فَأَقْصِرْ أَيُّهَا الرَّجُلُ مِنْ١ طَعْنِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرِّوَايَاتِ فَإِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عِنْدَ الْأُمَّةِ فِي مَوْضِعِ الْجَرْحِ كَمَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ٢ -وَلَيْسُوا كَذَلِكَ- مَا كَانَتْ لَكَ حُجَّةٌ عَلَى أَلْفٍ سِوَاهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَا تَجِدُ٣ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا يَغِيظُكَ. وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ شَهَادَاتِ الْعُدُولِ إِذَا شَهِدَ مَعَهُمْ مَنْ لَيْسَ٤ بِعَدْلٍ لَا يَسْقُطُ٥. وَلَا يُجْعَلُ مَثَلُ السَّوْءِ بِأَصْحَابِ٦ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّهُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ عُدُولٌ، يُؤتمنون عَلَى عهد
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "عَن طعنك". ٢ لفظ "عَلَيْهِم" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي س "لَا يجد" ٤ فِي س "مَا لَيْسَ" ٥ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "لَا تسْقط" وَهُوَ أوضح فِي بَيَان المُرَاد. ٦ فِي ط، س، ش "لأَصْحَاب".
[ ٢ / ٦٣٦ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالْمَجْرُوحُ مَنْ جَرَحَهُمْ، وَلَا يُزَيَّفُ مِائَةُ أَلْفِ حَدِيثٍ مَشْهُورَةً مَحْفُوظَةً مَأْثُورَةً عَنِ الثِّقَاتِ إِذْ١ وُجِدَ فِيهَا مِائَةُ حَدِيثٍ مُنْكَرَةً، وَيُجْرَحُ أَلْفُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ وَالْحِفْظِ فِي الرِّوَايَةِ إِذْ٢ وُجِدَ فِيهِمْ عِشْرُونَ رَجُلًا يُنْسَبُونَ إِلَى الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ وَقِلَّةِ الْإِتْقَانِ؛ فَارْبَحِ الْعَنَاءَ فِيمَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ شِفَاءٌ. وَكَمَا لَا يُبَهْرَجُ٣ مِائَةُ دِينَارٍ إِذَا٤ وُجِدَ٥ دِينَارَانِ زَائِفَانِ٦ وَلَا نَحْكُمُ٧ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ٨ بِالْجَرْحِ إِذْ وُجِدَ٩ فِيهِمْ مجروحان، وَلَكِن نزيف١٠ الزائف مِنْهَا١١ وَنُرَوِّجُ١٢ الْمُنْتَقَدَةَ١٣.
فَمَا تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْعَمَايَاتِ وَالْأُغْلُوطَاتِ الَّتِي لَا تُجْدِي عَلَيْكَ شَيْئًا؟ فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْآثَارِ بِخُرَافَاتِكَ هَذِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَذْهَبُ فِيهِ مَا
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "إِذا". ٢ فِي ط، ش "أَن". ٣ فِي ط، س، ش "لَا يتبهرج". ٤ فِي س "إِذا". ٥ فِي ط، ش "وجد فِيهَا". ٦ من الزيف. انْظُر مَعْنَاهَا ص"٤٣١". ٧ فِي ط، س، ش "وَلَا يحكم". ٨ فِي ط، س، ش "من الْمُسلمين". ٩ فِي ط، س، ش "إِذا وجد". ١٠ فِي ط، س، ش "يزيف". ١١ لفظ "مِنْهَا" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ١٢ فِي ط، س، ش "ويروج". ١٣ فِي ط، ش "المنقدة" من النَّقْد ضد الزيف، وَانْظُر مَا نَقَلْنَاهُ فِي مَعْنَاهَا ص"٤٣٢".
[ ٢ / ٦٣٧ ]
تَأَوَّلْتَ لَحَرُمَ١ طَلَبُ الْعِلْمِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَكَانَ يَدُلُّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" ٢ أَنَّ تَرْكَهُ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: "تَضَعُ الْمَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يطْلب" ٣
_________________
(١) ١ فِي س "يحرم". ٢ الحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه/ تَحْقِيق مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ الْمُقدمَة بَاب فضل الْعلمَاء والحث على طلب الْعلم/ حَدِيث ٢٢٤، ٨١/١ بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره، وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير/ تَصْحِيح عبد الرَّحْمَن عُثْمَان ١٦/١، وَابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم ٨/١-١١ من طرق، وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية ط. الثَّانِيَة ٢٢٣/٨. قلت: وَمثل بِهِ ابْن الصّلاح للمشهور الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيح. انْظُر: عُلُوم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح ص"٢٣٩"، وَذكر السخاوي أَن الْمزي قَالَ: "إِن طرقه تبلغ دَرَجَة الْحسن". وَقَالَ السندي: "رَأَيْت لَهُ نَحْو خمسين طَرِيقا" انْظُر: حَاشِيَة السندي على ابْن مَاجَه ٩٩/١، وَانْظُر بسط الْكَلَام فِي تَخْرِيجه فِي الْمَقَاصِد الْحَسَنَة ص"٢٧٥-٢٧٧"، والغماز على اللماز/ بتحقيق وَتَخْرِيج مُحَمَّد السلَفِي ص"٨٤"، وكشف الخفاء للعجلوني ٤٣/٢-٤٥. ٣ الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه/ إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد كتاب الْعلم/ بَاب الْحَث على طلب الْعلم/ حَدِيث ٣٦٤١، ٥٧/٤-٥٨ عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا بِلَفْظ "من سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما سلك الله بِهِ طَرِيقا من طرق الْجنَّة، وَإِن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رضَا لطَالب الْعلم، وَإِن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْحِيتَان فِي جَوف المَاء إِلَخ"، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي سنَنه/ تَعْلِيق عزت الدعاس/ أَبْوَاب الْعلم/ بَاب مَا جَاءَ فِي فضل الْفِقْه على الْعِبَادَة/ حَدِيث ٢٦٨٣، ٣٢٤/٧-٣٢٥ عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه/ تَرْتِيب مُحَمَّد فؤاد/ الْمُقدمَة بَاب فضل الْعلمَاء والحث على طلب الْعلم/ حَدِيث ٢٢٣، ٨١/١ عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٢٣٩/٤-٢٤١ مكررًا عَن صَفْوَان بن عَسَّال مَرْفُوعا، و١٩٦/٥ عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
أَنَّهَا تَضَعُهُمَا سَخَطًا بِمَا طَلَبَ، وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: "يَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ" ١ أَنَّهَا٢ تَلْعَنُهُ وَتَدْعُو عَلَيْهِ، فَيَنْقَلِبُ فِي دَعْوَاكَ مَعَانِي الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَالْمَعْرُوفِ إِلَى الْمُنْكَرِ، وَقَدْ عَلِمْنَا٣ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يعنِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ عَمَايَاتِ أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ الْمَقَايِيسِ، وَلَكِنْ عَنَى بِهِ مَا يُؤثر عَنهُ.
أوَ لَيْسَ قَدِ ادَّعَيْتَ أَنَّ الزَّنَادِقَةَ٤ قَدْ وضعو اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ دَلَّسُوهَا عَلَى الْمُحَدِّثِينَ٥؟ فَدُونَكَ أَيُّهَا النَّاقِدُ الْبَصِير الْفَارِس التَّحْرِير٦ فأوجدوها مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا فَلِمَ تُهَجِّنُ٧ الْعلم
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "حَتَّى الْحُوت فِي المَاء" وَبِهِمَا جَاءَ لَفظه، وَهُوَ قِطْعَة من الحَدِيث الْمُتَقَدّم تَخْرِيجه قبله من طَرِيق أبي الدَّرْدَاء. ٢ فِي ط، س، ش "إِنَّمَا". ٣ فِي ط، ش "علمت". ٤ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٥ قلت: أثر عَن حَمَّاد بن زيد أَنه قَالَ: "وضعت الزَّنَادِقَة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَي عشر ألف حَدِيث، بثوها فِي النَّاس" انْظُر: مُقَدّمَة التَّمْهِيد لِابْنِ عبد الْبر، تَحْقِيق مصطفى الْعلوِي وَمُحَمّد الْبكْرِيّ ص"٤٤"، والكفاية للبغدادي، طبعة حيدر آباد ص"٤٣١". ٦ قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس ١٣٩/٢ مَادَّة "نحر": "النَّحْر والنحرير بكسرهما: الحاذق الماهر الْعَاقِل المجرب المتقن الفطن الْبَصِير بِكُل شَيْء؛ لِأَنَّهُ ينْحَر الْعلم نحرًا". ٧ فِي ط، س، ش "تمتحن"، قلت: وتهجن أَي: تعيب، قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس ٢٧٧/٤ مَادَّة "الهُجنة": "بِالضَّمِّ من الْكَلَام مَا يعِيبهُ، وَفِي الْعلم إضاعته، والهجين: اللَّئِيم".
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وَالدِّينَ فِي أَعْيُنِ الْجُهَّالِ بِخُرَافَاتِكَ هَذِهِ؟؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ دِينُ اللَّهِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَأَصْلُ كُلِّ فِقْهٍ، فَمَنْ طَعَنَ فِيهِ فَإِنَّمَا يَطْعُنُ فِي دِينِ الله تَعَالَى١. أَو لم تَسْمَعْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ جَعَلَ حَدِيث أَصْلَ الْفَقْهِ٢؛ فَقَالَ: "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فرُبَّ حَال فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ" ٣، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْلَ الْفَقْهِ كُله بعد الْقُرْآن حَدِيث الَّذِي تَدْفَعُهُ أَنْتَ وَإِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ٤ ثَنَا زَائِدَةُ٥ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ٦، عَن
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ فِي ط، س، ش "أصل الْفِقْه كُله". ٣ أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي سنَنه/ تَعْلِيق عزت الدعاس/ أَبْوَاب الْعلم/ بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَث على تَبْلِيغ السماع/ حَدِيث ٢٦٥٨، ٣٠٦/٧ عَن زيد بن ثَابت مَرْفُوعا بِلَفْظ: "نضر الله امْرَءًا سمع منا حَدِيثا فحفظه حَتَّى يبلغهُ غَيره، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فقه لَيْسَ بفقيه". قَالَ: وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ومعاذ بن جبل وَجبير بن مطعم وَأبي الدَّرْدَاء وَأنس. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث زيد بن ثَابت حَدِيث حسن. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه/ إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس، وعادل السَّيِّد/ كتاب الْعلم/ بَاب فضل نشر الْعلم/ حَدِيث ٣٦٦٠، ٦٨/٤-٦٩ عَن زيد بن ثَابت مَرْفُوعا بِلَفْظ التِّرْمِذِيّ عدا لَفْظَة: "غَيره"، وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي سنَنه تَرْتِيب مُحَمَّد فؤاد/ الْمُقدمَة حَدِيث ٢٣١، ٨٥/١، وَالْإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٦٩/٦. ٤ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس، تقدم ص"١٧٣". ٥ زَائِدَة بن قدامَة، تقدم ص"٦٠٢". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٣١٨/٢: هِشَام بن حسان الْأَزْدِيّ القردُوسي بِالْقَافِ وَضم الدَّال أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ، ثِقَة، من أثبت النَّاس فِي ابْن سِيرِين، وَفِي رِوَايَته عَن الْحسن وَعَطَاء مقَال، لِأَنَّهُ قيل: كَانَ يُرْسل عَنْهُمَا، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ١٤٧ أَو ١٤٨/ع.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
ابْنِ سِيرِينَ١، قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ"٢.
فَمَا ظَنُّكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ إِذَا لَقِيتَ اللَّهَ تَعَالَى٣، وَقَدْ طَعَنْتَ فِي دِينِهِ، ثُمَّ لَمْ تَقْنَعْ بِجَرْحِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرِّوَايَاتِ، حَتَّى تَعَرَّضْتَ فِي التَّابِعِينَ٤ فَقُلْتَ: أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ٥ قَالَ لِغُلَامِهِ: "انْظُرْ أَلَّا تَكْذِبَ عَلَيَّ كَمَا كَذَبَ عِكْرِمَةُ٦ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ"٧، تُوهِمُ مَنْ حَوَالَيْكَ
_________________
(١) ١ مُحَمَّد بن سِيرِين، تقدم ص"١٨١". ٢ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ الْمُقدمَة بَاب بَيَان أَن الْإِسْنَاد من الدَّين، وَأَن الرِّوَايَة لَا تكون إِلَّا عَن الثِّقَات. جـ١ ص"١٤" عَن ابْن سِيرِين من قَوْله بِلَفْظ: "إِن هَذَا الْعلم دين، فانظروا عَمَّن تأخذون دينكُمْ". وَذكره العجلوني فِي كشف الخفاء، الطبعة الثَّالِثَة، حَدِيث ٧٩٦، ٢٥٨/١ بِلَفْظ مُسلم، وَقَالَ: رَوَاهُ مُسلم عَن ابْن سِيرِين من قَوْله، وَقَالَ النَّجْم: رَوَاهُ أَبُو نعيم بِلَفْظ عَمَّن يأخذونه. قلت: وَفِي الْحِلْية لأبي نعيم ط. الثَّانِيَة ٢٧٨/٢ عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: "إِن هَذَا الْعلم دين فانظروا عَن تأخذونه" وَانْظُر: التَّمْيِيز ط. الأولى ص"٥٨"، وكشف الخفاء ص"٣٠٢" والمقاصد الْحَسَنَة ص"١٣٠". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ كَذَا فِي الأَصْل وس، وَفِي ط، ش "للتابعين". ٥ عبد الله بن عمر، تقدم ص"٢٤٥". ٦ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، تقدم ص"٢٨٦". ٧ عبد الله بن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". قلت: نِسْبَة هَذَا القَوْل إِلَى ابْن عمر غير ثَابِتَة، قَالَ ابْن حجر فِي تَرْجَمَة =
[ ٢ / ٦٤١ ]
مِنَ الْجُهَّالِ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ هَذَا فِي مِثْلِ عِكْرِمَةَ١، فَقَدْ بَطُلَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا، وَيُظَنُّ بِرُوَاتِهَا كُلِّهَا مَا ظَنَّ ابْنُ عُمَرَ٢ بِعِكْرِمَةَ٣.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: إِنْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ٤ يُجَوِّزُ الْوَهْمَ٥ عَلَى عِكْرِمَةَ٦ فِي دَعْوَاكَ، فَمَا لَكَ رَاحَةٌ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٧ وَغَيْرِهِ مِمَّا٨ يغيظك مِمَّن لَا تد السَّبِيلَ إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، مِثْلِ سعيد بن
_________________
(١) = عِكْرِمَة: "لم يثبت تَكْذِيبه عَن ابْن عمر، وَلَا يثبت عَنهُ بِدعَة" التَّقْرِيب ٣٠/٢، وَقد ذكره الذَّهَبِيّ مَنْسُوبا إِلَى ابْن الْمسيب أَنه قَالَ لغلامه برد، قَالَ: "ويروى ذَلِك عَن عمر، قَالَه لنافع وَلم يَصح" انْظُر: الْمِيزَان ٩٦/٣-٩٧. قلت: وَذكره الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَابْن عبد الْبر مَنْسُوبا إِلَى سعيد بن الْمسيب، فَفِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للبيهقي ص"٤٤٦" قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن بن بَشرَان أَنا أَبُو عَمْرو بن السماك، ثَنَا حَنْبَل بن إِسْحَاق، حَدثنِي أَبُو عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن سعد، يَقُول: أشهد أَكثر عَليّ على أبي أَنه سمع سعيد بن الْمسيب يَقُول لغلام لَهُ اسْمه بردك يَا برد، إياك أَن تكذب عَليّ كَمَا يكذب عِكْرِمَة على ابْن عَبَّاس. وَنقل ابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله ١٩١/٢ عَن الْمروزِي أَنه كَانَ بَين سعيد بن الْمسيب وَعِكْرِمَة مَا كَانَ، حَتَّى قَالَ فِيهِ مَا حكى عَنهُ أَنه قَالَ لغلامه برد: لَا تَكْذِبَ عَلَيَّ كَمَا كَذَبَ عِكْرِمَةُ على ابْن عَبَّاس. ١، ٣ تقدم ص"٢٨٦". ٢، ٤ ابْن عمر ﵁، تقدم ص"٢٤٥". ٥ فِي الأَصْل وس "توهم" وَلَا يَسْتَقِيم بِهِ الْمَعْنى، قَالَ فِي س: ولعلها "التَّوَهُّم"، وَفِي ط، ش "الْوَهم" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٦ عِكْرِمَة تقدم ص"٢٨٦". ٧ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، تقدم ص"١٧٢" ٨ فِي ط، ش "مِمَّن".
[ ٢ / ٦٤٢ ]
جُبَيْرٍ١ وَعَطَاءٍ٢ وَطَاوُوسٍ٣ وَمُجَاهِدٍ٤، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ٥، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ٦ وَنُظَرَائِهِمْ٧، وَالْعَجَبُ مِنْكَ إِذْ تَطْعَنُ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ٨ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٩ فِيمَا يُبْطِلُ دَعْوَاكَ وَتَحْتَجُّ لِإِقَامَةِ١٠ دَعْوَاكَ بِرِوَايَةِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ١١، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ١٢ الَّذِي لَا يُدْرَى مِنْهُمْ١٣ وَعَنِ الْكَلْبِيِّ١٤، عَن أبي صَالح١٥ عَن
_________________
(١) ١ سعيد بن جُبَير، تقدم ص"١٧٣". ٢ الرَّاجِح أَنه عَطاء بن أبي رَبَاح، تقدم ص"١٨٧". ٣ طَاوُوس بن كيسَان تقدم ص"٦٢٤". ٤ مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢". ٥ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عتبَة، تقدم ص"٤٠٦". ٦ جَابر بن زيد، تقدم ص"١٦٩". ٧ قلت: ذكر الْحَافِظ الْمزي فِي تَهْذِيب الْكَمَال ٦٩٩/٢ فِي تَرْجَمَة ابْن عَبَّاس أَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله، وَجَابِر بن زيد وَغَيرهم رووا عَن ابْن عَبَّاس. ٨ لفظ "عِكْرِمَة" لم يرد فِي ط، ش وَلَعَلَّه سقط سَهوا، وترجمته تقدّمت ص"٢٨٦". ٩ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، تقدم ص"١٧٢". ١٠ فِي ط، ش بِإِقَامَة، وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ١١ فِي ط، س، ش "شهَاب الْخَولَانِيّ" وَقد تقدم ص"١٨٦" كَمَا فِي الأَصْل، وَهُوَ مَجْهُول كَمَا يفهم من كَلَام الدَّارمِيّ، وَكَذَا نعيم بن أبي نعيم الْمَذْكُور بعده. ١٢ نعيم بن أبي نعيم، تقدم أَيْضا ص"١٨٦". ١٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي س "الَّذِي لَا تَدْرِي من هم" وَفِي ط، ش "الَّذين لَا تَدْرِي من هم" وَهُوَ أوضح. ١٤ الْكَلْبِيّ مُحَمَّد بن السَّائِب الْمُفَسّر، مُتَّهم بِالْكَذِبِ وَرمي بالرفض، انْظُر تَرْجَمته ص"٣٥٣". ١٥ أَبُو صَالح باذام، ضَعِيف مُدَلّس، انْظُر تَرْجَمته ص"٣٥٤".
[ ٢ / ٦٤٣ ]
ابْنِ عَبَّاسٍ١ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَسَانِيدِ الَّتِي أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَرْكِهَا٢.
فَكلمَا٣ وَافَقَ مِنْ ذَلِك رَأْيك وَإِن كن ضَعِيفًا صَارَ عِنْدَكَ فِي حَدِّ الْقَبُولِ؟ وَمَا خَالَفَ رَأْيَكَ مِنْهَا صَارَ مَتْرُوكًا عِنْدَكَ، وَإِنْ كَانَ٤ عنْدك الْفُقَهَاء ف حَدِّ الْقَبُولِ؟ هَذَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ وجور جسيم.
مَا تقوم بِهِ الْحجَّة من الْآثَار عِنْد الْمعَارض
_________________
(١) ١ عبد الله بن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٢ قلت: ذكر الذَّهَبِيّ فِي ديوَان الضُّعَفَاء والمتروكين/ تَحْقِيق حَمَّاد الْأنْصَارِيّ/ ص"٣٧٣-٣٧٤" الطَّبَقَة الْخَامِسَة قَالَ: "وهم قوم مُتَّفق على تَركهم لكذبهم ورواياتهم مَوْضُوعَات ومجيئهم بالطامات" وعدَّ مِنْهُم الكلبيِّ، وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي تدريب الرَّاوِي/ تَحْقِيق عبد الْوَهَّاب عبد اللَّطِيف/ ١٨١/١: "وَأما أوهوى أَسَانِيد ابْن عَبَّاس مُطلقًا، فالسدي الصَّغِير مُحَمَّد بن مَرْوَان عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنهُ، قَالَ شيخ الْإِسْلَام: هَذِه سلسلة الْكَذِب لَا سلسلة الذَّهَب". ٣ فِي الأَصْل "فَكلما مَا وَافق" وَحذف "مَا" الثَّانِيَة أنسب لوضوح السِّيَاق، وَفِي ط، ش "أفكل مَا وَافق" وَفِي س "أفكلما وَافق". ٤ فِي ط، س، ش "وَإِن كَانَت".
[ ٢ / ٦٤٤ ]