وادَّعى الْمُعَارِضُ أَيْضًا زُورًا عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه﴾ ١ قَالَ: يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْجَنْبَ الَّذِي هُوَ الْعُضْوُ وَلَيْسَ عَلَى مَا يتوهَّمونه.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: مَا أَرْخَصَ الْكَذِبَ عِنْدَكَ، وأخفَّه عَلَى لِسَانِكَ. فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ فَأَشِرْ بِهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ قَالَهُ، وَإِلَّا فَلِمَ تشنَّع بِالْكَذِبِ عَلَى قَوْمٍ هـ أَعْلَمُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مِنْكَ، وَأَبْصَرُ بِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ مِنْكَ، وَمِنْ إِمَامِكَ؟ إِنَّمَا تَفْسِيرُهَا عِنْدَهُمْ، تَحَسُّرُ الْكفَّار على مَا فرطو فِي الْإِيمَانِ وَالْفَضَائِلِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى ذَاتِ اللَّهِ٢ وَاخْتَارُوا عَلَيْهَا الْكُفْرَ وَالسُّخْرِيَةَ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، فَسَمَّاهُمُ السَّاخِرِينَ٣ فَهَذَا تَفْسِيرُ الْجَنْبِ عِنْدَهُمْ. فَمَا٤ أَنْبَأَكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: جَنْبٌ مِنَ الْجُنُوبِ؟ فَإِنَّهُ لَا يَجْهَلُ٥ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ٦ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، فَضْلًا عَنْ عُلَمَائِهِمْ، وَقَدْ
_________________
(١) ١ سُورَة الزمر، آيَة "٥٦". ٢ فِي ط، س، ش "ذَات الله تَعَالَى". ٣ فِي الأَصْل وس "الساخرون" بِالرَّفْع، وَصَوَابه النصب لِأَنَّهَا مفعول بِهِ ثَان للْفِعْل سمَّى. ٤ فِي ط، س، ش "فَمن". ٥ فِي ط، س، ش "فَإِنَّهُ يجهل" بالإثبات، وَمَا فِي الأَصْل أنسب للسياق. ٦ فِي الأَصْل "كثيرا" بِالنّصب، وَصَوَابه الرّفْع؛ لِأَنَّهُ فَاعل يجهل.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ١ ﵁: "الْكَذِبُ مُجَانِبُ الْإِيمَانِ"٢ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣: "لَا يَجُوزُ مِنَ الْكَذِبِ جد وَلَا هزل"٤،
_________________
(١) ١ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، تقدم ص"٢٦٩". ٢ أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب جـ٥/١ مَوْقُوفا على أبي بكر فِي آخِره بِلَفْظ: "يَا أَيهَا النَّاس، إيَّاكُمْ وَالْكذب، فَإِن الْكَذِب مُجَانب للْإيمَان"، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه/ تَحْقِيق مُخْتَار الندوي/ كتاب الْأَدَب/ مَا جَاءَ فِي الْكَذِب/ الْأَثر رقم ٥٦٥٤، ٥٩٢/٨ بِسَنَدِهِ عَن قيس قَالَ: قَالَ أَبُو بكر: "إيَّاكُمْ وَالْكذب فَإِنَّهُ مُجَانب للْإيمَان". وَأوردهُ ابْن أبي شيبَة فِي الْإِيمَان/ تَحْقِيق وَتَخْرِيج الألباني/ ص"٨٥" من غير إِسْنَاد مَوْقُوفا على أبي بكر، قَالَ الألباني: "أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده ٥/١ مَوْقُوفا على أبي بكر بِسَنَد صَحِيح". وَقَالَ العجلوني فِي كشف الخفاء ١٠٨/٢: "رَوَاهُ ابْن عدي عَن أبي بكر مَرْفُوعا وَهُوَ ضَعِيف، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل: رَفعه بَعضهم وَوَقفه آخَرُونَ وَهُوَ أصح". ٣ لفظ "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش، وَقد تقدّمت تَرْجَمته ص"١٩٠". ٤ فِي س "جدا وَلَا هزلا". قلت: وَهَذَا المأثورعن ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد/ ط. الثَّانِيَة/ بَاب لَا يصلح الْكَذِب/ برقم ٣٨٧ ص"١٤٠" بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "لَا يصلح الْكَذِب فِي جد وَلَا هزل". وَأخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص ١٢٧/١ بِسَنَدِهِ عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله، رفع الحَدِيث إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: "إِن الْكَذِب لَا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌّ وَلَا هزل.." إِلَخ، قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد على =
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ١: "مَنْ كَانَ كَذَّابًا فَهُوَ مُنَافِقٌ"٢ فَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ٣ مِنْهُم.
_________________
(١) = شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَإِنَّمَا تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَات بتوقيف أَكثر هَذِه الْكَلِمَات، فَإِن صحَّ سَنَده فَإِنَّهُ صَحِيح على شَرطهمَا وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه/ تَحْقِيق وَتَخْرِيج حبيب الرَّحْمَن الأعظمي/ برقم ٢٠٠٧٧، ١١٦/١١ عَن ابْن مَسْعُود فِي أَثْنَائِهِ. وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه/ تَحْقِيق مُخْتَار الندوي/ كتاب الْأَدَب، مَا جَاءَ فِي الْكَذِب/ برقم ٥٦٥٣، ٥٩١/٨ عَن أبي البخْترِي عَن عبد الله بِهِ. ١ الشّعبِيّ، تقدم ص”١٦٨". ٢ أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه/ تَحْقِيق وطبع مُخْتَار الندوي/ كتاب الْأَدَب/ بَاب مَا جَاءَ فِي الْكَذِب/ برقم ٥٩٢/٨ عَن مُحَمَّد بن بشر، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد قَالَ: "ذكر عِنْد عَامر أَن الْمُنَافِق الَّذِي إِذا حدَّث كذب فَقَالَ عَامر: لَا أَدْرِي مَا تَقولُونَ؟ إِن كَانَ كذابا فَهُوَ مُنَافِق". ٣ فِي س "أَن لَا تكون مِنْهُم".
[ ٢ / ٨٠٩ ]