وَرَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنْ إِسْرَائِيلَ١ عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ٢ عَنِ ابْنِ عُمَرَ٣ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ مِنْ ٤ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، مَنْ يَنْظُرُ إِلَى نَعِيمِهِ وَجَنَّاتِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً"، ثُمَّ تَلَا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ إِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس، تقدم ص"٢٦٧"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ٩٢/١ أَنه روى عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ. ٢ فِي س "ثَوْر بن فَاخِتَة"، وَفِي ط، ش "ثُوَيْر بن فَاخِتَة" وَصَوَابه "ثويربن أبي فَاخِتَة". قَالَ فِي التَّقْرِيب ١٢١/١: ثُوَيْر -مُصَغرًا- ابْن أبي فَاخِتَة بِمُعْجَمَة مَكْسُورَة ومثناة مَفْتُوحَة، سعيد بن علاقَة -بِكَسْر الْمُهْملَة- الْكُوفِي، أبوالجهم، ضَعِيف، رمي بالرفض، من الرَّابِعَة/ ت، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١٨٧/١ أَنه روى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعنهُ إِسْرَائِيل بن يُونُس. ٣ عبد الله بن عمر، تقدم ص”٢٤٥". ٤ حرف "من" لَيْسَ فِي، س، ش. ٥ سُورَة الْقِيَامَة، الْآيَتَانِ "٢٢-٢٣"، والْحَدِيث أخرجه الإِمَام أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ. انْظُر: جَامع التِّرْمِذِيّ بشرحه تحفة الأحوذي/ أَبْوَاب صفة الْجنَّة/ بَاب رُؤْيَة الرب ﵎/ حَدِيث ٢٦٧٧، ٢٦٨/٧ قَالَ: حَدثنَا عبد بن حميد أَخْبرنِي شَبابَة بن سوار، عَن إِسْرَائِيل عَن ثُوَيْر قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِن أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ ينظر إِلَى جناته وزوجاته ونعيمه وخدمه وسرره مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى الله مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّة، ثمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ". قَالَ: "وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن إِسْرَائِيل، عَن ثويرعن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَرَوَاهُ عبد الْملك بن أبجر عَن ثُوَيْر عَن ابْن عمر مَوْقُوفا وَرَوَاهُ عبيد الله الْأَشْجَعِيّ عَن سُفْيَان عَن ثُوَيْر عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْله وَلم يرفعهُ" انْتهى. وَانْظُر: الْمصدر نَفسه/ أَبْوَاب التَّفْسِير/ سُورَة الْقِيَامَة/ حَدِيث ٣٣٨٦، ٢٤٦/٩-٢٥٠ من طَرِيقه السَّابِق وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب. وَانْظُر: الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ١٣/٢ من طَرِيق عبد الله حَدثنِي أبي ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة ثناعبد الْملك بن أبجر عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا بِنَحْوِهِ. وَانْظُر: الْمصدر نَفسه ٦٤/٢ من طَرِيق عبد الله ثَنَا أبي ثَنَا حُسَيْن بن مُحَمَّد ثَنَا إِسْرَائِيل بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ مقارب.
[ ٢ / ٨١٠ ]
قَالَ الْمُعَارِضُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ نَظَرًا إِلَى مَا أعدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى الْجِنَانِ١.
فيُقال لِهَذَا الْمُعَارِضِ: قَدْ جِئْتَ بِتَفْسِيرٍ طَمَّ٢ عَلَى جَمِيعِ تَفَاسِيرِكَ ضَحِكَةً وَجَهَالَةً، وَلَوْ قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَعَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي رَوَيْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ٣ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْوَاضِحَةِ لَا يَحْتَمِلُ تَفْسِيرًا غَيْرَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَتَلَا تَصْدِيقَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ٤. وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِلَى وَجْهِ اللَّهِ"، وَلَمْ يَقُلْ: إِلَى وُجُوهِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَاتِ٥ وَمَنْ سَمَّى مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَجْهًا لِلَّهِ قَبْلَكَ؟ وَفِي أَيِّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَجَدْتَ أَنَّ وَجْهَ اللَّهِ أَعْلَى جَنَّتِهِ؟ مَا لَقِيَ وَجْهِ اللَّهِ ذِي٦ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ
_________________
(١) ١ فِي س "إِلَى الْجنَّة هِيَ أَعلَى الْجنان" وَسِيَاق الأَصْل أوضح، وَفِي ط، ش، "إِلَى الْجنَّة هِيَ أَعلَى الجنات". ٢ أَي زَاد وَغلب عَلَى جَمِيعِ تَفَاسِيرِكَ ضَحِكَةً وَجَهَالَةً، قَالَ الفيروز آبادي فِي الْقَامُوس ١٤٥/٤ مَادَّة "طَمَّ": "المَاء طمًا وطُمُومًا غَمَر، والإناءَ ملأهُ والرَّكية يطمُّها ويطُمُّها دفنَها وسوَّاها، وَالشَّيْء كثُر حَتَّى عَلا وغَلب " إِلَخ. ٣ فِي ط، ش "بِهَذَا السِّيَاق". ٤ فِي ط، س، ش "من كتاب الله تَعَالَى". ٥ فِي الأَصْل "من الكرمات" وَلَعَلَّ الْألف سَقَطت، وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي ط، س، ش. ٦ فِي ط، س، ش "ذُو الْجلَال" بِالرَّفْع، وَيتَوَجَّهُ على أَنه نعت لوجه مَرْفُوع بِالْوَاو، وبالجر على أَنه نعت للفظ الْجَلالَة مجرور بِالْيَاءِ.
[ ٢ / ٨١١ ]
مِنْ تَفَاسِيرِكَ١؟! مَرَّةً تَجْعَلُهُ مَا أعدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الجنَّة، وَمَرَّةً تَجْعَلُهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمَرَّةً تَجْعَلُهُ وَجْهَ الْقِبْلَةِ، وَمَرَّةً تُشَبِّهُهُ بِوَجْهِ الثَّوْبِ وَوَجْهِ الْحَائِطِ، وَاللَّهُ سَائِلُكَ عمَّا تَتَلَاعَبُ بِوَجْهِهِ ذِي٢ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
فَإِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتَ أَنَّ أَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ٣ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي يَتَوَقَّعُونَهَا٤ مِنَ اللَّهِ، أَفَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِكَ أَيْضًا: "إِنَّ ٥ أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ جَنَّاتِهِ وَنَعِيمِهِ وَكَرَامَاتِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَإِنَّ الْأَدْنَيْنَ مِنْهُمْ يَتَوَقَّعُونَ مِنْ كَرَامَاتِ اللَّهِ مَا يَتَوَقَّعُ أَكْرَمُهُمْ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى أَعْلَى الْجَنَّةِ كَمَا يَنْظُرُ أَكْرَمُهُمْ؟ " مَا مَوْضِعُ تَمْيِيزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَدْنَى بِالنَّظَرِ إِلَى مُلْكِهِ وَنَعِيمِهِ، وَالْأَعْلَى٦ إِلَى وَجْهِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً؛ إِذْ كُلُّهُمْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِيهَا غَيْرُ مَحْجُوبِينَ، وَلَا عَنِ التَّوَقُّعِ مَمْنُوعِينَ حَتَّى تَلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَكْرَمِينَ مِنْهُمْ مَا لم يتل٧ فِي الأدنيين مِنْهُم
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "من تفاسيرك هَذِه". ٢ فِي س "ذُو" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٣ فِي ط، س، ش "مَا أعد لَهُم". ٤ فِي س "يتوقعوها". ٥ فِي س "أَن" بِفَتْح الْهمزَة، وَلم تهمز فِي الأَصْل، وَفِي ط، ش "إِن" بِهَمْزَة مَكْسُورَة، وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهَا وَقعت محكية بالْقَوْل. ٦ فِي ط، س، ش "والأعلى بِالنّظرِ إِلَى وَجهه". ٧ فِي ط "مَا لم يَتْلُو" وَالصَّوَاب حذف الْوَاو للجزم هُنَا، وَفِي ش "مَا يَتْلُو" بِدُونِ لم، ويتضح الْمَعْنى بإثباتها.
[ ٢ / ٨١٢ ]
تَثْبِيتًا١ لِوَجْهِهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَتَكْذِيبًا لِدَعْوَاكَ، فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢ وَلَمْ يَقُلْ٣: إِلَى كَرَامَاتِهَا نَاظِرَةٌ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَوْحَشَهَا مِنْ تَأْوِيلٍ، وَأَقْبَحَهَا مِنْ تَفْسِيرٍ، وَأَشَدَّهَا اسْتِحَالَةً فِي جَمِيعِ لُغَاتِ الْعَالَمِينَ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَرْزُقْكَ مِنَ الْفَهْمِ إِلَّا مَا تَرَى، لَوْ تكلم بِهَذَا صبيان الْكتاب لَا ستضحك النَّاسُ مِنْهُمْ فَكَيْفَ رَجُلٌ يَعُدُّ نَفْسَهُ مِنْ٤ عِدَادِ عُلَمَاءِ بِلَادِهِ٥؟
وَرَوَى الْمُعَارِضُ٦ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ مُحَمَّدٍ٧ رَوَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ٨،
_________________
(١) ١ فِي ط، س "تثبيتًا". ٢ سُورَة الْقِيَامَة، الْآيَتَانِ "٢٢-٢٣". ٣ فِي ط، س، ش "وَلم يقْرَأ". ٤ فِي ط، ش "فِي" بدل "من". ٥ فِي ط، ش "من عُلَمَاء أهل بِلَاده". ٦ فِي ط، س، ش "وروى الْمعَارض أَيْضا". ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١٥٤/١: حجاج بن مُحَمَّد المصِّيصِي الْأَعْوَر، أَبُو مُحَمَّد التِّرْمِذِيّ الأَصْل، نزل بَغْدَاد ثمَّ المصيصة، ثِقَة، ثَبت، لكنه اخْتَلَط فِي آخر عمره لما قدم بَغْدَاد قبل مَوته، من التَّاسِعَة، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة ٢٠٦/ع. وَفِي التَّهْذِيب لِابْنِ حجر ٢٠٥/٢ أَنه روى عَن ابْن جريج. ٨ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٥٢٠/١: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْأمَوِي مَوْلَاهُم الْمَكِّيّ، ثِقَة فَقِيه فَاضل، وَكَانَ يُدَلس، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة خمسين أَو بعْدهَا، وَقد جاوزالسبعين، وَقيل: جَاوز الْمِائَة، وَلم يثبت/ ع. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤٠٥/٦ أَن حجاج بن محد المصِّيصِي روى عَنهُ وَلم أجد فِي التَّهْذِيب لِابْنِ حجر وتهذيب الْكَمَال أَنه روى عَن الضَّحَّاك.
[ ٢ / ٨١٣ ]
عَنِ الضَّحَّاكِ١، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ٣.
وَرَوَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ٤، عَنْ قَتَادَةَ٥، عَنْ عِكْرِمَةَ٦، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٧ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "رَأَى ربَّه جَعْدًا أَمْرَدَ عَلَيْهِ حُلَّة خَضْرَاءُ"٨.
فادَّعى الْمُعَارِضُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فسَّروا هَذَا أَنَّ هَذِهِ صِفَةُ جِبْرِيلَ٩، فَعَرَفَ رَبَّهُ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عِلْمًا بِقَلْبِهِ بإدراكه جِبْرِيل عيَانًا، فَهَذَا
_________________
(١) ١ لَعَلَّه أَرَادَ الضَّحَّاك بن مُزَاحم، تقدم ص"٧٢١"، وَفِي الكاشف للذهبي أَنه روى عَن ابْن عَبَّاس. ٢ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، تقدم ص"١٧٢". ٣ تقدم بِنَحْوِهِ، انْظُر تَخْرِيجه وَالْكَلَام عَلَيْهِ ص"٧٢٥"، وَمن هَذَا الطَّرِيق أوردهُ السُّيُوطِيّ فِي اللآلئ المصنوعة ٣٠/١، وَعَزاهُ إِلَى الطَّبَرَانِيّ قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن سعيد الرَّازِيّ حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدروقي، حَدثنَا حجاج بن مُحَمَّد -بِهَذَا السَّنَد- عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: رَأْي مُحَمَّد ربه ﷿ فِي صُورَة شَاب أَمْرَد، وَبِه قَالَ ابْن جريج عَن صَفْوَان بن سليم عَن عَائِشَة قَالَت: رَأْي النَّبِيِّ ﷺ ربَّه على صُورَة شَاب جَالس على كرْسِي رجله فِي خضرَة من نور يتلألأ. وَانْظُر الْمصدر نَفسه ص"٢٨-٣١". ٤ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم ص"١٨٧". ٥ قَتَادَة، تقدم ص"١٨٠". ٦ عِكْرِمَة، تقدم ص"٢٨٦". ٧ عبد الله بن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٨ انْظُر تَخْرِيجه ص"٧٢١". ٩ جِبْرِيل ﵇، تقدم ص"٣٨٩".
[ ٢ / ٨١٤ ]
تَفْسِيرُ١ أَنَّهُ رَأَى مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي شَاهَدَ بِبَصَرِهِ، وَكَانَتْ صُورَةُ جِبْرِيلَ٢.
فَقُلْنَا لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُنَاقِضِ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ٣؟ ثُمَّ تَدعِي هَاهُنَا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فَسَّرُوهُ أَنَّهُ صُورَةُ جِبْرِيلَ٤، وَأَيُّ صَاحِبِ عِلْمٍ يُفَسِّرُ أَحَادِيثَ الزَّنَادِقَةِ، يُوهِمُ٥ النَّاسَ أَنَّهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ أَلَا إِنَّ يَكُونَ زُعَمَاؤُكَ هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلُونَ؟ وَكَيْفَ تُثْبِتُ الشَّهَادَةَ عَلَى حَدِيثِ الزَّنَادِقَةِ أَن هَذَا تَفْسِيره؟ أَو لَيْسَ قد أنبأناك فِي صدركتابنا٦ هَذَا أَنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أنَّى أَرَاهُ"٨، وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ٩ ﵂: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى ربَّه فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ"؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لَا تُدرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ١٠
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فَهَذَا تَفْسِيره"، وَهُوَ أوضح. ٢ فِي س، ط "وَكَانَت الصُّورَة صُورَة جِبْرِيل". ٣ تقدم هَذَا القَوْل ومناقشته ص"٧٣٠"، وَانْظُر تعريفًا موجزًا عَن الزَّنَادِقَة ص"٥٣١". ٤ جِبْرِيل ﵇، تقدّمت تَرْجَمته ص"٣٨٩". ٥ فِي ط، ش "أَو يُوهم"، وَفِي س "ويوهم". ٦ انْظُر ص"٧٢٦" وَمَا بعْدهَا. ٧ أَبُو ذَر ﵁، تقدم ص"٣٦٣". ٨ تقدم تَخْرِيجه "٣٦٣". ٩ عَائِشَة ﵂، تقدّمت ص"٢٥٢". ١٠ فِي ط، ش زِيَادَة: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ . قلت: الْآيَة من سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٠٣"، والْحَدِيث تقدم تَخْرِيجه ص"٧٢٦".
[ ٢ / ٨١٥ ]
غَيْرَ أَنَّكَ فَسَّرْتَهُ تَفْسِيرًا شَهِدْتَ فِيهِ بِالْكُفْرِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ١ فِي صُورَتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ رَبُّهُ، وَأَنَّهُ قَالَ لِصُورَةٍ مَخْلُوقَةٍ شَاهَدَهَا بِبَصَرِهِ أَنه ربه، فتكفر٢ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِيمَا يَجْلِبُ عَلَيْكَ تَأْوِيلُكَ هَذَا مِنَ الْفَضَائِحِ، حِينَ تَدَّعِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْرِفْ جِبْرِيلَ مِنَ اللَّهِ٣ حَتَّى يَرَى صُورَةَ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ شَابٍّ جَعْدٍ، فَيَدَّعِيَ أَنَّهُ رَبُّهُ بِزَعْمِكَ. لَوْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ أَبْكَمَ كَانَ خَيْرًا لَكَ مِنْ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ: إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَالُوا: إِنَّ هَذَا صُورَةُ جِبْرِيلَ، فَمِنْ أَيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ سَمِعْتَ هَذَا التَّفْسِيرَ؟ فَأَسْنِدْهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْنِدُهُ إِلَّا إِلَى مَنْ هُوَ أَجْهَلُ مِنْكَ.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ إِنَّمَا تُغَالِطُ٤ بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِتَدْفَعَ بِهَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٥ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ ٦ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" ٧، فَتوهم
_________________
(١) ١ جِبْرِيل ﵇، تقدم ص"٣٨٩". ٢ فِي ط، س، ش "فتفكر" وَلَعَلَّ مَا فِي الأَصْل تَصْحِيف من بعض النُسَّاخ. ٣ فِي ط، س، ش "من الله تَعَالَى". ٤ فِي ط، ش "تغالط الْجُهَّال". ٥ سُورَة الْقِيَامَة، الْآيَتَانِ "٢٢-٢٣". ٦ فِي ط، س، ش "إِنَّكُم ترَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة". ٧ تقدم تَخْرِيجه ص"٢٠٤".
[ ٢ / ٨١٦ ]
النَّاسَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَسْتَنْكِرُهَا وَتَلْتَمِسُ لَهَا هَذِهِ الْعَمَايَاتِ كَالَّتِي يَرْوُونَ١ فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَأَنَّهُ لَا تُدْفَعُ٢ تِلْكَ بِمِثْلِ هَذَا التَّفْسِيرِ الْمَقْلُوبِ، لِمَا أَنَّهَا قَدْ ثَبَتَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَسَانِيدَ كَالصُّخُورِ، فَلَا يُدْفَعُ إِلَّا بِأَثَرٍ مِثْلِهِ مَأْثُورٍ، فَارْبَحِ الْعَنَاءَ فَقَدْ عَلِمْنَا حَوْلَ مَاذَا تَدُورُ، وَلَنْ تَغُرَّ بِمِثْلِهَا إِلَّا كُلَّ مَغْرُورٍ.
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا فِي إِنْكَار الرُّؤْيَة بِحَدِيث رَوَاهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ٣ ضَرَبَ الْعُزَّى بِالسَّيْفِ فَقَالَ لَهُ٤: "كُفْرَانَكَ، لَا سُبْحَانَكَ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَك"٥.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "تروون". ٢ لم يعجم أَولهَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "لَا تدفع" بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة. ٣ فِي ط، س، ش "أَن خَالِد بن الْوَلِيد ﵁" وَهُوَ أوضح. قلت: وَهُوَ خَالِد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُوم، المَخْزُومِي، سيف الله، يكنى أَبَا سُلَيْمَان، من كبارالصحابة، وَكَانَ إِسْلَامه بَين الْحُدَيْبِيَة وَالْفَتْح، وَكَانَ أَمِيرا على قتال أهل الرِّدَّة وَغَيرهَا من الْفتُوح إِلَى أَن مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين/ خَ م د س ت. التَّقْرِيب ٢١٩/١، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٤٠٥/١١-٤٠٩، وَأسد الغابة ٩٣/٢-٩٦، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٤١٢/١-٤١٥، وتهذيب التَّهْذِيب ١٢٤/٣-١٢٥. ٤ فِي ط، ش "فَقَالَ لَهَا". ٥ ذكر ذَلِك ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب/ تَحْقِيق عل البجاوي قسم ٤٢٨/٢ فِي تَرْجَمَة خَالِد قَالَ: "وَبَعثه رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْعُزَّى وَكَانَ بَيْتا عَظِيما لقريش =
[ ٢ / ٨١٧ ]
قَالَ الْمُعَارِضُ: فَهَذِهِ رَؤْيَةُ عِلْمٍ لَا رُؤْيَةُ بَصَرٍ. قَالَ: يَعْنِي أَنَّ١ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَنَحْوِ مَا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ٢ فِي دُنْيَاهُ.
قَالَ الْمُعَارِضُ: وفسَّر قَوْمٌ أَن الرية لِلشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعِلْمِ،
_________________
(١) = وكنانة وَمُضر تبجله؛ فَهَدمهَا، وَجعل يَقُول: يَا عز كُفْرَانك الْيَوْم لَا سُبْحَانَكَ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قد أَهَانَك وَانْظُر: تفسيرابن كثير ٢٥٤/٤، وَابْن حجر فِي الْفَتْح ٦١٢/٨. قلت: وَفِي قَول ابْن عبد الْبر أَن الْعُزَّى كَانَت بيا نظر؛ فقد ذكرابن جريرالطبري اخْتِلَاف أهل التَّأْوِيل فِي الْعُزَّى فَقَالَ بَعضهم: كَانَت شجيرات يعبدونها، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَت الْعُزَّى حجر أَبيض، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ بَيْتا بِالطَّائِف تعبده ثَقِيف، وَقَالَ آخَرُونَ: بل كَانَ بِبَطن نَخْلَة" انْتهى مُخْتَصرا من تَفْسِير الطَّبَرِيّ ٣٥/٢٧. وأظهرالأقوال فِي ذَلِك -وَالله أعلم- مَا نَقله ابْن كثير فِي تَفْسِيره ٢٥٤/٤ من أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما فتح مَكَّة بعث خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى نَخْلَة، وَكَانَت بهَا الْعُزَّى فَأَتَاهَا خَالِد وَكَانَت على ثَلَاث سمُرَات، فَقطع السَّمُرَات وَهدم الْبَيْت الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا ثمَّ أَتَى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ: "ارْجع فَإنَّك لم تصنع شَيْئا"، فَرجع خَالِد، فَلَمَّا أبصرته السَّدَنَة وهم حَجَبتهَا أَمْعَنُوا فِي الْجَبَل وهم يَقُولُونَ: ياعزى ياعزى، فَأَتَاهَا خَالِد فَإِذا امْرَأَة عُرْيَانَة نَاشِرَة شعرهَا تحفن التُّرَاب على رَأسهَا، فغمسها بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتلهَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ: "تِلْكَ الْعُزَّى". ١ فِي ط، س، ش "يَعْنِي الْمُؤمنِينَ". ٢ خَالِد بن الْوَلِيد ﵁، تقدّمت تَرْجَمته قَرِيبا.
[ ٢ / ٨١٨ ]
كَمَا يُقال: رَأَيْتُ الْخَلَّ شَدِيدَ الْحُمُوضَةِ، وَرَأَيْتُ الْعُودَ طَيِّبًا، يُرِيدُ رَائِحَتَهُ١ كَمَا قَالَ٢: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ٣، وَلَمْ يَرَهُ إِلَّا بِالْمَعْرِفَةِ. وَكُلُّ شَيْءٍ يُدْرَكُ٤ بِالرُّؤْيَةِ فَلَهُ٥ قِلَّةٌ وَكَثْرَةٌ٦.
فَاللَّهُ الْمُتَعَالِي عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا يُرَى بِدَلَائِلِهِ وَآثَارِ صُنْعِهِ، فَهِيَ شَوَاهِد لَا الَّذِي يُعْرَفُ بِمُلَاقَاةٍ وَلَا بِمُشَاهَدَةِ حَاسَّةٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ذَهَبَتِ الشُّكُوكُ وَعَرَفُوهُ عَيَانًا، لَا بِإِدْرَاكِ بَصَرٍ، ثُمَّ قَالَ: فَإِن كَانَ الرِّوَايَات٧ فهاهنا رِوَايَاتٌ أَيْضًا مُعَارِضَةٌ، وَإِنْ كَانَ٨ يحْتَمل التَّأْوِيل فهاهنا مَا يَحْتَمِلُ أَيْضًا.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: أَمَّا الرِّوَايَاتُ فَمَا نَرَاكَ تَحْتَجُّ فِي جَمِيعِ مَا تَدَّعِي إِلَّا بِكُلِّ أَعْرَجَ مَكْسُورٍ، بِالتَّجَهُّمِ مَشْهُورٌ، وَفِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَغْمُورٌ٩.
_________________
(١) ١ الْعبارَة "كَمَا يُقَال" إِلَى قَوْله: "برائحته" لَيست فِي ط، س، ش، وإثباتها أوضح. ٢ فِي سنّ ط "كَا قَالَ الله تَعَالَى"، وَفِي ش "كَمَا قَالَ تَعَالَى". ٣ سُورَة الْفِيل، آيَة "١". ٤ فِي ط، ش "تُدْرِكهُ". ٥ لفظ "فَلهُ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ فِي ط، ش "قلَّة وَكَثْرَة" بِالْهَاءِ. ٧ فِي ط، س، ش "بالروايات". ٨ فِي ط، س، ش "وَإِن كَانَ مَا يحْتَمل". ٩ "مغمورة" تقدم مَعْنَاهَا ص"١٤٧".
[ ٢ / ٨١٩ ]
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ الَّذِي تَدَّعِيهِ مِنْ كَلَامِكَ فَقَدْ أَنْبَأْنَاكَ أَنَّهُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَجْهُولٌ، وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لَا يَخْفَى تَنَاقُضُهُ إِلَّا عَلَى كُلِّ جَهُولٍ.
وَأَمَّا مَا احْتَجَجْتَ بِهِ مِنْ قَوْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ١ فَمَعْقُولٌ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا قَالَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٢ وروى أبوذر٣ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنه قَالَ: "نورأنَّى أَرَاهُ"٤، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا ٥ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا" آمَنَّا بِمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ٦ عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُدْرِكْهُ وَلَمْ يَرَهُ لِمَا أَنَّهُ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ٧ فَاسْتَيْقَنَّا عِلْمًا يَقِينًا أَنَّ هَذِهِ رُؤْيَةُ عِلْمٍ، لَا رُؤْيَة بصر،
_________________
(١) ١ خَالِد بن الْوَلِيد ﵁، تقدم ص”٨١٧". ٢ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٠٣". ٣ فِي ط، س، ش "أَبُو ذَر ﵁" قلت: انْظُر تَرْجَمته ص”٣٦٣". ٤ تقدم تَخْرِيجه ص”٣٦٣". ٥ فِي الأَصْل "لم تروا" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي ط، س، ش، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي رِوَايَة أَحْمد، وَعند ابْن مَاجَه "لَا تروا". انْظُر تَخْرِيج الحَدِيث ص”٧٣٨". ٦ سُورَة الْفِيل، آيَة "١". ٧ وَهُوَ الْعَام الَّذِي هاجم فِيهِ أَبْرَهَة الحبشي الْبَيْت، وَكَانَ ذَلِك عَام ٥٧٠ من مِيلَاد الْمَسِيح ﵇، والقصة مَشْهُور، وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك الْقُرْآن فِي سُورَة الْفِيل.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ١ فَاسْتَيْقَنَّا بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ لَمْ يرَ رَبَّهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ عَيَانًا، وَأَنَّهُ رُؤْيَةُ الْفِعْلِ -مَدُودِ٢ الظِّلِّ الَّذِي يَرَاهُ بُكْرَةً وَعَشِيًّا- وَكَذَلِكَ قَوْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلَد٣: "إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكَ"٤ لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَبْصَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا لَا تُدْرِكُهُ فِي الدُّنْيَا.
فَحِينَ حدَّ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِ حدا فِي الْآخِرَة بقول: ﴿إلَى رَبِّها نَاظِرَةٌ﴾ ٥ عَلِمْنَا أَنَّهَا رُؤْيَةُ عَيَانٍ٦ وَكَذَلِكَ٧ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ أَبُو ذَرٍّ٨ هَلْ رَأْي رَبك؟ فَقَالَ: "نورأنى أَرَاهُ؟ " ٩ فَلَمَّا سَأَلَهُ١٠ أَصْحَابُهُ: "أَنَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَرُؤْيَةِ الشَّمْس، وَالْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر" ١١.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش. زِيَادَة: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، وَالْآيَة من سُورَة الْفرْقَان، آيَة "٤٥". ٢ فِي ط، ش "ومدَّ الظل". ٣ خَالِد بن الْوَلِيد ﵁، تقدم ص"٨١٧". ٤ تقدم تَخْرِيج ص"٨١٧". ٥ سُورَة الْقِيَامَة، آيَة "٢٣". ٦ فِي الأَصْل، س "روية عيَانًا" وَهُوَ بعيد، لاقْتِضَائه مَجِيء الْحَال من النكرَة، وَهُوَ بعيد، وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي ط، ش وتوجيهه ظَاهر. ٧ فِي ط، س، ش "وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ". ٨ أَبُو ذَر ﵁، تقدم ص"٣٦٣". ٩ تقدم تَخْرِيج ص"٣٦٣". ١٠ فِي ش "فَمَا سَأَلَ". ١١ تقدم تَخْرِيجه ص"٢٠٤".
[ ٢ / ٨٢١ ]
وأمَّا تَفْسِيرُكَ أَنَّ رُؤْيَتَهُ١ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُؤْيَةُ آيَاتِهِ وَدَلَائِلِهِ٢ فَإِذَا رَأَوْا آيَاته وَذَهَبت٣ الشُّكُوكُ عَنْهُمْ، فَهَذِهِ٤ أَفْحَشُ كَلِمَةٍ ادَّعَيْتَهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ مَاتُوا شُكَّاكًا لَمْ يَعْرِفُوا رَبَّهُمْ حَتَّى يَرَوْا آيَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبِهَا تَذْهَبُ الشُّكُوكُ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ.
وَيْحَكَ! أمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ أَحَدٌ وَفِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَكٌّ مِنْ خَالِقِهِ إِلَّا مَاتَ كَافِرًا؟ وَكَيْفَ تَعْتَرِي٥ الْمُؤْمِنِينَ يومئذٍ٦ الشُّكُوكُ، وَالْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ بِرُبُوبِيَّتِهِ مُوقِنُونَ لَا تَعْتَرِيهِمْ٧ شُكُوكٌ؟ فَإِنْ كَانَتِ الشُّكُوكُ يَوْمَئِذٍ تَنْزَاحُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا تَصِفُ٨ مِنَ الدَّلَائِلِ٩ وَالْعَلَامَاتِ، مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكِ بَصَرٍ، فَكَذَلِك الْكفَّار كلهم قد رَأَوْا يَوْمئِذٍ آيَاته وعلاماته مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكِ بَصَرٍ، فَانْزَاحَتْ عَنْهُمُ الشُّكُوكُ، فَصَارُوا كَالْمُؤْمِنِينَ فِي دَعْوَاكَ، فَمَا فَضْلُ بُشْرَى اللَّهِ وَرَسُوله الْمُؤمنِينَ١٠
_________________
(١) ١ فِي ط "أَن رُؤْيَة الْقِيَامَة"، وَفِي ش "رُؤْيَة الْقِيَامَة". ٢ فِي ط، س، ش زِيَادَة "لَا إِدْرَاك بصر". ٣ فِي ط، س، ش "ذهبت" بِدُونِ وَاو، وَهُوَ الَّذِي يظْهر بِهِ الْمَعْنى. ٤ فِي ط، س، ش "فَهَذَا"، وَسِيَاق الأَصْل أنسب. ٥ فِي ط، س، ش "يعتري" ٦ لفظ "يَوْمئِذٍ" لَيْسَ فِي ش. ٧ فِي ط، س، ش "لَا يعتريهم". ٨ فِي س "بِمَا يصف". ٩ فِي ط، س، ش "من الدلالات". ١٠ فِي ط، س، ش "للْمُؤْمِنين".
[ ٢ / ٨٢٢ ]
عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ فِي كِتَابِهِ١: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢.
وَيْحَكَ! لَلْغناء وَالْعَزْفُ أَحْسَنُ مِمَّا تَدَّعِي عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ٣، وَمَا تَقْذِفُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ٤ الشُّكُوكَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَذْهَبُ عَنْهُمْ إِلَّا٥ فِي الْآخِرَةِ، يَوْمَ يَرَوْنَ آيَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ.
فَأَمَّا مَا احْتَجَجْتَ بِهِ مِنْ قَوْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ٦ حِينَ قَالَ: "رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكَ"٧ فَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ فِيمَا أَنْتَ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ وَلَمْ يُدْرِكْ، وَلَمْ يُمْكِنْ إِدْرَاكُهُ، فَأَمَّا مَا يُرْجَى٨ إِدْرَاكُهُ بِبَصَرٍ فَلَا يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَجَازِ٩ إِلَّا بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ مِنْ كِتَابٍ مَسْطُورٍ، أَوْ أَثَرٍ مَأْثُورٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ مَشْهُورٍ. وَقَوْلُ خَالِدٍ عِنْدَنَا مَعْنَاهُ كَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لعمر١٠ رَضِي الله
_________________
(١) ١ فِي س "قَالَ الله فِي كِتَابه"، وَفِي ط، ش "قَالَ الله عَنْهُم فِي كِتَابه". ٢ سُورَة المطففين، آيَة "١٥". ٣ فِي ط، ش "على الله وَرَسُوله". ٤ فِي ط، س، ش "إِذْ الشكوك"، وَصَوَابه بِمَا فِي الأَصْل. ٥ "إِلَّا" لَيست فِي س. ٦ انْظُر تَرْجَمته ص"٨١٧". ٧ تقدم تَخْرِيجه ص"٨١٧". ٨ فِي ط، س، ش "فَأَما فِيمَا". ٩ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط "المجال" وَفِي س، ش "الْمحَال". ١٠ أَبُو بَكْرٍ ﵁، تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٦٩"، وَعمر بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٧٧".
[ ٢ / ٨٢٣ ]
عَنْهُمَا يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ١: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يمتْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ٢: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهمْ مَيَّتُونَ﴾ ٣، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ٤ أَفَإِن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٥ إِنَّمَا عَنَى أَبُو بَكْرٍ٦: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ فِي كِتَابِهِ٧ لِمَا أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ قَدْ أَحَاطَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ اللَّهِ بَشَرٌ مِنْ بَنِي آدم٨ غيرموسى٩، فحين أحَاط الْعلم
_________________
(١) ١ قَوْله: "فَقَالَ عمر" لَيست فِي ش، وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٢ فِي ط، س، ش "ألم تسمع قَول الله تَعَالَى". ٣ سُورَة الزمر، آيَة "٣٠". ٤ كلمة "الْخلد" لَيست فِي ط. ٥ سُورَة الْأَنْبِيَاء، آيَة "٣٤". ٦ فِي ط، س، ش "أَبُو بَكْرٍ ﵁"، قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٦٩". ٧ فِي ط، س، ش "ألم تسمع الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه". ٨ آدم ﵇، تقدم ص"١٧٧". ٩ مُوسَى ﵇، تقدت تَرْجَمته ص"١٥٥". قلت: وَهَذَا الْإِطْلَاق من الدَّارمِيّ ﵀ فِيهِ نظر، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَنه لم يسمع كَلَام الله أحد -على الأَرْض- غير مُوسَى؛ إِذْ من الثَّابِت أَن الله تَعَالَى كلَّم مُحَمَّدًا ﷺ لما عرج بِهِ، وَلَفظ البُخَارِيّ: "فراجعته فَقَالَ: هِيَ خمس وَهِي خَمْسُونَ، لَا يُبدل القَوْل لدي، فَرَجَعت إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجع رَبك، فَقلت: قد استحييت من رَبِّي"، وَفِي مُسلم: "فَلم أزل أرجع بَين رَبِّي ﵎ وَبَين مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّد، إنهنَّ خمس صلوَات كل يَوْم وَلَيْلَة لكل صَلَاة عشر، فَذَلِك خَمْسُونَ صَلَاة " الحَدِيث. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُم من كلَّم الله﴾ من سُورَة الْبَقَرَة =
[ ٢ / ٨٢٤ ]
بذلك علمنَا أَن أَبَا بكرعنى قَوْلَهُ، لَا السَّمَاعَ مِنَ اللَّهِ، وَهَكَذَا قصَّة خَالِد
_________________
(١) = آيَة "٢٥٣": "المكلَّم مُوسَى ﵇، وَقد سُئِل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن آدم أنبيٌّ مُرْسل هُوَ؟ فَقَالَ: "نعم، نَبِي مُكَلم"، قَالَ ابْن عَطِيَّة: وَقد تأوَّل بعض النَّاس أَن تكليم آدم كَانَ فِي الْجنَّة، فعلى هَذَا تبقى خاصية مُوسَى". وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُم مَّنْ كَلَّمَ اللهَ﴾: "يَعْنِي مُوسَى ومحمدًا ﷺ، وَكَذَلِكَ آدم كَمَا ورد بِهِ الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي صَحِيح ابْن حبَان عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁". قلت: وكلَّم الله تَعَالَى الْأَبَوَيْنِ آدم وحواء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة "٢٢": ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾، وَيسمع كَلَام الله من أذن لَهُ من الْمَلَائِكَة، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن تكليم الله ﷾ لِعِبَادِهِ نَوْعَانِ: الأول: بِلَا وَاسِطَة، كَمَا كلم مُوسَى بن عمرَان ﵇، وكما نَادَى نَبينَا لَيْلَة الْإِسْرَاء، وكما كلم الْأَبَوَيْنِ آدم وحواء. الثَّانِي: تكليمه ﷾ لِعِبَادِهِ بِوَاسِطَة، إِمَّا بِالْوَحْي الْخَاص بالأنبياء، أَو بإرساله رَسُولا يوحي بأَمْره مَا يَشَاء. انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح/ كتاب الصَّلَاة/ بَاب كَيفَ فرضت الصَّلَوَات فِي الْإِسْرَاء/ حَدِيث ٣٤٩، ٤٥٨/١-٤٥٩، وَكتاب الْأَنْبِيَاء/ بَاب ذكر إِدْرِيس ﵇/ حَدِيث ٣٣٢٢، ٣٧٤/٦-٣٧٦. وصحيح مُسلم/تَرْتِيب مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الْإِيمَان/ بَاب الْإِسْرَاء بِرَسُولِهِ اللَّهِ ﷺ حَدِيث ٢٥٩، ١٤٥/١-١٤٧. والقرطبي فِي تَفْسِيره الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ط. الثَّالِثَة ٢٦٤/٣، وَابْن كثير فِي تَفْسِيره ط، الثَّانِيَة ٣٠٤/١، والتنبيهات السّنيَّة على العقيدة الواسطية/ تأليف عبد الْعَزِيز ناصرالرشيد/ ص"١٤٥-١٤٦".
[ ٢ / ٨٢٥ ]
ابْن الْوَلِيدِ١، وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى رَبِّكَ﴾ ٢ لِإِحَالَةِ الْعِلْمِ أَنَّ٣ ذَلِكَ لَمْ يكن، فلاتدفع٤ مَا أَحَاطَ الْعِلْمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَا أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ كَائِنٌ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ٥:
وَجَدْتُ اللَّهَ إِذَا سَمَّى نَزَارًا وَأَسْكَنَهُمْ بِمَكَّةَ قَاطِنِينَا
لَنَا جَعَلَ الْمَكَارِمَ خالصاتٍ فَلِلنَّاسِ الْقَفَا وَلَنَا الْجَبِينَا٦
فَحِينَ عَرَفْنَا يَقِينًا٧ أَنَّ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَجِدْهُ عَيَانًا فِي الدُّنْيَا عَلَمِنْا أَنَّ قَوْلَ الْكُمَيْتِ: "وَجَدْتُ اللَّهَ" يُرِيدُ بِهِ المكارم الَّتِي أَعْطَاهُم الله.
_________________
(١) ١ خَالِد بن الْوَلِيد ﵁، تقدم ص”٨١٧". ٢ سُورَة الْفرْقَان، آيَة "٤٥". ٣ فِي ط، س، ش "بِأَن ذَلِك". ٤ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "فَلَا يدْفع" بِالْيَاءِ. ٥ هُوَ الْكُمَيْت بن زيد بن خُنَيْس الْأَسدي، شَاعِر الهاشميين، ولد سنة "٦٠" من الْهِجْرَة وَهُوَ من أهل الْكُوفَة، اشْتهر فِي الْعَصْر الْأمَوِي، وَكَانَ عَالما بآداب الْعَرَب ولغاتها وأخبارها وأنسابها منحازًا إِلَى بني هَاشم، من أشهر شعره "الهاشميات، مطبوع"، وَيُقَال أَن شعره أَكثر من خَمْسَة آلَاف بيتٍ، كَانَ خطيب بني أَسد، وفقيه الشِّيعَة، وَكَانَ فَارِسًا شجاعًا، سخيًا، راميًا، لم يكن فِي قومه أرمى مِنْهُ، توفّي سنة "١٢٦هـ". انْظُر: الْأَعْلَام للزركلي ٩٢/٦-٩٣ بِتَصَرُّف. ٦ البيتان من قصيدة طَوِيلَة للكميت/ انْظُر: شعر الْكُمَيْت بن زيد الْأَسدي/ جمع وَتَقْدِيم د. دَاوُد شلوم ١١٥/٢. ٧ لَفْظَة "يَقِينا" لَيْسَ فِي ش.
[ ٢ / ٨٢٦ ]