وَأَمَّا قَوْلُكَ: غَيْرُ بَائِنٍ بِاعْتِزَالٍ، وَلَا بِفُرْجَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَقَدْ كَذَبْتَ فِيهِ وَضَلَلْتَ١، عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، بَلْ هُوَ بِائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ بِفُرْجَةٍ بَيِّنَةٍ. وَالسَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا هُمْ عَامِلُونَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ٢ كَمَا أَنْبَأَنَا اللَّهُ تَعَالَى٣ وَرَسُوله وَأَصْحَاب رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: كَجِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ، فَإِنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ كَجِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ. لَكِنَّا نَقُولُ: رَبٌّ عَظِيمٌ، وَمَلِكٌ كَبِيرٌ٥ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَى عَرْشٍ مَخْلُوقٍ عَظِيمٍ٦ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَة
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فضللت". ٢ فِي ط، س، ش "خافية فِي الأَرْض". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فلي ط، س، ش "وَملك كريم عَظِيم". ٦ اسْتَوَى عَلَيْهِ اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله وعظمته كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
[ ١ / ٤٤١ ]
دون مَا سواهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ. مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ كَانَ كَافِرًا بِهِ وَبِعَرْشِهِ.
وَالْأَنْوَارُ الْمَخْلُوقَةُ لَيْسَ مِنْهَا نُورٌ إِلَّا وَلَهُ ضَوْءٌ سَاطِعٌ، وَمَنْظَرٌ رائع فيكف النَّورُ الْأَعْظَمُ خَالِقُ الْأَنْوَارِ١ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟!.
وَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ أَنَّهُ بِمَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، وَلَكِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ. وَتَأَوَّلْتَ فِي ذَلِكَ بِمَا تَأَوَّلَ٢ بِهِ جَهْمٌ٣ قَبْلَكَ، فَقُلْتَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٤ الآيَةَ ثُمَّ رَوَيْتَ عَنْ أَبِي مُوسَى٥، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَقَدْ رَفَعُوا الصَّوْتَ بِالتَّكْبِيرِ: "إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّه أقرب إِلَيْكُم من رُؤْس رَوَاحِلِكُمْ" ٦.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضُ: هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ الرَّسُولُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٧
_________________
(١) ١ قَوْله: "الْأَعْظَم خَالق الْأَنْوَار" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ فِي ش "بِمَا تأولت" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي ط، س، ش "جهم بن صَفْوَان" وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"١٤٧". ٤ سُورَة المجادلة آيَة "٧". ٥ تقدم ص"٢٥١". ٦ رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الذّكر وَالدُّعَاء، بَاب اسْتِحْبَاب خفض الصَّوْت بِالذكر حَدِيث ٢٧٠٤ جـ٤ ص"٢٠٧٦-٢٠٧٧" عَن أبي مُوسَى بِلَفْظ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سفر، فَجعل النَّاس يجهرون بِالتَّكْبِيرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ. إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا. إِنَّكُم تدعون سمعيًا قَرِيبا وَهُوَ مَعكُمْ " إِلَخ وَفِي لفظ: "وَالَّذِي تَدعُونَهُ أقرب إِلَى أحدكُم من عنق رَاحِلَة أحدكُم". ٧ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٤٢ ]
مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى، وَأَقْرَبُ١ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَأَقْرَبُ مِنْهَا، بِعِلْمٍ وَمَنْظَرٍ وَمَسْمَعٍ٢ مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، وَلَا يَحْجُبُهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، عِلْمُهُ بِهِمْ مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ٣ مُحِيطٌ. وَبَصَرُهُ فِيهِمْ نَافِذ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ فَوق عَرْشِهِ. وَالسَّمَوَاتُ وَمَسَافَةُ مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ كَذَلِكَ مَعَهُمْ رَابِعُهُمْ وَخَامِسُهُمْ وَسَادِسُهُمْ، يَعْلَمُ مَا عَمِلُوا مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ يُثِيبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا عَمِلُوا. كَذَلِكَ هُوَ مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى لَا كَمَا ادعيتم أَنه مَعَ كل نائل وَمُحْدِثٍ وَمُجَامِعٍ فِي كَنَفِهِمْ٤ وَحُشُوشِهِمْ٥ وَمَضَاجِعِهِمْ. وَإِنَّمَا يُعْرَفُ فَضْلُ الرُّبُوبِيَّةِ وَعِظَمُ الْقُدْرَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ٦ فَوْقِ عَرْشِهِ وَبَعْدَ مَسَافَةِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى٧ وَهُوَ مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ٨ وَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ بِجَنْبِ كُلِّ ذِي نَجْوَى مَا كَانَ بِعَجَبٍ٩ أَنْ يُنَبِّئَهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَلَوْ كُنَّا نَحن بِتِلْكَ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "وَهُوَ أقرب". ٢ فِي ط، ش "يعلم وَينظر وَيسمع". ٣ فِي ط، ش "وَمن فَوق عَرْشه". ٤ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٣/ ١٩٢ مَادَّة "كنف": "الكنيف كأمير وَهُوَ الستْرَة والساتر والترس والمرحاض وحظيرة من شَجَرَة لِلْإِبِلِ" إِلَخ. ٥ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٢/ ٢٦٨ مَادَّة "حش": "والحش مُثَلّثَة الْمخْرج؛ لأَنهم كَانُوا يقضون حوائجهم فِي الْبَسَاتِين وَجمعه حشوش". ٦ حرف "من" لَيْسَ فِي ط، ش. ٧ فِي ط، س، ش "يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَمَا تَحت الثرى". ٨ انْظُر: سُورَة [الْأَنْعَام آيَة ١٣] و[التَّوْبَة آيَة ٩٤، ١٠٥]، [الرَّعْد آيَة ٩]، [الْمُؤْمِنُونَ آيَة ٩٢]، [السَّجْدَة آيَة ٦]، [الزمر آيَة ٤٦]، [الْحَشْر آيَة ٢٢]، [الْجُمُعَة آيَة ٨]، [التغابن آيَة ١٨] . ٩ فِي س "يعجب".
[ ١ / ٤٤٣ ]
الْمَنْزِلَةِ مِنْهُمْ لَنَبَّأْنَا كُلَّ عَامِلٍ مِنْهُمْ بِمَا عَمِلَ وَقَالَ، وَنَاجَى بِهِ أَصْحَابَهُ، فَمَا فَضْلُ عَلَّامِ الْغُيُوبِ عَلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ فِي دَعْوَاكَ١؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ. فَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِمَّنْ يَقْرَأُ٢ كِتَابَ اللَّهِ وَيَفْهَمُ٣ شَيْئًا مِنَ الْعَرَبِيَّةِ عَلِمْتَ أَنَّكَ كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ فِي دَعْوَاكَ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ٤ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ. ذَكَرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ٥٤ وَقَدْ عَرَفَ٦ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَكَيْفَ مِنَ الرِّجَالِ؟!
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٧، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٨، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٩، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١٠، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١١، ﴿ذِي الْمَعَارِجِ،
_________________
(١) ١ وَأَيْضًا فَالله منزه عَن الامتزاج بالخلق والاختلاط بهم، بل هُوَ سُبْحَانَهُ فَوق خلقه مستو على عَرْشه بَائِن من خلقه كَمَا دلّت على ذَلِك النُّصُوص وَقَررهُ عُلَمَاء السّلف. ٢ فِي ط، س، ش "مِمَّن تقْرَأ" وَلَو يعجم أَولهَا فِي الأَصْل، وَالْأَظْهَر أَنَّهَا بالمثناه التَّحْتَانِيَّة. ٣ فِي س "وتفهم" وَفِي ط، ش "أَو تفهم". ٤ فِي ط، ش "وصف نَفسه". ٥ فِي ش "فَوق سمواته". ٦ فِي ط، س، ش "قد عرف". ٧ سُورَة طه آيَة [٥] . ٨ سُورَة الْملك، آيَة [١٦] . ٩ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة [١٨] . ١٠ سُورَة النَّحْل، آيَة [٥٠] . ١١ سُورَة آل عمرَان، آيَة [٥٥] .
[ ١ / ٤٤٤ ]
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ١ مِنَ الْأَرْضِ السَّافِلَةِ. وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢ وَلَمْ يَقُلْ: يَنْزِلُ٣ إِلَيْهِ تَحْتَ الْأَرْضِ.
فَهَذِهِ الْآيُ كُلُّهَا تُنَبِّئُكَ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، وَأَنَّهُ عَلَى السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ٤ قَدْ عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَآمَنَ بِهِ، وَصَدَّقَ اللَّهَ بِمَا فِيهِ. فَلِمَ تَحْكُمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى٥ أَيُّهَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ بِمَا٦ هُوَ مُكَذِّبُكَ فِي كِتَابِهِ؟ وَيُكَذِّبُكَ٧ الرَّسُولُ ﷺ. أَو لم يَبْلُغْكَ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عيله وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ٨: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ٩ فَهَذَا ينبئك أَنه
_________________
(١) ١ سُورَة المعارج، آيَة [٣، ٤] . ٢ سُورَة فاطر، آيَة [١٠] . ٣ فِي ط، س، ش "ينزل بِهِ إِلَيْهِ". ٤ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مستو عَلَيْهِ اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله وعظمته. ٥ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ فِي ط، ش "إِلَّا بِمَا هُوَ مكذبه فِي كِتَابه" ويستقيم الْمَعْنى بِهِ على اعْتِبَار أَن "لم" أَدَاة جزم وَنفي، وتستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل على اعْتِبَار أَن "لم" أَدَاة اسْتِفْهَام. ٧ فِي ط، س، ش "ويكذبك بِهِ". ٨ فِي س "قَالَت". ٩ رَوَاهُ مُسلم، انْظُر: صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْمَسَاجِد بَاب تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة، حَدِيث ١٥٣٧/ ٣٨٢ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ فِي آخِره بِلَفْظ "فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ من أَنا؟ قَالَت: رَسُول الله، قَالَ: اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة ". وَانْظُر موطأ مَالك بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْعتْق وَالْوَلَاء، بَاب مَا يجوز من الْعتْق من الرّقاب الْوَاجِبَة، حَدِيث ٨ عَن عمر بن الحكم فِي آخِره بِلَفْظ: "فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: من أَنا؟ فَقَالَت: أَنْت رَسُول الله، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أعْتقهَا ". وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٢/ ٢٩١ بِمَعْنَاهُ وَفِي ٣/ ٤٥٢ بِمَعْنَاهُ وَفِي ٤/ ٣٨٨ قَرِيبا مِنْهُ.
[ ١ / ٤٤٥ ]
فِي السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ تَتْرُكُ١ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٢ وَرَسُوله، وتختار٣ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ قَوْلَ بِشْرٍ وَالثَّلْجِيِّ ونظرائمها٤ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ٥؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَحْوِيٍّ وَلَا مُحَاطٍ بِهِ، فَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَنَا وَفِي مَذْهَبِنَا، لَمَّا أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ فِي هَوَاءِ الْآخِرَةِ، حَيْثُ لَا خَلْقَ مَعَهُ هُنَاكَ غَيْرَهُ٦ وَلَا فَوْقَهُ سَمَاءٌ. وَفِي قِيَاسِ مَذْهَبِكَ وَمَذَاهِبِ أَصْحَابِكَ مَحْوِيٌّ٧ مُحَاطٌ بِهِ، مُلَازِقٌ، مَاس، قَدِ اعْتَرَفْتَ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُ؛ لِأَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالسَّمَوَاتُ فَوْقَ بَعْضِهِ، وَأَنَّهُ فِي كُلِّ بَيْتٍ مُغْلَقٍ، وَفِي كُلِّ صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ، فَهُوَ فِي دَعْوَاكُمْ مُحَاطٌ بِهِ مُمَاسٌّ. وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي كُلِّ٨ مَكَانٍ إِلَّا وَذَلِكَ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "نَتْرُك". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، ش "ونختار". ٤ فِي ش "ونظرائهم". ٥ انْظُر ص"١٣٨". ٦ الْعبارَة من قَوْله: "لما أَنه فَوق الْعَرْش" إِلَى قَوْله: "غَيره" غير وَاضِحَة، وَلَعَلَّ فِي الْكَلَام تحريفًا أَو سقطا من بعض النساخ وَالله أعلم. ٧ فِي ط، ش "وَهُوَ محوي". ٨ لفظ "كل" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٤٦ ]
الشَّيْءُ مِمَّا بَيْنَ الْأَمْكِنَةِ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْأَرْضُ فِي دَعْوَاكُمْ وَالسَّمَاءُ وَحِيطَانُ الْبُيُوتِ، وَالْأَغْلَاقُ وَالْأَقْفَالُ١. وَنَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ نَصِفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ هُوَ عَلَى عَرْشِهِ، فَوْقَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ فِي أَعْلَى مَكَانٍ وَأَطْهَرِ مَكَانٍ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٢، يَعْلَمُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، يُدَبِّرُ مِنْهُ الْأَمر يعرج٣ إِلَيْهِ فِي كل يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، كَمَا قَالَ٤، لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ وَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَلَا سَقْفُ بَيْتٍ، وَلَا تُقِلُّهُ أَرْضٌ، وَلَا تُظِلُّهُ سَمَاءٌ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُبْتَلَى أَنَّهُ فِي كُلِّ حَجَرٍ وَزَاوِيَةٍ، وَفِي كُلِّ حُشٍّ٥ وَكَنِيفٍ٦ وَمِرْحَاضٍ، حَيْثُ مقيل الشَّيْطَان ومبيتهم٧ تَعَالَى الله عَن وصفك
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش سطور لم ترد فِي الأَصْل ولعلها سَقَطت من النَّاسِخ، حَيْثُ ورد بعد قَوْله: "والأقفال" مَا يَلِي: "فَإِذا كَانَ فِي كل مَكَان "وَلَفْظَة مَكَان لَيست فِي س" يلْزم هَذَا الْجَاهِل على مَا ادَّعَاهُ أَن تكون ذَاته ملْء الْخَلَاء بأسره، "وَفِي س "أَن يكون"" فَيلْزمهُ أَن يكون ظرفا لحوادثه، وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك علوًّا كَبِيرا أَن يكون ظرفا لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُحِيط بالأشياء لَا محاط بِهِ فَبَطل ماقاله" وَفِي سي مَا قَالَ" وَظهر فَسَاد مَا ادَّعَاهُ" وَفِي س "فَظهر"". وَنحن نبرأ إِلَى الله " إِلَخ. ٢ سُورَة الْأَنْعَام آيَة [١٨] . ٣ فِي ط، س، ش "ويعرج". ٤ وَذَلِكَ فِي الْآيَة الرَّابِعَة من سُورَة المعارج حَيّ يَقُول: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . "٥، ٦" تقدم مناهما ص"٤٤٣". ٧ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي س، ش "ومبيته" وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَادَّعَى الْمُعَارِضُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ١: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى٢ مِنْ ذَاتِهِ. وَهُوَ فِي الْأَرْضِ بَائِنٌ مِنْهُ. فَإِنَّا لَا نَقُولُ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ وَلَا نَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ ذَاتِهِ فِي الْأَرْضِ مَنْزُوعٌ مُجَسَّمٌ بَائِنا٣ مِنْهُ. وَلَكنَّا نقُول: علمه وَكَلَامه مَعَهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ، غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ. فَهُوَ بِعِلْمِهِ الَّذِي كَانَ فِي نَفْسِهِ٤ عَالِمٌ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ بِكُلِّ ذِي نَجْوَى٥، أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْهُ بِمَنْظَرٍ وَمَسْمَعٍ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِنْ حَبْلِ الوريد. لَا يخفي عيله مِنْ جَسَدٍ٦ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا قِيسَ٧ خردلة من مخ أوعظم أَوْ عِرْقٍ٨ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ٩ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ ١٠ أَيْ نَحْنُ نَعْلَمُ مِنْهُ مَا ظهر وَمَا بطن، مَا غِيبَ١١ مِنْهُ الْجُلُودُ، وَوَارَاهُ الْجَوْفُ، وأخفته
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَلَعَلَّه أَرَادَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. ٢ مَا بَين القوسين لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، ش "بَائِن" بِالرَّفْع، وَمَا فِي الأَصْل جَائِزا أَيْضا على أَنه حَال من كلمة "بعض" المضافة إِلَى الْمعرفَة. ٤ المُرَاد بِعِلْمِهِ الَّذِي هُوَ متصف بِهِ. ٥ فِي ط، س "بِكُل ذِي نجوى وَمَعَ كل ذِي نجوى". ٦ فِي ط، س، ش "من جسدهم" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ أَي قدر خردلة، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٢/ ٢٤٤ مَادَّة "قاسة": "وَقيس رمح بِالْكَسْرِ وقاسه قدره". ٨ فِي ط، س، ش "أوعظم أَو لحم أَو عرق". ٩ فِي ط، ش "دَاخل وخارج" قلت: بل يعلم مَا هُوَ أقل من ذَلِك بل إِنَّه ﷾ يعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لم يكن لَو كَانَ كَيفَ يكون. ١٠ سُورَة الْوَاقِعَة، آيَة [٨٥] . ١١ فِي ط، ش "وَمَا غيبت" وَهُوَ أوضح.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الصُّدُور١ وَأَنْتُم لاتبصرون، فَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ، لَا بِأَنَّ عِلْمَهُ مَنْزُوعٌ مِنْهُ بَائِنٌ مُجَسَّمٌ فِي الْأَرْضِ، كَمَا ادَّعَيْتَ بِجَهْلِكَ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ نَدَّعِي٢ أَنَّ عِلْمَهُ فِي الْأَرْضِ، لَا مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا مِنَ الْبَاطِلِ، وَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ لِحُجَّةِ غَيْرِهِ مِمَّنْ٣ لَا يَتَوَجَّهُ لِحُجَّةِ نَفْسِهِ وَلَا يَدْرِي مَا يَنْطِقُ بِهِ "لِسَانُهُ؟، وَقَلَّ مَا رَأَيْتُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُتَكَلِّمًا فِي الْعَرْشِ أَكْثَرَ لَجَاجَةً فِي إِبْطَالِهِ"٤ وَإِدْخَالِ الْحَشْوِ مِنَ الْكَلَامِ وَالْحُجَجِ الدَّاحِضَةِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْمُعَارِضِ. وَكُلَّمَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَدْحَضَ لِحُجَّتِهِ وَأَكْشَفَ لِعَوْرَتِهِ.
فَأَقْصِرْ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ، فَإِنَّ الْعَرْشَ لَا يُعَطَّلُ بِإِكْثَارِ حَشْوِكَ وَخُرَافَاتِ كَلَامِكَ، وَكَلَامِ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ٥، إِذْ عَقِلَ أَمْرَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَكَيْفَ الرِّجَالُ٦؟.
وَيحك! هَذَا الْمَذْهَب أَنْزَهُ لِلَّهِ مِنَ السُّوءِ أَمْ مَذْهَبُ مَنْ يَقُولُ: فَهُوَ بِكَمَالِهِ٧ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَبَهَائِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوق سمواته، وَفَوق جَمِيع
_________________
(١) ١ بل إِنَّه سُبْحَانَهُ لَا يخفى عَلَيْهِ خافية فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الانعام آيَة ٥٩] . ٢ كلمة "تَقول" فِي هَذَا الْموضع أولى من "ندعي"، وَلَعَلَّ الْمُؤلف أَرَادَ الْمُقَابلَة لقَوْله: كَمَا ادعيتم". ٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي بَقِيَّة النّسخ "من" وَهُوَ أوضح. ٤ من بَين القوسين لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ فِي ش "فَكيف الدَّجَّال" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ فِي ط، ش "هُوَ بِكَمَالِهِ".
[ ١ / ٤٤٩ ]
الْخَلَائِقِ١ فِي أَعْلَى مَكَانٍ، وَأَطْهَرِ مَكَانٍ، حَيْثُ لَا خَلْقَ هُنَاكَ مِنْ إِنْسٍ وَلَا جَانٍّ، فَتَكْفُرُ٢؟ أَي الحزبين٣ أعلم بِاللَّه وبمكانه٤ وَأَشد لَهُ تَعْظِيمًا وإجلالًا؟.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَفَوق جَمِيع خلقه". ٢ فِي ط، س، ش "فيكفر" وَالْأَقْرَب أَنَّهَا "فتفكر". ٣ فِي ط، س، ش "فَأَي الحزبين أعلم بِاللَّه إِلَخ". ٤ قَوْله: "وبمكانه" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٥٠ ]