وَصَرَّحْتَ١ أَيْضًا بِمَذْهَبٍ كَبِيرٍ فَاحِشٍ مِنْ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ٢ فَقُلْتَ: إِذَا قَالُوا لَنَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِالْأَيْنِيَّةِ بِحُلُولِ الْمَكَانِ، إِذْ قِيلَ: أَيْنَ هُوَ؟ قِيلَ: عَلَى الْعَرْشِ وَفِي السَّمَاءِ.
فَيُقَالُ لَكَ، أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: مَا أَبْقَيْتَ غَايَةً فِي نفي استوء الله على
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "ثمَّ صرحت". ٢ تقدم الْكَلَام عَنْهَا فِي ص"١٣٨".
[ ١ / ٤٨٨ ]
الْعَرْشِ وَاسْتِوَائِهِ إِلَى السَّمَاءِ، إِذْ قُلْتَ١: لَا نَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَفِي السَّمَاءِ بِالْأَيْنِيَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ إِلَهَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، فَإِنَّمَا يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، وَيَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ فِي الْأَرْضِ٢ وَمَنْ قَصَدَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ٣ فِي الْأَرْضِ كَانَ كَعَابِدِ وَثَنٍ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى الْعَرْشِ وَالْأَوْثَانُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ لِجِبْرِيلَ٤ ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ٥ فَفِي قَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَالْحَدِّ بِقَوْلِهِ:٦ "ثَمَّ" لَا هَاهُنَا فِي الْكَنفِ٧ وَالْمَرَاحِيضِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ.
وَإِنْ أَبَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنْ تُؤَيِّنَ اللَّهَ تَعَالَى٨ وَتُقِرَّ بِهِ أَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، دُونَ مَا سِوَاهُ، فَلَا ضَيْرَ عَلَى مَنْ أَيَّنَهُ، إِذْ رَسُولُهُ وَنَبِيُّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ أَيَّنَهُ٩ فَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ١٠ وَكَذَلِكَ أَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ١١ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ.
_________________
(١) ١ فِي س "إِذا قلت". ٢ فِي ط، س "إِلَى إلهه فِي الأَرْض" وَفِي ش "إِلَى إلهه وَفِي الأَرْض". ٣ فِي ط، س، ش "إِلَى إلهه". ٤ فِي ط، ش "كَمَا قَالَ جِبْرِيل" قلت: تقدم الحَدِيث عَنهُ ص"٣٨٩". ٥ سُورَة التكوير آيَة ٢٠-٢١. ٦ لَفْظَة "بقوله" لَيست فِي ط، س، ش، وَبهَا يَتَّضِح الْمَعْنى. ٧ الكنيف: تقدم مَعْنَاهَا ص"٤٤٣". ٨ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٩ فِي ط، س، ش "إِذْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قد أينه". ١٠ تقدم تَخْرِيجه ص"٤٤٥". ١١ فِي ط، س، ش "إِبْرَاهِيم ﵇" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٩٣".
[ ١ / ٤٨٩ ]
حَدَّثَنَا ١ أَبُو هَاشِمٍ الرِّفَاعِيُّ٢، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ٣، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ٤، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ٥، عَنْ أَبِي صَالِحٍ٦، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٧ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ٨ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الأَرْض وَاحِد أعبد"٩.
_________________
(١) ١ فِي ط، س "حدّثنَاهُ". ٢ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَالرَّاجِح أَنه أَبُو هِشَام الرِّفَاعِي يدل لذَلِك مَا ذكره الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٤/ ٦٨، كَذَا ابْن كثير فِي تَفْسِيره، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ٣/ ١٢٩٠ أَنه روى عَن إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ انْظُر تَرْجَمته ص"٣١٨". ٣ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "إِسْحَاق بن سليم" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٥٨: إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ، أَبُو يحيى، كُوفِي الأَصْل، ثِقَة فَاضل، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٢٠٠ وَقيل: ع. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٢٣٤ أَنه روى عَن جَعْفَر الرَّازِيّ. ٤ فِي ط، س، ش "عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ" وَبِمَا فِي الأَصْل ورد عِنْد الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان وَبِمَا فِي بَقِيَّة النّسخ ورد عِنْد ابْن كثير كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ التَّمِيمِي مَوْلَاهُم، مَشْهُور بكنيته واسْمه عِيسَى بن أبي عِيسَى عبد الله بن ماهان وَأَصله من مرو، وَكَانَ يتجر إِلَى الرّيّ، صَدُوق سيئ الْحِفْظ خُصُوصا عَن مُغيرَة، من السَّابِعَة، مَاتَ فِي حُدُود السِّتين، بخ وَالْأَرْبَعَة انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٤٠٦. ٥ عَاصِم بن بَهْدَلَة، تقدم ص"٤٢٢". ٦ الرَّاجِح أَنه أَبُو صَالح السمان، ذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥/ ٣٨ أَن عَاصِم بن بَهْدَلَة روى عَنهُ، وَانْظُر تَرْجَمته ص"٢٧٠". ٧ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش، تَرْجَمته تقدّمت ص"١٧٩". ٨ إِبْرَاهِيم ﵇، تقدم ص٢٩٣. ٩ فِي ط، ش "وَاحِد عَبدك". قلت: ذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"٧" من طَرِيق أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن =
[ ١ / ٤٩٠ ]
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ١، عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارِ٢، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ٣، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ٤، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ٥، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ٦ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للْأمة السَّوْدَاء: "أَيْن الله؟
_________________
(١) عَاصِم، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا ألقِي إِبْرَاهِيم ﵇ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ وَاحِد فِي السَّمَاء وَأَنَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدُكَ" وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن الْإِسْنَاد، رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْحَاق. وَذكره الذَّهَبِيّ أَيْضا فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٤/ ٦٨ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن يزِيد الرِّفَاعِي. وَذكره أَيْضا ابْن كثير فِي تَفْسِيره ٣/ ١٨٤، وَعَزاهُ إِلَى الْحَافِظ أبي يعلى، حَدثنَا أَبُو هِشَام، حَدثنَا إِسْحَاق بن سُلَيْمَان، عَن أبي جَعْفَر، عَن عَاصِم، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِهِ. وَذكره الهيثمي فِي الْمجمع ٨/ ٢٠١ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَزَّار وَفِيه عَاصِم بن عمر بن حَفْص وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَقَالَ: يُخطئ وَيُخَالف، وَضَعفه الْجُمْهُور. وَذكره السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور بهامشه تنوير المقباس ٤/ ٣٢٢ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَعَزاهُ إِلَى أبي يعلى وَأبي نعيم وَابْن مرْدَوَيْه الْخَطِيب. ١ مُسلم بن إِبْرَاهِيم، تقدم ص"٢٥٠". ٢ فِي ش "عَن أبان عَن يزِيد الْعَطَّار" وَصَوَابه مافي الأَصْل وترجمته تقدّمت ص"٤٠٥". ٣ يحيى بن أبي كثير، تقدم ص"٢١٢". ٤ هِلَال بن أبي مَيْمُونَة تقدم ص"٢١٢". ٥ عَطاء بن يسَار، تقدم ص"٢٠٦". ٦ مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ، صَحَابِيّ نزل الْمَدِينَة، ت م د س. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٥٨، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٣/ ٣٨٣-٣٨٤ وَأسد الغابة ٤/ ٣٨٤-٣٨٥، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٣/ ٤١١-٤١٢، وتهذيب التَّهْذِيب ١٠/ ٢٠٥.
[ ١ / ٤٩١ ]
قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ١.
فَمَا نَصْنَعُ٢ بِقَوْلِكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ وَقَوْلِ إِمَامِكَ الْمَرِيسِيِّ مَعَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ٢وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ٤ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنْ يُنْبَذَ فِي الْحُشِّ.
وَالْقُرْآنُ يُصَدِّقُ مَا قَالَا وَيُحَقِّقُهُ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، إِذْ يَقُولُ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦ وَ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٧، ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ٨، وَ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٩ وَ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١٠ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْقُرْآنِ.
وَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّكَ لَا تَصِفُ اللَّهَ بِحُلُولٍ فِي الْأَمَاكِنِ، فَلَوْ
_________________
(١) ١ تقدم تحريج الحَدِيث ص"٤٤٥". ٢ فِي س "فَمَا تصنع" بِالتَّاءِ، وَفِي ط، ش، "فَمَا نصْنَع" بالنُّون، وَلم تعجم فِي الأَصْل وَالظَّاهِر أَنَّهَا بالنُّون. ٣ فِي ط، س، ش زِيَادَة "ﷺ". ٤ تقدم لَهُ تَرْجَمته ص٢٩٣. ٥ تقدم مَعْنَاهُ ص٤٤٣. ٦ سُورَة الْملك آيَة ١٦. ٧ سُورَة فاطر ١٠. ٨ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ لم تذكر فِي النُّسْخَة س، والآيتان من سُورَة المعارج "٣-٤". ٩ سُورَة الْأَنْعَام آيَة ١٨، وَأَيْضًا آيَة ٦١. ١٠ سُورَة آل عمرَان آيَة ٥٥.
[ ١ / ٤٩٢ ]
شَعُرْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّكَ وَصَفْتَهُ بأقبح حُلُول فِي الْأَمَاكِن أفحش١ مِمَّا عِبْتَ عَلَى غَيْرِكَ؛ لِأَنَّا قد أَيّنَا لَهُ مَكَانا وَاحِدًا، أَعْلَى مَكَانٍ، وَأْطَهَرَ مَكَانٍ٢ وَأَشْرَفَ مَكَانٍ: عَلَى عَرْشِهِ الْعَظِيمِ الْمُقَدَّسِ الْمَجِيدِ، فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، حَيْثُ لَيْسَ مَعَهُ هُنَاكَ إِنْسٌ وَلَا جَان٣ وَلَا بجنبيه حُشٌّ٤ وَلَا مِرْحَاضٌ وَلَا شَيْطَانٌ.
وَزَعَمْتَ أَنْتَ وَالْمُضِلُّونَ مِنْ زُعَمَائِكَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ حُشٍّ وَمِرْحَاضٍ، وَبِجَنْبِ كُلِّ إِنْسِيٍّ٥ وَجَانٍّ، أَفَأَنْتُمْ تُشَبِّهُونَهُ بِالْحُلُولِ٦ فِي الْأَمَاكِنِ، أَمْ نَحْنُ؟ هَذَا وَاضِحٌ بَيْنَ مَذْهَبِكُمْ وَدَعْوَاكُمْ، صَرَّحْتَ بِهَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِكَ، وَلَكِنَّكَ تَقُولُ الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ، ثُمَّ تَنْقُضُهُ٧ عَلَى نَفسك وَأَنت تَشْعُرُ بِهِ حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقِكَ. الْحَمد لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنَا عَلَيْكَ بِالنِّسْيَانِ، وكثيرة الهذيان.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وأفحش". ٢ كَذَا فِي الأَصْل ولعلها "وَأظْهر" بِالْمُعْجَمَةِ. ٣ ترك هَذَا النَّفْي أولى وأليق بتنزيه الرب. ٤ تقدم معنى الحش ص”٤٤٣". ٥ فِي ط، "كل إنس" وَفِي ش "كل إِنْسَان". ٦ فِي ط، ش"أفأنتم تشبهونه، إِذْ قُلْتُمْ بالحلول" وَهُوَ أوضح. ٧ فِي ط، ش "ثمَّ تنقص".
[ ١ / ٤٩٣ ]