وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ من دَاع. حدّثنَاهُ١ الْقَعْنَبِيُّ٢ وَابْنُ بُكَيْرٍ٣ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ٤ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ٥ عَن الْأَغَر٦
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "حَدثنَا". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٥١: عبد الله بن مسلمة بن قعنب، القعْنبِي الْحَارِثِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْبَصْرِيّ، أَصله من الْمَدِينَة، وسكنها مُدَّة، ثِقَة، عَابِد، كَانَ ابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ لَا يقدمان عَلَيْهِ فِي الْمُوَطَّأ أحدا، من صغَار التَّاسِعَة، مَاتَ فِي أول سنة ٢١ بِمَكَّة، خَ م د ت س. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٥١: يحيى بن عبد الله بن بكير، المَخْزُومِي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ، وَقد ينْسب إِلَى جده، ثِقَة فِي اللَّيْث، وَتَكَلَّمُوا فِي سَمَاعه من مَالك، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣١هـ وَله ٧٧ خَ م ق. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب: مَالك بن أنس بن أبي عَمْرو والأصبحي، أَبُو عبد الله، الْمدنِي، الْفَقِيه، إِمَام دَار الْهِجْرَة، رَأس الْمُتَّقِينَ وكبير المثبتين، حَتَّى قَالَ البُخَارِيّ: أصح الْأَسَانِيد كلهَا: مَالك عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، من السَّابِعَة مَاتَ سنة ٧٩هـ وَكَانَ مولده سنة ٩٣هـ وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: بلغ ٩٠ سنة، ع. ٥ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، تقدم ص"١٧٥". ٦ الْأَغَر هُوَ سلمَان الْأَغَر أَبُو عبد الله الْمدنِي مولى جُهَيْنَة، أَصله من أَصْبَهَان، ثِقَة، من كبار الثَّالِثَة، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٣١٥، قَالَ فِي الكاشف ١/ ٣٨٣: عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي أَيُّوب وَعنهُ الزُّهْرِيّ وَبُكَيْر بن الْأَشَج.
[ ١ / ٢١٠ ]
وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ١، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٢ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَنْزِلُ رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ ٣ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخر فَيَقُول: من يدعني ٤ أستجيب ٥ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ".
حَدَّثَنَا أَبُو عمر الحوضي٧
_________________
(١) ١ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، تقدم ص"١٧٦". ٢ "﵁" لم ترد فِي ط، ش، س، وَأَبُو هُرَيْرَة صَحَابِيّ تقدم ص"١٧٩". ٣ فِي ط، ش "حَتَّى". ٤ فِي ط، ش، س "يدعوني". ٥ فِي ط، ش، س "أستجيب" دون ذكر "لَهُ". ٦ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّهَجُّد، بَاب الدُّعَاء وَالصَّلَاة من آخر اللَّيْل، حَدِيث رقم ١١٤٥، ٣/ ٢٩ قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مسلمة، عَن مَالك بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ: "ينزل رَبنَا ﵎ كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخر يَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب الرَّد على الْجَهْمِية، حَدِيث رقم ٤٧٣٣، ٥/ ١٠٠-١٠٣ قَالَ: حَدثنَا القعْنبِي عَن مَالك بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره. ٧ جَاءَ فِي التَّقْرِيب تَحْقِيق وَتَعْلِيق عبد الْوَهَّاب عبد اللَّطِيف ١/ ١٨٧: "أَبُو عَمْرو" آخِره وَاو، وَفِي الطبعة الْهِنْدِيَّة "أَبُو عمر" وَهُوَ الصَّوَاب وَبِه جَاءَ عِنْد الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٢٤١ والخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٨٧" وَفِي س، صحف "الحوضي" فَقَالَ: "الخرصي" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بعْدهَا رَاء ثمَّ الصَّاد الْمُهْملَة وَفِي الكاشف "الجوصي" بِالْجِيم ثمَّ الْوَاو وَالصَّاد الْمُهْملَة، وَصَوَابه "الحوضي" بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة كم أثبتنا وَبِه جَاءَ عِنْد ابْن الْأَثِير فِي اللّبَاب والخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص”١١٨": حَفْص بن عمر بن الْحَارِث بن سَخْبَرَة بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء وَفتح الْمُوَحدَة الْأَزْدِيّ النمري، بِفَتْح النُّون وَالْمِيم أَبُو عمر الحوضي وَهُوَ بهَا أشهر، عيب بِأخذ الْأُجْرَة على الحَدِيث، من كبار الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٢٥/ خَ د س انْتهى، فِي اللّبَاب ١/ ٤٠٢ أَن الحوضي نِسْبَة إِلَى الْحَوْض وَالْمَشْهُور بهَا أَبُو عمر حَفْص بن عمر بن الْحَارِث النمري الْمَعْرُوف بالحوضي.
[ ١ / ٢١١ ]
عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ١، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ٢ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ٣ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ٤ عَنْ رِفَاعَةَ الْجُهَنِي٥ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) ١ هِشَام بن أبي عبد الله سنبر، بِمُهْملَة ثمَّ نون مُوَحدَة، وزن جَعْفَر، أَبُو بكر الدستوَائي، بِفَتْح الدَّال وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح الْمُثَنَّاة ثمَّ مد، ثِقَة ثَبت وَقد رمي بِالْقدرِ، من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٥٤ وَله ٧٨ سنة، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٣١٩. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٥٦: يحيى بن أبي كثير الطَّائِي، مَوْلَاهُم أَبُو نصر اليمامي، ثِقَة، ثَبت، لكنه يُدَلس وَيُرْسل، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٣٢، وَقيل قبل ذَلِك/ ع. ٣ هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٢٤: هُوَ ابْن عَليّ، وَقَالَ فِي نفس الْمصدر والصفحة: هِلَال بن عَليّ بن أُسَامَة العامري، الْمدنِي، وينسب إِلَى جده، ثِقَة من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة بضع عشرَة وَمِائَة/ ع. ٤ عَطاء بن يسَار، تقدم ص”٢٠٦". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٥١: رِفَاعَة بن عرابة: بِفَتْح الْمُهْملَة وَالرَّاء الْمُوَحدَة، الْجُهَنِيّ الْمدنِي، صَحَابِيّ لَهُ حَدِيث، س ق.
[ ١ / ٢١٢ ]
قَالَ: "إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ -أَوْ شَطْرُ اللَّيْلِ- يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَيّ السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي، فَمَنْ ١ يَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَهُ؟ مَنْ يَدْعُنِي ٢ أَسْتَجِبْ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي أُعْطِهِ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفجْر" ٣،
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "من". ٢ فِي ط، ش، س "يدعوني". ٣ أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٤/ ١٦ قَالَ: حَدثنَا عبد الله حَدثنِي أبي، ثَنَا يحيى بن سعيد قَالَ حَدثنَا هِشَام -يَعْنِي الدستوَائي- بِهَذَا السَّنَد فِي آخِره بِلَفْظ: "إِذا مضى نصف اللَّيْل ينزل الله ﷿ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عبَادي أحدا غَيْرِي، من ذَا الَّذِي يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ من ذَا الَّذِي يدعوني فأستجب لَهُ؟ من ذَا الَّذِي يسألني فَأعْطِيه؟ حتي ينفجر الصُّبْح". وَأخرجه ابْن مَاجَه من طَرِيق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا مُحَمَّد بن مُصعب، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِسَنَد الدَّارمِيّ وَذكره، وَقَالَ، مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي: "فِي الزَّوَائِد مُحَمَّد بن مُصعب ضَعِيف، قَالَ صَالح بن مُحَمَّد: عَامَّة أَحَادِيث، عَن الْأَوْزَاعِيّ مَقْلُوبَة"، انْظُر: سنَن ابْن مَاجَه، بترتيب مُحَمَّد فؤاد، كتاب إِقَامَة الصَّلَاة، بَاب ماجاء فِي أَي سَاعَات اللَّيْل أفضل، حَدِيث رقم ١٣٦٧، ١/ ٤٣٥. قلت: وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد، بتحقيق مُحَمَّد خَلِيل هراس ص "١٣٢-١٣٣" من طَرِيق هِشَام وَمن طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا. وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة، بتحقيق د. أَحْمد سعد ٣/ ٤٤١ من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. وَأوردهُ ابْن الْقيم فِي مُخْتَصر الصَّوَاعِق ٢/ ٣٣٦ من طَرِيق ابْن الْمُبَارك قَالَ: حَدثنَا هِشَام -بِسَنَد عُثْمَان الدَّارمِيّ- قَالَ: "هَذَا حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده" وَفِيه رد على من زعم أَن الَّذِي ينزل من الْمَلَائِكَة فَإِن الْملك لَا يَقُول: "لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي" وَلَا يَقُول: "من يسألني أعْطه".
[ ١ / ٢١٣ ]
وَهَذا بَابٌ طَوِيلٌ قَدْ جَمَعْنَاهُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ١.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِلُ بِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ بِكُلِّ٢ مَكَانٍ، مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ؛ لِأَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَالْقَيُّومُ بِزَعْمِهِ مَنْ لَا يَزُولُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ حُجَجِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ بَيَانٌ، وَلَا لِمَذْهَبِهِ بُرْهَانٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ يَنْزِلُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَوَقْتٍ وَأَوَانٍ، فَمَا بَالُ النَّبِيِّ ﷺ يَحُدُّ لِنُزُولِهِ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ؟
وَيُوَقِّتُ مِنَ اللَّيْلِ شَطْرَهُ أَوِ الْأَسْحَارَ؟ أَفَبِأَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ٣ يَدْعُو الْعِبَادَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ؟ أَوْ يُقَدِّرُ الْأَمْرَ وَالرَّحْمَةَ أَنْ يَتَكَلَّمَا دُونَهُ فَيَقُولَا: "هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فأعفر لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَ؟ "٤ فَإِنْ قَرَّرْتَ مَذْهَبَكَ لَزِمَكَ أَنْ تَدعِي أَن٥ الرَّحْمَة وَالْأَمْرَ اللَّذَيْنِ يَدْعُوَانِ إِلَى الْإِجَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِكَلَامِهِمَا دُونَ اللَّهِ. هَذَا مُحَالٌ عِنْدَ السُّفَهَاءِ، فَكَيْفَ عَنْدَ الْفُقَهَاءِ؟ وَقَدْ٦ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَلَكِنْ تُكَابِرُونَ.
وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ يَنْزِلَانِ مِنْ عِنْدِهِ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَا يَمْكُثَانِ إِلَّا إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ يُرْفَعَانِ؛ لِأَنَّ رِفَاعَةَ٧ يَرْوِيهِ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: "حَتَّى
_________________
(١) ١ يقْصد بذلك كتاب "الرَّد على الْجَهْمِية" وَقد أَشرت إِلَى ذَلِك ص”٢٠٨". ٢ فِي ط، ش، س "وَبِكُل مَكَان". ٣ فِي س "أفبرحمته وَأمره" وَفِي ط، ش "فبرحمته وَأمره". ٤ تقدم تَخْرِيجه فِي الصفحة السَّابِقَة. ٥ فِي ط، ش "أَن تدعوا الرَّحْمَة وَالْأَمر"، وَفِي س "أَن تَدعِي الرَّحْمَة وَالْأَمر". ٧ رِفَاعَة، تقدم ص”٢١٢".
[ ١ / ٢١٤ ]
يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ" ١.
وَقَدْ٢ عَلِمْتُمْ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَبْطَلُ بَاطِلٍ، لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ تَفْسِيرَ "الْقَيُّومِ" الَّذِي لَا يَزُولُ مِنْ مَكَانِهِ وَلَا يَتَحَرَّكُ٣، فَلَا يُقْبَلُ مِنْكَ٤ هَذَا التَّفْسِيرُ إِلَّا بِأَثَرٍ صَحِيحٍ، مَأْثُورٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ٥ أَوِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ الْقَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويهبط٦ ويرتفع إِذا شَاءَ، وينقبض وَيَبْسُطُ وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ؛ لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ التَّحَرُّكَ.
كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ. وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ٧.
وَمَنْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَفْسِيرِكَ وَتَفْسِيرِ صَاحِبِكَ مَعَ تَفْسِير نَبِي الرَّحْمَة
_________________
(١) ١ تقدم تَخْرِيجه ص"٢١٣". ٢ فِي ط، ش، س "قد علمْتُم". ٣ فِي ط، ش، س "فَلَا يَتَحَرَّك". ٤ فِي ط، ش "مثل هَذَا التَّفْسِير". ٥ قَوْله: "أَو عَن بعض أَصْحَابه" تَكَرَّرت فِي الأَصْل. ٦ فِي ط، ش "وَينزل" بدل "ويهبط" وَهُوَ أولى. ٧ ذكر حَامِد الفقي فِي تَعْلِيقه على المطبوعة "أَن هَذِه الْأَلْفَاظ لم ترد فِي الْقُرْآن وَلَا فِي السّنة فتوقف عَن وصف الله تَعَالَى بهَا" وَمرَاده بالألفاظ الَّتِي لم ترد هِيَ قَوْله: "يهْبط، وَيقوم وَيجْلس ويتحرك" قلت: وَقد ورد فِي بَعْضهَا نَص إِلَّا أَن فِي ثُبُوته نظر: ويغني عَنْهَا مَا ورد فِي النُّصُوص كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ [الْقَصَص: ٦٨] وَقَوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الْحَج: ١٨] وَقَوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠] .
[ ١ / ٢١٥ ]
وَرَسُول رب الْعِزَّة إِذا١ فَسَّرَ نُزُولَهُ مَشْرُوحًا مَنْصُوصًا، وَوَقَّتَ لنزوله وقتا مَخْصُوصًا، لم يَدَعْ لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ فِيهِ لَبْسًا وَلَا عَوِيصًا٢؟.
ثُمَّ أَجْمَلَ الْمُعَارِضُ٣ مَا يُنْكِرُ الْجَهْمِيَّةُ٤ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَذَاتِهِ٥ الْمُسَمَّاةِ فِي كِتَابِهِ وَفِي آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَعَدَّ مِنْهَا بَعْضًا وَثَلَاثِينَ صفة نسقًا٦ وَاحِدًا، وَيحكم عَلَيْهَا وَيُفَسِّرُهَا بِمَا حَكَمَ الْمَرِيسِيُّ وَفَسَّرَهَا وَتَأَوَّلَهَا حَرْفًا حَرْفًا، خِلَافَ مَا عَنَى اللَّهُ، وَخِلَافَ مَا تَأَوَّلَهَا الْفُقَهَاءُ الصَّالِحُونَ، لَا يُعْتَمَدُ فِي أَكْثَرِهَا إِلَّا عَلَى الْمَرِيسِيِّ، فَبَدَأَ مِنْهَا بِالْوَجْهِ، ثُمَّ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالْغَضَبِ، وَالرِّضَا، وَالْحُبِّ، وَالْبُغْضِ، وَالْفَرَحِ، وَالْكُرْهِ، وَالضَّحِكِ، وَالْعَجَبِ، وَالسَّخَطِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالْمَشِيئَةِ، وَالْأَصَابِعِ، وَالْكَفِّ، وَالْقَدَمَيْنِ وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ٧، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "إِذْ فسر". ٢ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٢/ ٣٠٩ مَادَّة "عوص": "عوص الْكَلَام كفرح، وعاص يعاص عياصًا وعوصًا: صَعب، وَالشَّيْء اشْتَدَّ، وشَاة عائص لم تحمل أعومًا، جمعه عوص والعويص من الشّعْر مَا يصعب اسْتِخْرَاج مَعْنَاهُ كالأعوص، وَمن الْكَلم الغريبة". ٣ فِي ط، ش، س زِيَادَة "ثمَّ أجمل الْمعَارض جَمِيع مَا يُنكر الْجَهْمِية". ٤ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٥ فِي الأَصْل وس "وذاوته" وَفِي ط، ش، "وذاته" وَهُوَ الَّذِي أثبتنا لصوابه. ٦ قَالَ الفيرووآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٣/ ٢٨٥ مَادَّة "نسق": "نسق الْكَلَام عطف بعضه على بعض، والنسق محركة مَا جَاءَ من الْكَلَام على نظام وَاحِد، وَمن الثغور المستوية وَمن الخرز المنظم، وكواكب الجوزاء وَهِي بِضَمَّتَيْنِ، وَمن كل شَيْء مَا كَانَ على طَريقَة نظام عَام". ٧ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٨٨".
[ ١ / ٢١٦ ]
وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١، و﴿وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢، و﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ وَ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ٤ وَ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٥ و﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ ٦ وَقَوله ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٧ وَ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٨ وَ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٩ وَ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ١٠ وَ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١١ وَ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ١٢ وَقَوله ١٣ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ١٤ و﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
_________________
(١) ١ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١١٥". ٢ سُورَة الشورى آيَة "١١١". ٣ فِي ط، ش، س "خلقت آدم بيَدي" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ لفظ الْآيَة رقم "٧٥" من سُورَة ص. ٤ سُورَة الْمَائِدَة، آيَة "٦٤". ٥ سُورَة الْفَتْح، آيَة "١٠". ٦ سُورَة الزمر، أَيَّة "٦٧". ٧ سُورَة الطّور، آيَة "٤٨". ٨ سور الْبَقَرَة، آيَة "٢١٠". ٩ سُورَة الْفجْر، آيَة "٢٢". ١٠ سُورَة الحاقة، آيَة "١٧". ١١ سُورَة طه، آيَة "٥". ١٢ سُورَة غَافِر، آيَة "٧". ١٣ لَفْظَة: "قَوْله" لَيست فِي ط، س، ش. ١٤ سُورَة آل عمرَان، أَيَّة "٢٨".
[ ١ / ٢١٧ ]
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ ١ وَ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٢ وَ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ٣ وَ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ٤.
عَمِدَ الْمُعَارِضُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْآيَاتِ فَنَسَّقَهَا وَنَظَّمَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، كَمَا نَظَّمَهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ثُمَّ فَرَّقَهَا أَبْوَابًا فِي كِتَابِهِ، وَتَلَطَّفَ بِرَدِّهَا بِالتَّأْوِيلِ، كَتَلَطُّفِ الْجَهْمِيَّةِ٥، مُعْتَمِدًا، فِيهَا عَلَى تَفَاسِيرِ الزَّائِغِ الْجَهْمِيِّ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ٦ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، مُسْتَتِرًا عِنْدَ الْجُهَّالِ بِالتَّشْنِيعِ٧ بِهَا عَلَى قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَيُصَدِّقُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهَا بِغَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا بِمِثَالٍ٨.
فَزَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا٩ يُكَيِّفُونَهَا وَيُشَبِّهُونَهَا بِذَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ بِزَعْمِهِ قَالُوا: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اجْتِهَادُ رَأْيٍ لِنُدْرِكَ١٠ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ، أَوْ يُشَبَّهُ شَيْءٌ مِنْهَا١١ بِشَيْءٍ مِمَّا هُوَ فِي الْخلق مَوْجُود.
_________________
(١) ١ سُورَة آل عمرَان، آيَة "٧٧". ٢ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٢". ٣ سُورَة الْمَائِدَة، آيَة "١١٦". ٤ فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ، انْظُر: سُورَة الْبَقَرَة آيَة "٢٢٢". ٥ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٦ فِي ط، ش، س زِيَادَة "المريسي" تقدّمت تَرْجَمته ص٤٧-٧١. ٧ تقدم مَعْنَاهَا، ص"١٤١". ٨ فِي ط، ش "وَلَا مِثَال". ٩ لَفْظَة "بهَا" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ فِي ط، س، ش "ليدرك". ١١ لفظ "مِنْهَا" لَيْسَ فِي س.
[ ١ / ٢١٨ ]
قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ لَمَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى١ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ، كَكَيْفِيَّتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُلْنَا لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُدَلِّسِ بِالتَّشْنِيعِ٢.
أَمَّا قَوْلُكَ: "إِنَّ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَتَشْبِيهَهَا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَلْقِ خَطَأٌ فَإِنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ خَطَأٌ كَمَا قُلْتَ٣ بَلْ هُوَ عِنْدَنَا كُفْرٌ٤ وَنَحْنُ لِكَيْفِيَّتِهَا٥، وَتَشْبِيهِهَا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَلْقِ أَشَّدُ أَنَفًا٦ مِنْكُمْ، غَيْرَ أَنَّا كَمَا لَا نُشَبِّهُهَا، وَلَا نُكَيِّفُهَا، لَا نَكْفُرُ بِهَا، وَلَا نُكَذِّبُ، وَلَا نُبْطِلُهَا بِتَأْوِيلِ الضَّلَالِ، كَمَا أَبْطَلَهَا إِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ فِي أَمَاكِنَ مِنْ كِتَابِكَ، سَنُبَيِّنُهَا لِمَنْ غَفَلَ عَنْهَا٧
_________________
(١) ١ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ التشنيع، تقدم مَعْنَاهَا ص"١٤١". ٣ قَوْله: "كَمَا قلت" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة، قَالَ نعيم بن حَمَّاد شيخ البُخَارِيّ: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، وَمن أنكر مَا وصف بِهِ نَفسه فقد كفر، وَلَيْسَ مَا وصف الله بِهِ نَفسه وَلَا رَسُوله تَشْبِيها"، انْظُر: الْعُلُوّ للذهبي بتحقيق عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد عُثْمَان ص"١٢٦" واجتماع الجيوش الإسلامية لِابْنِ الْقيم نشر المكتبة السلفية ص"٨٦". ٥ فِي ط، ش "لتكييفها" وَهُوَ أوضح. ٦ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي جـ١ ص"١١٦" مَادَّة "أنف" قَالَ: "وأنف من الشَّيْء يأنف أنفًا وأنفةً حمي، وَقيل، استنكف. يُقَال: مَا رَأَيْت أحمى أنفًا وَلَا آنف من فلَان. وأنف الطَّعَام وَغَيره أنفًا كرهه، وَقَالَ أَبُو زيد: أنف من قَوْلك لي أَشد الْأنف أَي كرهت مَا قلت لي: انْتهى بِتَصَرُّف. ٧ فِي ط، ش "لمن غفل عَنْك".
[ ١ / ٢١٩ ]
مِمَّنْ حَوَالَيْكَ مِنَ الْأَغْمَارِ١ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٢.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي تَكْيِيفِ صِفَاتِ الرَّبِّ٣، فَإِنَّا لَا نُجِيزُ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْأَحْكَامِ، الَّتِي نَرَاهَا بِأَعْيُنِنَا، وَتُسْمَعُ فِي آذَانِنَا.
فَكَيْفَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَهَا الْعُيُونُ، وَقَصُرَتْ عَنْهَا الظُّنُونُ؟ غَيْرَ أَنَّا لَا نَقُولُ فِيهَا كَمَا قَالَ إِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلُّهَا لِلَّهِ كَشَيْءٍ٤ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ السَّمْعُ مِنْهُ غَيْرَ الْبَصَرِ، وَلَا الْوَجْهُ مِنْهُ غَيْرَ الْيَدِ، وَلَا الْيَدُ مِنْهُ غَيْرَ النَّفْسِ، وَأَنَّ الرَّحْمَنَ لَيْسَ يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ، سَمْعًا مِنْ بَصَرٍ، وَبَصَرًا مِنْ سَمْعٍ، وَلَا وَجْهًا مِنْ يَدَيْنِ، وَلَا يَدَيْنِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ بِزَعْمِكُمْ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَوَجْهٌ٥ وَأَعْلَى وَأَسْفَلُ وَيَدٌ وَنَفْسٌ، وَعِلْمٌ وَمَشِيئَةٌ وَإِرَادَةٌ مِثْلُ خَلْقِ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاءِ الْجبَال٦ وَالتِّلَالِ وَالْهَوَاءِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لِشَيْءٍ مِنْهَا شَيْءٌ٧ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالذَّوَاتِ، وَلَا يُوقَفُ لَهَا مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ٨ فَاللَّهُ الْمُتَعَالِي عندنَا أَن يكون كَذَلِك.
_________________
(١) ١ تقدم مَعْنَاهَا، ص”١٤٧". ٢ فِي ط، س، ش "تَعَالَى". ٣ فِي ط، س، ش "فِي تكييف صِفَات الله". ٤ فِي ط، س، ش "كلهَا لله غير شَيْء وَاحِد". ٥ فِي ط، س، ش، "هُوَ بزعمكم بصر وَسمع وَوجه". ٦ لَفْظَة "الْجبَال" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ط، ش "شَيْئا" بِالنّصب، وَصَوَابه الرّفْع؛ لِأَنَّهَا نَائِب فَاعل. ٨ من قَوْله: "من هَذِه الصِّفَات" إِلَى قَوْله: "على شَيْء" لَيْسَ فِي ط، س، ش ولعلها سَقَطت.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فَقَدْ مَيَّزَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ السَّمْعَ مِنَ الْبَصَرِ فَقَالَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ١ و﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ٢ وَقَالَ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ ٣ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ دُونَ السَّمْعِ، فَقَالَ عِنْدَ السَّمْعِ وَالصَّوْتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٥ وَ﴿لَقَدْ ٦ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ٧، وَلَمْ يَقُلْ: قَدْ رَأَى اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا.
وَقَالَ فِي مَوْضِعِ الرُّؤْيَةِ: ﴿الَّذِي يَرَاكَ٨ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ ٩ وَقَالَ: وَقَالَ ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ١٠ وَلَمْ يَقُلْ: يَسْمَعُ اللَّهُ تَقَلُّبَكَ وَيَسْمَعُ عَمَلَكَ١١، فَلَمْ يَذْكُرِ الرُّؤْيَةَ فِيمَا يسمع، وَلَا
_________________
(١) ١ سُورَة ص، آيَة "٤٦". ٢ سُورَة الشُّعَرَاء، آيَة "١٥". ٣ فِي الأَصْل، ط، س، ش "لَا يكلمهم" بِدُونِ وَاو، وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا. ٤ سُورَة آل عمرَان، آيَة "٧٧". ٥ سُورَة المجادلة، آيَة "١". ٦ فِي الأَصْل "قد سمع الْآيَة" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٧ فِي ط، س، ش، زِيَادَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وَالْآيَة من سُورَة آل عمرَان آيَة "١٨١". ٨ فِي الأَصْل ط، س، ش "إِنَّه يراك" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٩ سُورَة الشُّعَرَاء، آيَة "٢١٨-٢١٩". ١٠ سُورَة التَّوْبَة، آيَة "١٠٥". ١١ فِي ط، س، ش "وَيسمع الله عَمَلكُمْ".
[ ١ / ٢٢١ ]
السَّمَاعَ فِيمَا يُرَى. لَمَّا أَنَّهُمَا عِنْدَهُ خِلَافُ مَا عِنْدَكُمْ.
وَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ١، و﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٢ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٣ وَلَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: عَلَى سَمْعِي.
فَكَمَا نَحْنُ لَا نُكَيِّفُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا نُكَذِّبُ بِهَا كَتَكْذِيبِكُمْ، وَلَا نُفَسِّرُهَا كَبَاطِلِ تفسيركم٤.
_________________
(١) ١ سُورَة الْقَمَر، آيَة "١٣-١٤". ٢ هَذِه الأية لم ترد فِي ط، س، ش، وَهِي فِي سُورَة الطّور، آيَة "٤٨". ٣ سُورَة طه، آيَة "٣٩". ٤ فِي ط، س، ش "وَلَا نفسرها كتفسيركم".
[ ١ / ٢٢٢ ]