أوَ لم تَقُلْ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ١ هَذَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُقاس بِالنَّاسِ، وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَهَّمَ فِي صِفَاتِهِ مَا يَعْقِلُهُ مِنْ نَفْسِهِ؟ وَأَنْتَ تَقِيسُهُ فِي ضَحِكِهِ
_________________
(١) ١ لم أَقف على اسْم كِتَابه هَذَا تبعا لعدم وُقُوفِي على اسْم الْمعَارض نَفسه، كَمَا سبق وَأَن أَشرت إِلَى هَذَا.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
بِالزَّرْعِ١ وَتَتَوَهَّمُ فِيهِ مَا يُتَوَهَّمُ بِالزَّرْعِ.
وادَّعيت أَيْضًا فِي صَدْرِ كِتَابِكَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى٢ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ، وَأَنْتَ تَجْتَهِدُ فِيهَا٣ أَقْبَحَ الرَّأْيِ، حَتَّى مِنْ قَبَاحَةِ اجْتِهَادِكَ تَتَخَطَّى بِهِ الْحَقَّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَالصَّوَاب إِلَى الْخَطَأ، أوَ لم تَذْكُرْ فِي كِتَابِكَ أَنَّهُ لَا يحْتَمل فِي التويحد إِلَّا الصَّوَابُ فَقَطْ؟ فَكَيْفَ تَخُوضُ فِيهِ بِمَا لَا تَدْرِي؟ أَمُصِيبٌ أَنْتَ أَمْ مُخْطِئٌ؟ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا نرَاك تفسرالتوحيد بِالظَّنِّ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَهُوَ قَوْلُكَ: يَحْتَمِلُ٤ فِي تَفْسِيرِهِ كَذَا، وَيَحْتَمِلُ كَذَا تَفْسِيرًا٥ وَيَحْتَمِلُ فِي صِفَاتِهِ كَذَا، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ فِي كَلَامِهِ كَذَا وَكَذَا. وَالِاحْتِمَالُ ظَنٌّ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ يَقِينٍ، وَرَأْيٌ غَيْرُ مُبِينٍ، حَتَّى تَدَّعِيَ لِلَّهِ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَلْوَانًا كَثِيرَةً وَوُجُوهًا كَثِيرَةً٦ أَنَّهُ يَحْتَمِلُهَا٧ لَا تَقِفُ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فَتَخْتَارَهُ، فَكَيْفَ تَنْدُبُ النَّاسَ إِلَى صَوَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَنت دائب تجْهَل٨ صِفَاته
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "بالزرع فَكيف بِالنَّاسِ؟ ". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ش "فِيهِ" وَعبارَة الأَصْل أوضح. ٤ فِي ط، س، ش "لَا يحْتَمل". ٥ فِي ط، س، ش "تَفْسِيرا آخر". ٦ لفظ "ووجوهًا كَثِيرَة" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ط، ش "أَنَّهَا تحتملها". ٨ فِي ط، س، ش "تحمل".
[ ٢ / ٧٩٨ ]
وَأَنْتَ١ تَقِيسُهَا بِمَا لَيْسَ عِنْدَكَ بِيَقِينٍ٢؟ ولكنَّا نَظُنُّكَ تَقُولُ الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ، حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكَ فِيهِ مَا يَأْخُذُ بِحَلْقِكَ أَوْ يَكْظِمُكَ٣.
وَالْعَجَبُ مِنْ رَجُلٍ يَدَّعِي عَلَى قَوْمٍ زُورًا وَكَذِبًا أَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بَآدَمَ٤ فِي صُورَتِهِ، فَتَدَّعِي عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ كُفْرًا٥ وَهُوَ يُشَبِّهُهُ فِي يَدِهِ بِأَقْطَعَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَفِي بَصَرِهِ بِأَعْمَى، وَفِي سَمْعِهِ بِأَصَمَّ، وَفِي وَجْهِهِ بِوَجْهِ الْقبْلَة وَوجه الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَفِي كَلَامِهِ بِأَبْكَمَ، حَتَّى تَتَوَهَّمَ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ كَكَلَامِ٦ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ، وَفِي ضَحِكِهِ بِالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ.
فَكَيْفَ تُجِيزُ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَجْحَدُهُ عَلَى غَيْرِكَ؟ لَقَدِ احْتَظَرْتَ٧ وَاسِعًا، وَكلما٨ احْتَجَجْتَ لِمَذْهَبِكَ مِنْ بَاطِلٍ احْتُمِلَ، وَمَا
_________________
(١) ١ قَوْله: "وَأَنت" لَيْسَ فِي ط، س، ش ٢ فِي ط، س، ش "يَقِين". ٣ فِي ط، ش "ويكظمك" وَفِي س "أَو يقظمك". ٤ فِي س "يشبهون الله آدم". ٥ فِي ط، س، ش "فيدعي بذلك عَلَيْهِم كفرا". ٦ فِي ط، ش "أَنه مثل كَلَام". ٧ من الْحَظْر وَهُوَ الْمَنْع وَالْحجر، قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس ١١/٢ مَادَّة "حظر" قَالَ: "حظر الشَّيْء وَعَلِيهِ مَنعه وَحجر وَاتخذ حَظِيرَة كاحتظر، وَالْمَال حَبسه فِيهَا، وَالشَّيْء حازَهُ " إِلَخ، وَفِي س "اختطرت" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٨ كَذَا، وَفِي ط، س، ش "أوَ كلما" وَهُوَ أوضح.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
احتجَّ عَلَيْكَ١ غَيْرُكَ فِيهِ مِنْ حَقٍّ بَطُلَ٢؟ رُوَيْدَكَ بِالْقَضَاءِ فَلَا تَعْجَلْ، فَتَزِلَّ قَدَمُكَ، وَتَسْتَجْهِلَ، وَتَفْتَضِحَ بِهَا عِنْدَ مَنْ عَقِلَ.
وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَهْمِيَّةِ٣ مِنَ الْحُجَجِ إِلَّا مَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ مِنْ هَذِهِ الْعَمَايَاتِ الْمُسْتَشْنَعَةِ، وَالتَّفَاسِيرِ الْمَقْلُوبَةِ مَا أَسْدَيْتَ إِلَيْهِمْ بِذِكْرِهَا نَصِيحَةً، وَقَدْ زِدْتَهُمْ بِهَا فَضِيحَةً عَلَى فَضِيحَةٍ٤، إِذْ تُضِيفُ٥ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الشنائع٦ القبيحة، فكشف عَنْهُمُ الْغِطَاءَ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ هينمة٧ فِي خَفَاء.
_________________
(١) ١ لفظ "عَلَيْك" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ فِي ش "بَاطِل". ٣ الْجَهْمِية، انْظُر ص”١٣٨". ٤ قَوْله: "على فضيحة" لَيست فِي ط، ش. ٥ فِي ط، س، ش "أَو تضيف". ٦ فِي ط، س، ش "التشانيع". ٧ قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ١٩٢/٤ مَادَّة "الهَيْنَمة" قَالَ: "الهينمة: الصَّوْت الخَفيِّ، والهَينُوم كَلَام لَا يُفهم" بِتَصَرُّف.
[ ٢ / ٨٠٠ ]