦٤". ٦ فِي ط، س، ش "مخلوقة كلهَا". ٧ لفظ "أَنَّهَا" لَيْسَ فِي س، وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى. ٨ فِي ط، ش "أَن وَجهه وَجه الْقبْلَة". ٩ لفظ "كَمَا هِيَ لكم" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ١٠ فِي ط، ش "فَمَا بَقِي لكم". ١١ فِي ط، ش "مِمَّا سبته".
[ ٢ / ٧٢٤ ]