وَذَكَرَ الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ١ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ٢ عَنْ مُجَاهِدٍ٣ قَالَ: "يَقُولُ دَاوُدُ٤ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَدْنِنِي، فَيُقَالُ لَهُ: ادْنُهْ، فَيَدْنُوَ حَتَّى يَمَسَّ رُكْبَتَهُ"٥ فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ تَأْوِيلَهُ: أَنَّهُ يُدْنِيهِ إِلَى خلق من
_________________
(١) ١ ابْن عُيَيْنَة، تقدم ص"١٧٥". ٢ حميد بن قيس الْمَكِّيّ الْأَعْرَج، أَبُو صَفْوَان الْقَارئ، لَيْسَ بِهِ بَأْس، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ، وَقيل: بعْدهَا/ ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢٠٣/١، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢٧٥/١ أَنه روى عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَعنهُ مَالك والسفيانان، وَانْظُر، الْمِيزَان للذهبي ٦١٥/١. ٣ مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢". ٤ دَاوُد ﵇ عبد الله وَنبيه، قيل: هُوَ ابْن إيشي بن عُوَيْد بن باعز، يتَّصل نسبه بإبراهيم ﵇، كَانَ شَدِيد الِاجْتِهَاد كثير الْعِبَادَة قوامًا بِاللَّيْلِ صوامًا بِالنَّهَارِ ثَبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنه قَالَ: "لَا صَوْم فَوق صَوْم دَاوُد ﵇ شطر الدَّهْر" أخرجه البُخَارِيّ، علَّمه الله صَنْعَة لبوس وألان لَهُ الْحَدِيد وسخر مَعَه الْجبَال يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق، قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ، وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ سُورَة ص، الْآيَات: "١٨، ١٩، ٢٠"، وَذكر أَن مُدَّة ملكه كَانَت أَرْبَعِينَ سنة، وَورثه ابْنه سُلَيْمَان وَتُوفِّي وعمره مائَة سنة، ولموته قصَّة أخرجهَا الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٤١٩/٢ بِسَنَدِهِ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، ونقلها ابْن كثير عَن الإِمَام أَحْمد، وَقَالَ: "انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ أَحْمد وَإِسْنَاده جيد قوي رِجَاله ثِقَات" وَانْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح/ كتاب الصَّوْم/ بَاب صَوْم دَاوُد ﵇/ حَدِيث ١٩٨٠، ٢٢٥/٤، والكامل لِابْنِ الْأَثِير/ طبعة بيروت ٢٢٣/١-٢٢٨، وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ط. الثَّالِثَة ٩/٢-١٨، والزهد للْإِمَام أَحْمد تَصْحِيح عبد الرَّحْمَن بن قَاسم ص”٦٩-٥٧". ٥ هَذَا الْمَأْثُور بِهَذَا الْإِسْنَاد مَوْقُوف على مُجَاهِد وخرجه الْخلال فِي السّنة بأسانيد عَن مُجَاهِد وَعَن سعيد بن جُبَير بِنَحْوِهِ "انْظُر: السّنة للخلال ص٢٦٢-٢٦٤".
[ ٢ / ٧٤٢ ]
خَلْقِهِ، ذِي رُكْبَةٍ حَتَّى يَمَسَّ رُكْبَةُ دَاوُدَ رُكْبَةَ ذَلِكَ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
فَلَوْ كَانَ لِهَذَا الْمُعَارِضِ مَنْ يَقْطَعُ لِسَانَهُ كَانَ قَدْ نَصَحَهُ، وَيْلَكَ! أَيُّ زِنْدِيقٍ تَرْوِي عَنْهُ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ١ وَلَا تُسَمِّيهِ٢؟ وَأَيُّ دَرَكٍ٣ لِدَاوُدَ٤ إِذَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لِذَنْبِهِ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ وَاسْتَعَاذَ بِهِ فِي أَنْ يُدْنِيَهُ إِلَى خَلْقٍ سِوَاهُ، فَيَمَسَّ رُكْبَتَهُ وَمَا يُجْزِئُ عَنْ دَاوُدَ رُكْبَةُ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي إِذَا مَسَّ دَاوُدُ النَّبِيُّ رُكْبَتَهُ غَفَرَ ذَنْبَهُ، وَآمَنَ رَوْعَتَهُ، إِنَّ ذَلِكَ خَلْقٌ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّهِ أَكْرَمُ مِنْ دَاوُدَ وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي دَعْوَاكَ، إِذْ جَعَلَهُ مَفْزَعًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَمُعَوَّلًا عَلَيْهِ فِي ذُنُوبِهِمْ، يَحْكُمُ عَلَى اللَّهِ فِي مَغْفِرَتِهِ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَة دون الله!! ولابد لِمِثْلِ هَذَا الْخَلْقِ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ اسْمٌ فِي الْمَلَائِكَةِ أَوْ فِي النَّبِيِّينَ، فَمَا اسْمُهُ أَيُّهَا الْجَاهِلُ؟ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَذَا شَيْطَانٌ٥ أَوْ مُدْمِنُ خَمْرٍ سَكْرَانَ، مَا زَادَ عَلَيْكَ جهلا. فَكيف إِنْسَان؟
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "عَن أَي زنديق تروي هَذِه التفاسير" قلت: والزنديق وَاحِد الزَّنَادِقَة، وَانْظُر ص"٥٣١". ٢ فِي الأَصْل وس "وَلَا تسمه" بِحَذْف الْيَاء وَلَا مُوجب لذَلِك هُنَا. ٣ قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس/ بَاب الْكَاف فصل الدَّال مَادَّة "الدَّرك" ٣٠١/٣: "والدرك محركة ويسكن: التبعة وأقصى قَعْر الشَّيْء جمعه أَدْرَاك وحبل يوثق فِي طرف الْحَبل الْكَبِير ليَكُون هُوَ الَّذِي يَلِي المَاء". ٤ دَاوُد ﵇، تقدم ص"٧٤٢". ٥ ف ش "الشَّيْطَان".
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: إِنَّهُ يتقرَّب إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ لَا بالدنو مِنْهُ، أوَ لم تَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ جَزَاءٍ لِلْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا؟ فَكَيْفَ رَفَعَ اللَّهُ الْعَمَلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْجَبَهُ عَلَى دَاوُدَ١؟ قُلْتَ: وَكَذَلِكَ مَا رَوَى الْمَسْعُودِيُّ٢ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو٣ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ٤ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ٥: "أَنَّ الرَّب يَبْدُو لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ٦، فَيَكُونُونَ مِنْهُ فِي الْقُرْبِ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا"٧ فَادَّعَيْتَ أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ هَذَا مِنَ الْقُرْبِ: أَنَّهُ يَبْدُو لَهُمْ بِظُهُور الدلالات،
_________________
(١) ١ دَاوُد ﵇، تقدم ص"٧٤٢". ٢ المَسْعُودِيّ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله، تقدم ص"٧١٨". ٣ الْمنْهَال بن عَمْرو، تقدم ص"٤٦٦"، قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ١٩٢/٤: وَعنهُ شُعْبَة والمسعودي. ٤ أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود، تقدم ص"٢٥١". ٥ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٦ قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس ١٢٨/٢ مَادَّة "الْكفْر" قَالَ: "والكافور نبت طيب نوره كنور الأقحوان والطلع أَو وعاؤه، وَطيب مَعْرُوف يكون من شجر بجبال الْهِنْد والصين يظل خلقا كثيرا، تألفه النمورة، وخشبه أَبيض هش، يُوجد فِي أجوافه الكافور وَهُوَ أَنْوَاع ولونها أَحْمَر وَإِنَّمَا يبيض بالتصعيد وَمَعَ الْكَرم" أَي "عقدتكون فِي مخارج عناقد الْكَرم" كَمَا قَالَ الفيروز آبادي فِي الْمصدر نَفسه ٣٤/٣. قلت: وَهَذَا هُوَ معنى الكافور لُغَة، وَإِلَّا فَمن الثَّابِت أَنه لَيْسَ فِي الْجنَّة شَيْء مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاء. ٧ لفظ "فِي الدُّنْيَا" لَيْسَ فِي س. قلت: الحَدِيث نهم من ضعَّفه لِأَن فِي سَنَده رُوَاة مَجْهُولُونَ وَمِنْهُم من رأى =
[ ٢ / ٧٤٤ ]
وَبَذْلِ الْكَرَامَاتِ لِأَوْلِيَائِهِ، فَيَظْهَرُ بِمَا فَعَلَ دِلَالَاتُهُ١ وَعَلَامَاتُهُ لَا هُوَ بِنَفْسِهِ٢، فَيُقَالُ لَكَ: أَيُّهَا الْمُعَارِضُ، بِئْسَمَا أَثْبَتَّ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا اللَّهَ بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَبرِسَالَاتِ نَبِيِّهِ، وَمَا أَنْزَلَ فِي كُتُبِهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ مَقَامِهِمْ حَتَّى يَعْرِفُوهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ؛ إِذْ مَاتُوا كُفَّارًا فِي دَعْوَاكَ، جُهَّالًا بِاللَّهِ وَبِدِلَالَاتِهِ، فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ فِي دَعْوَاكَ لَمْ يَكُونُوا إِذا أَوْلِيَاء الله؛ إِذا لَمْ يَمُوتُوا٣ عَلَى حَقِيقَةِ مَعْرِفَةِ الله تَعَالَى٤ وَلَا استحقوا
_________________
(١) = ثُبُوته للمعاضد كشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَأَنه يحْتَج بِهِ، والْحَدِيث لَهُ شَوَاهِد تقويه وتدل على مَعْنَاهُ. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير/ تَحْقِيق وَتَخْرِيج حمدي السلَفِي/ حَدِيث ٩١٦٩، ٢٧٣/٩ من طَرِيق الْمَسْعُودِيُّ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: قَالَ عبد الله: "سارعوا إِلَى الجُمَع، فإنَّ الله يبرز لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كثيب من كافور فَيَكُونُوا من الْقُرْبِ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الْجُمُعَة " الحَدِيث، وَقَالَ الهيثمي فِي الْمجمع ١٧٨/٢: "وَأَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه". وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ/ مُرَاجعَة وَتَصْحِيح عبد الرَّحْمَن عُثْمَان/ ص”٦٠" من طَرِيق المَسْعُودِيّ بِسَنَد الدَّارمِيّ بِمثلِهِ قَالَ الذَّهَبِيّ: "مَوْقُوف حسن"، وَفِي ص”٦٥" من طَرِيق آخر عَن ابْن مَسْعُود بِنَحْوِهِ، قَالَ الذَّهَبِيّ: "أخرجه ابْن بطة فِي الْإِبَانَة الْكُبْرَى بِسَنَد جيد". وَانْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِية ٤٠١/٦-٤٠٥، ٤١٥-٤١٧، والسيوطي فِي اللآلئ المصنوعة ٤٦٠/٢، والكناني فِي تَنْزِيه الشَّرِيعَة ٣٨٥/٢، والألباني فِي مُخْتَصر الْعُلُوّ ص"١٠٤". ١ فِي الأَصْل "ودلالاته" وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أوضح. ٢ فِي ط، س، ش "لَا هُوَ نَفسه". ٣ فِي الأَصْل "لم يمتوا" وَفِي بَقِيَّة النّسخ "يموتوا" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
الْكَرَامَاتِ مِنَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلًا فِي دَعْوَاكَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُمْ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ١، بل يحتجب عَنهُ؛ إِذْ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَرِسَالَاتِ نَبِيِّهِ، إِلَّا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا٢ إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ؛ إِذْ كُلُّ كَافِر ومنافق يَعْرِفُهُ يَوْمَئِذٍ بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ٣، فَمَا فَضْلُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ فِي هَذَا عَلَى الْكَافِرِ؟
ثُمَّ فَسَّرْتَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ٤: "أَنَّهُمْ٥ يَكُونُونَ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ" أَنَّ٦ ذَلِكَ تَقَرُّبٌ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ٧ الصَّالَحِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٨: "مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبْرًا تقربت مِنْهُ ذِرَاعًا" ٩.
وَيْلَكَ أَيُّهَا الْحَيْرَانُ! إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: "مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا" فِي الدُّنْيَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَا فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ عَنِ الْعباد١٠.
_________________
(١) ١ تقدم معنى الكافور فِي اللُّغَة ص"٧٤٤". ٢ فِي الأَصْل "نفس" وَصَوَابه النصب مَا فِي الْآيَة "١٥٨" من سُورَة الْأَنْعَام، وَلِأَنَّهَا مفعول بِهِ. ٣ ورد لفظ "وعلاماته" مكررًا فِي الأَصْل. ٤ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٥ فِي ش "إِنَّهُم" بِكَسْر همزَة إنَّ. ٦ فِي س "أَن" بِفَتْح همزَة إِن. ٧ فِي ط، س، ش "يقرب إِلَيْهِ الْعَمَل الصَّالح" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٨ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٩ تقدم تَخْرِيجه ص"٤٩٩". ١٠ فِي ط، س، ش "عَن الْعباد".
[ ٢ / ٧٤٦ ]
لَقَدْ تقلَّدت أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِنْ تَفَاسِيرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَشْيَاءَ لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَى مِثْلِهَا فَصِيحٌ وَلَا أَعْجَمِيٌّ١، وَلَوْ قَدْ عِشْتَ سِنِينَ لَقَلَبْتَ الْعَرَبِيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى٢.
ثُمَّ قُلْتَ: هَذَا٣ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ٤ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّجْوَى: "إِنَّهُ يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ ربِّه حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ ٥ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك الْيَوْم" ٦ قلت: فتفسير
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "لم يسبقك إِلَيْهَا فصيح وَلَا عجمي". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. قلت: وَمُرَاد الْمُؤلف أَن ذَلِك بِسَبَب كَثْرَة جداله ولبسه الْحق بِالْبَاطِلِ، وَمَا يموه بِهِ على كثير من النَّاس مِمَّا يكون سَببا فِي قلب الْحَقَائِق عَلَيْهِم. ٣ فِي، س، ش "وَهَذَا". ٤ ابْن عمر، تقدم ص"٢٤٥". ٥ فِي ط، س "حَتَّى يضع عَلَيْهِ كنفه"، وَفِي ش "كتفه" بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة، وَهُوَ تَصْحِيف جزم بِهِ جمع من الْعلمَاء كَمَا ذكر ابْن حجر فِي الْفَتْح ٤٧٧/١٣. ٦ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي/ كتاب التَّوْحِيد/ بَاب كَلَام الرب ﷿ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم/ حَدِيث ٧٥١٤، ٤٧٥/١٣ عَن صَفْوَان بن مُحرز: "أَن رجلا سَأَلَ ابْن عمر: كَيفَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يدنو أحدكُم مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُول: أعملت كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُول: نعم، وَيَقُول: عمل كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُول: نعم، فيقرره ثمَّ يَقُول: "إِنِّي سترت عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك الْيَوْم". وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه/ تَحْقِيق وترتيب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ الْمُقدمَة بَاب فِيمَا أنْكرت الْجَهْمِية حَدِيث ١٨٣، ٦٥/١ عَن ابْن عمر. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٧٤/٢، ١٠٥ عَن ابْن عمر أَيْضا =
[ ٢ / ٧٤٧ ]
"كَنَفِهِ"١: نِعْمَتُهُ وَسَتْرُهُ وَعَافِيَتُهُ، فَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ عَلَى السَّتْرِ مَعَ الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ وَالْمُنَاجَاةِ الَّتِي قَالَهَا النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنْتَ لِجَمِيعِهَا٢ مُنْكِرٌ وَعَلَى مَنْ آمن بهَا مغتاظ.
_________________
(١) = قلت: والكنف محركة فِي اللُّغَة: السّتْر والحرز، قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس ١٩٢/٣ مَادَّة "كنف": "أَنْت فِي كنف الله تَعَالَى -محركة- فِي حرزه وستره؛ وَهُوَ الْجَانِب والظل والناحية كالكنفة محركة، وَمن الطَّائِر جنَاحه". وَقَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح ٤٧٧/١٣ فِي شَرحه للْحَدِيث الْمَذْكُور: "وَقَوله: "فَيَضَع كنفه" بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون بعْدهَا فَاء، المُرَاد بالكنف السّتْر، وَقد جَاءَ مُفَسرًا بذلك فِي رِوَايَة عبد الله بن الْمُبَارك عَن مُحَمَّد بن سَوَاء عَن قَتَادَة، فَقَالَ فِي آخر الحَدِيث: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: كنفه "ستره" وَالْمعْنَى أَن تحيط بن عنايته الْأمة، وَمن رَوَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ المسكورة فقد صحف على مَا جزم بِهِ جمع من الْعلمَاء" بِتَصَرُّف. وَالصَّوَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة -وَالله أعلم- أَن الكنف صفة من صِفَات الله كَسَائِر صِفَاته لَا يعلم كيفيته إِلَّا هُوَ، فَهُوَ على ظَاهره دون تَأْوِيل كَمَا نقل ذَلِك ابْن حَامِد عَن الإِمَام أَحْمد. انْظُر: "بَيَان تلبيس الْجَهْمِية لِابْنِ تَيْمِية/ مخطوط. نُسْخَة ليدن لوحة ١٥". ١ فِي ش "كتفه" بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة وَهُوَ تَصْحِيف كَمَا أَشَرنَا لذَلِك قَرِيبا. ٢ فِي ط، س، ش "وَأَنت بجميعها".
[ ٢ / ٧٤٨ ]