وَرَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ١: "الرُّكْنُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهِ خَلْقَهَ"٢؛ فَرَوَى عَنْ هَذَا الثَّلْجِيِّ مِنْ غَيْرِ سَماع مِنْهُ أَنه قَالَ:
_________________
(١) ١عبد الله بن عَبَّاس ﵁، تقدم ص"١٧٢". ٢ أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه/ كتاب الْمَنَاسِك/ بَاب الرُّكْن من الْجنَّة/ حَدِيث ٨٩١٩، ٣٩/٥ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا: "الرُّكْن -يَعْنِي الْحجر- يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، يُصَافِحُ بهَا خلقه" إِلَخ. وَانْظُر أَيْضا: حَدِيث ٨٩٢٠ مَوْقُوفا =
[ ٢ / ٦٩٤ ]
يَمِينُ اللَّهِ نِعْمَتُهُ وَبَرَكَتُهُ وَكَرَامَتُهُ لَا يَمِينُ الْأَيْدِي.
فيُقال لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَنْفِيَ عَن الله بِهَذِهِ الضلالات يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ خَلَقَ بِهِمَا آدَمَ وَيْلَكَ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ! إِنَّ تَفْسِيرَهُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْنَا١ يَقِينًا أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ لَيْسَ بِيَدِ اللَّهِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ، وَلَكِنْ تَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَأَنَّ٢ الَّذِي يُصَافِحُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَسْتَلِمُهُ كَأَنَّمَا يُصَافِحُ اللَّهَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى٣: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٤.
_________________
(١) على ابْن عَبَّاس، وَفِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة/ تَحْقِيق مُحَمَّد الأعظمي/ كتاب الْمَنَاسِك/ بَاب ذكر الدَّلِيل على أَن الْحجر يشْهد لمن استلمه بِالنِّيَّةِ/ حَدِيث ٢٧٣٧٠، ٢٢١/٤ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعا فِي آخر بِلَفْظ: "وَهُوَ يَمِين الله يُصَافح بهَا خلقه" قَالَ الْمُحَقق: "إِسْنَاده ضَعِيف، عبد الله بن المؤمل ضَعِيف"، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات/ بَاب مَا ذكر فِي الْيَمين والكف/ ص"٣٣٣" وَقَالَ فِي إِسْنَاد الحَدِيث: ضَعِيف. وَأوردهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣٩٧/٦ وَقد سُئِل عَن حَدِيث "الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض" فَذكر أَنه رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَاد لَا يثبت، قَالَ: وَالْمَشْهُور إِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض، فَمن صافحه وقبَّله فَكَأَنَّمَا صَافح الله وقبَّل يَمِينه". وَذكره الألباني فِي سلسلة الْأَحَادِيث الضعيفة والموضوعة حَدِيث ٢٢٣، ٢٧٥/١ بِلَفْظ: "الْحجر الْأسود يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بهَا عباده" وَقَالَ عَنهُ: ضَعِيف. ١ فِي ط، ش "علمت". ٢ كَذَا فِي الأَصْل وس، وَفِي ط، ش "أَن الَّذِي" وَهُوَ أوضح. ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ سُورَة سُورَة الْفَتْح، آيَة "١٠". قلت: تكلم شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية على هَذَا الحَدِيث بعد أَن أوردهُ مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس فَقَالَ: "وَمن تدَّبر اللَّفْظ الْمَنْقُول تبيَّن لَهُ أَنه لَا إِشْكَال فِيهِ إِلَّا على من لم يتدبره، فَإِنَّهُ قَالَ: "يَمِين الله فِي الأَرْض" فقيده بقوله: "فِي الأَرْض" وَلم =
[ ٢ / ٦٩٥ ]
فَثَبَتَ١ لَهُ الْيَدُ الَّتِي هِيَ الْيَدُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُبَايَعَةِ، إِذْ سَمَّى الْيَدَ مَعَ الْيَدِ، وَالْيَدُ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ يَدِ السَّائِلِ" ٢ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ ٣ الْيَدُ الَّتِي هِيَ الْيَدُ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهَا الْمُتَصَدِّقُ فِي نفس يَد الله: وَكَذَا تَأْوِيلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، إِنَّمَا هُوَ إِكْرَامٌ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَعْظِيمٌ٤ لَهُ وتثبيت ليد الرَّحْمَن
_________________
(١) = يُطلق فَيَقُول: يَمِين الله، وَحكم اللَّفْظ الْمُقَيد يُخَالف حكم اللَّفْظ الْمُطلق". ثمَّ قَالَ: "فَمن صافحه وقبَّله فَكَأَنَّمَا صَافح الله وَقبل يَمِينه" وَمَعْلُوم أَن الْمُشبه غير الْمُشبه بِهِ، وَهَذَا صَرِيح أَن المصافح لم يُصَافح يَمِين الله أصلا، وَلَكِن شبه بِمن يُصَافح الله، فَأول الحَدِيث وَآخره يبين أَن الْحجر لَيْسَ من صِفَات الله كَمَا هُوَ مَعْلُوم عِنْد كل عَاقل، وَلَكِن يبين أَن الله تَعَالَى كَمَا جعل للنَّاس بَيْتا يطوفون بِهِ جعل لَهُم مَا يستلمونه، ليَكُون ذَلِك بِمَنْزِلَة تَقْبِيل يَد العظماء فَإِن ذَلِك تقريب للمقبل وتكريم لَهُ، كَمَا جرت الْعَادة، وَالله وَرَسُوله لَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا فِيهِ إضلال النَّاس؛ بل لابد من أَن يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ، فقد بَين لَهُم فِي الحَدِيث مَا يَنْفِي من التَّمْثِيل" بنصه من مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣٩٧/٦-٣٩٨. قلت: وَمن هُنَا يتَبَيَّن أَن الْيَمين فِي هَذَا الحَدِيث لَا يُراد بهَا حَقِيقَة الْيَمين الَّتِي هِيَ من صِفَات الله، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية حَيْثُ ذكر هَذَا الحَدِيث فِي مَوضِع آخر وَقَالَ: "لَو كَانَ هَذَا اللَّفْظ ثَابتا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ابْن تَيْمِية حَيْثُ ذكر هَذَا الحَدِيث فِي مَوضِع آخر وَقَالَ: "لوكان هَذَا اللَّفْظ ثَابتا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِن هَذَا اللَّفْظ صَرِيح فِي أَن الْحجر لَيْسَ هُوَ من صِفَات الله، إِذْ قَالَ: "هُوَ يَمِين الله فِي الأَرْض" فتقيده بِالْأَرْضِ يدل على أَنه لَيْسَ هُوَ يَده على الْإِطْلَاق، فَلَا يكون الْيَد الْحَقِيقَة إِلَى أَن قَالَ: وَإِذا كَانَ اللَّفْظ صَرِيحًا فِي أَنه جعل بِمَنْزِلَة الْيَمين لَا أَنه نفس الْيَمين كَانَ من اعْتقد أَن ظَاهره أَنه حَقِيقَة الْيَمين قَائِلا للكذب الْمُبين" انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٥٨٠/٦-٥٨١، وَانْظُر أَيْضا: تَأْوِيل الحَدِيث لِابْنِ قُتَيْبَة/ طبعة بيروت ص"١٤٥". ١ فِي ط، ش "فَتثبت". ٢ تقدم بِنَحْوِهِ ص"٢٨٨". ٣ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "فَثَبت بِهَذَا لله الْيَد". ٤ فِي س "وتعظيمًا" بِالنّصب، وَلَا مُوجب لَهُ هُنَا.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
وَيَمِينِهِ، لَا١ النِّعْمَةُ كَمَا ادَّعى الثَّلْجِيُّ٢ الْجَاهِلُ فِي تَأْوِيلِهِ، وَكَمَا يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ صَاحِبِ نَجْوَى مِنْ فَوْقِ٣ عَرْشِهِ، كَذَلِكَ يَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ.
وَكَذَلِكَ ادَّعَى الْجَاهِلُ الثَّلْجِيُّ٤ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، قَالَ: بِنِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَخَصَّهُ بِمَا خصَّ مِنْ كَرَامَاتِهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الْبَقْبَاقِ٥ النَّفَّاجِ٦: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَعْقِلُ شَيْئًا مِنْ وُجُوهِ الْكَلَامِ لَعَلِمْتَ أَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ مُحَالٌ مِنْ كَلَامٍ لَيْسَ لَهُ نِظَامٌ، وَيْلَكَ! وَأَيُّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ قِرْدٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ لَمْ يُنْعِمِ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي خَلْقِهِ إِذْ خَلَقَهُ حَتَّى خَصَّ بِنِعْمَتِهِ آدَمَ، وَمَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْخَلَائِقِ، وَأَيُّ مَنْقَبَةٍ لِآدَمَ فِيهَا إِذْ كُلُّ هَؤُلَاءِ خُلِقُوا بِنِعْمَتِهِ كَمَا خُلِقَ آدَمُ؟.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الثَّلْجِيِّ الْجَاهِلِ فِيمَا ادَّعَى فِي تَأْوِيلِ حَدِيث
_________________
(١) ١ فِي س "وَيَمِينه النِّعْمَة" وَلَعَلَّ "لَا" سَقَطت سَهوا. ٢ فِي ط، ش "ابْن الثَّلْجِي". ٣ فِي ط، س، ش "وَفَوق" بدل "من فَوق". ٤ فِي ط، ش "ابْن الثَّلْجِي". ٥ تقدم مَعْنَاهَا ص”٤٥٧". ٦ لم يعجم آخرهَا فِي الأَصْل وَلَعَلَّه سَهْو، وَفِي ط، ش "النفاج" بِالْجِيم وَهُوَ الَّذِي أثْبته، وَفِي س "النفاخ" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَقد تقدم مَعْنَاهُمَا ص"٤٥٧" وَكِلَاهُمَا مُحْتَمل، وَلَا يَسْتَقِيم الْمَعْنى بِكَوْنِهَا بِالْحَاء الْمُهْملَة؛ إِذْ النفّاح هُوَ النفاع الْمُنعم على الْخلق وَزوج الْمَرْأَة، كَمَا فِي الْقَامُوس للفيروز آبادي، انْظُر ٢٥٣/١ مَادَّة "نفح".
[ ٢ / ٦٩٧ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "الْمُقْسِطُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ١ وَكِلْتَا يَدَيْهَ يَمِينٌ" ٢.
فَادَّعَى الثَّلْجِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَأَوَّلَ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ تَأْوِيلِ الْغُلُولِيِّينَ أَنَّهَا يَمِينُ الْأَيْدِي، وَخَرَجَ مِنْ مَعْنَى الْيَدَيْنِ إِلَى النِّعَمِ يَعْنِي٣ بِالْغُلُولِيِّينَ أَهْلَ السُّنَّةِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ يَمِينَانِ، وَلَا٤ يُوصَفُ أَحَدٌ بِيَمِينَيْنِ، وَلَكِنْ يَمِينٌ وَشِمَالٌ بَزَعْمِهِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ٥: وَيْلَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ! إِنَّمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْيَدَيْنِ٦ فَقَالَ: "كِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ" إِجْلَالًا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا أَنْ يُوصَفَ بِالشِّمَالِ٧، ولولم يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: كِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهَذَا قَدْ جَوَّزَهُ النَّاسُ فِي الْخلق، فَكيف لَا يجوزه٨
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِين الرَّحْمَن". ٢ تقدم تَخْرِيجه ص”٢٨٨". ٣ فِي س "وَيَعْنِي". ٤ فِي ط، س، ش "فَلَا". ٥ هُوَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ. ٦ فِي ط، س، ش زِيَادَة فِي النَّص على مَا فِي الأَصْل، حَيْثُ قَالُوا: "إِنَّمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قد أطلق"، وَفِي س "قد أطلق على الَّتِي فِي مُقَابلَة الْيَمين الشمَال، وَلَكِن تَأْوِيله: وكلتا يَدَيْهِ يَمِين، أَي منزه عَن النَّقْص والضعف" وَفِي س "عَن النَّقْص فِي الضعْف"، وَفِي ش "عَن النَّقْص والضعف" كَمَا فِي أَيْدِينَا الشمَال من النَّقْص وَعدم الْبَطْش قَالَ: "كلتا يَدي الرَّحْمَن يَمِين". ٧ فِي ط، س، ش زِيَادَة "وَقد وصفت يَدَاهُ بالشمال واليسار، وَكَذَلِكَ لَو لم يجز إِطْلَاق الشمَال واليسار لما أطلق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ". ٨ فِي ط، س، ش "لَا يجوز".
[ ٢ / ٦٩٨ ]
الثَّلْجِيُّ١ فِي يَدَيِ٢ اللَّهِ أَنَّهُمَا٣ جَمِيعًا يَمِينَانِ؟، وَقَدْ سُمِّيَ مِنَ النَّاسِ ذَا الشِّمَالَيْنِ٤ فَجَازَ فِي دَعْوَى٥ الثَّلْجِيِّ٦ أَيْضًا خَرَجَ٧ ذُو الشِّمَالَيْنِ مِنْ مَعْنَى أَصْحَابِ الْأَيْدِي.
ثُمَّ ادَّعى الْجَاهِلُ٨ أَنَّ هَذَا مِنَ النِّعَمِ وَالْأَفْضَالِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
سأبكيك للدنا وَلِلْعَيْنِ إِنَّنِي رَأَيْتُ يَدَ الْمَعْرُوفِ بَعْدَكَ شُلَّتِ٩
وَيْلَكَ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ!، أتعلم بِوَجْه١٠ الْعَرَبيَّة ولغت الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بهَا مِنْك؟ هَذَا هَاهُنَا فِي الْمَعْرُوفِ جَائِزٌ فِي الْمَجَازِ١١، لَا
_________________
(١) ١، ٦ فِي ط، ش "ابْن الثَّلْجِي". ٢ فِي س "يَد الله" ويستقيم السِّيَاق بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي س "أَنَّهَا". ٤ ذُو الشمَال عُمَيْر بن عبد عَمْرو بن نَضْلَة الْخُزَاعِيّ حَلِيف بني زهرَة، يُقَال: اسْمَع عُمَيْر وَيُقَال: عَمْرو، وَيُقَال: عبد عَمْرو، ذكره مُوسَى بن عقبَة فِيمَن شهد بَدْرًا وَاسْتشْهدَ بهَا. انْظُر "الْإِصَابَة لِابْنِ حجر بتحقيق عَليّ البجاوي ٤١٤/٢، وَأسد الغابة ١٧٤/٢". ٥ فِي ط، س، ش "فَجَاز نفي دَعْوَى". ٦٧ كَذَا فِي الأَصْل وس، وَفِي ط، ش "وَخرج" والأنسب لوضوح الْمَعْنى أَن يُقَال: "خُرُوج ذِي الشِّمَالَيْنِ مِنْ مَعْنَى أَصْحَابِ الْأَيْدِي". ٨ فِي ط، س، ش "ثمَّ ادّعى الْجَاهِل أَيْضا". ٩ بعد هَذَا الْبَيْت زِيَادَة فِي ط، س، ش وَهِي: "نفس الْمَعْرُوف لَيْسَ لَهُ يَد وَإِنَّمَا الْمُعْطِي لَهُ يَد حَقِيقَة فَهِيَ الَّتِي تشل" وَبِه يزْدَاد الْمَعْنى وضوحًا، وَفِي ش "الْمَعَالِي" بدل "الْمُعْطِي" وَهُوَ غير وَاضح. قلت: وَالْبَيْت من قصيدة للكميت بن زيد الْأَسدي يرثى بهَا مُعَاوِيَة بن هَاشم ابْن عبد الْملك، ذكر ذَلِك أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه الأغاني/ تَصْحِيح أَحْمد الشنقيطي ١١١/١٥، وَانْظُر: شعر الْكُمَيْت بن زيد الْأَسدي/ جمع وَتَقْدِيم د. دَاوُد شلوم ١٤٧/١. ١٠ فِي ط، ش "بِوُجُوه". ١١ فِي ط، س، ش "جَائِز على الْمجَاز".
[ ٢ / ٦٩٩ ]
يَسْتَحِيلُ، وَفِي يَدَيِ١ اللَّهِ تَعَالَى٢ اللَّتَيْنِ يَقُولُ: "خَلَقْتُ بِهِمَا آدَمَ"٣ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُصْرَفَ٤ إِلَى غَيْرِ الْيَدِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ لَيْسَ لَهُ يَدَانِ، يَقْبِضُ بِهِمَا وَيَبْسُطُ، وَيَخْلُقُ وَيَبْطِشُ، فَيُقَالُ: يَدُ الْمَعْرُوفِ مَثْلًا، وَلَا يُقَالُ: فَعَلَ الْمَعْرُوفَ بِيَدَيْهِ٥ كَذَا، وَخَلَقَ بِيَدَيْهِ٦ كَذَا، وَكَتَبَ بِيَدَيْهِ٧ كَذَا، كَمَا يُقَالُ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ٨ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ٩ بِيَدِهِ، ذَلِك فِي سِيَاقِ الْقَوْلِ بَيِّنٌ مَعْقُولٌ، وَهَذَا فِي سِيَاقِ الْقَوْلِ بَيِّنٌ مَعْقُولٌ، مَنْ صَرَفَ مِنْهُمَا شَيْئًا١٠ إِلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ الْمَعْقُولِ جَهِلَ وَلم يعقل.
أَو لم يَكْفِكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ١١ كَثْرَةُ مَا نسب إِلَى اللَّهِ وَإِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ١٢ فِي نَفْيِ الْيَدَيْنِ عَنْهُ بِهَذِهِ الْأُغْلُوطَاتِ؟ وَمَا حسدتم أَبَاكُمَا١٣
_________________
(١) ١ فِي ش "يَد" بِالْإِفْرَادِ، وَصَوَابه التَّثْنِيَة بِدَلِيل مَا بعده. ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ يدل لذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سُورَة ص، آيَة "٧٥"] . ٤ لم يعجم أَولهَا فِي الأَصْل، وَفِي س "يصرف" ولعلها كَذَلِك، وَفِي ط ش "تَصرفا". ٥، ٦، ٧ فِي ط، س، ش "بِيَدِهِ". ٨ تقدّمت تَرْجَمته ص"١٧٧"، وَانْظُر فِي خلق الله آدم بِيَدِهِ: سُورَة ص، آيَة "٧٥". ٩ تقدم الْكَلَام على التَّوْرَاة وكتابتها ص"٢٦٣". ١٠ فِي س "شَيْء" وَصَوَابه النصب. ١١ فِي ط، س، ش "أَيهَا الثَّلْجِي" بدل "أَيهَا الْمعَارض". ١٢ فِي س "مَا نسبت إِلَى الله تَعَالَى وإمامك المريسي"، وَفِي ط، ش "مَا نسبت وإمامك المريسي إِلَى الله". ١٣ فِي الأَصْل "أبوكما" وَفِي ط، ش "أَبَاكُمَا" وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهُ مفعول بِهِ.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
آدم فِي خلقته١ بِيَدَيِ٢ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى٣ فِي صدركتابك٤ حَتَّى عُدْتَ لِأَقْبَحَ مِنْهَا فِي آخِرِ الْكِتَابِ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ يَدَيِ اللَّهِ اللَّتَيْنِ خَلَقَ بِهِمَا آدَمَ نِعْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ٥، فَامْتَنَّ عَلَى آدَمَ بِمَا رَكَّبَ فِيهِ.
وَيْحَكَ! وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لم يخلقه بقدرته، حَتَّى تمتن٦ عَلَى آدَمَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ؟ هَذَا مُحَالٌ لَا يَسْتَقِيمُ فِي تَأْوِيلٍ، بَلْ هُوَ أَبْطَلُ الْأَبَاطِيلِ.
وَأَشَدُّ مِنْهُ اسْتِحَالَةً مَا ادَّعَيْتَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ٧: "إِنَّ اللَّهَ خَمَّرَ طِينَةَ آدم ثمَّ خَلَقَهَا٨ بِيَدِهِ فَخَرَجَ كُلُّ طَيِّبٍ بَيَمِينِهِ، وَكُلُّ خَبِيثٍ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَى يَدَيْهِ بِالْأُخْرَى"٩ فَادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ١٠ لَهُ تَفْسِيرًا مِنْ قِبَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى آدَمَ بِنِعْمَتِهِ، كَانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ مُخَالِطَةً لِقُدْرَتِهِ، وَقَالَ بيدَيْهِ: ينعمته وَقُدْرَتِهِ، هَكَذَا.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: إِذَا خَلَطَ قُدْرَتَهُ بِنِعْمَتِهِ فَسَمَّاهَا يَدَيْهِ فِي
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "خلقته". ٢ فِي ط، س، ش "بيَدي الرَّحْمَن". ٣ لفظ "﵎" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ لم أَقف على اسْم كتاب الْمعَارض تبعا لعدم وُقُوفِي على اسْم الْمعَارض نَفسه. ٥ فِي ط، س، ش "قدرته وَنعمته". ٦ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "يمتن" وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى. ٧ تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٧٤". ٨ فِي ط، س، ش "خلطها". ٩ تقدم تَخْرِيجه ص"٢٧٤". ١٠ لفظ "أَن" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ٢ / ٧٠١ ]
دَعْوَاكَ، فَمَا بَالُ هَذِهِ الْمِنَّةِ وُضِعَتْ عَلَى آدَمَ١ مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ٢ وَكُلُّ الْخَلْقِ فِي نِعْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إِذْ كُلُّ٣ خَلْقٍ فِي دَعْوَاكَ٤ بِنِعْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا بِيَدَيْهِ؟، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَخْلِطَ الْقُدْرَةَ بِالنِّعْمَةِ، وَالْقُدْرَةُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَالنِّعْمَةُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ؟ هَذَا كَلَامٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ عَاقِلٍ، وَمَا يُوَفَّقُ لِمِثْلِهِ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ.
ثُمَّ رَوَيْتَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ٥ كَذِبًا أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى٦: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٧ قَالَ: "نِعَمُ اللَّهِ"٨ فَعَمَّنْ٩ رَوَيْتَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ؟ فَاكْشِفْ عَنْ رَأْسِهِ، فَإِنَّكَ لَا تَكْشِفُ عَنْ ثِقَةٍ.
وَقَدْ أَكْثَرْنَا النَّقْضَ عَلَيْكَ وَعَلَى إِمَامِكَ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ١٠ فِي تَفْسِيرِ الْيَدِ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا١١، غَيْرَ أَنَّكَ أَعَدْتَهَ فِي آخر الْكتاب فأعدناها١٢.
_________________
(١) ١ تقدّمت تَرْجَمته ص"١٧٧". ٢ فِي ط، س، ش "الْخلق" ٣ فِي الأَصْل "إِذْ كلا" وَفِي س "ان كلا" وَلم تهمز "إِن" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، ش وَهُوَ الصَّوَاب، وَلَا حَاجَة لنصبها بعد "إِذْ" لِأَنَّهَا فِي مَحل رفع مُبْتَدأ. ٤ فِي ش "هم فِي دعواك". ٥ الْحسن الْبَصْرِيّ، تقدم ص"٢٢٧". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ سُورَة الْفَتْح، آيَة "١٠". ٨ هَذَا من دَعْوَى الْمعَارض على أبي الْحسن ﵁، وَيَكْفِي فِي رده توهين الدَّارمِيّ ﵀ لَهُ. ٩ فِي س "معن من". ١٠ فِي ط، ش "وَابْن الثَّلْجِي". ١١ انْظُر من ص"٢٣٠-٢٩٩". ١٢ فِي ط، ش "فأعدنا هُنَا"، وَفِي س "فأعدنا هَذَا".
[ ٢ / ٧٠٢ ]