ثُمَّ عَادَ الْمُعَارِضُ أَيْضًا إِلَى إِنْكَارِ مَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى١ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٢ فَادَّعَى أَنَّ٣ الْمَجِيءَ وَالِانْتِقَالَ مِنْ مَكَان إِلَى
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست ف ط، س، ش. ٢ سُورَة الْفجْر، آيَة "٢٢". ٣ فِي س "فَادّعى الْمَجِيء والانتقال" بِدُونِ أَن.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
مَكَانِ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ، وَاللَّهُ يَأْتِي فِي ظُلُلٍ مِنَ الْغَمِامِ فَتَثْبُتُ الظُّلَلُ وَمَجِيئُهَا؛ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ.
فَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ١ يَعْنِي يَأْتِيهِمْ أَمْرُهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ٢ عَلَى إِضْمَارِ "أَمْرِهِ" كَمَا قَالَ٣: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ٤ يُرِيدُ: أَهْلَ الْعِيرِ٥ بِإِضْمَارِ الْأَهْلِ٦، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٧، بِإِضْمَارِ أَمْرِهِ، وَكَذَلِكَ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٨ يُرِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هِيَ٩ الصُّفُوفُ دونه جاءون١٠ بأَمْره،
_________________
(١) ١ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٢١٠". ٢ من قَوْله: "فَتثبت الظلل ومجيئها إِلَى قَوْله: فِي ظلل من الْغَمَام" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي س "كَمَا قيل". ٤ سُورَة يُوسُف، آيَة "٨٢". ٥ فِي ط، ش "يُرِيد أهل الْقرْيَة وَأهل العير". ٦ فِي ط، ش "بإضمار أهل". ٧ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٢١٠". ٨ سُورَة الْفجْر، آيَة "٢٢". ٩ فِي ط، ش "وَهِي". ١٠ فِي الأَصْل "جايئون" بِالْيَاءِ ثمَّ الْهمزَة، وَلَا أرَاهُ سائغًا، وَفِي س "جائيون" بِالْهَمْزَةِ ثمَّ الْيَاء، وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي ط، ش وَهُوَ الصَّوَاب؛ وَذَلِكَ لِأَن الْمُفْرد مِنْهُ "جائي" اسْم مَنْقُوص، فتحذف الْيَاء عِنْد جمعه جمعا مذكرًا سالما، وَذَلِكَ لثقل الضمة على الْيَاء، فتحذف فَتُصْبِح الْيَاء سَاكِنة، فَالتقى ساكنان فحذفت الْيَاء لِإِمْكَان الِاسْتِغْنَاء عَنْهَا فَأَصْبَحت "جاءون".
[ ٢ / ٦٧٦ ]
فَفَسَّرُوا١: جَاءَ الْمَلَائِكَةُ صَفًّا صَفًّا وَرَبُّكَ فِيهِمْ مُدَبِّرٌ مُحْكِمٌ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ٢، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ ربُكَ﴾ ٣، فبيَّن الْأَمْرَ هَا هُنَا٤ وَأَضْمَرَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ: قَدْ٥ فَسَّرْتَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى خِلَافِ مَا عَنَى٦ وَفَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى خِلَافِ مَا فَسَّرَهَا أَصْحَابُهُ٧. قَدْ٨ رَوَيْنَا تَفْسِيرَهَا عَنْهُمْ فِي صَدْرِ ذَا الْكتاب بأسانديها الْمَعْرُوفَةِ الْمَشْهُورَةِ، عَلَى خِلَافِ مَا فَسَّرْتَ وادَّعيت عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ٩، فَمَنْ مُفَسِّرُوكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَحْكِي عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيهَا كَذَا، وَقَالَ آخَرُونَ فِيهَا كَذَا؟.
فَمَنْ هَؤُلَاءِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ؟ فَاكْشِفْ عَنْ رؤوسهم وسمِّهم
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "ففسروها". ٢ سُورَة النَّحْل، آيَة "٣٣". ٣ فِي ط، ش "أَو يَأْتِي أَمر رَبك" وصواب آيَة الْأَنْعَام مَا فِي الأَصْل، انْظُر: سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٥٨". ٤ لَعَلَّه أَرَادَ بقوله: "هَاهُنَا" أَي فِي سُورَة النَّحْل، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ..﴾ [الْآيَة "٣٣" من سُورَة النَّحْل﴾ . ٥ فِي س "وَقد". ٦ فِي ط، س، ش "مَا عني الله". ٧ فِي ش "على خلاف مَا فَسرهَا أَصْحَابه" وَلَعَلَّ الْوَاو سَقَطت سَهوا إِذْ لَا يَصح سِيَاقه بِدُونِهَا، وَفِي س "على خلاف مَا فَسرهَا أَصْحَابك". ٨ فِي ط، ش "وَقد". ٩ انْظُر صدر هَذَا الْكتاب ص"٣٣٨" وَمَا بعْدهَا.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
بِأَسْمَائِهِمْ، فَإِنَّكَ لَا تَكْشِفُ إِلَّا عَنْ زِنْدِيقٍ١ أَوْ جَهْمِيٍّ٢، لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلَا حكم لَكَ بِتَفْسِيرِ هَؤُلَاءِ الْمُعَنْعِنِينَ٣ عَلَى تَفْسِيرِ هَؤُلَاءِ الْمَكْشُوفِينَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ، أَصْحَابُ٤ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ مِثْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ٥ وَابْنِ عُمَرَ٦ وَزَيْدِ بْنِ ثَابت٧ وأُبي ابْن كَعْبٍ٨ وَنُظَرَائِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ٩، وَمِنَ التَّابِعِينَ مِثْلُ سَعِيدِ بْنِ
_________________
(١) ١ الزنديق وَاحِد الزَّنَادِقَة، انْظُر الْكَلَام عَنْهُم ص"٥٣١". ٢ من الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٣ يُرِيد بذلك من روى بعن من أُولَئِكَ الَّذين هم غير معروفين، ويوضحه قَوْله بعد ذَلِك "المكشوفين الَّذين سميناهم". ٤ فِي ط، ش "وهم أَصْحَاب". ٥ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، تقدم ص"١٧٢". ٦ ابْن عمر ﵁، تقدم ص"٢٤٥" ٧ هُوَ زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك بن لوذان الْأنْصَارِيّ النجاري، أَبُو سعيد، وَأَبُو خَارِجَة، صَحَابِيّ مَشْهُور، كتب الْوَحْي، قَالَ مَسْرُوق: كَانَ من الراسخين فِي الْعلم، مَاتَ سنة خمس، أَو ثَمَان وَأَرْبَعين، وَقيل: بعد الْخمسين/ ع. التَّقْرِيب ٢٧٢/١، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٥٣٢/١-٥٣٥، وَأسد الغابة ٢٢١/٢-٢٢٣، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٥٤٣/١-٥٤٤. ٨ هُوَ أبي بن كَعْب بن قيس بن عبيد بن زيد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ، الخزرجي، أَبُو الْمُنْذر، سيد الْقُرَّاء، ويكنى: أَبَا الطُّفَيْل أَيْضا، من فضلاء الصَّحَابَة، اخْتلف فِي سنة مَوته اخْتِلَافا كثيرا، قيل سنة تسع عشرَة، وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقيل غير ذَلِك/ ع، التَّقْرِيب ٤٨/١. وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٢٧/١-٣٠، وَأسد الغابة ٤٩/١-٥١، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٣١/١-٣٢، وتهذيب التَّهْذِيب ١٨٧/١-١٨٨. ٩ قَوْله: "﵃" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
جُبَيْرٍ١، وَمُجَاهِدٍ٢، وَأَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ٣ وَالسُّدِّيِّ٤ وَقَتَادَةَ٥ وَغَيْرِهِمْ، فَعَنْ أَيِّهِمْ تَحْكِي٦ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ الَّتِي تَرُدُّ بِهَا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ فإنَّا لَمَّا وَجَدْنَاهُمْ٧ مُخَالِفِينَ لِمَا ادَّعَيْتَ عَلَى اللَّهِ٨ فِي كِتَابِهِ أَتَيْنَاكَ بِهَا عَنْهُمْ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ٩، مَنْصُوصَةً مُفَسَّرَةً، فَعَمَّنْ تَرْوِي هَذِهِ الضَّلَالَاتِ وَإِلَى مَنْ تُسْنِدُهَا؟ فَصَرِّحْ بِهِمْ كَمَا صَرَّحْتَ بِبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ.
وَمَا نَرَاكَ صَرَّحْتَ بِبِشْرٍ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ١٠ وَكَنَيْتَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ إِلَّا وَأَنَّهُمْ أَسْوَأُ مَنْزِلَةً عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَشَدُّ ظِنَّةً فِي الدِّينِ مِنْهُمَا، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَشَفْتَ عَنْهُمْ كَمَا كَشَفْتَ عَنْ بِشْرٍ، وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ أَمْرَ إِتْيَانِ اللَّهِ وَمَجِيئِهِ وَالْمَلَكُ١١ صَفًّا صَفًّا، فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ١٢ لَمْ نُحِبَّ أَنْ
_________________
(١) ١ سعيد بن جُبَير، تقدم ص"١٧٣". ٢ مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٤٩٥/١: عبد الرَّحْمَن بن قيس، أَبُو صَالح الْحَنَفِيّ، الْكُوفِي، ثِقَة، من الثَّالِثَة، قيل: إِن رِوَايَته عَن حُذَيْفَة مُرْسلَة/ س م د. ٤ السّديّ إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن، تقدم ص"٤٥٠". ٥ فِي س "قتادهم" قلت: وَهُوَ تَصْحِيف وترجمته تقدّمت ص"١٨٠". ٦ لم تعجم فِي الأَصْل، وَفِي س "يَحْكِي" وَفِي ط، ش "تحكي" وَهُوَ أنسب. ٧ فِي الأَصْل "فَإنَّا مَا وجدناهم" وَفِي بَقِيَّة النّسخ "فَإنَّا لما وجدناهم" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٨ قَوْله: "على الله" لَيست ف ط، س، ش. ٩ انْظُر ص"٣٣٨" فمابعدها. ١٠ فِي ط، س، ش "والثلجي". ١١ فِي س "وَالْمَلَائِكَة". ١٢ انْظُر ص"٣٣٨".
[ ٢ / ٦٧٩ ]
نعيده١ هَاهُنَا فَيَطُولُ الْكِتَابُ.
وَأَمَّا مَا ادَّعيت من انْتِقَال مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ٢ أَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ، فَإِنَّا لَا نُكَيِّفُ مَجِيئَهُ وَإِتْيَانَهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ النَّاطِقُ مِنْ كِتَابِهِ، ثُمَّ مَا وَصَفَ رَسُولُهُ ﷺ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ٣ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٤ فِي تَفْسِيرِهَا: أَنَّ السَّمَاءَ تَشَقَّقُ لِمَجِيئِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَتَنَزَّلُ٥ مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، وَهُوَ آتٍ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ دُونِهِمْ٦، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكتاب٧ وَهُوَ مكذب لِدَعْوَاكَ أَنَّهُ إِتْيَانُ الْمَلَائِكَةِ بِأَمْرِهِ، دُونَ مَجِيئِهِ، لَكِنَّهُ٨ فِيهِمْ مدبِّر٩، وَيْلَكَ! لَوْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ الَّتِي تَجِيءُ وَتَأْتِي١٠ دُونَهُ١١ مَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: "لَمْ يأتِ١٢ رَبُّنَا وَهُوَ آتٍ".
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "فَلَا نعيده" وَفِي س "لم يجب". ٢ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "مِنَ انْتِقَالِ اللَّهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَان" وَهُوَ الْمُتَعَيّن. ٣ ابْن عباسن تقدّمت تَرْجَمته ص"١٧٢". ٤ قَوْله: "﵄" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٥ فِي ط، س، ش "وتنزل" وَهُوَ أوضح. ٦ فِي ط، ش "أَكثر مِمَّن دونهم" وَهُوَ أوضح. ٧ انْظُر الحَدِيث وتخريجه ص"٣٤٧". ٨ فِي ش "وَلكنه". ٩ فِي ط، س، ش "مُدبر بزعمك". ١٠ فِي ط، ش "تَأتي وتجيء". ١١ فِي، س، ش "بزعمك دونه". ١٢ فِي الأَصْل وس "لم يَأْتِي" وَصَوَابه حذف الْيَاء للجزم.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وَالْمَلَائِكَةُ آتِيَةٌ نَازِلَةٌ، حِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ.
أَرَأَيْتُمْ دَعْوَاكُمْ أَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، أَوَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ الْمَاءِ؟ فَكَيْفَ صَارَ بَعْدُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي دَعْوَاكُمْ، وَفِي دَعْوَانَا اسْتَوَى١ إِلَى السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ؟ فَكَمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ وَيَأْتِيَ مَتَى شَاءَ٢ وَكَيْفَمَا شَاءَ٣.
أَرَأَيْتَكَ٤ إِذَا٥ فَسَّرْتَ قَوْلَهُ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٦ فَزَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَضْمَرَ فِي ذَلِكَ "أَمْرَهُ" كَمَا أَضْمَرَ فِي الْقرْيَة وَالْعير أَهلهَا، أوَ لست قَدِ ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ أَنْ٧ لَا يُوصَفَ بِالضَّمِيرِ؛ فإنَّ الضَّمِيرَ يُنْفَى٨ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى٩ وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِشَيْء
_________________
(١) ١ الاسْتوَاء على الْعَرْش من الصِّفَات الفعلية الَّتِي تتَعَلَّق بِالْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَة، وَكَانَ استواؤه ﷻ عَلَيْهِ بعد خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْحَدِيد آيَة "٤": ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش..﴾ الْآيَة ٢ فِي ش "مَتى تشَاء" بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة، وَظَاهر أَن ذَلِك خطأ من النَّاسِخ؛ إِذْ القَوْل بذلك لَا يجوز الْبَتَّةَ. ٣ قَوْله: "كَيْفَمَا شَاءَ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س "أَرَأَيْت". ٥ فِي ط، ش "إِن"، وَفِي س "إِذْ". ٦ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٢١٠". ٧ فِي ط، ش "أَنه لَا يُوصف". ٨ فِي ط، س، ش "منفي" وَهُوَ أوضح. ٩ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ٢ / ٦٨١ ]
وَهُوَ١ عَنْهُ مَنْفِيٌّ فَهُوَ الْكَافِرُ عِنْدَكَ، فَكَيْفَ نَفَيْتَ عَنْهُ هَذَا الضَّمِير هُنَاكَ، وثبته٢ لَهُ هَهُنَا؟ أَوَلَمْ تَخْشَ عَلَى نَفْسِكَ مَا٣ تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ مِنَ الْكُفْرِ؟ وَلَكِنَّكَ تَدَّعِي الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ حَتَّى تَدَّعِيَ بعدُ خِلَافَهُ، فَيُأْخَذَ بِحَلْقِكَ غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ تَكَلَّمْتَ٤ بِهِ بِالْخِرَافِ٥، وَأَنْتَ آمِنٌ مِنَ الْجَوَابِ.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "هُوَ" وَفِي س "فَهُوَ". ٢ فِي ط، س، ش "وأثبته". ٣ فِي ط، س، ش "مِمَّا". ٤ فِي ط، س، ش "تَكَلَّمت بِمَا تَكَلَّمت بِهِ". ٥ من الخرَف وَهُوَ فَسَاد الْعقل، قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس ١٣٢/٣، مَادَّة "خَرَف" قَالَ: "وخرف كنصر وَفَرح وكرم، فَهُوَ خرف ككَتف: فسد عقله، وكثُمامة رجل من عذرة استهوته الْجِنّ فَكَانَ يحدث بِمَا رأى فَكَذبُوهُ وَقَالُوا: حَدِيث خرافة" بِتَصَرُّف.
[ ٢ / ٦٨٢ ]