قد كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ١ أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَى بْنَ يُونُسَ٢ يَقُولُ: "لَا تُجَالِسُوا الْجَهْمِيَّةَ٣ وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ كَيْ يَعْرِفُوهُمْ فَيَحْذَرُوهُمْ"٤.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: افْتَتَحَ هَذَا الْمُعَارِضُ كِتَابَهُ بِكَلَامِ نَفْسِهِ مُثَنِّيًا٥ بِكَلَام إِن مَا افْتتح بِهِ مؤلف كِتَابه مناقشته فِي
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦: عَليّ بن خشرم بمعجمتين، وزن جَعْفَر، الْمروزِي ثِقَة من صغَار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٥٧هـ أَو بعْدهَا، وَقد قَارب الْمِائَة، م ت س. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٠٣: عِيسَى بن يُونُس ين أبي إِسْحَاق، السبيعِي، بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسر الْمُوَحدَة، أَخُو إِسْرَائِيل، كُوفِي نزل الشَّام مرابطًا، ثِقَة مَأْمُون، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ، وَقيل: سنة إِحْدَى وَتِسْعين، ع، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ٢/ ١٠٨٦ أَن عَليّ بن خشرم روى عَنهُ. ٣ الْجَهْمِية تقدّمت ص"١٣٨". ٤ قلت: وَنقل أَيْضا عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: "لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تسمعوا كَلَامهم"، انْظُر: خلق أَفعَال الْعباد، للْبُخَارِيّ ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف، لعَلي النشار ص"١٢٣"، وَعَن ابْن عيينه: أَيْضا قَالَ: "فَمَا نَعْرِف الْقُرْآن إِلَّا كَلَام الله ﷿. وَمن قَالَ غير هَذَا فَعَلَيهِ لعنة الله، لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تسمعوا كَلَامهم"، انْظُر الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للبيهقي ص"٢٥٣" وَقَالَ إِسْحَاق: وَسَأَلت أَبَا بكر بن عُثْمَان، عَن شَهَادَة من قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق، فَقَالَ: "مَالِي وَلَك قد أدرت فِي صماخي شَيْئا لم أسمع بِهِ قطّ، لَا تجَالس هَؤُلَاءِ وَلَا تكلمهم وَلَا تناكحهم" قلت: وَعَن بشر بن الْحَارِث نَحوه وَزِيَادَة "وَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم"، انْظُر: السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص"١٢" والأسماء وَالصِّفَات للبيهقي ص"٢٥٠". ٥ فِي ط، س، ش "منشئًا".
[ ١ / ١٤٦ ]
الْمَرِيسِيِّ، مُدَلِّسًا عَلَى النَّاسِ بِمَا يَهِمُّ١ أَنْ يَحْكِيَ٢ وَيَرَى٣ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْجُهَّالِ وَمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الْأَغْمَارِ٤: أَنَّ مَذَاهِبَ جَهْمٍ٥ وَالْمَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ كَبَعْضِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْإِيمَانِ٦ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَكَاخْتِلَافِهِمْ٧ فِي التَّشَيُّعِ وَالْقَدَرِ، وَنَحْوِهَا كَيْ لَا تنفرُوا مِنْ مَذَاهِبِ جَهْمٍ وَالْمَرِيسِيِّ أَكْثَرَ مِنْ نُفُورِهِمْ مِنْ كَلَامِ الشِّيعَةِ٨،
_________________
(١) ١ فِي س "يُوهم". ٢ فِي ط "نحكي" وَفِي ش "تحكي". ٣ فِي س "ويروى". ٤ الأغمار جمع غمر. قَالَ الفيروزأبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط "٢/ ١٠٤" مَادَّة "الْغمر": "الْغمر من النَّاس جَمَاعَتهمْ ولفيفهم كغمرهم محركة، وغمرتهم وغمارتهم بِالضَّمِّ وَيفتح، وَمن لم يجرب الْأُمُور ويثلث ويحرك". ٥ جهم بن صوفان تلميذ الْجَعْد بن دِرْهَم، وَهُوَ الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ مَذْهَب الْجَهْمِية المعطلة؛ لِأَنَّهُ نشره، وَقَتله سلم بن أحوز الْمَازِني صَاحب شرطة نصر بن سيار وَذَلِكَ فِي مرو سنة ١٢٨هـ، وَقَالَ عَنهُ الشهرستاني: "وَهُوَ من الجبرية الْخَالِصَة ظَهرت بدعته بترمذ، قَتله سلم بن أحوز الْمَازِني بمرو فِي آخر ملك بني أُميَّة، وَافق الْمُعْتَزلَة فِي نفي الصِّفَات الأزلية وَزَاد عَلَيْهِم بأَشْيَاء"، وَذكر الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه: "أَنه كَانَ كَاتبا لِلْحَارِثِ بن سريح الَّذِي خرج فِي خُرَاسَان فِي آخر دولة بني أُميَّة"، انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني ١/ ٨٦، وتاريخ الطَّبَرِيّ حوادث سنة ١٢٨هـ، ولسان الْمِيزَان ٢/ ١٤٢". ٦ فِي س "بِالْإِيمَان". ٧ فِي ط، س، ش "كاختلافهم" بِدُونِ وَاو. ٨ الشِّيعَة هم الَّذين شايعوا عليًّا ﵁ على الْخُصُوص،،قَالُوا بإمامته وخلافته نصًّا وَوَصِيَّة، إِمَّا جليًّا، وَإِمَّا خفيًّا، واعتقدوا أَن الْإِمَامَة لَا تخرج عَن أَوْلَاده وَإِن خرجت فبظلم يكون من غَيره، وبتقية من عِنْده، وَقَالُوا: لَيست الْإِمَامَة قَضِيَّة مصلحية تناط بِاخْتِيَار الْعَامَّة وينتصب الإِمَام بنصبهم بل هِيَ قَضِيَّة أصولية، وَهِي ركن الدَّين لَا يجوز للرسل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام إغفاله وإهماله وَلَا تفويضه إِلَى الْعَامَّة وإرساله. يجمعهُمْ القَوْل بِوُجُوب التَّعْيِين والتنصيص، وَثُبُوت عصمَة الْأَنْبِيَاء وَالْأَئِمَّة وجوبا عَن الْكَبَائِر والصغائر، وَالْقَوْل بالتولي والتبري قولا وفعلًا وعقدًا إِلَّا فِي حَالَة التقية، ويخالفهم بعض الزيدية فِي ذَلِك، وَلَهُم فِي تَعديَة الإِمَام كَلَام وَخلاف كثير، وَعند كل تَعديَة وَتوقف مقَالَة، وَمذهب وخبط. "انْظُر الْملَل والنحل للشهرستاني، بتحقيق مُحَمَّد سيد، ط. الثَّانِيَة ١/ ١٤٦-١٤٧ وَانْظُر أَيْضا: فجر الْإِسْلَام، أَحْمد أَمِين، ط. الْعَاشِرَة، ١/ ٢٦٦-٢٧٨".
[ ١ / ١٤٧ ]
والمرجئة١ والقدرية٢.
_________________
(١) ١ الإرجاء على مَعْنيين: أَحدهمَا: بِمَعْنى التَّأْخِير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَرْجِهِ وَأَخَاهُ﴾ [الْأَعْرَاف أَيَّة: ١١١"- أَي أمهله وأخره] . وَالثَّانِي: إعطاه الرَّجَاء. أما الطَّلَاق اسْم المرجئة على الْجَمَاعَة بِالْمَعْنَى الأول فَصَحِيح؛ لأَنهم كَانُوا يؤخرون الْعَمَل عَن النِّيَّة وَالْعقد. وَأما بِالْمَعْنَى الثَّانِي، فَظَاهر، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لَا تضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة كَمَا لَا تَنْفَع مَعَ الْكفْر طَاعَة. وَهَذَانِ المعنيان هما أشهر مَا قيل فِي المرجئة، وَهُنَاكَ معَان وتقسيمات أُخْرَى لَا أطيل بذكرها، انْظُر الْملَل والنحل للشهرستاني، تَحْقِيق مُحَمَّد سيد كيلاني، ط. الثَّانِيَة ١/ ١٣٩. ٢ الْقَدَرِيَّة هم نفاة الْقدر، وَفِي الحَدِيث: "لكل أمة مجوس ومجوس أمتِي الَّذين يَقُولُونَ لَا قدر"، وَقد ظَهرت بِدعَة وَالْقدر بشكل وَاضح فِي أَوَاخِر زمن الصَّحَابَة، وَيُقَال: إِن أول من تكلم بِالْقدرِ نَصْرَانِيّ من أهل الْعرَاق أسلم ثمَّ تنصر، وَأخذ عَنهُ معبد الْجُهَنِيّ، وروى مُسلم عَن يحيى بن يعمر قَالَ: "كَانَ أول من تكلم فِي الْقدر بِالْبَصْرَةِ معبد الْجُهَنِيّ"، وَحَاصِل قَوْلهم فِي الْقدر هُوَ إِنْكَار علم الله السَّابِق بالحوادث، وَأَن العَبْد هُوَ الَّذِي يخلق فعل نَفسه، فأثبتوا بذلك مَعَ الله خَالِقًا آخر، وهم ضد الجبرية، وَيرى الشهرستاني أَن الْقَدَرِيَّة من ألقاب الْمُعْتَزلَة، وَقَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: "وَقد حكى المصنفون فِي المقالات =
[ ١ / ١٤٨ ]
وَقَدْ أَخْطَأَ الْمُعَارِضُ مَحَجَّةَ١ السَّبِيلِ وَغلط كَثِيرًا فِي التَّأْوِيلِ لَمَّا أَنَّ هَذِهِ الْفِرَقَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الْعُلَمَاءُ بِشَيْءٍ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ، وَالْمَرِيسِيُّ وَجَهْمٌ وأصحابهم٢،
_________________
(١) = عَن طوائف من الْقَدَرِيَّة إِنْكَار كَون البارئ عَالما بِشَيْء من أَعمال الْعباد قبل وُقُوعهَا مِنْهُم، وَإِنَّمَا يعلمهَا بعد كَونهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيره: قد انقرض هَذَا الْمَذْهَب، وَلَا نَعْرِف أحدا ينْسب إِلَيْهِ من الْمُتَأَخِّرين. قَالَ -أَي الْقُرْطُبِيّ: والقدرية الْيَوْم مطبقون على أَن الله عَالم بِأَفْعَال الْعباد قبل وُقُوعهَا، وَإِنَّمَا خالفوا السّلف فِي زعمهم بِأَن أَفعَال الْعباد مَقْدُور لَهُم مواقع وواقعة مِنْهُم على جِهَة الِاسْتِقْلَال، وَهُوَ مَعَ كَونه مذهبا بَاطِلا إِلَّا أَنه أخف من الْمَذْهَب الأول، وَأما الْمُتَأَخّرُونَ مِنْهُم فأنكروا تعلق الْإِرَادَة بِأَفْعَال الْعباد قرارًا من تعلق الْقَدِيم بالمحدث، وهم مخصومون بِمَا قَالَ الشَّافِعِي: إِن سلم القدري الْعَلِيم خصم يَعْنِي: يُقَال لَهُ: أَيجوزُ أَن يَقع فِي الْوُجُود خلاف مَا تضمنه الْعلم؟ فَإِن منع وافقًا قَول أهل السّنة وَإِن جَازَ لزمَه نِسْبَة الْجَهْل: تَعَالَى الله عَن ذَلِك "انْتهى، انْظُر: فتح الْبَارِي "١/ ١٩". قلت: وَعَن معبد الْجُهَنِيّ أَخذ غيلَان الدِّمَشْقِي فَكَانَ معبد بالعراق وغيلان بِدِمَشْق، وَفِي عهد هِشَام بن عبد الْملك انتدب الْأَوْزَاعِيّ لمناقشة غيلَان فأفحمه وَأفْتى بقتْله، فصلب على بَاب كيسَان بِدِمَشْق، وَأما معبد فَذكر أَنه خرج مَعَ مَرْوَان بِدِمَشْق على القَوْل بِالْقدرِ ثمَّ قَتله. انْظُر: مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه الْمُنْتَخب ٢/ ٨٦، ٥/ ٤٠٧، وصحيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١/ ١٥٠، ١٥٤، والملل والنحل للشهرستاني، تَحْقِيق مُحَمَّد سيد ١/ ٤٣، وفجر الْإِسْلَام، لِأَحْمَد أَمِين، ط. الْعَاشِرَة ١/ ٢٨٣-٢٨٨، وأهم الْفرق الإسلامية، تأليف مُحَمَّد الطَّاهِر النيفر ص"٤٨-٥٠" والأعلام للزركلي ط. الرَّابِعَة ٥/ ١٢٤، ٧/ ٢٦٤. ١ فِي ط، ش "وَفِي محجة". ٢ فِي ط، ش "والمريسي وجهم وأصحابهما يكفرهم أهل الْفرق "وَفِي س" يكفرونهم" بدل "يكفرهم". قلت: وَظُهُور عَلامَة على الْجمع على الْفِعْل كَمَا فِي "س" هِيَ لُغَة "أكلوني البراغيث" وَالْجُمْهُور على تَجْرِيد الْفِعْل مِنْهَا.
[ ١ / ١٤٩ ]
لَمْ يَشُكَّ١ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي إِكْفَارِهِمْ.
سَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الْأَنْطَاكِيَّ٢ أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا٣ يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ٤.
وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ٥ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ٦ كَانَ يُخْرِجُ الْجَهْمِيَّةَ مِنْ عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ٧.
_________________
(١) ١ فِي س "وَلم يشك". ٢ مَحْبُوب بن مُوسَى، أَبُو صَالح الْأَنْطَاكِي الْفراء، صَدُوق، من الْعَاشِرَة، لم يَصح أَن البُخَارِيّ أخرج لَهُ، مَاتَ سنة ٣١هـ وَله ٨٠ سنة، دس، "التَّقْرِيب ٢/ ٢٣١". ٣ وَكِيع بن الْجراح بن مليح الرُّؤَاسِي، بِضَم الرَّاء وهمزة ثمَّ مُهْملَة، أَبُو سُفْيَان الْكُوفِي، ثِقَة حَافظ عَابِد، من كبار التَّاسِعَة، مَاتَ فِي آخر سنة ١٩٦هـ أَو أول ٩٧هـ وَله ٧٠ سنة، ع "التَّقْرِيب ٢/ ٣٣١". ٤ انْظُر: كتاب السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ١/ ٩ حَيْثُ أخرج بأسنيد إِلَى وَكِيع مَا يدل على تَكْفِير من قَالَ بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق، سُئِلَ عَن ذَبَائِح الْجَهْمِية فَقَالَ: لَا تُؤْكَل. هم مرتدون.
(٢) وَنقل البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد عَن وَكِيع أَنه قَالَ "أَحْدَثُوا -كَذَا- هَؤُلَاءِ المرجئة، الْجَهْمِية، والجهمية كفار، والمريسي جهمي، وعلمتم كَيفَ كفرُوا، قَالُوا: يَكْفِيك المفرفة، وَهَذَا كفر. والمرجئية يَقُولُونَ: الْإِيمَان قَول بِلَا فعل وَهَذَا بِدعَة، فَمن قَالَ: إِن الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر بِمَا أنزل عَلَى مُحَمَّدٍ -ﷺ- يُسْتَتَاب وَإِلَّا ضربت عُنُقه "انْظُر" خلق أَفعَال الْعباد ضمن مَجْمُوع عقائد السّلف لعَلي النشار ص"١٢٤". ٦ عبد الله بن الْمُبَارك تقدم ص"١٤٦". ٧ أخرج عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٦-٧" من طَرِيق الْحسن بن عِيسَى مولى عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ: كَانَ ابْن الْمُبَارك يَقُول: الْجَهْمِية كفار. وَمن طَرِيق آخر عَن ابْن الْمُبَارك، قَالَ: لَيْسَ تعبد الْجَهْمِية شَيْئا، قَالَ: وَذكر أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي عتاب الْأَعْين، حَدثنَا حَمْزَة شيخ من أهل مرو، سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ زنديق.
[ ١ / ١٥٠ ]
وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى١ وَأَبَا تَوْبَة٢ وَعلي بن الْمَدِينِيِّ٣ يُكَفِّرُونَ الْجَهْمِيَّةَ وَمَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ٤.
فَلَا يَقِيسُ الْكُفْرَ بِبَعْضِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْفِرَقِ إِلَّا امْرُؤٌ جَهِلَ الْعِلْمَ وَلَمْ
_________________
(١) ١ يحيى بن يحيى بن كثير اللَّيْثِيّ مَوْلَاهُم، الْقُرْطُبِيّ، أَبُو مُحَمَّد، صَدُوق، فَقِيه قَلِيل الحَدِيث، وَله أهام، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٣٤هـ على الصَّحِيح، تَمْيِيز "التَّقْرِيب ٢/ ٣٦٠". ٢ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ الْحلَبِي، نزيل طرسوس، ثِقَة، حجَّة، عَابِد، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة٢٤١هـ/ خَ م د س ق. "التَّقْرِيب ١/ ٢٤٦". ٣ عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر بن نجيح، السَّعْدِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو الْحسن بن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ، ثِقَة ثَبت إِمَام، أعلم أهل عصره بِالْحَدِيثِ وَعلله، حَتَّى قَالَ البُخَارِيّ: مَا استصغرت نَفسِي إِلَّا عِنْده، وَقَالَ فِيهِ شَيْخه ابْن عُيَيْنَة: كنت أتعلم مِنْهُ أَكثر مِمَّا يتعلمه مني وَقَالَ النَّسَائِيّ: كَأَن الله خلقه للْحَدِيث، عابوا عَلَيْهِ إجَابَته فِي المحنة، لكنه تنصل وَتَابَ، وَاعْتذر بِأَنَّهُ كَانَ خَافَ على نَفسه، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة٣٤ على الصَّحِيح، خَ د ت س فق، "التَّقْرِيب ٢/ ٤٠". ٤ وَنَقله أَيْضا البُخَارِيّ عَنْهُم، وَعَن غَيرهم فِي خلق أَفعَال الْعباد، قَالَ: قَالَ عَليّ بن عبد الله: "الْقُرْآن كَلَام الله، مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِر لَا يُصَلِّي خَلفه"، انْظُر: الْمصدر نَفسه ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف لعَلي سامي النشار ص: ١٢٢" وَقَالَ أَيْضا فِي ص"١٢٧-١٢٨: "وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة ومعاذ بن معَاذ وَالْحجاج بن مُحَمَّد وَيزِيد بن هَارُون، وهَاشِم بن الْقَاسِم وَالربيع بن نَافِع الْحلَبِي، وَمُحَمّد بن يُوسُف وَعَاصِم بن عَاصِم وَيحيى بن يحيى، وَأهل الْعلم: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِر" قلت: وَبسط الْكَلَام فِيمَا نقل عَن أَئِمَّة السّلف فِي إكفار الْجَهْمِية يضيق عَنهُ هَذَا الْمُخْتَصر وَانْظُر: إِن شِئْت الْمَزِيد: السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد، وَخلق أَفعَال الْعباد للْبُخَارِيّ، والشريعة للآجري، وَشرح السّنة لللالكائي، والأسماء وَالصِّفَات للبيهقي وَغَيرهَا.
[ ١ / ١٥١ ]
يُوَفَّقْ فِيهِ لِفَهْمٍ١.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ النَّاسَ٢ تَكَلَّمُوا فِي الْإِيمَانِ، وَفِي التَّشَيُّعِ، وَالْقَدَرِ وَنَحْوِهُ، وَلَا يجوز لأحد أَن يتَنَاوَل فِي التَّوْحِيدِ غَيْرَ الصَّوَابِ إِذْ٣ جَمِيعُ خَلْقِ اللَّهِ يُدْرِكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ: اللَّمْسِ، وَالشَّمِّ، وَالذَّوْقِ، وَالْبَصَرِ بِالْعَيْنِ، وَالسَّمْعِ، وَاللَّهُ بِزَعْمِ٤ الْمُعَارِضِ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ.
فَقُلْنَا لِهَذَا الْمُعَارِضِ، الَّذِي لَا يَدْرِي كَيْفَ يُنَاقِضُ٥: أَمَّا قَوْلُكَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ فِي التَّوْحِيدِ غَيْرَ الصَّوَابِ، فَقَدْ صَدَقْتَ، وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْأمة وَصَوَابه قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: "مَنْ جَاءَ بِهَا مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ٦ وَ٧ "أُمِرْتُ أَن
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وَلَا يُوقف على كفرهم" وَفِي س "وَلم يُوقف فِيهِ على كفرهم". ٢ فِي ط، ش، س "أَن النَّاس قد تكلمُوا". ٣ فِي ط، ش "أَن" وَفِي س "إِن". ٤ فِي س "يزْعم". ٥ فِي ط، س "يتناقض". ٦ رَوَاهُ الْبَزَّار، انْظُر: زَوَائِد الْبَزَّار على الْكتب السِّتَّة، تَحْقِيق حبيب الأعظمي١/ ١١-١٢، وَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله مخلصًا دخل الْجنَّة"، وَأوردهُ الألباني فِي صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير ٢/ ٥٤٢ وَعَزاهُ إِلَى الْبَزَّار عَن أبي سعيد، وَقَالَ عَنهُ: صَحِيح، وَذكر الألباني فِي صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير أَنه أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان، وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن جَابر وَأَبُو نعيم أَيْضا عَن أنس، وَذكر أَيْضا أَنه خرجه فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة برقم ٢٣٥٥، انْظُر: صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير ٥/ ٣٣٢. قلت: وَلم أَقف من سلسلة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة على الْأَجْزَاء الْأَخِيرَة. ٧ حرف الْوَاو لَيْسَ فِي "ط، ش".
[ ١ / ١٥٢ ]
أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" ١ مَنْ قَالَهَا فَقَدْ وَحَّدَ اللَّهَ٢.
وَكَذَلِكَ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٣ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ فِي حَجَّتِهِ٤ فَقَالَ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ٥
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا: فقد أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه الْفَتْح، كتاب الِاعْتِصَام، بَاب الِاقْتِدَاء بسنن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيث رقم ٧٢٨٤ وَحَدِيث ٧٢٨٥، ١٣/ ٢٥٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره. وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْإِيمَان، بَاب الْأَمر بِقِتَال النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله، الْأَحَادِيث: ٣٢، ٣٣، ٣٥، جـ١/ ٥١-٥٣ مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره. ٢ فِي ش "من قَالَهَا فقد ﵀". ٣ قَوْله: "﵄" لَيْسَ فِي ط، س، ش، قلت: وَجَابِر هُوَ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حرَام بِمُهْملَة وارء، الْأنْصَارِيّ ثمَّ السّلمِيّ بِفتْحَتَيْنِ، صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ، غزا تسع عشرَة غَزْوَة، وَمَات بِالْمَدِينَةِ بعد السّبْعين، وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين ع. التَّقْرِيب ١/ ١٢٢. ٤ فِي ط، س، ش "فِي حجَّة الْوَدَاع" قلت: وَلم أَجِدهُ عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد وَابْن مَاجَه بِأَيِّهِمَا إِلَّا أَن الْمَعْنى وَاضح، إِذْ إِن حجَّة النَّبِيِّ ﷺ هِيَ حجَّة الْوَدَاع. ٥ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْحَج، بَاب حجَّة النَّبِيِّ ﷺ حَدِيث رقم ١٤٧ جـ٢ ص"٨٨٦-٨٩٢" قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم جَمِيعًا عَن حَاتِم، قَالَ أَبُو بكر: حَدثنَا حَاتِم ابْن إِسْمَاعِيل الْمدنِي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيه قَالَ: دَخَلنَا على جَابر بن عبد الله وَذكر الْقِصَّة -إِلَى أَن قَالَ: أَخْبرنِي عَن حجَّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟، فَذكر جَابر الْقِصَّة وفيهَا" فَأهل بِالتَّوْحِيدِ لبيلك اللَّهُمَّ لبيْك، لبيْك لاشريك لَك لبيلك إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شريك لَك الحَدِيث". وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس، كتاب الْمَنَاسِك، بَاب صفة النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيث ١٩٠٥، ٢/ ٤٥٥-٤٦٤ من طَرِيق آخر عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل بِهَذَا السَّنَد فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ مقارب، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه، تَحْقِيق وترقيم مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْمَنَاسِك، بَاب حجَّة النَّبِي، حَدِيث ٣٠٧٤، ٢/ ١٠٢٢، من طَرِيق هِشَام بن عمار، ثَنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل بِهَذَا السَّنَد فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ مقارب.
[ ١ / ١٥٣ ]
حَدَّثَنَا١ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٢ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ٣ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ٤ عَنْ أَبِيهِ٥ عَنْ٦ جَابِرٍ٧. فَهَذَا تَأْوِيلُ التَّوْحِيدِ وَصَوَابُهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ، فَمَنْ أَدْخَلَ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي صَوَابِ التَّأْوِيلِ مِنْ أُمَّةِ
_________________
(١) ١ فِي س "حدّثنَاهُ". ٢ هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الوَاسِطِيّ الأَصْل، أَبُو بكر بن شيبَة الْكُوفِي، ثِقَة حَافظ، صَاحب تصانيف، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣٥هـ/ خَ م د س ق. التَّقْرِيب ١/ ٤٤٥. ٣ خَاتم إِسْمَاعِيل الْمدنِي، أَبُو إِسْمَاعِيل الْحَارِثِيّ مَوْلَاهُم، أَصله من الْكُوفَة، صَحِيح الْكتاب، صدق يهم، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨٦هـ أَو ٨٧هـ/ ع. التَّقْرِيب ١/ ١٣٧. ٤ فال فِي التَّقْرِيب ١/ ١٣٢: جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْهَاشِمِي، أَبُو عبد الله، الْمَعْرُوف بالصادق، صَدُوق فَقِيه، إِمَام، من السَّادِسَة مَاتَ سنة ٤٨هـ/ بخ م وَالْأَرْبَعَة، وَذكر ابْن حجر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٢/ ١٠٣ أَنه روى عَن أَبِيه وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر. ٥ هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، أَبُو جَعْفَر الباقر، ثِقَة فَاضل، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة بضع عشرَة/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٩٢. وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ٣٥٠ أَنه روى عَن جَابر وَأنس وَمِمَّنْ روى عَنهُ ابْنه جَعْفَر. ٦ لَيْسَ فِي س، ش، لَفْظَة "عَنْ". ٧ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السّلمِيّ تقدم ص"١٥٣".
[ ١ / ١٥٤ ]
مُحَمَّدٍ وَمَنْ عَدَّهَا١ فَأَشِرْ إِلَيْهِ! غير مَا ادعيتم فِي مِنَ الْكَذِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، وَنُظَرَائِهِ، وَلِمَنْ تَأَوَّلَ فِي التَّوْحِيدِ الصَّوَابَ لَقَدْ تَأَوَّلْتَ أَنْتَ فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ، إِذِ٢ ادَّعَيْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ وَلَمْ٣ يُدْرَكْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، إِذْ هُوَ فِي دَعْوَاكَ لَا شَيْءٌ. وَاللَّهُ مُكَذِّبٌ مَنِ ادَّعَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِي كِتَابِهِ، إِذْ يَقُولُ ﷿ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤، ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ٥، و﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٦، فَأَخْبَرَ اللَّهُ ٧ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مُوسَى٨ أدْرك مِنْهُ.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وَمن عَداهَا". ٢ فِي س، "إِذا". ٣ فِي ط، ش، "وَلنْ". ٤ سُورَة النِّسَاء، آيَة "١٦٤". ٥ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١٧٤". ٦ سُورَة الْقِيَامَة، آيَة "٢٢-٢٣". ٧ فِي ط، س، "فَأخْبر الله تَعَالَى". ٨ هُوَ مُوسَى بن عمرَان ﵇ من رسل الله الْكِرَام أولي الْعَزْم، ولد من نسل لاوي سبط يَعْقُوب ﵇، وَكَانَت وِلَادَته بِمصْر وتربى فِي قصر فِرْعَوْن حَتَّى شب وَكبر واضطر إِلَى ترك مصر فِرَارًا من وَجه فِرْعَوْن لما اشتدت إساءته لبني إِسْرَائِيل، وَذهب إِلَى أَرض مَدين وَكَانَ لَهُ مَا كَانَ مَعَ نَبِي الله شُعَيْب، وَأوحى إِلَيْهِ فِي طور سيناء، وَكَانَ ذَلِك بَدْء نبوته وفاتحة رسَالَته، وَأمره ربه أَن يذهب إِلَى فِرْعَوْن فَطلب مُوسَى من ربه أَن يُؤَيّدهُ بأَخيه هَارُون فَاسْتَجَاب لَهُ، وآتاه الله من المعجزات مَا يدل على صدق نبوته، وَقد جَاهد فِي سَبِيل دَعوته وتبليغ رسَالَته، وَكَانَ لَهُ مَا كَانَ مَعَ فِرْعَوْن والسحرة وَبني إِسْرَائِيل، مَعَ الْخضر ﵇ وقصة السامري وعجله وقصة دُخُوله الأَرْض المقدسة مِمَّا هُوَ مشار إِلَيْهِ فِي موَاضعه من الْقُرْآن، وَقد ورد ذكره فِي الْقُرْآن أَكثر من مائَة مرّة فِي أَربع وَثَلَاثِينَ سُورَة، وَذكر أَن عمره كَانَ ١٢٠ سنة، "انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح كتاب الْأَنْبِيَاء، الْأَبْوَاب ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٦/ ٤٤٢-٤٤٦ والطبري فِي تَارِيخ الْأُمَم والملوك، تَحْقِيق مُحَمَّد أَبُو الْفضل ١/ ٣٦٥-٤٣٤، والكامل فِي التَّارِيخ لِابْنِ الْأَثِير ١/ ١٦٩-٢٠٠، ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية، لمُحَمد إِسْمَاعِيل إِبْرَاهِيم ٢/ ٢١٥".
[ ١ / ١٥٥ ]
الْكَلَامَ بِسَمْعِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْحَوَاسِّ عِنْدَكَ وَعِنْدَنَا، وَيُدْرَكُ فِي الْآخِرَةِ بِالنّظرِ إِلَيْهِ بالأعين، هِيَ الْحَاسَّةُ الثَّانِيَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى١ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢، وَكَمَا ٣ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ جَهْرًا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ٤.
وَرَوَى عَنْهُ٥ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ٦ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "كَمَا قَالَ تَعَالَى". ٢ فِي ط، س، ش بِدُونِ "كَمَا". ٤ هَذَا الحَدِيث هُوَ فِي معنى مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّاس قَالُوا: يَا رَسُول الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ الحَدِيث، وَفِي البُخَارِيّ عَن جرير مَرْفُوعا: إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم عيَانًا انطر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب التَّوْحِيد، بَاب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حَدِيث رقم ٧٤٣٥، ٧٤٣٧، ١٣/ ٤١٩، وصحيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْإِيمَان، بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة حَدِيث ٢٩٩، ١/ ١٦٣. ٥ لَفْظَة "عَنهُ" لَيست فِي ط، ش، س. ٦ عدي بن حَاتِم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج: بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة آخِره جِيم، الطَّائِي أَبُو طريف، بِفَتْح الْمُهْملَة، وَآخره فَاء، صَحَابِيّ شهير، وَكَانَ مِمَّن ثَبت على الْإِسْلَام فِي الرِّدَّة، وَحضر فتوح الْعرَاق وحروب عَليّ وَمَات سنة ٦٨هـ وَقيل: ابْن ١٢٠ سنة، وَقيل ٨٠ سنة/ ع، التَّقْرِيب ٢/ ١٦، وَانْظُر: تَجْرِيد أَسمَاء الصَّحَابَة للذهبي ج١ ص"٣٧٦"، والإصابة لَا بن حجر بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٤٦٠-٤٦١، وتهذيب التَّهْذِيب ٧/ ١٦٦-١٦٧.
[ ١ / ١٥٦ ]
ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ" ١.
حَدَّثَنَاهُ عَمْرُو٢ بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ٣ عَنِ الْأَعْمَشِ٤ عَنْ خَيْثَمَةَ٥ عَنْ عَدِيٍّ٦ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. فَذَاكَ النَّاطِقُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ--رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَيُّ حَوَاسٍّ٧ أَبْيَنُ٨ مِنْ هَذَا؟ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الْمُعَارِضَ مَنْ تَأَوَّلَ فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ.
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، انْظُر "صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي/ كتاب التَّوْحِيد بَاب كَلَام الرب -﷿- يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم، حَدِيث رقم ٧٥١٢، ١٣/ ٤٧٤ من طَرِيق عَليّ بن حجر، أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: "سيكلمه ربه" وَفِي آخِره زِيَادَة. وَانْظُر: صَحِيح مُسلم، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الزَّكَاة، بَاب الْحَث على الصَّدَقَة وَلَو بشق تَمْرَة، حَدِيث رقم٦٧، ٢/ ٧٠٣ من طَرِيق عَليّ بن حجر وَغَيره حَدثنَا الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة آخِره. ٢ عَمْرو بن عون بن أَوْس الوَاسِطِيّ، أَبُو عُثْمَان الْبَزَّار، الْبَصْرِيّ، ثِقَة ثَبت من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٥هـ/ ع التَّقْرِيب ٢/ ٧٦. ٣ مُحَمَّد بن خازم، أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير الْكُوفِي، عمي وَهُوَ صَغِير، أحفظ النَّاس وَله ٨٢ سنة، وَقد رمي بالإرجاء ع/. التَّقْرِيب ٢/ ١٥٧. ٤ سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَسدي الْكَاهِلِي، أَبُو مُحَمَّد الْكُوفِي الْأَعْمَش، ثِقَة، حَافظ، عَارِف بِالْقِرَاءَةِ، ورع وَلكنه يُدَلس، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٤٧أو٤٨هـ وَكَانَ مولده أول ٦١ع/ التَّقْرِيب ١/ ٣٣١. ٥ خَيْثَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أبي سُبْرَة: بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي، ثِقَة، وَكَانَ يُرْسل، من الثَّالِثَة، مَاتَ بعد سنة ٨٠هـ/ ع. التَّقْرِيب ١/ ٢٣٠، وَانْظُر: فتح الْبَارِي ١١/ ٤٠٤. ٦ عدي بن حَاتِم تقدم ص"١٥٦". ٧ فِي ط، ش "فَأَي صَوَاب". ٨ فِي ط، س، ش "هُوَ أبين".
[ ١ / ١٥٧ ]