وَادَّعَيْتَ أَيْضًا أَنَّ الزَّنَادِقَةَ١ قَدْ وَضَعُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْحَدِيثِ٢ رَوَّجُوهَا عَلَى رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَأهل الْغَفْلَة مِنْهُم.
دَعْوَى الْمعَارض أَن الزَّنَادِقَة وَضَعُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ روجوها على أهل الحَدِيث
فيُقال لَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: مَا أَقَلَّ بَصَرَكَ بِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَتِهِ٣، وَلَوْ وَضَعَتِ الزَّنَادِقَةُ٤اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ٥ مَا تَرُوجُ٦ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْبَصَرِ بِالْحَدِيثِ مِنْهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَلَا تَقْدِيمُ كَلِمَةٍ، وَلَا تَأْخِيرُهَا، وَلَا تَبْدِيلُ إِسْنَادٍ مَكَانَ إِسْنَادٍ، وَلَوْ قَدْ صَحَّفُوا عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثٍ لَاسْتَبَانَ ذَلِكَ عِنْدهم ورد فِي نحورهم.
_________________
(١) ١، ٤ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص”٥٣١". ٢ سبق ذكر هَذِه الدَّعْوَى وَالرَّدّ عَلَيْهَا ص”٦٣٩". ٣ الجهابذة، تقدم مَعْنَاهَا ص”٤٣١". ٥ فِي ط، ش "حَدِيث" وَهُوَ الصَّوَاب، وَفِي الأَصْل وس "حَدِيثا". ٦ فِي ط، س، ش "مَا راج".
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وَيْلَكَ! هَؤُلَاءِ يَنْتَقِدُونَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ تَقْدِيمَ١ رَجُلٍ مِنْ تَأْخِيرِهِ، وَتَقْدِيمَ كَلِمَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهَا، وَيُحْصُونَ عَلَيْهِمْ أَغَالِيطَهُمْ وَمُدَلَّسَاتِهِمْ، أَفَيَجُوزُ لِلزَّنَادِقَةِ٢ عَلَيْهِمْ تَدْلِيسٌ؟ إِذْ هُمْ فِي الْغَفْلَةِ مِثْلُ زُعَمَائِكَ هَؤُلَاءِ ضَرْبُ الْمَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِ٣، إِذْ هُمْ دَلَّسُوا عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٤ "أَنَّ٥ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ" فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ٦ فَهُوَ هَذَا؛ لِأَنَّ٧ فِيهِ تَعْطِيلَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، لِأَنَّ شَيْئًا لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ فَهُوَ لَا شَيْءَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الزَّنَادِقَةِ٨؛ فَقَدْ رَوَّجُوهُ، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى٩، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى١٠: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١١ فَأَخْبَرَ أَنَّ مُوسَى١٢ أَدْرَكَهُ١٣ مِنْهُ الْكَلَامُ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْحَوَاسِّ، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ يُدْرِكُونَ مِنْهُ بالحواس١٤ النّظر
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "بِتَقْدِيم". ٢، ٦، ٨ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص”٥٣١". ٣ فِي ط، س، ش "ونظرائهم". ٤ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، تقدم ص”١٧٢". ٥ فِي ش "إِن" بِكَسْر الْهمزَة. ٧ فِي ط، ش "فَإِن". ٩، ١٠ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ١١ سُورَة النِّسَاء، آيَة "١٦٤". ١٢ مُوسَى ﵇، تقدم ص”١٥٥". ١٣ فِي ط، س، ش "أدْرك" وَهُوَ أوضح. ١٤ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، ش "يدركونه بالحواس"، وَفِي س "يدركون الْحَواس".
[ ٢ / ٦٨٣ ]
إِلَيْهِ١، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى٢: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣ وَالنَّظَر أحد الْحَواس، وَقَالَ: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٥ رَوَاهُ عَنْهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ٦، فَهَلْ مِنْ حَوَاسَّ أَبْيَنَ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ؟ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ هَذَا مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ رَوَّجُوهُ عَلَى الْمَرِيسِيِّ وَتُرَوِّجُهُ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ عَلَى٧ مَنْ حَوَالَيْكَ مِنَ الْجُهَّالِ، وَمَا أَخَالُكَ إِلَّا وَسَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّنَادِقَةِ٨ عَلَى أَهْلِ الْعَلْمِ بِالْحَدِيثِ تَدْلِيسٌ، غَيْرَ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَهْجُرَ٩ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ، وَتُزْرِي بِهِمْ مِنْ أَعْيُنِ مَنْ حَوَالَيْكَ مِنَ السُّفَهَاءِ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ كَيْمَا يَرْتَابَ فِيهَا جَاهِلٌ فَيَرَاكَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ، فَدُونَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فَأَوْجِدْنَا١٠ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ دَلَّسُوهَا على
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "بِالنّظرِ إِلَيْهِ" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ سُورَة الْقِيَامَة، آيَة "٢٢-٢٣". ٤ الْآيَة من سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١٤٧"، وَفِي ط، ش: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، وَهِي من سُورَة آل عمرَان، آيَة "٧٧"، وَفِي س: ﴿لايُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ وصواب الْآيَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي سُورَة آل عمرَان. ٥ تقدم تَخْرِيجه ص"١٥٧". ٦ فِي ط، س، ش "رَوَاهُ عدي بن حَاتِم عَنهُ" قلت: انْظُر تَرْجَمته ص١٥٦". ٧ فِي ط، س، ش طقلنا: إِن هَذَا مِمَّن حواليك من الْجُهَّال" ويتضح الْمَعْنى بِزِيَادَة الأَصْل. ٨ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٩ فِي ط، س، ش "تهجن" بالنُّون، انْظُر مَعْنَاهَا ص"٦٣٩". ١٠ فِي ط، س، ش "فَمَا وجدنَا" وَمَا فِي الأَصْل أوضح.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَوْجَدْنَاكَ١ مِمَّا دلسوا على إمامك المريسي، أوجرب أَنْتَ فَدَلِّسْ عَلَيْهِمْ مِنْهَا عَشَرَةً، حَتَّى تَرَاهُمْ كَيْفَ يَرُدُّونَهَا فِي نَحْرِكَ.
وَكَيْفَ دَلَّسَ الزَّنَادِقَةُ٢ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَلَمْ يَبْلُغْ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ اثْنَيْ٣ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ، بِغَيْرِ تِكْرَارٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؟ إِذًا رِوَايَاتُهُمْ كُلُّهَا مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ٤ فِي دَعْوَاكَ.
وَرَوَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ عَنْ حَرِيز بْنِ عُثْمَانَ٥ عَنْ شَبِيبٍ أَبِي رَوْحٍ٦
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "كَمَا وجدنَا" وَفِي س "كَمَا وجدناك". ٢، ٤ الزَّنَادِقَة، تقدما ص”٥٣١". ٣ فِي الأَصْل "اثْنَا عشر" بِالرَّفْع، وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، س، ش وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهَا مفعول بِهِ ليبلغ، وَلَا يَسْتَقِيم تعلقهَا "بروي" وَفِي س "اثْنَي عشرحديث" وَظَاهر أَن لَفْظَة "ألف"سَقَطت. قلت: وَعبارَة الدَّارمِيّ ﵀ لَا تفِيد الْجَزْم بِأَن الْأَحَادِيث المروية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ محصورة بِهَذَا الْعدَد، وَلم أَقف فِيمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من كتب عُلُوم الحَدِيث على من قَالَ بحصرها، غير أَنِّي سَأَلت الشَّيْخ الْفَاضِل عبد الرَّزَّاق عفيفي عَن هَذَا القَوْل فَأجَاب بِأَن هَذَا اجْتِهَاد مِنْهُ فِي الْحصْر، وَلَا يلْزم مِنْهُ الْقطع، وَيَقُول الشَّيْخ عبد الفتاح أَبُو غُدَّة: إِن هَذَا الْحصْر صَحِيح على جِهَة التَّقْرِيب بِالنّظرِ إِلَى عدم التّكْرَار، وَالله أعلم. ٥ فِي ط، س، ش "جرير" بِالْجِيم ثمَّ رَاء وياء وَآخره رَاء، وَلم تعجم حُرُوفه فِي الأَصْل، وَالَّذِي أرجح أَن اسْمه "حريز" بِالْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ رَاء وَآخره زَاي، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١٥٩/١: حريز بِفَتْح أَوله وَكسر الرَّاء وَآخره زَاي: ابْن عُثْمَان الرَّحبِي بِفَتْح الرَّاء والحاء الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة، الْحِمصِي، ثِقَة ثَبت، رمي بِالنّصب، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٦٣ وَله ٨٣ سنة/ خَ وَالْأَرْبَعَة، وَانْظُر: الكاشف للذهبي ٢١٤/١، وَالْخُلَاصَة ص”٧٥". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٣٤٦/١: شبيب بن نعيم، أَبُو روح، ثِقَة، من الثَّالِثَة، أَخطَأ مَنْ عدَّه من الصَّحَابَة/ د س، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٤/٢-٥ أَنه روى عَن أبي هُرَيْرَة والأغر وَعنهُ سِنَان بن قيس وحريز بن عُثْمَان.
[ ٢ / ٦٨٥ ]