أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَارَضَ مَذَاهِبَنَا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ١ مِمَّنْ بَين سَبَب تأليف الْكتاب
_________________
(١) ١ الْجَهْمِية: أَصْحَاب جهم بن صَفْوَان تلميذ الْجَعْد بن دِرْهَم الَّذِي قَتله خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ سنة ١٢٤هـ على الزندقة والإلحاد، وَهُوَ أول من ابتدع القَوْل بِخلق الْقُرْآن وتعطيل الله عَن صِفَاته، وَمن الجبرية الْخَالِصَة، ظَهرت بدعته بترمذ وَقَتله سلم بن أحوز الْمَازِني بمرو فِي آخر ملك بني أُميَّة، وَوَافَقَ الْمُعْتَزلَة فِي نفي الصِّفَات الأزلية وَزَاد عَلَيْهِم بأَشْيَاء. مِنْهَا قَوْله: لَا يجوز أَن يُوصف الْبَارِي تَعَالَى بِصفة يُوصف بهَا خلقه؛ لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي تَشْبِيها، فنفى كَونه حيًّا عَالما، وَأثبت كَونه: قَادِرًا فَاعِلا خَالِقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوصف شَيْء من خلقه بِالْقُدْرَةِ وَالْفِعْل والخلق. وَمِنْهَا إثْبَاته علومًا حَادِثَة للباري تَعَالَى لَا فِي مَحل قَالَ: لَا يجوز أَن يعلم الشَّيْء قبل خلقه. وَمِنْهَا قَوْله فِي الْقُدْرَة الْحَادِثَة: إِن الْإِنْسَان لَا يقدر على شَيْء وَلَا يُوصف بالاستطاعة، وَإِنَّمَا هُوَ مجبور فِي أَفعاله لَا قدرَة لَهُ، وَلَا إرداة، وَلَا اخْتِيَار، وَنسبَة الْأَفْعَال إِلَى الْمَخْلُوق على سَبِيل الْمجَاز كَمَا يُقَال: أثمرت الشَّجَرَة =
[ ١ / ١٣٨ ]
ظَهْرَيْكُمْ مُعَارِضٌ١ وَانْتَدَبَ لَنَا مِنْهُمْ مُنَاقض ينقص مَا رَوَيْنَا فِيهِمْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ٢ بِتَفَاسِيرِ الْمُضِلِّ الْمَرِيسِيِّ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ٣ الْجَهْمِيِّ. فَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لَنَا فِي ذَلِكَ اعْتِمَادُ٤ هَذَا الْمُعَارِضِ عَلَى كَلَام
_________________
(١) = وَجرى المَاء وتغيبت الشَّمْس. وَمِنْهَا قَوْله: إِن حركات أهل الخلدين تَنْقَطِع، وَالْجنَّة وَالنَّار تفنيان بعد دُخُول وَمِنْهَا قَوْله: وتلذذ أهل الْجنَّة بنعيمها وتألم أهل النَّار بجحيمها، إِذْ تتَصَوَّر حركات لَا تتناهى آخرا، كَمَا لَا تتَصَوَّر حركات لَا تتناهى أَولا، وحملت الْآيَات الدَّالَّة على الْمُبَالغَة والتأكيد دون الْحَقِيقَة وَالتَّخْلِيد. وَمِنْهَا قَوْله: من أَتَى بالمعرفة ثمَّ جحد بِلِسَانِهِ لم يكفر بجحده؛ لِأَن الْعلم والمعرفة لَا يزولان بالجحد فَهُوَ مُؤمن. قَالَ: وَالْإِيمَان لَا يَتَبَعَّض أَي لَا يَنْقَسِم إِلَى عقد وَقَول وَعمل. وَقَالَ: وَلَا يتفاضل أَهله فِيهِ، فإيمان الْأَنْبِيَاء وإيمان الْأمة على نمط وَاحِد، إِنَّمَا المعارف تتفاضل. قيل: وَكَانَ جهم يخرج بِأَصْحَابِهِ فيقفهم على المجذومين، وَيَقُول: انْظُرُوا، ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ يفعل مثل هَذَا؟ "إنكارًا لِرَحْمَتِهِ كَمَا أنكر حكمته" انْتهى بِتَصَرُّف ص"٨٦-٨٨" جـ١ من الْملَل والنحل للشهرستاني، قَالَ الْبَغْدَادِيّ فِي الْفرق بَين الْفرق ص"٢٠٠": "وَكَانَ مَعَ ضلالاته يحمل السِّلَاح وَيُقَاتل السُّلْطَان، وَخرج مَعَ شُرَيْح بن الْحَرْث على نصر بن سيار، وَقَتله سلم بن أجون "كَذَا" الْمَازِني فِي آخر زمَان بني مَرْوَان، وَأَتْبَاعه الْيَوْم بنهوند" انْتهى بِتَصَرُّف ص"٢٠٠". ١ قلت: وَمَعَ التَّأَمُّل والبحث فِيمَا بَين يَدي من المصادر لم يتَبَيَّن لي من يكون هَذَا الْمعَارض الْمُنْتَصر لآراء الْجَهْمِية: والناقل لآراء المريسي وَمُحَمّد بن شُجَاع الثَّلْجِي، وَلَيْسَ الْمعَارض هُوَ الثَّلْجِي كَمَا يظنّ الْبَعْض، فَإِن فِي سِيَاق الدَّارمِيّ فِي كِتَابه هَذَا مَا يدل صَرَاحَة على أَنه لَيْسَ هُوَ ابْن الثَّلْجِي، انْظُر مثلا: ص"٤٣٢". ٢ فِي ط، س، ش "وعَلى آله وَأَصْحَابه". ٣ بشر المريسي تقدّمت لَهُ تَرْجَمَة ص"٤٧-٧١". ٤ لفظ "اعْتِمَاد" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ١٣٩ ]
بشر إِذْ كَانَ مَشْهُور عِنْدَ الْعَامَّةِ بِأَقْبَحِ الذِّكْرِ مُفْتَضَحًا بِضَلَالَاتِهِ فِي كُلِّ مِصْرٍ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لَنَا عَلَى الْمُعَارِضِ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَأَنْجَعَ١ فِي قُلُوبِهِمْ لِقَبُولِ الْحَقِّ وَمَوَاضِعِ الصِّدْقِ. وَلَوْ قَدْ كَنَّى فِيهَا عَنْ بِشْرٍ كَانَ جَدِيرًا أَنْ يَنْفُذَ٢ عَلَيْهِمْ بَعْضهَا فِي خَفَاءٍ٣ وَسِتْرٍ، وَلَمْ يَفْطُنْ لَهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا كُلُّ مَنْ تَبَصَّرَ، غَيْرَ أَنَّهُ أَفْصَحَ بِاسْمِ الْمَرِيسِيِّ وَصَرَّحَ، وَحَقَّقَ عَلَى نَفسه بن الظَّنِّ وَصَحَّحَ، وَلَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ وَلَا لأهل بِلَاده وَلم تنصح، فَحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالْحِرْمَانِ، وَفَضْحِهِ٤ فِي الْكُوَرِ٥ وَالْبُلْدَانِ، أَنْ يَكُونَ إِمَامَهُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى٦ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيُّ، الْمُلْحِدُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْمُفْتَرِي٧ الْمُعَطل٨ لصفات ربه الجهمي.
_________________
(١) ١ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح "٢/ ٤٣" مَادَّة "نَجَعَ" "نجع الطَّعَام يَنْجَع ويَنْجِع نُجُوعًا أَي هَنأ آكِلُه" وَقَالَ: "وَقد نجع فِيهِ الْخطاب، والوعظ والدواء، أَي دخل فِيهِ وأثَّر". ٢ فِي س "ينْقد" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي ط، ش "فِي خَفَاء وَفِي ستر: ٤ فِي ط، س، ش "وفضيحة". ٥ فِي ط، س، ش "الْكَوْن"، قلت: والكور جمع كورة وَهِي الْمَدِينَة والصقع، انْظُر: الصِّحَاح للجوهري "٢/ ٤١٧". ٦ لَفْظَة: "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. "٧، ٨" فِي ط، س، ش "الْمُعَطل المفتري"، قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح "٢/ ٢٤٠-٢٤١" مَادَّة "فرا": "وفرى فلَان كذبا، إِذا خلقه وافتراه واختلقه وَالِاسْم الْفِرْيَة" وَفِي الصِّحَاح أَيْضا "٢/ ١٢٩" مَادَّة "عطل": "العطل مصدر عطلت الْمَرْأَة وتعطلت إِذا خلا جيدها من القلائد فَهِيَ عُطُل بِالضَّمِّ وعاطل ومعَطَال، ويستمعل العطل فِي الْخُلُو من الشَّيْء وَإِن كَانَ أَصله فِي الْحلِيّ، وَيُقَال: عطل الرجل من المَال وَالْأَدب فَهُوَ عُطُلٌ والتعطيل التفريغ وبئر معطلة لِبُيُود أَهلهَا" انْتهى بِتَصَرُّف.
[ ١ / ١٤٠ ]
أَنْشَأَ هَذَا الْمُعَارِضُ يَحْكِي فِي كِتَابٍ لَهُ عَنِ الْمَرِيسِيِّ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ وَشَنِيعِ١ الْمَقَالِ وَالْحُجَجِ الْمِحَالِ، مَا لَمْ يَكُنْ بِكُلِّ ذَلِكَ نَعْرِفُهُ، وَنَصِفُهُ فِيهِ بِرَثَاثَةِ مُنَاقَضَةِ الْحُجَجِ، مَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ٢ أَنْ يَصِفَهُ، فَتَجَافَيْنَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْمُعَارِضِ وَقَصَدْنَا قَصْدَ الْمَرِيسِيِّ الْعَاثِرِ٣ فِي قَوْلِهِ الدَّاحِضِ٤، لَمَّا أَنَّهُ أَمْكَنُ فِي الْحِجَاجِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَفْطِنْ لِغَوْرِ٥ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ من الْكَلَام،
_________________
(١) ١ التعطيل اصْطِلَاحا يُطلق وَيُرَاد بِهِ إِنْكَار مايجب لله تَعَالَى من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات أَو إِنْكَار بَعْضهَا، فَهُوَ نَوْعَانِ:
(٢) تَعْطِيل كلي، كتعطيل الْجَهْمِية الَّذين أَنْكَرُوا الصِّفَات وغلاتهم يُنكرُونَ الْأَسْمَاء أَيْضا.
(٣) تَعْطِيل جزئي، كتعطيل الأشعرية الَّذين يُنكرُونَ بعض الصِّفَات دون بعض، انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني، تَحْقِيق مُحَمَّد سيد كيلاني ط. الثَّانِيَة١/ ٨٦، ٩٤، وتلخيص الحموية لِابْنِ عثيمين ص"١٠". ١ فِي س "تشنيع" وَفِي لِسَان الْعَرَب "الشناعة الفظاعة شنع الْأَمر أَو الشَّيْء شناعة وشنعًا وشنوعًا: قبح فَهُوَ شنيع وَالِاسْم الشنعة وشنع عَلَيْهِ الْأَمر تشنيعًا قبحه" بِتَصَرُّف من لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مَنْظُور، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٢/ ٣٦٨. ٢ فِي س "يقدرُونَ". ٣ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح "٢/ ٧٩" مَادَّة "عثر": "العثرة الزلة وَقد عثر فِي ثَوْبه يعثر عثارًا، يُقَال: عثر بِهِ فرسه فَسقط" وَقَالَ: "وتعثر لِسَانه: تلعثم" بِتَصَرُّف. ٤ فِي لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مَنْظُور، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ١/ ٩٥٢ مَادَّة "دحض": "ودحضت حجَّته دحوضًا: كَذَلِك على الْمثل إِذا بطلت وأدحضها الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ [الشورى: ١٦] وأدحض حجَّته إِذا أبطلها". ٥ الَّذِي يظْهر من رسم الأَصْل وس أَنَّهَا بالغين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الَّذِي أثْبته، وَفِي ط، ش "لفور" بِالْفَاءِ وكل مِنْهُمَا يحْتَملهُ السِّيَاق، قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح "٢/ ٢١٢" مَادَّة "غور": "غور كل شَيْء: قَعْره، يُقَال: فَلَا بعيد الْغَوْر" بِتَصَرُّف. وَقَالَ فِي مُجَلد ٢/ ٢٦٤ مَادَّة "فَور": "فارت الْقدر تَفُور فَوْرًا وفورانًا: جَاشَتْ، وَمِنْه قَوْلهم: ذهب فِي حاجه ثمَّ أتيت فلَانا فوري، أَي قبل أَن أسكن، وفار فائره، لُغَة فِي ثار ثائره، إِذا جاش غَضَبه، وفوره الْحر: شدته "انْتهى بِتَصَرُّف، وعَلى هَذَا فَهُنَا تَشْبِيه.
[ ١ / ١٤١ ]
الْمُدَلَّسِ١ الْمَنْقُوضِ، وَالْكُفْرِ الْوَاضِحِ الْمَرْفُوضِ. وَكَيْفَ يَهْتَدِي بِشْرٌ لِلتَّوْحِيدِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَكَانَ وَاحِدِهِ٢ وَلَا هُوَ بِزَعْمِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِوَاجِدِهِ، فَهُوَ إِلَى التَّعْطِيلِ٣ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَوَاحِدُهُ بِالْمَعْدُومِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمَوْجُودِ. وَسَنُعَبِّرُ لَكُمْ عَنْهُ مِنْ نَفْسِ كَلَامِهِ مَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْجُحُودِ٤ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ.
وَلَوْلَا مَا بَدَأَكُمْ هَذَا الْمُعَارِضُ بِإِذَاعَةِ ضَلَالَاتِ الْمَرِيسِيِّ وَبَثِّهَا فِيكُمْ، مَا اشْتَغَلْنَا بِذِكْرِ كَلَامِهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَعْلَقَ بَعْضُ كَلَامِهِ بِقُلُوبِ بَعْضِ٥ الْجُهَّالِ، فَيُلْقِيهِمْ فِي شَكٍّ مِنْ خَالِقِهِمْ وَفِي ضَلَالٍ، أَوْ أَنْ يَدعُوهُم إِلَى تَأْوِيله٦
_________________
(١) ١ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح مُجَلد ١/ ٤١١ مَادَّة "دلّس": "التَّدْلِيس فِي البيع، كتمان عيب السّلْعَة عَن المُشْتَرِي، والمدالسة كالمخادعة، يُقَال: فلَان لَا يدالسك أَي لَا يخادعك، وَلَا يخفي عَلَيْك الشَّيْء، فَكَأَنَّهُ يَأْتِيك بِهِ فِي الظلام، والدلس بِالتَّحْرِيكِ الظلمَة" بِتَصَرُّف. ٢ فِي س "واجده" بِالْجِيم. ٣ التعطيل تقدم ص"١٤٠". ٤ فِي س "بالجمود" وَمَا فِي الأَصْل أنسب للسياق. ٥ كلمة "بعض" لَيست فِي ط، ش. ٦ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ١/ ٥٩ مَادَّة "أول": "التَّأْوِيل: تَفْسِير مَا يؤول إِلَيْهِ الشَّيْء، وَقد أولته وتأولته بِمَعْنى". وَحَقِيقَة التَّأْوِيل الَّذِي عَلَيْهِ أهل الْبدع هُوَ أَنهم يتأولون النُّصُوص على غير تَأْوِيلهَا، وَيدعونَ صرف اللَّفْظ عَن مَدْلُوله بِغَيْر دَلِيل يُوجب ذَلِك، ويزعمون أَن مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيِّ -ﷺ- من نُصُوص الصِّفَات لم يقْصد بِهِ الظَّاهِر، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود بِهِ معَان تخَالفه لَا يعلمهَا إِلَّا النَّبِيِّ ﷺ، وَقد تَركهَا للنَّاس يستنبطونها بعقولهم. انْظُر: التدمرية لَا بن تَيْمِية ط. كُلية الشَّرِيعَة ص"٧١".
[ ١ / ١٤٢ ]
الْمُحَالِ؛ لِأَنَّ جُلَّ١ كَلَامِهِ تَنَقُّصٌ وَوَقِيعَةٌ فِي الرَّبِّ، وَاسْتِخْفَافٌ بِجَلَالِهِ وَسَبٌّ، وَفِي التَّنَازُعِ فِيهِ يُتَخَوَّفُ الْكُفْرُ وَيُرْهَبُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ٢ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣: "لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ٤،
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "كل". قلت "جلّ الشَّيْء معظمه. انْظُر: الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ١/ ٢٠١ مَادَّة "جلل". ٢ عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، مولى بني حَنْظَلَة، ثِقَة ثَبت، فَقِيه عَالم جواد، مُجَاهِد، جمعت فِيهِ خِصَال الْخَيْر، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨١ وَله ٦٣/ ع. انْظُر: تقريب التَّهْذِيب "١/ ٤٤٥". ٣ قَوْله: "﵁" لَيست فِي ط، س، ش، قلت: ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن قَول: "﵁" مَخْصُوص بالصحابة، وَيُقَال فِي غَيرهم: "﵀" وَاخْتَارَ الإِمَام النَّوَوِيّ وَعَزاهُ إِلَى جُمْهُور الْعلمَاء أَن قَول: "﵁" غير مُخْتَصّ بالصحابة بل هُوَ عَام للصحابة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ من الْعلمَاء والعباد وَسَائِر الأخيار، وَقَالَ: "وَأما مَا قَالَه بعض الْعلمَاء" أَن قَوْله: "﵁" مَخْصُوص بالصحابة، وَيُقَال فِي غَيرهم: "﵀": فَقَط فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَلَا يُوَافق عَلَيْهِ، بل الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور اسْتِحْبَابه، ودلائله أَكثر من أَن تحصر، فَإِن كَانَ الْمَذْكُور صحابيًّا ابْن صَحَابِيّ قَالَ: قَالَ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَكَذَا ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَابْن جَعْفَر وَأُسَامَة بن زيد وَنَحْوهم لتشمله وأباه جَمِيعًا". انْظُر الْأَذْكَار للنووي، تَحْقِيق عبد الْقَادِر الأرناؤوط ص"١٠٠". ٤ يُقَال: هاد الرجل أَي رَجَعَ وَتَابَ، اخْتلف فِي اشتقاق اسْم الْيَهُود، فَقيل من الهود أَي التَّوْبَة، وَقيل: لأَنهم نسبو إِلَى يهود أكبر ولد يَعْقُوب وقلبت الذَّال دَالا، وَقيل: لأَنهم هادوا أَي مالوا عَن الْإِسْلَام وَعَن دين مُوسَى، وَقيل غير ذَلِك، =
[ ١ / ١٤٣ ]
وَالنَّصَارَى١ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أحكي كَلَام الْجَهْمِية"٢.
_________________
(١) = وهم أمة مُوسَى، وكتابهم التَّوْرَاة، ويحدثنا الْقُرْآن عَنْهُم أَنهم لم يتبعوا النُّور الَّذِي أنزل لَهُم، وَأَنَّهُمْ حرفوا التورة وآذوا مُوسَى وغلوا فِي عداوتهم، واغتالوا عديد من أنبياهم، وصدوا عَن دين الله حَتَّى كتب الله عَلَيْهِم التيه والتشريد ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَة: ٦١]، وَقد ورد ذكرهم فِي الْقُرْآن كثيرا، وَاخْتلفُوا نيفًا وَسبعين فرقة من أشهرها العنانية، العيسوية، المقاربة، اليوذعانية، الموشكانية، السامرة، انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني ٢/ ٩-٣٢، والفصل لِابْنِ حزم بهامشه الْملَل والنحل ١/ ٩٨-١٠٥، والأديان فِي الْقُرْآن، تأليف د. مَحْمُود بن الشريف ط. الرَّابِعَة ص"٩٥-١٥٠". ١ النَّصَارَى لُغَة: نصران كالندامى، جمع ندمان، أَو جمع نصرى. والنصرانية والنصرانة وَاحِدَة النَّصَارَى، وهم أمة الْمَسِيح بن مَرْيَم ﵇ الْمَبْعُوث حقًّا بعد مُوسَى ﵇، ورد ذكرهم فِي الْقُرْآن كثيرا وأغلب ذكرهم بالْعَطْف على الْيَهُود أَو عطف الْيَهُود عَلَيْهِم، وافترقوا إِلَى اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرفة، قَالَ الشهرستاني: وكبار فرقهم ثَلَاث: الملكائية، والنسطورية، واليعقوبية، وَذكر ابْن حزم أَن النَّصَارَى لَا يدعونَ أَن الأناجيل منزلَة من عِنْد الله على الْمَسِيح وَلَا أَن الْمَسِيح أَتَاهُم بهَا، بل كلهم أَوَّلهمْ عَن أخرهم لَا يَخْتَلِفُونَ من أَنَّهَا أَرْبَعَة تواريخ ألفها رجال معروفون فِي أزمان مُخْتَلفَة، وهم: مَتى اللاواني ومارقس الهاوروني ولوقا الطَّبِيب ويوحنا بن سيذاي، انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني ٢/ ٣٢-٥٢، والفصل لهامشه الْملَل ٢/ ٢-٣ والقاموس الْمُحِيط للفيروزآبادي ٣/ ١٤٣، وإغاثة اللهفان لِابْنِ الْقيم ٢/ ٢٦٩-٢٩٨. ٢ أخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٧" قَالَ: "حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، حَدثنِي عَليّ بن الْحُسَيْن "كَذَا" بن شَقِيق، سَمِعت عبد الله بن الْمُبَارك يَقُول: إِنَّا نستجيز أَن نحكي كَلَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا نستجيز أَن نحكي كَلَام الْجَهْمِية". وَفِي الْمصدر نَفسه أَيْضا ص"٣٥" من طَرِيق آخر عَن عَليّ بن الْحسن عَن ابْن الْمُبَارك بِنَحْوِهِ، وَأخرجه الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة، تَحْقِيق حَامِد الفقي، ص"٢٥٥" من طَرِيق عَليّ بن الْحسن، عَن ابْن الْمُبَارك بِنَحْوِهِ وَأوردهُ ابْن الْقيم فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية ص"٥٤" عَن ابْن الْمُبَارك وَصَححهُ.
[ ١ / ١٤٤ ]
حَدثنَا١ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ٢ قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ٣ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٤.
فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَرِهْنَا الْخَوْضَ فِيهِ، وَإِذَاعَةَ نَقَائِصِهِ٥ حَتَّى أَذَاعَهَا الْمُعَارِضُ فِيكُمْ، وَبَثَّهَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَخَشِينَا أَلَّا يَسَعَنَا إِلَّا الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ بَثَّهَا، وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، مُنَافَحَةً٦ عَنِ اللَّهِ، وَتَثْبِيتًا لِصِفَاتِهِ الْعُلَى٧ وَلِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَدَعَا إِلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَمُحَامَاةً عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْغَفْلَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصبيان أَن يضلوا بهَا، ويفتنوا٨ إِذْ بَثَّهَا فِيهِمْ رَجُلٌ كَانَ يُشِيرُ٩ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ فِقْهٍ وَبَصَرٍ، وَلَا يَفْطنُون لعثراته إِذْ هُوَ عَثَرَ١٠، فَيَكُونُوا مِنْ أَخَوَاتِهَا مِنْهُ على حذر.
_________________
(١) ١ فِي ط، س "حدّثنَاهُ". ٢ فِي ط، س، ش "الْبَزَّاز" آخِره مُعْجمَة وَالصَّوَاب بِالْمُهْمَلَةِ، كَمَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٦٧: الْحسن بن الصَّباح الْبَزَّار، آخِره رَاء، أَبُو عَليّ الوَاسِطِيّ نزيل بَغْدَاد، صَدُوق يهم، وَكَانَ عابدًا فَاضلا من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٤٩/ ح م د ت س، وَانْظُر: الْخُلَاصَة للخزرجي ص"٧٨". ٣ فِي ط، س، ش "عَليّ بن الْحُسَيْن" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٤: عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي، ثِقَة حَافظ من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ١٥ وَقيل: بعد ذَلِك/ ع، وَانْظُر الكاشف ٢/ ٢٨١، وَالْخُلَاصَة ص"٢٧٢". ٤ عبد الله بن الْمُبَارك تقدم ص"١٤٣". ٥ فِي ش "نقائضه". ٦ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ١/ ٥٩٢ مَادَّة "نفح": "ونافحت عَن فلَان: خَاصَمت عَنهُ ونافحوهم مثل خاصموهم" بِتَصَرُّف. ٧ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "الْعليا". ٨ فِي ط، س، ش "أَو أَن يفتنوا". ٩ فِي ط، س، ش "يُشِير إِلَيْهِ بَعضهم" وَهُوَ أوضح. ١٠ فِي ط، س، ش "غش" وَمَا فِي الأَصْل أنسب.
[ ١ / ١٤٥ ]