قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ. وَهَذَا هُوَ١ الْأَصْلُ الَّذِي بنى عَلَيْهِ جهم٢ ضَلَالَاتِهِ وَاشْتَقَّ مِنْهَا٣ أُغْلُوطَاتِهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ سَبَقَ جَهْمًا إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ.
فَقَالَ/ لَهُ قَائِلٌ مِمَّنْ يُحَاوِرُهُ٤ قَدْ عَلِمْتُ مُرَادَكَ بِهَا٥ أَيُّهَا الأعجمي، وتعني أَن لله لَا شَيْءٌ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ إِلَّا وَلَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ٦ وَصِفَةٌ، وَأَنَّ لَا شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا صِفَةٌ، فَالشَّيْءُ أَبَدًا مَوْصُوفٌ لَا مَحَالَةَ وَلَا شَيْءٌ يُوصَفُ بِلَا حَدٍّ وَلَا غَايَةٍ وَقَوْلُكَ: لَا حَدَّ لَهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَا شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ حَدٌّ٧ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيره، وَلَا يجوز
_________________
(١) ١ لَفْظَة "هُوَ" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ هُوَ جهم بن صَفْوَان، تقدّمت تَرْجَمته ص”١٤٧". ٣ فِي ط، ش "مِنْهُ". ٤ فِي ط، ش، "مِمَّن حاوره". ٥ قَوْله: "بهَا" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ فِي س "حد أَو غَايَة". ٧ لفظ الْحَد من جنس لفظ الْجِهَة والجسم والحيز وَنَحْوهَا لم ترد فِي الْكتاب وَالسّنة نفيا وَلَا إِثْبَاتًا بل هِيَ من الْأَلْفَاظ الاصطلاحية الْحَادِثَة، فَمن أطلق لفظ الْحَد نفيا أَو إِثْبَاتًا سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ بِهِ فَإِن أُرِيد بالْقَوْل بِأَن لله حد أَنه مُنْفَصِل عَن الْخلق بَائِن مِنْهُم فَهَذَا حق كَمَا قَالَ ابْن الْمُبَارك لما قيل لَهُ: بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: بِأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، قيل: بِحَدّ أَي أَنه مُنْفَصِل عَن الْخلق بَائِن مِنْهُم. وَإِذا أُرِيد بِنَفْي أَن الْعباد لَا يعلمُونَ لله حدًّا وَلَا يحدون صِفَاته وَلَا يكيفونها فَهَذَا أَيْضا حق، وَالْخُلَاصَة أَن لفظ الْحَد لم يرد فِي الْكتاب وَالسّنة بِنَفْي، وَلَا إِثْبَات، فَمن أطلقهُ سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ بِهِ، فَإِن قصد معنى حقًّا قبل، وَإِن قصد معنى بَاطِلا رد. انْظُر: مَجْمُوع الفتاوي لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ٣/ ٤١-٤٣، ٥/ ٢٩٨-٣٠٩، ٦/ ٣٨-٤٠، وَشرح الطحاوية تَخْرِيج الألباني ص"٢٣٨-٢٤٠".
[ ١ / ٢٢٣ ]
لأحد أَن يتَوَهَّم لحده فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ١ بِالْحَدِّ ويكل٢ علم ذَلِك إِلَى الله٣ أَيْضًا حَدٌّ٤ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ فَهَذَانِ حَدَّانِ اثْنَانِ.
وَسُئِلَ٥ ابْنُ الْمُبَارَكِ: "بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: بِأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. قِيلَ: بِحَدٍّ؟ قَالَ: بِحَدّ"٦.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "نؤمن". ٢ فِي ط، س، ش "وَنكل". ٣ فِي ط، س "والمكانة" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٤ فِي الأَصْل "أحد" وَفِي ط، س، ش "حد" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٥ فِي ط، س، ش "وَسُئِلَ عبد الله بن الْمُبَارك" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"١٤٣". ٦ أخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٧، ٣٥، ٧٢" من طرق عَن ابْن شَقِيق. وَأخرجه الدَّارمِيّ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"٥٠" من طَرِيق عَليّ بن الْحسن، عَن ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٤٢٦-٤٢٧" من طَرِيقين عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيق، عَن ابْن الْمُبَارك. وَصَححهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي الْفَتْوَى الحموية، انْظُر: مَجْمُوع الفتاوي ٥/ ٥١-٥٢. وَصَححهُ أَيْضا ابْن الْقيم فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية ص"٥٤". وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه الْعُلُوّ وَصَححهُ، وَوَافَقَهُ الألباني، انْظُر، الْعُلُوّ للذهبي، تَصْحِيح ومراجعة عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد عُثْمَان ص"١١٠"، ومختصر الْعُلُوّ للألباني ص"١٥٢".
[ ١ / ٢٢٤ ]
حدّثنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ الصَّالِحِ الْبَزَّارُ١، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ٢ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٣ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ حَدٌّ فَقَدْ رَدَّ الْقُرْآنَ، وَادَّعَى أَنَّهُ لَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ٤ حَدَّ مَكَانَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، ٧، ٨ ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٩ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ١٠ فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِل على الْحَد.
_________________
(١) ١ الْحسن بن الصَّباح، تقدم ص"١٤٥". ٢ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، تقدم، ص"١٤٥". ٣ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٤ فِي ط، س، ش "لِأَن الله وصف حد مَكَانَهُ". ٥ سُورَة طه أَيَّة "٥". ٦ سُورَة الْملك، آيَة "١١٦". ٧ سُورَة النَّحْل آيَة "٥٠". ٨ وَاو الْعَطف لَيست فِي ط، س، ش. ٩ سُورَة آل عمرَان، آيَة "٥٥". ١٠ فِي ط، س، ش "زِيَادَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وَالْآيَة فِي سُورَة فاطر، آيَة "١٠".
[ ١ / ٢٢٥ ]
وَمَنْ لَا١ يَعْتَرِفُ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ وَجَحَدَ آيَاتِ اللَّهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ" ٢، وَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: "فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ٣.
فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" دَلِيلٌ٤ عَلَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُؤْمِنْ بِأَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ لم تكن مُؤمنَة، وَأَنه لايجوز فِي الرَّقَبَة إِلَّا مَنْ يُحِدُّ اللَّهَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُوله.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَمن لم يعْتَرف". ٢ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس، وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب الْجَهْمِية، حَدِيث ٤٧٢٦، ٥/ ٩٤-٩٥ من رِوَايَة ابْن بشار بِسَنَدِهِ إِلَى جُبَير بن مطعم مَرْفُوعا بِلَفْظ: "إِن الله فَوق عَرْشه، وعرشه فَوق سمواته" وسَاق الحَدِيث. وَأخرجه البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الْكَبِير من رِوَايَة جُبَير بن مُحَمَّد بن جُبَير، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِن الله ﷿ على عَرْشه وعرشه فَوق سمواته.." إِلَخ، انْظُر: التَّارِيخ الْكَبِير قسم ٢، ١/ ٢٢٤. ٣ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْمَسَاجِد ومواضع الصَّلَاة، بَاب تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة وَنسخ مَا كَانَ من إِبَاحَته، حَدِيث ٣٣، ١/ ٣٨٢ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَقَالَ لَهَا": أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: فَمن أَنا؟ قَالَت: أَنْت رَسُول الله، قَالَ: أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة". وَأخرجه أَبُو دَاوُد، كتاب الصَّلَاة، بَاب تشميت الْعَاطِس فِي الصَّلَاة، حَدِيث ٩٣٠، ١/ ٥٧٠-٥٧٣ فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ مُسلم. ٤٧ قَوْله: "دَلِيل على" لَيست فِي ط، س، ش وَالَّذِي فِيهَا" وَأَنَّهَا لَو لم تؤمن " إِلَخ ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل.
[ ١ / ٢٢٦ ]
فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ الْبَغْدَادِيُّ الْأَصَمُّ١، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ٢، عَنْ شبيب ابْن شيبَة٣، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ٥ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ لِأَبِيهِ: "يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟ قَالَ سَبْعَةً، سِتَّة فِي الأَرْض وَوَاحِد فِي السَّمَاءِ، قَالَ فَأَيُّهُمْ تَعُدُّهُ لِرَغْبَتِكَ وَلِرَهْبَتِكَ؟ قَالَ: الَّذِي فِي
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٧: أَحْمد بن منيع بن عبد الرَّحْمَن، أَبُو جَعْفَر الْبَغَوِيّ، نزيل بَغْدَاد، الْأَصَم، ثِقَة، حَافظ، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٤٤هـ وَله ٨٤ سنة٨/ ع. ٢ أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير تقدم ص”١٥٧"، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ١٣٧ أَن أَحْمد بن منيع روى عَنهُ. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٤٦: شبيب بن شيبَة بن عبد الله التَّمِيمِي، الْمقري، أَبُو معمر الْبَصْرِيّ، الْخَطِيب البليغ، إخباري، صَدُوق، يهم فِي الحَدِيث، من السَّابِعَة، مَاتَ فِي حُدُود السّبْعين ت، قَالَ فِي التَّهْذِيب "٤/ ٣٠٧" روى عَن الْحسن وَابْن سِيرِين وَعَطَاء إِلَخ. ٤ هُوَ الْحسن الْبَصْرِيّ كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ عِنْد التِّرْمِذِيّ، انْظُر "الْجَامِع بشرحه التُّحْفَة ٩/ ٤٥٤ وَقَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ١/ ١٦٥: الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ، وَاسم أَبِيه يسَار، بالتحتانية والمهملة، الْأنْصَارِيّ مَوْلَاهُم، ثِقَة، فَقِيه، فَاضل، مَشْهُور، وَكَانَ يُرْسل كثيرا وَيُدَلس، قَالَ الْبَزَّار: كَانَ يروي عَن جمَاعَة لم يسمع مِنْهُم فيتجوز وَيَقُول: حَدثنَا وخطبنا، يَعْنِي قومه الَّذين حدثوا وخطبوا بِالْبَصْرَةِ، هُوَ رَأس أهل الطَّبَقَة الثَّالِثَة، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة وَقد قَارب التسعين/ ع. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٨٢: عمرَان بن حُصَيْن بن عبيد بن خلف الْخُزَاعِيّ، أَبُو نجيد بنُون وجيم، مُصَغرًا، أسلم عَام خَيْبَر، وَصَحب، وَكَانَ فَاضلا وَقضى بِالْكُوفَةِ، مَاتَ سنة٥٢هـ بِالْبَصْرَةِ/ ع.
[ ١ / ٢٢٧ ]
السَّمَاءِ"١ فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الْكَافِرِ إِذْ٢ عَرَفَ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِينَ فِي السَّمَاءِ. كَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ.
فَحُصَيْنٌ الْخُزَاعِيّ فِي كفره يؤمئذ كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ الْجَلِيلِ الْأَجَلِّ مِنَ الْمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ مَعَ مَا٣ يَنْتَحِلُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، إِذْ مَيَّزَ بَيْنَ الْإِلَهِ الْخَالِقِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَبَيْنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ الْمَخْلُوقَةِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ٤.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ، وَحَدُّوهُ بِذَلِكَ إِلَّا الْمَرِيسِيَّ الضَّالَّ وَأَصْحَابَهُ، حَتَّى الصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ٥ قَدْ عَرَفُوهُ بِذَلِكَ، إِذَا حَزَبَ الصَّبِي شَيْء٦ يرفع يَدَيْهِ٧
_________________
(١) ١ أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي/ أَبْوَاب الدَّعْوَات/ بَاب "٧٠" حَدِيث ٣٥٥٠، ٩/ ٤٥٤-٤٥٥ بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟ قَالَ أبي: سَبْعَة سِتَّة فِي الأَرْض وَوَاحِد فِي السَّمَاء، قَالَ: فَأَيهمْ تعد لرغبتك ورهبتك؟ قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاء، قَالَ: يَا حُصَيْن، أما أَنَّك لَو أسلمت علمتك كَلِمَتَيْنِ تنفعانك، فَلَمَّا أسلم حُصَيْن قَالَ: يَا رَسُول الله، عَلمنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدتنِي، فَقَالَ: قل: اللَّهُمَّ ألهمني رشدي، وأعذني من شَرّ نَفسِي" هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عمرَان بن حُصَيْن من غير هَذَا الْوَجْه، قلت وَسكت عَنهُ المباركفوري. ٢ فِي ط، ش "أَن عرف". ٣ فِي الأَصْل "معما" وَفِي ش "ممع". ٤ فِي ط، س، ش "والأصنام الَّتِي فِي الأَرْض المخلوقة". ٥ تقدم مَعْنَاهَا ص”١٩٨". ٦ فِي س "إِذا جذب الصَّبِي شَيْء" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ فِي س "يَده".
[ ١ / ٢٢٨ ]
إِلَى رَبِّهِ يَدْعُوهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ مَا سِوَاهَا١، فَكُلُّ أَحَدٍ بِاللَّهِ وَبِمَكَانِهِ أَعْلَمُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ٢.
ثُمَّ انْتَدَبَ الْمُعَارِضُ لِتِلْكَ٣ الصِّفَاتِ الَّتِي أَلَّفَهَا وَعَدَّدَهَا فِي كِتَابِهِ: مِنَ الْوَجْهِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَتَأَوَّلُهَا، وَيَحْكُمُ عَلَى اللَّهِ٤ وَرَسُولِهِ فِيهَا حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ، وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، تَحَكُّمُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ، لَا يَعْتَمِدُ فِيهَا على إِمَام أقدمه، مِنْهُ٥، وَلَا أَرْشَدَ مِنْهُ عِنْدَهُ فَاغْتَنَمْنَا ذَلِكَ مِنْهَا، إِذْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ، وَسَلَّمَ فِيهَا بِحُكْمِهِ٦.
لَمَّا أَنَّ الْكَلِمَةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ مِنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ فِي كُفْرِهِ، وَهُتُوكِ٧ سِتْرِهِ وَافْتِضَاحِهِ فِي مِصْرِهِ٨ وَفِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذِكْرِهِ.
_________________
(١) ١ حتي البهمية العجماء ترفع رَأسهَا إِلَى السَّمَاء إِذا أَصَابَهَا ضيم من أحد لما فطرها الله عَلَيْهِ من معرفَة رَبهَا وَأَنه فِي الْعُلُوّ. ٢ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٣ فِي س "الْملك" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٤ فِي ط، س، ش "وعَلى رَسُوله". ٥ فِي س "أقدر مِنْهُ". ٦ فِي ط، س، ش "لحكمه". ٧ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ٣/ ٦٧٨ مَادَّة "هتك": "الهتك": خرق السّتْر عَمَّا وَرَاءه، وَالِاسْم الهتكة، بِالضَّمِّ والهتيكة: الفضيحة. والهتك أَن تجذب ستر فتقطعه من مَوْضِعه أَو تشق مِنْهُ طَائِفَة يرى مَا وَرَاءه، وَلذَلِك يُقَال: هتك الله ستر الْفَاجِر. وَرجل مهتوك السّتْر: مُتَهَتِّكَة. وتهتك: افتضح" انْتهى بِتَصَرُّف. ٨ قَالَ بن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط، ٣/ ٤٩٣ مَادَّة "مصر": "عَن ابْن السراج، والمصر، وَاحِد الْأَمْصَار. والمصر الكورة، وَالْجمع أَمْصَار، ومصَّروا الْمَوْضُوع: جَعَلُوهُ مصرا. وتمصر الْمَكَان: صَار مصرا. ومصر مَدِينَة بِعَينهَا، سمت بذلك لتمصرها" انْتهى بِتَصَرُّف.
[ ١ / ٢٢٩ ]