وَهِيَ فِي دَعْوَاهُ: اللَّمْسُ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالْبَصَرِ بِالْعَيْنِ وَالسَّمْعِ، وَاحْتَجَّ لِدَعْوَاهُ بِحَدِيثٍ مُفْتَعَلٍ مَكْذُوبٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ١ مَعَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ مُفْتَعَلٌ٢؛ فَأَوَّلُ شَوَاهِدِهِ: أَنَّهُ رَوَاهُ الْمُعَارِضُ عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ الْمُتَّهَمِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ، الْمُكَذِّبِ بِصِفَاتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَوَاهُ بِشْرٌ عَنْ قَوْمٍ لَا يُوثَقُ بِهِمْ، وَلَا يُعْرَفُونَ، رَوَاهُ الْمَرِيسِيُّ٣ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ٤ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ٥ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن مَيْمُون٦،
_________________
(١) ١ عبد الله بن عَبَّاس تقدم صـ"١٧٢". ٢ فِي ط، ش، س "مفتعل مَكْذُوب". ٣ فِي س "رَوَاهُ عَن المريسي". "٤، ٥" قلت: أَبُو شهَاب الْخَولَانِيّ ونعيم بن أبي نعيم لم أعثر لَهما على تَرْجَمَة فِيمَا بَين يَدي من المصادر وَيَكْفِي فِي الحكم عَلَيْهِمَا مَا ذكره الدَّارمِيّ عُثْمَان ابْن سعيد من الِاسْتِفْهَام عَنْهُمَا بِصِيغَة تفِيد أَنَّهُمَا مَجْهُولَانِ. ٦ قَالَ فِي ميزَان الِاعْتِدَال للذهبي ١/ ٦٩: "إِبْرَاهِيم بن مَيْمُون الْمروزِي الصَّائِغ روى عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَطَائِفَة وَثَّقَهُ ابْن معِين وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يحْتَج بِهِ، قَتله أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي ظلما سنة ١٣١هـ/ بِتَصَرُّف: وَقَالَ فِي ديوَان الضُّعَفَاء والمتروكين لشمس الدَّين الذَّهَبِيّ صـ"٣١" إِبْرَاهِيم بن مَيْمُون الصَّائِغ عَن عَطاء قَالَ أبوحاتم لَا يحْتَج بِهِ.
[ ١ / ١٨٦ ]
عَنْ عَطَاءٍ١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢.
فَمن أبي شِهَابٍ الْخَوْلَانِيُّ٣ وَمَنْ٤ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ فَيُحْكَمُ بِرِوَايَتِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٥ عَلَى رِوَايَةِ قَوْمٍ أَجِلَّةٍ مَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَدْ رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ؟!
فَمِنْ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٦ عَنْ حَمَّادِ بن سَلمَة٧ عَن
_________________
(١) ١ عَطاء بن أبي رَبَاح بِفَتْح الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة، وَاسم أبي رَبَاح أسلم الْقرشِي، مَوْلَاهُم، الْمَكِّيّ، ثِقَة، فَقِيه، فَاضل، لكنه كثير الْإِرْسَال من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٤هـ، على الْمَشْهُور وَقيل: إِنَّه تغير بِآخِرهِ وَلم يكن ذَلِك مِنْهُ، ع التَّقْرِيب ٢/ ٢٢. ٢ ابْن عَبَّاس الصَّحَابِيّ، تقدم صـ"١٧٢". ٣ هَكَذَا فِي الأَصْل وَلم يَتَّضِح وَجه جر "أبي" فِي قَوْله "أبي شهَاب" وَفِي ط، ش، س "فَيُقَال، لهَذَا الْمعَارض: من بشر وَأَبُو شهَاب الْخَولَانِيّ؟ " وَهُوَ الصَّوَاب إعرابًا. ٤ فِي ط، ش، س، "ونعيم بن أبي نعيم "دون ذكر "من" الاستفهامية. ٥ فِي ط، س، ش "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄" قلت: تقدّمت تَرْجَمته صـ"١٧٢". ٦ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، تقدم صـ"١٦٨". ٧ حَمَّاد بن سَلمَة بن دِينَار الْبَصْرِيّ، أَبُو سَلمَة، ثِقَة، عَابِد، أثبت النَّاس فِي ثَابت، وَتغَير حفظه بِآخِرهِ من كبار الثَّامِنَة مَاتَ سنة ٦٧هـ، خت م وَالْأَرْبَعَة التَّقْرِيب ١/ ١٩٧.
[ ١ / ١٨٧ ]
عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ١ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ٢ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٣ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابَ الْجَنَّةِ فَيُفْتَحُ لِي فَأَرَى رَبِّي وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ -أَوْ سَرِيرِهِ- فَيَتَجَلَّى لِي، فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا" ٤ فَهَذَا أَحَدُ الْحَوَاسِّ وَهُوَ النَّظَرُ بِالْعَيْنِ وَالتَّجَلِّي، رَوَاهُ٥ هَؤُلَاءِ المشهورن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى رَغْمِ بشر.
ون ذَلِك مَا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيبَة٦
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٧: عَليّ بن زيد بن عبد الله بن زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ، أَصله حجازي، وَهُوَ الْمَعْرُوف بعلي بن زيد بن جدعَان": ينْسب أَبوهُ إِلَيّ جد جده، ضَعِيف من الرَّابِعَة مَاتَ سنة ١٣١هـ وَقيل قبلهَا، بخ م وَالْأَرْبَعَة. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٧٥: الْمُنْذر بن مَالك بن قِطْعَة، بِضَم الْقَاف وَفتح الْمُهْملَة الْعَبْدي، العوقي بِفَتْح الْمُهْملَة وَالْوَاو ثمَّ قَاف، الْبَصْرِيّ، أَبُو نَضرة، بنُون ومعجمة سَاكِنة، مَشْهُور بكنيته، ثِقَة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٠٨هـ أَو ١٠٩هـ/ خت م وَالْأَرْبَعَة. ٣ ابْن عَبَّاس الصَّحَابِيّ تقدم صـ"١٧٢". ٤ ورد فِي صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ حَدِيث رقم ٧٤٤٠، ٣/ ٤٢٢ من طَرِيق آخر عَن أنس فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَأَسْتَأْذِن على رَبِّي فِي دَاره فَيُؤذن لي، فَإِذا وَقعت سَاجِدا". ٥ فِي س "رووا". ٦ فِي ط، ش "عمر بن شبة" وَفِي س "عمر بن أبي شيبَة" وَصَوَابه فِيمَا ظهر لي هُوَ مَا فِي الأَصْل، إِذْ لم أجد فِي تَهْذِيب الْكَمَال أَن عمر بن شبة روى عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَلَا أَن عُثْمَان الدَّارمِيّ روى عَنهُ، وَأما الَّذِي فِي س فَلم أَجِدهُ، وَالَّذِي أَثْبَتْنَاهُ هُوَ عُثْمَان بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الْعَبْسِي، أَبُو الْحسن ابْن أبي شيبَة الْكُوفِي، ثِقَة، حَافظ، شهير، وَله أَوْهَام وَقيل، كَانَ لَا يحفظ الْقُرْآن من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٣٩ وَله ٨٣ سنة، خَ م د س ق، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٣-١٤ وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٢/ ٩١٩ أَنه روى عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
[ ١ / ١٨٨ ]
عَن جرير بن عبد الحيمد١ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ٣ عَن ابْن عَبَّاس ٤ قَالَ: "إِذْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعُوا لَهُ مِثْلَ سِلْسِلَةِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفْوَانِ"٥.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٢٧: جرير عَن عبد الحميد بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا طاء مُهْملَة الضَّبِّيّ الْكُوفِي، نزيل الرّيّ وقاضيها، ثِقَة، صَحِيح الْكتاب قيل: كَانَ آخر عمره يهم من حفظه مَاتَ سنة ٨٨هـ وَله ٧١ سنة، ع وَقَالَ فِي الكاشف ١/ ١٨٢: مَاتَ سنة ١٨٨. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦٥: يزِيد بن أبي زِيَاد الْهَاشِمِي، مَوْلَاهُم، الْكُوفِي، ضَعِيف، كبر فَتغير، صَار يَتَلَقَّن، وَكَانَ شيعيًّا، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٣٦هـ، خت م وَالْأَرْبَعَة، وَذكر فِي الكاشف ٣/ ٢٧٨ أَنه روى عَن مَوْلَاهُ عبد الله بن الْحَارِث وَأبي جُحَيْفَة وَابْن أبي ليلى. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٠٨: عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي، أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي أَمِير الْبَصْرَة لَهُ رُؤْيَة، ولأبيه وجده صُحْبَة قَالَ ابْن عبد الْبر: أَجمعُوا على توثيقه مَاتَ سنة ٩٩هـ وَيُقَال: سنة ٨٤هـ/ ع. ٤ ابْن عَبَّاس الصَّحَابِيّ، تقدم صـ"١٧٢". ٥ فِي ط، ش "صلصلة" بدل "سلسة"، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ، انْظُر صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي/ كتاب التَّوْحِيد/ بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ الْآيَة حَدِيث رقم ٧٤٨١ جـ١٣ صـ"٤٥٣" من طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة يبلغ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِذا قضى الله الْأَمر فِي السَّمَاء ضربت الْمَلَائِكَة بأجنحتها خضعانًا لقَوْله كَأَنَّهُ سلسة على صَفْوَان". وَفِي سنَن أبي دَاوُد، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب فِي الْقُرْآن، حَدِيث رقم ٤٧٣٨ جـ٥ صـ"١٠٥-١٠٦" من طَرِيق آخر عَن ابْن مَسْعُود بِنَحْوِ لفظ البُخَارِيّ مَعَ زِيَادَة فِي آخِره إِلَّا أَنه قَالَ: "صلصلة كجر السلسلة".
[ ١ / ١٨٩ ]
وَهَذَا الْحَوَاسُّ الثَّانِي، بِأَسْمَاعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى رَغْمِ بِشْرٍ وَرِوَايَةِ بِشْرٍ، فَمَا تُغْنِي عَنْ بِشْرٍ رِوَايَتُهُ عَن هَؤُلَاءِ المغمورين إِ١ ذَا مَا كَذَّبَ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الْمَشْهُورِينَ مَعَ تَكْذِيبِ اللَّهِ إِيَّاهُ قَبْلُ، وَفِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١ وَ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ٢، وَقَالَ: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مُوسَى نَفْسَ كَلَامِهِ، وَسَيُكَلِّمُ مَنْ يَشَاءُ٤ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَيَانًا بِأَعْيُنِهِمْ، قَالَ الله٥ وَرَسُوله، وَيحسن٦ الْمَلَائِكَةُ بِكَلَامِهِ٧ عِنْدَ نُزُولِ وَحْيِهِ يُصْعَقُوا مِنْ شِدَّةِ حَوَاسِّهِ٨ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ٩ وَابْنُ مَسْعُودٍ١٠
_________________
(١) "صلصلة كجر السلسلة". ١ سُورَة النِّسَاء، آيَة "١٦٤". ٢ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٢٥٣". ٣ سُورَة الْبَقَرَة، أَيَّة "١٧٤". ٤ فِي ط، ش "شَاءَ". ٥ فِي ط، ش، س "كَمَال قَالَ الله تَعَالَى" وَهُوَ أوضح. ٦ فِي س "وتحس". ٧ قَوْله: "بِكَلَامِهِ" لَيْسَ فِي س. ٨ فِي ط، س، ش "صَوته" وَهِي أوضح. ٩ تقدم صـ"١٧٢". ١٠ هُوَ عبد الله، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٥٠: عبد الله بن مَسْعُود بن غافل بمعمجة وَفَاء حبيب الْهُذلِيّ، أَبُو عبد الرَّحْمَن، من السَّابِقين الْأَوَّلين، وَمن كبار الْعلمَاء من الصَّحَابَة، مناقبه جمة، وَأمره عَليّ على الْكُوفَة، وَمَات سنة٣٢ أَو فِي الَّتِي بعْدهَا.
[ ١ / ١٩٠ ]
وَتَأَوَّلَا فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى١ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢ فَهَلْ مِنْ حَوَاسٍّ أَقْوَى مِنَ السَّمْعِ وَالنَّظَرِ؟.
فَمَنْ يَلْتَفِتُ إِلَى بِشْرٍ وَتَفْسِيرِ بِشْرٍ، وَيَتْرُكُ النَّاطِقَ مِنْ، كِتَابِ اللَّهِ وَالْمَأْثُورِ مِنْ قَول رَسُول الله٢ إِلَّا كل مخبول مخذول؟. ك٥ ب
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ الْآيَة رقم "٢٣" من سُورَة "سبأ"، قلت: وَمِمَّا أثر عَن ابْن مَسْعُود فِي ذَلِك، مَا ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [الْبَقَرَة: من الْآيَة ٢٥٥] الأية ١٣/ ٤٥٢-٤٥٣ قَالَ: "وَقَالَ جلّ ذكره: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود: إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَوَات شَيْئا فَإِذا فرغ عَن قُلُوبهم وَسكن الصوات عرفُوا أَنه الْحق، وَنَادَوْا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ: قَالُوا: الْحَقَّ"، وَقَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح ٨/ ٥٣٨ فِي شَرحه على حَدِيث البُخَارِيّ رقم ٤٨٠٠ فِي بَاب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الْآيَة: "وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَير عَنهُ: فَلَا ينزل على أهل سَمَاء إِلَّا صعقوا". وَانْظُر مَا أسْندهُ الطَّبَرِيّ إِلَيّ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب للنيسابوري٢٢/ ٦٢-٦٣. ٣ فِي ط، س، ش "مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".
[ ١ / ١٩١ ]
ثُمَّ طَعَنَ الْمُعَارِضُ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَرُدَّهُ١ بِتَأْوِيلِ ضَلَالٍ وَبِقِيَاسِ مُحَالٍ، فَقَالَ: لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ فَتَسْتَوْصِفَهُ.
فَنَظَرْنَا إِلَى مَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ٢: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٣ و﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤ وَرُوِيَ فِيهِ أَقَاوِيلُ مُسْنَدَةٌ، وَغَيْرُ مُسندَة، فلابد٥ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ.
فَيَزْعُمُ الْمُعَارِضُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ٦ رَوَى عَنْ أَبِيهِ٧ عَن أبي حنيفَة٨،.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "ليردها" وَفِي س "ليرد". ٢ فِي ط، س، ش "قَوْله تَعَالَى". ٣ سُورَة الْأَنْعَام، أَيَّة "١٠٣". ٤ سُورَة الْقِيَامَة، آيَة "٢٢-٢٣". ٥ فِي ط، س، ش "ولابد". ٦ عُمَرَ بْنَ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حنيفَة، روى عَن أَخِيه إِسْمَاعِيل، تفقه على أَبِيه حَمَّاد رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا، "بِتَصَرُّف من الْجَوَاهِر المضيئة فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة لِابْنِ أبي الوفا ١/ ٣٩٠. ٧ قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ١/ ٥٩٠: حَمَّاد بن أبي حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت، ضعفه ابْن عدي وَغَيرهم من قبل حفظه، وَفِي الْجَوَاهِر المضيئة فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة ١/ ٢٢٦ ذكر أَنه تفقه على أَبِيه فَأفْتى فِي زَمَنه قَالَ: وَهُوَ فِي طبقَة أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالْحسن بن زِيَاد، توفّي سنة ١٧٠هـ. ٨ فِي س "روى عَن أَبِيه حنيفَة" وَصَوَابه مَا أثبتاه كَمَا فِي الأَصْل وط، ش، قلت: وَأَبُو حنيفَة هُوَ النُّعْمَان بن ثَابت الْكُوفِي، وَأَبُو حنيفَة، الإِمَام يُقَال، أَصله من فَارس، وَيُقَال: مولى بن تيم، فَقِيه مَشْهُور، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٥٠هـ على الصَّحِيح، وَله سَبْعُونَ سنة/ ت. س. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٣٠٣، وَانْظُر الكاشف ٣/ ٢٠٥.
[ ١ / ١٩٢ ]
"أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ كَمَا يَشَاءُ أَنْ يَرَوْهُ"١.
فَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ٢ صِفَاتِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ: "لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ"، يَعْنِي الْمَرِيسِيَّ ونظرائه الَّذِينَ قَالُوا: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنَّ٣ تَفْسِيرَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَرَى يَوْمَئِذٍ آيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: رَآهُ يَعْنِي٤ أَفْعَالَهُ، وَأُمُورَهُ وَآيَاتِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٥ فَالْمَوْتُ لَا يُرَى وَهُوَ مَحْسُوسٌ إِنَّمَا يُدْرَكُ عَمَلُ الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ٦ أَرَادَ هَذَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِمَا أَرَادَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي وَوَكَّلْنَا تَفْسِيرَهَا وَصِفَتَهَا إِلَى الله٧.
_________________
(١) ١ هَذَا الْأَثر مَوْقُوف على أبي حنيفَة، وَفِي إِسْنَاده ضعف كَمَا أَنِّي لم أَجِدهُ بِمَا بَين يَدي من المصادر الَّتِي هِيَ مظان وجوده، وَلَعَلَّه مِمَّا احتلقه الْمعَارض وأسنده إِلَى أبي حنيفَة ﵀، يُؤَيّدهُ أَن الْمُؤلف يشكك فِي نِسْبَة هَذَا القَوْل إِلَى أبي حنيفَة كَمَا يَتَّضِح من سِيَاق كَلَامه. ٢ فِي ط، ش "فَبين فِي ذَلِك أَن صِفَات هَذِه الْأَحَادِيث". ٣ فِي الأَصْل وس "إِن" بِكَسْر الْهمزَة، وَفِي ط، ش بِفَتْحِهَا. ٤ فِي س "بِعَين". ٥ سُورَة آل عمرَان، آيَة "١٤٣". ٦ هُوَ النُّعْمَان بن ثَابت، تقدم ص"١٩٢". ٧ فِي ط، ش، ش "إِلَى الله تَعَالَى".
[ ١ / ١٩٣ ]
فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ، الَّذِي لَا يدْرِي مايخرج مِنْ رَأْسِهِ وَيَنْقُضُ آخِرُ كَلَامِهِ أَوَّلَهُ: أَلَيْسَ قَدِ ادَّعَيْتَ فِي أَوَّلِ كَلَامِكَ أَنَّهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنَّهُ يَرَى آيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: رَآهُ. ثُمَّ قُلْتَ فِي آخِرِ كَلَامِكَ: فَقَدْ وَكَّلْنَا تَفْسِيرَهَا إِلَى اللَّهِ، أَفَلَا وَكَّلْتَ التَّفْسِيرَ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تُفَسِّرَهُ؟.
وَزَعَمْتَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ كلامك أَنه لابد مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعْتَ عَنْ قَوْلِكَ فَقُلْتَ: لَا، بَلْ١ نَكِلُهُ إِلَى اللَّهِ، فَلَوْ كَانَ لَكَ نَاصِحٌ يَحْجُرُ٢ عَلَيْكَ الْكَلَامَ!.
وَالْعَجَبُ مِنْ جَاهِلٍ فَسَّرَ لَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَفْسِيرَ الرُّؤْيَةِ مَشْرُوحًا مُخْلَصًا٣ ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ كَانَ كَمَا فَسَّرَ٤ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ آمَنَّا بِاللَّهِ.
وَلَوْ قُلْتَ: أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: آمَنَّا بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفَسَّرَهُ، كَانَ أَوْلَى بِكَ٥ مِنْ أَنْ تَقُولَ: آمَنَّا بِمَا فَسَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ٦، وَلَا تَدْرِي قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ؟.
_________________
(١) ١ فِي س "لابد" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٢ فِي ط، س، ش "لحجر عَلَيْك الْكَلَام". ٣ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ١/ ٨٧٧ مَادَّة" خلص": "التخليص: التنجية من كل منشب، تَقول: خلصته من كَذَا تخليصًا أَي نجيته تنجية فتخلص، وتخلصه تخلصًا كَمَا يتَخَلَّص الْغَزل إِذا الْتبس". ٤ فِي س "كَمَا فسره". ٥ لَفْظَة "بك" لَيست فِي س. ٦ تقدّمت تَرْجَمته، ص"١٩٢".
[ ١ / ١٩٤ ]
وَهَلْ تَرَكَ النَّبِيُّ -ﷺ- الرُّؤْيَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ١ وَالْمَرِيسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ مَوْضِعَ تَأَوُّلٍ، إِلَّا وَقَدْ فَسَّرَهُ وَأَوْضَحَهُ بِأَسَانِيدَ أَجْوَدَ مِنْ عُمَرَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ.
رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ٢ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ٣ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ٤ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُمَا سَحَابٌ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ٥
_________________
(١) ١ تقدم صـ"١٩٢". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٦٨: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد الأحمسي مَوْلَاهُم البَجلِيّ، ثِقَة من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٤٦ع/. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٢٩١ أَنه روى عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَأكْثر عَنهُ. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٢٧ -قيس بن أبي حَازِم البَجلِيّ، أَبُو عبد الله الْكُوفِي، ثِقَة، من الثَّانِيَة، مخضرم، وَيُقَال: لَهُ رُؤْيَة، وَهُوَ الَّذِي يُقَال إِنَّه اجْتمع لَهُ أَن يروي عَن الْعشْرَة، مَاتَ بعد التسعين، أَو قبلهَا، وَقد جَاوز الْمِائَة، وَتغَير، ع. ٤ جرير بن عبد الله بن جَابر البَجلِيّ، صَحَابِيّ مَشْهُور، مَاتَ سنة ٥١هـ، وَقيل بعْدهَا، ع. انْظُر التَّقْرِيب ١/ ١٢٧، انْظُر، الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ١/ ٢٣٤-٢٣٧، وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ١/ ٢٧٩-٢٨٠، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١/ ٢٣٣-٢٣٤، وتهذيب التَّهْذِيب ٢/ ٧٣-٧٥. ٥ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرح الْفَتْح، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حَدِيث رقم ٧٤٣٤، ١٣/ ٤١٩ من طَرِيق إِسْمَاعِيل، عَن قيس، عَن جرير قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر قَالَ: "إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا الْقَمَر لَا تضَامون فِي رُؤْيَته.. الحَدِيث " وَانْظُر "الحَدِيث بعده رقم ٧٤٣٦ جـ١٣ صـ"٤١٩". قلت: وسرد ابْن الْقيم ﵀ أَسمَاء من رووا هَذَا الحَدِيث عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي كِتَابه حادي الْأَرْوَاح صـ"٢٢٤-٢٢٥" فَوجدت أَنهم زادوا على =
[ ١ / ١٩٥ ]
وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
فَكَيْفَ تَسْتَحِلُّ أَنْ تَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة٢ وَلَا يحْتَمل أَنْ يَكُونَ٣ كَمَا فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا يَشَاءُ، كَمَا رَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -إِنْ كَانَ قَالَهُ- وَلَكِنْ قَالَ: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهُمَا سَحَابٌ" ٤ فَالتَّفْسِيرُ مَقْرُونٌ بِالْحَدِيثِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ. فَمَنِ اضْطَرَّ النَّاسَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ إِلَى الْأَخْذِ بِالْمُبْهَمِ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ -إِنْ كَانَ قَالَهُ- مَعَ تَرْكِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمَنْصُوصِ الْمُفَسَّرِ؟
_________________
(١) = الْمِائَة ثمَّ قَالَ: "كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَقُول ويبلغه لأمته وَلَا شَيْء أقرّ لأعينهم مِنْهُ، وَشهِدت الْجَهْمِية، والفرعونية والرافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصائبة وَالْمَجُوس، واليونان بِكفْر من اعْتقد ذَلِك وَأَنه من أهل التَّشْبِيه والتجسيم وتابعهم على ذَلِك كل عَدو للسّنة وَأَهْلهَا. وَالله تَعَالَى نَاصِر كِتَابه وَسنة رَسُوله وَلَو كره الْكَافِرُونَ". وَأوردهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي فَتَاوَاهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجلِيّ ﵁ وَقَالَ: "وَهَذَا الحَدِيث من أصح الْأَحَادِيث على وَجه الأَرْض المتلقاة بِالْقبُولِ، الْمجمع عَلَيْهَا عِنْد الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ وَسَائِر أهل السّنة" انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٦/ ٤٢١. ١ فِي س، ش "مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ". ٢ تقدّمت تَرْجَمته، ص"١٩٢". ٣ فِي ط، س، ش "وَلَا يحْتَمل أَن يكون عنْدك". ٤ انْظُر تَخْرِيج الحَدِيث قبله.
[ ١ / ١٩٦ ]
هَذَا إِذًا ظُلْمٌ عَظِيمٌ وَجَوْرٌ جَسِيمٌ.
وَأما قلولك: وَلَمْ تَرَهُ عَيْنٌ فَتَسْتَوْصِفَهُ. فَلَوِ احْتَجَّ بِهَذَا صَبِيٌّ صَغِيرٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا قُلْتَ: جَهَالَةً. أَفَرَأَى أَهْلَ١ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَا فِيهِمَا بِعَيْنِهِ٢ فَتَسْتَوْصِفَهُ؟! وَهَلْ يَصِفُهُمَا وَيَصِفُ٣ مَا فِيهِمَا إِلَّا بِمَا وَصَفَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ فِي الْجَنَّةِ حُورًا عِينًا وَطَعَامًا وَشَرَابًا وَنَخْلًا٤ ورمانًا وشجرًا قصورًا مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ، وَلِبَاسًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، وَحِريرًا٥ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَكَذَلِكَ النَّارُ فِيهَا أَنْكَالٌ وَقُيُودٌ وَمَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَغْلَالٌ وَسَلَاسِلُ وَحَمِيمٌ٦ وَزَقُّومٌ. أَفَتَصِفُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ عَمَّنْ٧ رَآهَا٨ بِعَيْنِهِ٩ أَوْ عَمَّا١٠ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَخْبَرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١١؟ وَكَذَلِكَ تَصِفُ رُؤْيَةَ اللَّهِ وَتُفَسِّرُهَا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ وَإِنْ لَمْ ترَاهُ
_________________
(١) ١ فَفِي ط، ش، س "أفرأى أحد الْجنَّة" وَهُوَ أوضح. ٢ فِي ط، ش، س "بِعَيْنيهِ". ٣ فِي ط، ش، س "وَهل نصفهما وَنصف مَا فيهمَا". ٤ فِي ط، ش، س "ونخيلا". ٥ فِي ط، ش، س "وحرير" بِالْجَرِّ، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه، فبالجر عطفا على "سندس واستبرق"وَبِالنَّصبِ عطفا على "لباسًا" وَمَا قبلهَا. ٦ لَفْظَة "حميم" لَيست فِي ط، ش، س. ٧ فِي الأَصْل "عَن من". ٨ فِي ط، ش، س "رآهما". ٩ فِي ط، ش، س "بِعَيْنيهِ". ١٠ فِي ط، ش، س "أَو بِمَا". ١١ لَيْسَ فِي ط، ش، س لفظ النَّبِيِّ ﷺ.
[ ١ / ١٩٧ ]
عَيْنٌ تَسْتَوْصِفُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى١: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمُ اللَّهَ جَهْرًا ٣ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ٤ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" ٥ فَأَخَذْنَا هَذَا الْوَصْفَ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ كَمَا أَخَذْنَا صِفَةَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ عَنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ نَرَ شَيْئًا مِنْهُمَا بِأَعْيُنِنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا عَنْهُمَا من رآهما بعينية. فَتَدَبَّرْ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ كَلَامَكَ ثُمَّ تكلم، فلوا احْتَجَّ بِمَا احْتَجَجْتَ بِهِ صَبِيٌّ لم يبلغ الْحِنْث٦ مازاد.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ٧ -إِنْ صَدَقَتْ عَنْهُ رِوَايَتُكَ أَنَّهُ ذَهَبَ فِي الرُّؤْيَةِ إِلَى أَنْ ٨ يَرَوْا٩ لِآيَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأُمُورِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: رَآهُ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ حُجَجِ الصِّبْيَانِ لَمَّا أَنَّ آيَاتِهِ وَأُمُورَهُ وأفعاله١٠ مرئية
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، ش، س. ٢ سُورَة الْقِيَامَة، آيَة "٢٢-٢٣". ٣ فِي ط، ش "جهرة". ٤ لفظ: "يَوْم الْقِيَامَة" لَيْسَ فِي س. ٥ تقدم تَخْرِيجه، صـ"١٩٥". ٦ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ١/ ٧٣٤ مَادَّة "حنث"، قَالَ: "وَبلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي الْإِدْرَاك وَالْبُلُوغ، وَقيل: إِذا بلغ مبلغا جرى عَلَيْهِ الْقَلَم بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَة" بِتَصَرُّف. ٧ تقدّمت تَرْجَمته، صـ"١٩٢". ٨ فِي ط، ش، "إِلَى أَنهم". ٩ فِي ش "يرَوْنَ "وَصَوَابه حذف النُّون. ١٠ من قَوْله: "فَيجوز أَن يُقَال: رَآهُ" إِلَى قَوْله: "وأموره وأفعاله" لَيست فِي س، ش وَلَعَلَّه سقط سَهوا وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى.
[ ١ / ١٩٨ ]
مَنْظُورٌ إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ فَمَا مَعْنَى تَوْقِيتِهَا وَتَحْدِيدِهَا وَتَفْسِيرِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ جَهِلَ، وَإِنْ١ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتَ وَرَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ٢ مَا خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُونَ الْأَيَّامِ.
فَفِي دَعْوَاكَ: يَجُوزُ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَرَى رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ، لما أَنَّهُمْ يَرَوْنَ كُلَّ سَاعَةٍ وَكُلَّ لَيْلَةٍ وَكُلَّ يَوْمٍ٣ أُمُورَهُ وَآيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، فَقَدْ بَطُلَ فِي دَعْوَاكَ قَوْله٤: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٥؛ لِأَنَّ الْأَبْصَارَ كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ تُدْرِكُ أُمُورَهُ وَآيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَأَنْكَرْتُمْ عَلَيْنَا رُؤْيَتَهُ فِي الْآخِرَةِ وَأَقْرَرْتُمْ بِرُؤْيَةِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، لَمَّا أَنَّهُمْ جَمِيعًا لَا يَزَالُونَ يَرَوْنَ آيَاتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فخالقهم بِسُلُوكِ هَذِهِ الْمحُجَّةِ جَمِيعَ الْعَالَمِينَ، وَرَدَدْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى٦: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ إِذا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ رُؤْيَتَهُ يَعْنِي إِدْرَاكَ آيَاتِهِ وَأُمُورِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى٧: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ
_________________
(١) ١ كَذَا فِي جَمِيع النّسخ، والأوضح فِي هَذَا الْمقَام أَن يُقَال: "وَلَو" بدل: "وَإِن". ٢ أَبُو حنيفَة -﵀- تقدم ص"١٩٢". ٣ فِي ط، س، ش "وكل يَوْم وكل لَيْلَة". ٤ لفظ: "قَوْله" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ١٩٩ ]
الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ١ فَلَوْ قَدْ عَقَلْتَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَفِيمَ٢ أُنْزِلَتْ، لَكَانَ احْتِجَاجُكَ إِقْرَارًا٣ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ عَيَانًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ كَانَتْ رُؤْيَةَ عَيَانٍ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ رُؤْيَةُ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ، فَقَدْ رَأَوْهُ بِأَعْيُنِهِمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَلَمْ يَصْبِرُوا لَهُ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ غَابُوا عَنْ مَشْهَدِ بَدْرٍ فَقَالُوا: "لَئِنْ أَرَانَا اللَّهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ مَا نَصْنَعُ، وَلَنُقَاتِلَنَّ" فَأَرَاهُمُ اللَّهُ الْقِتَالَ عَيَانًا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِأَعْيُنِهِمْ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَلَمْ يَصْبِرُوا لِلْقِتَالِ، فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ٤ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى٥: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٦ فَكَانَ هَذَا
_________________
(١) ١ سُورَة آل عمرَان آيَة "١٤٣". ٢ فِي ط، ش "وَفِيمَا". ٣ فِي الأَصْل "إِقْرَار" بِالرَّفْع وَصَوَابه النصب؛ لِأَنَّهَا خبر كَانَ. ٤ فِي ط، س، ش "فَعَفَا عَنْهُم". ٥ لفظ "الله تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ سُورَة آل عمرَان، أَيَّة "١٤٣"، وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة ذكر ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره أَن قوما مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّن لم يشهدو بَدْرًا. كَانُوا يتمنون قبل أحد يَوْمًا مثل يَوْم بدر فيبلوا الله من أنفسهم خيرا، وينالوا من الْأجر مثل مَا نَالَ أهل بدر، فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد فر بَعضهم وصبر بَعضهم حَتَّى أوفى بِمَا كَانَ عَاهَدَ الله قبل ذَلِك، فعاتب الله من فر مِنْهُم فَقَالَ، ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ الْآيَة، وَأثْنى على الصابرين مِنْهُم والموفين بعهدهم، ثمَّ ذكر الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي ذَلِك بأسنايد إِلَى مُجَاهِد وَقَتَادَة وَالربيع وَالْحسن وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهم، وَانْظُر "جَامع الْبَيَان للطبري تَحْقِيق وَتَخْرِيج مَحْمُود شَاكر وَأحمد شَاكر ٧/ ٢٤٨-٢٥٠، قلت: وَكَانَ مِمَّن ثَبت فِي المعركة أنس بن النَّضر ﵁ كَمَا يدل لذَلِك الْخَبَر الْمَذْكُور بعده.
[ ١ / ٢٠٠ ]
رُؤْيَةَ عَيَانٍ لَا رُؤْيَةَ خَفَاءٍ. حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ٢، عَنْ ثَابِتٍ٣، عَنْ أَنَسٍ٤ قَالَ: "تَغَيَّبَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ٥ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ: تَغَيَّبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لإن أَرَانِي الله قتالًا
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم صـ"١٦٨". ٢ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم صـ"١٨٧". ٣ ثَابت بن أسلم الْبنانِيّ: تضم الْمُوَحدَة ونونين مخففين، أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ، ثِقَة، عَابِد، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة بضع وَعشْرين وَله سِتّ وَثَمَانُونَ، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ١١٥، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٢/ ٢ أَنه روى عَن أنس وَعنهُ الحمادان. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٨٤: أنس بن مَالك بن النَّضر الْأنْصَارِيّ الخزرجي، خَادِم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خدمه عشر سِنِين، صَحَابِيّ مَشْهُور، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ، وَقيل ثَلَاث وَتِسْعين وَقد جَاوز الْمِائَة، ع، انْظُر الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر، ذيل الْإِصَابَة ١/ ٤٤-٤٥، وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ١/ ١٢٧-١٢٩، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١/ ٨٤-٨٥ وتهذيب التَّهْذِيب ١/ ٣٧٦-٣٧٩. ٥ فِي ط، ش، "أنيس" بِالتَّصْغِيرِ وصوابهما أَثْبَتْنَاهُ. وَهُوَ الَّذِي سمي بِهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فقد قَالَ: "عمي الَّذِي سميت بِهِ لم يشْهد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا" انْظُر: صَحِيح مُسلم ٣/ ١٥١٢، قلت: وَهُوَ أنس بن النَّضر بن ضَمْضَم الْأنْصَارِيّ الخزرجي عَم أنس بن مَالك قتل يَوْم أحد شَهِيدا، قَالَ أنس فَوَجَدنَا بِهِ بضعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَة بِسيف أَو طعنة بِرُمْح أَو رمية بِسَهْم، ووجدناه قد قتل وَمثل بِهِ الْمُشْركُونَ فَمَا عَرفته أُخْته الرّبيع بنت النَّضر إِلَّا ببنانه. "بِتَصَرُّف من أَسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ١/ ١٣١-١٣٢، والإصابة لِابْنِ حجر بهامشه الِاسْتِيعَاب ١/ ٧٤".
[ ١ / ٢٠١ ]
لَيَرَيَنَّ مَا أَصْنَعُ"١.
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ٢، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ٣، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ٥ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ ٦ قَالَ: كَانَ أُنَاسٌ لَمْ يَشْهَدُوا
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "لأرين الله مَا أصنع" وَفِي س" ليرين الله مَا أصنع" قلت: والْحَدِيث أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٣/ ٢٥٣ قَالَ: حَدثنَا عبد الله، حَدثنِي أبي، ثَنَا عَفَّان، ثَنَا حَمَّاد قَالَ: أَنا ثَابت عَن أنس بن النَّضر تغيب عَن قتال بدر فَقَالَ: "تغيب عَن أول مشْهد شهده النَّبِيِّ ﷺ لَئِن رَأَيْت قتالًا ليرين الله مَا أصنع " الحَدِيث وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الأمارة بَاب ثُبُوت الْجنَّة للشهيد، حَدِيث رقم ١٤٨، ٣/ ١٥١٢ عَن أنس بِنَحْوِهِ. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٠٠: الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن نصر النَّرْسِي: بِفَتْح النُّون وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا مُهْملَة، ثِقَة من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٣٨/ خَ م س، وَفِي حَاشِيَة الكاشف ٢/ ٩٢ قَالَ: النَّرْسِي بِفَتْح النُّون وَسُكُون الرَّاء نِسْبَة إِلَى نرس نهر بِالْكُوفَةِ عَلَيْهِ عدَّة قرى. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ٣٦٤ يزِيد بن زُرَيْع بِتَقْدِيم الزَّاي مُصَغرًا، الْبَصْرِيّ أَبُو مُعَاوِيَة ثِقَة، ثَبت، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨٢/ ع. ٤ هُوَ سعيد بن أبي عرُوبَة، مهْرَان: الْيَشْكُرِي، مَوْلَاهُم، أَبُو النَّضر الْبَصْرِيّ ثِقَة، حَافظ، لَهُ تصانيف، لكنه كثير التَّدْلِيس، وَاخْتَلَطَ، وَكَانَ من أثبت النَّاس فِي قَتَادَة، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٥٦ وَقيل: ٧٥/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٣٠٢، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤/ ٦٣: روى عَن قَتَادَة وَعنهُ يزِيد بن زُرَيْع. ٥ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، تقدم ص"١٨٠" وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ٣٥٣ أَن سعيد بن أبي عرُوبَة روى عَنهُ. ٦ فِي ط، س، ش "زِيَادَة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ وَالْآيَة من سُورَة آل عمرَان أَيَّة "١٤٣".
[ ١ / ٢٠٢ ]
بَدْرًا، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَرَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا١ فَهَذِهِ رُؤْيَةُ عَيَانٍ لَا رُؤْيَةُ خَفَاءٍ.
فَإِنْ أَنْكَرْتَ مَا قُلْنَا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْمَوْتَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، قَالَ: "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ" ٢.
_________________
(١) ١ سبق وَأَن أَشَرنَا إِلَى سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة صـ"٢٠٠" إِجْمَالا والمروي عَن قَتَادَة أخرجه ابْن جرير فِي تفسييره الْجَامِع ٤/ ٧١ قَالَ: حَدثنَا بشر قَالَ: ثَنَا يزِيد قَالَ: ثَنَا سعيد عَن قَتَادَة قَوْله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أنَاس من الْمُؤمنِينَ لم يشْهدُوا يَوْم بدر وَالَّذِي أعْطى الله أهل بدر من الْفضل والشرف وَالْأَجْر فَكَانُوا يتمنون أَن يرزقوا قتالًا فيقاتلوا فسيق إِلَيْهِم الْقِتَال حَتَّى كَانَ فِي نَاحيَة الْمَدِينَة يَوْم أحد. فَقَالَ الله كَمَا تَسْمَعُونَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ -حَتَّى بلغ- الشَّاكِرِينَ﴾ . ٢ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحَة بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّفْسِير، بَاب الْخُدْرِيّ ﵁ مَرْفُوعا بِلَفْظ "يُؤْتى بِالْمَوْتِ كَهَيئَةِ كَبْش أَمْلَح فينادي مُنَاد: يَا أهل الْجنَّة، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُول هَل تعرفُون هَذَا؟ فَيَقُول: نعم هَذَا الْمَوْت وَكلهمْ قدرآه ثمَّ يُنَادي: يَا أهل النَّار، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُول: هَل تعرفُون هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نعم هَذَا الْمَوْت، وَكلهمْ قد رَآهُ فَيذْبَح ثمَّ يَقُول، يَا أهل الْجنَّة، خُلُود فَلَا موت، يَا أهل النَّار خُلُود فَلَا موت" إِلَخ وَانْظُر: الْمسند بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٢/ ٣٧٧، ٣/ ٩.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وَلَوْلَا كَثْرَة مَا يستنكر الْحَقَّ وَيَرُدُّهُ١ بِالْجَهَالَةِ لَمْ نَشْتَغِلْ بِكُلِّ هَذِهِ الْمُنَازَعَةِ فِي الرُّؤْيَةِ لَمَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَّرَها تَفْسِيرًا لَمْ يَدَعْ فِيهِ لِمُتَأَوِّلٍ٢ فِيهَا مَقَالًا، إِلَّا أَنْ يُكَابِرَ رَجُلٌ غَيْرَ٣ الْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: " هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ صَحْوًا؟ فَكَذَلِكَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَته " ٤ حدّثنَاهُ٥ نعيم٦
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش، "وَلَولَا كَثْرَة مَا تستنكر الْحق وترده بالجهالة" وَهُوَ الأولى. ٢ فِي ط، ش "لأحد فِيهَا مقَالا". ٣ فِي ط، س، ش "عين الْحق". ٤ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا: انْظُر صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . حَدِيث رقم ٧٤٣٧، ١٣/ ٤١٩ من طَرِيق آخر عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَن النَّاس قَالُوا: يَا رَسُول الله هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَل تضَارونَ فِي الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُول الله قَالَ: فَهَل تضَارونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دونهَا سَحَاب؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُول الله، قَالَ: فَإِنَّكُم تَرَوْنَهُ كَذَلِك " الحَدِيث، وَفِي الحَدِيث بعده رقم ٧٤٣٨ قَالَ عَطاء بن يزِيد وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ مَعَ أبي هُرَيْرَة: لَا يرد من حَدِيثه شَيْئا إِلَخ. وَانْظُر: صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْإِيمَان بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة، حَدِيث رقم ٢٩٩، ١/ ١٦٣-١٦٦. ٥ فِي س "حَدثنَا". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب بحاشية تعقيب التَّقْرِيب ٢/ ٥٢٥: نعيم بن حَمَّاد بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْخُزَاعِيّ، أَبُو عبد الله الْمروزِي، نزيل مصر، صَدُوق يُخطئ كثيرا، فَقِيه عَارِف بالفرائض، من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٢٨ على الصَّحِيح وَقد تتبع ابْن عدي مَا أَخطَأ فِيهِ وَقَالَ: بَاقِي حَدِيثه مُسْتَقِيم، خَ فق د ق، وَانْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٠/ ٤٥٨.
[ ١ / ٢٠٤ ]
عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ١، عَنْ مَعْمَرٍ٢، عَنِ الزُّهْرِيِّ٣، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ٤، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٥ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ٦ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وحدثناه نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٧، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سعيد٨
_________________
(١) ١ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم صـ"١٤٣". ٢ معمر بن رَاشد الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو عُرْوَة الْبَصْرِيّ، نزيل الْيمن، ثِقَة، ثَبت فَاضل، إِلَّا أَن فِي رِوَايَته عَن ثَابت وَالْأَعْمَش وَهِشَام بن عُرْوَة شَيْئا وَكَذَلِكَ فِيمَا حدث بِهِ بِالْبَصْرَةِ من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٥٤هـ وَهُوَ ابْن ٥٨ سنة، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٦٦، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: عَن الزُّهْرِيّ وَهَمَّام وَعنهُ غنْدر وَابْن الْمُبَارك وَعبد الرَّزَّاق، انْظُر: الكاشف ٣/ ١٦٤. ٣ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن شهَاب، تقدم صـ"١٧٥". ٤ عَطاء بن زيد اللَّيْثِيّ، الْمدنِي، نزيل الشَّام، ثِقَة من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة خمس أَو سبع وَمِائَة وَقد جَاوز الثَّمَانِينَ، ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٣، وَقَالَ فِي الكاشف ٢/ ٢٦٧: وَعنهُ الزُّهْرِيّ وَسُهيْل وَأَبُو عبيد الْحَاجِب. ٥ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص”١٧٩". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٨٩: سعد بن مَالك بن سِنَان بن عبيد الْأنْصَارِيّ أَو سعيد الْخُدْرِيّ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة واستصغر بِأحد ثمَّ شهد مَا بعْدهَا وروى الْكثير وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس وَسِتِّينَ، وَقيل: سنة أَربع وَسبعين، ع. وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٢/ ٤٤، وَأسد الغابة ٢/ ٢٨٩-٢٩٠، والإصابة ٢/ ٣٢-٣٣ وتهذيب التَّهْذِيب ٣/ ٤٧٩-٤٨٠. ٧ نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ، تقدم ص”٢٠٤" وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٤١٩ أَنه روى عَن إِبْرَاهِيم بن سعد. ٨ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَصَوَابه ابْن سعد، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٥: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيّ أَبُو إِسْحَاق الْمدنِي، نزيل بَغْدَاد، ثِقَة، حجَّة، تكلم فِيهِ بِلَا قَادِح، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨٥/ ع، وَفِي ميزَان الِاعْتِدَال ١/ ٣٥ أَنه سمع من الزُّهْرِيّ، ثمَّ أَكثر عَن صَالح عَنهُ.
[ ١ / ٢٠٥ ]
عَنِ الزُّهْرِيِّ١، عَنْ عَطَاءِ بْنِ زيد اللَّيْثِيِّ٢، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٣، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَحَدَّثَنَا٤ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ٥، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ٦، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ٧، عَنْ عَطَاءِ بن يسَار٨
_________________
(١) ١ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن شهَاب، تقدم ص"١٧٥" وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٢٦٩ أَن إِبْرَاهِيم بن سعد روى عَنهُ. ٢ عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، تقدم فِي الصفحة السَّابِقَة. ٣ فِي ط، س، ش "زِيَادَة" ﵁" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"١٧٩" والْحَدِيث تقدم تَخْرِيجه من طَرِيق أبي هُرَيْرَة قَرِيبا. ٤ فِي ط، س، ش "وحدثناه". ٥ عبد الله بن صَالح، تقدم ص"١٧١". ٦ اللَّيْث بن سعد بن عبد الرَّحْمَن الفهمي، أَبُو حَارِث، الْمصْرِيّ، ثِقَة، ثَبت فَقِيه، إِمَام مَشْهُور من السَّابِعَة، مَاتَ فِي شعْبَان سنة ٧٥/ ع انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٣٨. ٧ هِشَام بن سعد الْمدنِي، أَبُو عباد أَو أَبُو سعد، صَدُوق، لَهُ أَوْهَام وَرمي بالتشيع، من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٠ أَو قبلهَا خت م وَالْأَرْبَعَة، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٣١٨، وَفِي الْخُلَاصَة اللخزرجي ص"٤٠٦" أَنه روى عَن زيد بن أسلم فَأكْثر عَنهُ وَعنهُ اللَّيْث وَابْن مهْدي، قَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ أثبت النَّاس فِي زيد بن أسلم. ٨ عَطاء بن يسَار الْهِلَالِي، أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي، مولى مَيْمُونَة، ثِقَة فَاضل، صَاحب مواعظ وَعبادَة، من صغَار الثَّالِثَة، مَاتَ سنة٩٤ وَقيل: بعد ذَلِك/ ع. انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ٢٦٧.
[ ١ / ٢٠٦ ]
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ١، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢.
وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ٣ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْحَنَّاطِ ٤ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنُ أَبِي خَالِدٍ٥ عَنْ قَيْسِ بن أبي حَازِم٦
_________________
(١) ١ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، تقدم ص”٢٠٥". ٢ كَذَا ورد هَذَا الْإِسْنَاد فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَالَّذِي يظْهر أَن هُنَاكَ انْقِطَاعًا فِي السَّنَد بَين هِشَام بن سعد وَعَطَاء، إِذْ لم أجد هشامًا فِي تلاميذ عَطاء وَلَا أَن عَطاء من شُيُوخ هِشَام، وَقد جَاءَ عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يسَار، عَن أبي سعيد مَرْفُوعا "انْظُر: ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد بتحقيق هراس ص”١٥٦"، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الِاعْتِقَاد تَخْرِيج وَتَعْلِيق أَحْمد عِصَام ص”١٢٩"، قلت: وَأخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من طَرِيق يحيى بن بكر حَدثنَا اللَّيْث بن أسعد عَن خَالِد ين يزِيد عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن زيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أبي سعيد مَرْفُوعا، وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من طَرِيق سُوَيْد بن سعيد قَالَ: حَدثنِي حَفْص بن ميسرَة عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سعيد مَرْفُوعا "انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه، الْفَتْح كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حَدِيث رقم ٧٤٣٩، ١٣/ ٤٢٠، وَمُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْإِيمَان، بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة حَدِيث رقم ٣٠٢، ١/ ١٦٧. ٣ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس، تقدم ص"١٧٣". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٧١: عبد ربه بن نَافِع الْكِنَانِي، الحناط: بِمُهْملَة وَنون نزيل الْمَدَائِن، أَبُو شهَاب الْأَصْغَر، صَدُوق يهم، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٧١ أَو ٧٢، خَ م س ق. وَقَالَ فِي الكاشف ٢/ ١٥٤: وَعنهُ مُسَدّد وَأحمد بن يُونُس توفّي سنة ١٧٢هـ. ٥ فِي ط، ش "إِسْمَاعِيل بن خَالِد" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، تقدم ص”١٩٥". ٦ قيس بن أبي حَازِم، تقدم ص"١٩٥".
[ ١ / ٢٠٧ ]
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ١، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَحدثنَا٢ عَليّ بن الْمَدِينِيِّ٣، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ٤، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ٥. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ٦: لَا يَكُونُ مِنَ الْإِسْنَادِ شَيْءٌ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا٧.
وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ بَابًا كَبِيرًا فِي الْكتاب الأول٨ بأسنيدها، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا وَلَمْ يَرْجُهَا كَانَ مِنَ الْمَحْجُوبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى٩.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "﵁" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"١٩٥". والْحَدِيث من طَرِيق إِسْمَاعِيل، عَن قيس، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، تقدم تَخْرِيجه ص"١٩٥". ٢ فِي ط، ش، "وحدثناه". ٣ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، تقدم ص"١٥١". ٤ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، تقدم ص"١٧٥". ٥ إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، تقدم "١٩٥". ٦ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، تقدم ص"١٥١". ٧ وَفِي الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"٥٤" عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ: حَدثنَا بِهِ سِتَّة، عَن إِسْمَاعِيل: سُفْيَان، وهشيم، ووكيع، والمعتمر وَغَيرهم، قَالَ عَليّ: لَا يكون الْإِسْنَاد أَجود من هَذَا. ٨ هُوَ كِتَابه "الرَّد على الْجَهْمِية" وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك الْمُؤلف فِي مَوضِع آخر من هَذَا الْكتاب، حَيْثُ قَالَ: "وَقَدْ فَسَّرْنَا أَمْرَ الرُّؤْيَةِ وَرَوَيْنَا مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الْآثَارِ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، الَّذِي أَمْلَيْنَاهُ فِي الْجَهْمِية" انْظُر، ص"٣٦٨"، وَانْظُر: الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف، بتحقيق زُهَيْر الشاويش ص"٥٣-٦٨". ٩ فِي ط، ش "قَالَ الله تَعَالَى فيهم".
[ ١ / ٢٠٨ ]
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: "مَنْ كَذَّبَ بِفَضِيلَةٍ لَمْ يَنَلْهَا"٢ وَقَدْ كَذَّبَتِ الْجَهْمِيَّةُ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ أَشَدَّ التَّكْذِيبِ.
وَكَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ٣ قَالَ: "من نَازع فِي الحَدِيث الرُّؤْيَة ظهر أَنه جهمي"٤.
_________________
(١) ١ سُورَة المطففين، آيَة "١٥". ٢ أوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الصَّغِير/ تَحْقِيق مُحَمَّد محيى الدَّين ٢/ ٥٠٦ بِلَفْظ "من بلغه عَن الله فَضِيلَة فَلم يصدق بهَا لم ينلها" وَعَزاهُ إِلَى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أنس، وَقَالَ عَنهُ: ضَعِيف. وَذكره أَيْضا السخاوي فِي الْمَقَاصِد الْحَسَنَة فِي تَعْلِيقه على حَدِيث رقم ١٠٩١ ص"٤٠٥" بِلَفْظ السُّيُوطِيّ، وَعَزاهُ إِلَى أبي يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُحَمَّد بن هِشَام الْمُسْتَمْلِي فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط. وَنَقله أَيْضا العجلوني فِي كشف الخفاء عَن السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الصَّغِير، بِمثل مَا ذكرنَا "انْظُر: كشف الخفاء ومزيل الألباس للعجلوني، تَصْحِيح وَتَعْلِيق أَحْمد القلاش ٢/ ٣٢٨. وَأوردهُ الألباني بِلَفْظ السُّيُوطِيّ وَقَالَ عَنهُ: مَوْضُوع النّظر: ضَعِيف الْجَامِع الصَّغِير وزيادته/ حَدِيث رقم ٥٥١٣، ٥/ ١٨١ وسلسلة الْأَحَادِيث الضعيفة حَدِيث رقم ٤٥٣ المجلد الأول ص"٤٥٨". ٣ عَليّ بن خشرم، تقدم ص"١٤٦". ٤ قلت: وَقد نقل أَيْضا عَن الإِمَام أَحْمد وَغَيره القَوْل بِأَن من أنكر الرُّؤْيَة فَهُوَ جهمي، وَنقل أَيْضا عَنْهُم القَوْل بتكفيرهم هم "انْظُر: البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف للنشار ص"١٢٩"، وَانْظُر من نَقله ابْن الْقيم أَيْضا فِي حادي الأوراح ص"٢٣٥-٢٤٠".
[ ١ / ٢٠٩ ]