ثُمَّ أَنْشَأْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ تَطْعَنُ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ، بَعْدَمَا صَدَّقْتَ بِهِ، وَعَرَفْتَ أَنَّهُ قَدْ قَالَهُ، ثُمَّ فَسَّرْتَهُ تَفْسِيرًا مُخَالِفًا لِتَفَاسِيرِ أَهْلِ الضَّلَالَة١، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ: "لَا تَزَالُ جَهَنَّمَ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ فتزوى ٢ قتقول ٣: قطّ قطّ" ٤.
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "أهل الصَّلَاة" وَلَعَلَّ الصَّوَاب الصّلاح. ٢ فِي س "فتنزوي" وَبِمَا فِي الأَصْل وَردت رِوَايَة الإِمَام أَحْمد. ٣ فِي ط، س، ش "وَتقول" وَبِمَا فِي الأَصْل وَردت رِوَايَة الإِمَام أَحْمد. ٤ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ - ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ - ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ حَدِيث ٧٣٨٤، ١٣/ ٣٦٩ عَن أنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظ: "لَا يزَال يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مزِيد؟ حَتَّى يضع فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضهَا إِلَى بعض ثمَّ تَقول: قد قد، بعزتك وكرمك وَلَا تزَال الْجنَّة تفضل حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا فيسكنهم فضل الْجنَّة". وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْجنَّة وَصفَة نعيمها وَأَهْلهَا، بَاب النَّار يدخلهَا الجباورن وَالْجنَّة يدخلهَا الضُّعَفَاء، أَحَادِيث ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٣٨ جـ٤ ص"٢١٨٦-٢١٨٨" عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس، وَفِي بَعْضهَا قَالَ: "لَا تَزَالُ جَهَنَّمَ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتقول: قطّ قطّ، بعزتك وكرمك، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا فيسكنهم فضل الْجنَّة". وَانْظُر: مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٣/ ١٣، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَيلقى فِي النَّار أَهلهَا، فَتَقول: هَل من مزِيد؟ قَالَ: ويلقى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ويلقى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَأْتِيهَا ﵎ فَيَضَع قدمه عَلَيْهَا فتزوي فَتَقول: قدي قدي " إِلَخ.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وَادَّعَيْتَ١ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ حَقٌّ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَكَ: أَنَّهَا لَا تَمْتَلِئُ٢ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ قَدَمَهُ فِيهَا، فَقُلْتَ: مَعْنَى "قَدَمَهُ" أَهْلُ الشِّقْوَةِ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ٣ بِبَاطِلِ زَعْمِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى٤: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ٥ قَالَ: "مَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ"٦.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فادعيت". ٢ فِي ش "أَنَّهَا تمتلئ" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ عبد الله بن عَبَّاس ﵁، تقدم ص"١٧٢". ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ سُورَة يُونُس، آيَة "٢". ٦ قَالَ الطبريي فِي تَفْسِيره: وَاخْتلف أهل التَّأْوِيل فِي معنى قَوْله ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾، فَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَن لَهُم أجرا حسنا بِمَ قدمُوا من الْأَعْمَال، وَقَالَ آخَرُونَ معنى ذَلِك أَن مُحَمَّدًا ﷺ شَفِيع لَهُم قدم صدق، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى القَوْل الأول عبد الله بن عَبَّاس، قَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ: حَدثنِي مُحَمَّد بن سعيد قَالَ: ثني أبي قَالَ: ثني عمي، قَالَ، ثني أبي، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس قَوْله: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَقُول: أجرا =
[ ١ / ٣٩٥ ]
فَقَدْ رَوَيْنَا أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَنِ الثِّقَاتِ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ١ ﵄ فِي تَفْسِيرِ الْقَدَمِ خِلَافَ مَا ادَّعَيْتَ من تأويلك هَذَا٢.
_________________
(١) = حسنا بِمَا قدمُوا من أَعْمَالهم، وَمن طَرِيق آخر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "سبقت لَهُم السَّعَادَة فِي الذّكر الأول". قَالَ ابْن جرير: "وَأولى هَذِه الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَول من قَالَ: مَعْنَاهُ: أَن لَهُم أعمالًا صَالِحَة يستوجبون بهَا من الثَّوَاب" انْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ، الطبعة الثَّانِيَة ١١/ ٥٨-٥٩. وَفِي تَفْسِير ابْن كثير ٢/ ٤٠٦ قَالَ: وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يُقَال: أجرا حسنا بِمَا قدمُوا، وَكَذَا الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس، وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم. وَفِي تنوير المقباس من تَفْسِير ابْن عَبَّاس للفيروآبادي ص"١٣" قَالَ: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ ثَوَاب خير، يُقَال: إِيمَانهم فِي قدم صدق فِي الْآخِرَة عِنْد رَبهم، وَيُقَال: أَن لَهُم نَبِي صدق، وَيُقَال: شَفِيع صدق". ١ تقدّمت تَرْجَمته ص"١٧٢". ٢ سَيَأْتِي مَا يدل على ذَلِك فِي بداية الْجُزْء الثَّانِي.
[ ١ / ٣٩٦ ]