ثُمَّ عَادَ الْمُعَارِضُ إِلَى أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى١ ثَانِيَةً فَادَّعَى أَنَّهَا محدثة
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
كُلَّهَا؛ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ هِيَ أَلْفَاظٌ، ولايكون لَفْظٌ إِلَّا مِنْ لَافِظٍ، إِلَّا أَنَّ مِنْ مَعَانِيهَا مَا هِيَ قَدِيمَةٌ وَمِنْهَا حَدِيثَةٌ.
وَقَدْ فَسَّرْنَا لِلْمُعَارِضِ تَفْسِيرَ أَسْمَاءِ اللَّهِ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا١، وَاحْتَجَجْنَا عَلَيْهِ بِمَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَمْ نُحِبَّ٢ إِعَادَتَهَا هَاهُنَا ليطول بِهِ٣ الْكتاب، غيرأن قَوْلَهُ: هِيَ "لَفْظُ اللَّافِظِ"٤ يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ ابْتِدَاعِ الْمَخْلُوقِينَ بِأَلْفَاظِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ٥ لَا يَلْفِظُ بِشَيْءٍ فِي دَعْوَاكَ٦، وَلَكِنْ وَصْفَهُ بِهَا الْمَخْلُوقُونَ٧، فَكُلَّمَا حَدَثَ لِلَّهِ فِعْلٌ فِي دَعْوَاهُ أَعَارَهُ الْعِبَادُ اسْمَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ سَمَّوْهُ خَالِقًا، وَحِينَ رَزَقَ سَمَّوْهُ رَازِقًا، وَحِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَلَكَهُمْ سَمَّوْهُ مَالِكًا، وَحِينَ فَعَلَ الشَّيْءَ سَمَّوْهُ فَعَّالًا.
وَلِذَلِكَ٨ قَالُوا: مِنْهَا حَدِيثَةٌ وَمِنْهَا قَدِيمَةٌ، فَأَمَّا قَبْلَ الْخَلْقِ فَبِزَعْمِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى٩ اسْمٌ١٠، وَكَانَ كَالشَّيْءِ الْمَجْهُولِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ وَلَا
_________________
(١) ١ انْظُر: "بَابُ الْإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَنَّهَا غير مخلوقة "ص١٥٨". ٢ فِي ط، ش "ليطول بهَا". ٣ فِي ط، ش "ليطول بهَا". ٤ فِي س "لَفْظَة اللافظ". ٥ فِي ط، س، ش "لِأَن الله تَعَالَى". ٦ فِي ط، س، ش "فِي دَعْوَاهُ". ٧ فِي الأَصْل "المخلوقين" وَصَوَابه الرّفْع. ٨ فِي ط، س، ش "وَكَذَلِكَ". ٩ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ فِي س "اسْما" وَصَوَابه الرّفْع، وَفِي ط، ش "أَسمَاء".
[ ٢ / ٨٤١ ]
يدْرِي ماهوحتى حَدَثَ الْخَلْقُ فَأَحْدَثُوا١ أَسْمَاءَهُ، وَلَمْ يَعْرِفِ اللَّهُ فِي دَعْوَاهُمْ لِنَفْسِهِ اسْمًا٢ حَتَّى خَلَقَ الْخَلْقَ فَأَعَارُوهُ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَيَقُولُ: ﴿أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ ٣، وَ"أَنَا اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ"٤، و﴿أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ ٥، فَنَفَوْا كُلَّ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ٦ مَعَ نَفْيِ الْكَلَامِ عَنْهُ، حَتَّى ادَّعى جَهْمٌ٧ أَنَّ رَأْسَ مِحْنَتِهِ نَفْيُ الْكَلَامِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى٨ فَقَالَ: مَتَى نَفَيْنَا عَنْهُ الْكَلَامَ، فَقَدْ نَفَيْنَا عَنْهُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ، مِنَ النَّفْسِ وَالْيَدَيْنِ، وَالْوَجْهِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا لِذِي نَفْسٍ وَوجه وَيَد وَسمع وَبَصَرٍ، وَلَا يَثْبُتُ كَلَامٌ لِمُتَكَلِّمٍ إِلَّا مَنْ٩ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ. وَكَذَبَ جَهْمٌ وَأَتْبَاعُهُ فِيمَا نَفَوْا عَنْهُ١٠ مِنَ الْكَلَامِ، وَصَدَقُوا فِيمَا ادَّعَوْا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْكَلَام إِلَّا لمن
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فأحدثوا لَهُ". ٢ فِي ش "أَسمَاء". ٣ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٣٠". ٤ لَيْسَ مَا ذكر آيَة من الْقُرْآن، وَلَعَلَّه أَرَادَ مَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . ٥ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١٦٠"، وَفِي ط، س، ش "أَنا الله التواب الرَّحِيم" وصواب الْآيَة مَا فِي الأَصْل. ٦ لفظ "عزوجل" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٧ جهم بن صَفْوَان، تقدم ص"١٤٧". ٨ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٩ فِي ط، س، ش "من قد اجْتمعت". ١٠ فِي ط، ش "عَنهُ تَعَالَى".
[ ٢ / ٨٤٢ ]
اجْتمعت فِي هَذِهِ الصِّفَاتُ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِي اللَّهِ١ عَلَى رَغْمِ أَعْدَاءِ اللَّهِ٢ وَإِنْ جَزَعُوا مِنْهُ، بِلَا تَكْيِيفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ. وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَسْمَائِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُرْسَلِ، وَوَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ. وَقَوْلُهُ وَوَصْفُهُ٣ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، عَلَى رَغْمِ الْجَهْمِيَّةِ٤ غَيْرَ أَنَّ الْوَصْفَ مِنَ اللَّهِ٥ عَلَى لَوْنَيْنِ: أَمَّا مَا وَصَفَ بِهِ نَفسه فالوصف والواصف٦ غيرمخلوق، وَأَمَّا مَا وَصَفَ بِهِ خَلْقَهُ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَالشَّجَرِ، وَالْجِنّ وَالْإِنْس والأنعام وسائرالخلائق، فَالْوَصْفُ مِنْهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْمَوْصُوفَاتُ مخلوقات٧ كلهَا.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فِي الله تَعَالَى". ٢ فِي ط، س، ش "أَعدَاء الله تَعَالَى". ٣ فِي ط، ش "وَصفته". ٤ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٥ فِي ط، ش "لوصف الله". ٦ فِي الأَصْل "فالواصف والواصف" ويتضح الْمَعْنى بِمَا أثبتنا. ٧ فِي ط، ش "مخلوقةكلها".
[ ٢ / ٨٤٣ ]