وَأما دعواك أَيهَا الْمعَارض أَن لَمْ يَسْبِقْ مِنَ السَّلَفِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلٌ وَلَا خَوْضٌ، أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٌ، فَسَنَقُصُّ عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا يُكَذِّبُ دَعْوَاكَ، وَسَنَحْكِيهِ لَكَ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُمْ أَعْلَى وَأَعْلَمَ مِمَّنْ حَكَيْتَ عَنْهُمْ مَذْهَبَكَ نَحْوَ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِي ونظرائهم.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ١، ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ٢، ثَنَا مَعْبَدٌ٣ قَالَ: ثَنَا عَليّ
_________________
(١) ١ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، تقدم ص"١٥١". ٢ مُوسَى بن دَاوُد الضَّبِّيّ، أَبُو عبد الله الطرسوسي، نزيل بَغْدَاد، ولي قَضَاء طرسوس، الخلقاني، بِضَم الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا قَاف، صَدُوق فَقِيه، زاهد، لَهُ أَوْهَام من صغَار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة سبع عشرَة، م د س ق. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٨٢، والكاشف للذهبي ٣/ ١٨٣. ٣ هومعبد بن رَاشد أَبُو عبد الرَّحْمَن، كُوفِي أَو واسطي، نزل بَغْدَاد، مَقْبُول فَقِيه من الْعَاشِرَة، عخ ل. وَفِي بعض نسخ التَّقْرِيب بخ ل، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٦٢ وحاشيته.
[ ١ / ٥٧١ ]
-وَهُوَ ابْنُ رَاشِدٍ١- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ٢ قَالَ: قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ٣: "الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ٤؟ قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوق، وَلكنه كَلَام الله"٥.
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ وَبِه جَاءَ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف بتحقيق زُهَيْر الشاويش، ص"١٠١"، وَلم يظْهر من هُوَ "عَليّ" هَذَا، إِذْ لم أَجِدهُ فِي تلاميذ مُعَاوِيَة بن عمار، وَلَا فِي شُيُوخ معبد فِي تَهْذِيب الْكَمَال وَغَيره، وَفِي السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد، والأسماء وَالصِّفَات للبيهقي لم يرد هَذَا الِاسْم فِي سَنَد هَذَا الْخَبَر وَإِنَّمَا جَاءَ عِنْدهمَا من طَرِيق معبد عَن مُعَاوِيَة، وَالَّذِي يظْهر أَن صَوَاب الْعبارَة: "ثَنَا معبد هُوَ ابْن رَاشد" وَقَوله: "قَالَ: ثَنَا عَليّ" وهم. وَالله أعلم. ٢ مُعَاوِيَة بن أبي مُعَاوِيَة الدهني، بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء ثمَّ نون، صَدُوق، من الثَّامِنَة، عخ م ت س، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٦٠، قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣/ ١٥٨: عَن أبي الزبير وجعفر بن مُحَمَّد وَعنهُ معبد بن رَاشد وقتيبه، ثِقَة. ٣ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق، تقدم ص"١٥٤". ٤ فِي ط، س "خَالق هُوَ أَو مَخْلُوق؟ ". ٥ انْظُر: كتاب السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل، طبع المطبعة السلفية، ١ ص"٢٣" من طَرِيق رُوَيْم بن زيد الْمقري، حَدثنَا معبد بن رَاشد الْكُوفِي، عَن مُعَاوِيَة بن عمار الدهني قَالَ: سُئِلَ جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن الْقُرْآن فَقَالَ: لَيْسَ بخالق وَلَا مَخْلُوق وَهُوَ كَلَام الله. وَذكره أَيْضا فِي الْمصدر السَّابِق فِي نفس الصفحة من طَرِيق مُوسَى بن دَاوُد، حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن معبد، عَن مُعَاوِيَة بن عمار الدهني قَالَ: قلت لجَعْفَر -يَعْنِي ابْن مُحَمَّد: إِنَّهُم يسألوننا عَن الْقُرْآن، مَخْلُوق هُوَ؟ قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلكنه كَلَام الله تَعَالَى، وَقَالَ أبي: قَالَ رَأَيْت معبدًا هَذَا وَلم يكن بِهِ =
[ ١ / ٥٧٢ ]
وَسَمِعْتُ١ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ٢ يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ٣: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ٤: "أَدْرَكْتُ، أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ دُونَهُمْ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: اللَّهُ الْخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ٥ مِنْهُ خرج وَإِلَيْهِ يعود"٦. ل ٤٠ أ
_________________
(١) = بَأْس وَأثْنى عَلَيْهِ وَكَانَ يُفْتِي بِرَأْي ابْن أبي ليلى. وَأخرجه الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة، بتحقيق مُحَمَّد الفقي ص"٧٧" من طَرِيق آخر عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سُئِلَ جَعْفَر بن مُحَمَّد، وَذكره بِمثلِهِ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين ﵃ فِي أَن الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ص"٢٤٦-٢٤٧" من طَرِيق آخر عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سُئِلَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق عَن الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّهُ كَلَام الله تَعَالَى، وبلفظ مقارب من طَرِيق معبد، عَن مُعَاوِيَة، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد. ١ فِي ط، س، ش "سَمِعت". ٢ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، تقدم ص"٥٠٤". ٣ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، تقدم ص"١٧٥". ٤ عَمْرو بن دِينَار، تقدم ص"٢٤٤". ٥ فِي الأَصْل "وَالْقُرْآن وَالْكَلَام الله" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى". ٦ أخرجه البُخَارِيّ فِي أَفعَال الْعباد، قَالَ: حَدثنِي الحكم بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ كتبت عَنهُ بِمَكَّة، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: أدْركْت الحكم بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ كتبت عَنهُ بِمَكَّة، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: أدْركْت مَشَايِخنَا مُنْذُ سبعين سنة مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار يَقُولُونَ: الْقُرْآن كَلَام الله وَلَيْسَ بمخلوق انْظُر: خلق الْعباد ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف لعَلي النشار ص"١١٧". وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة، تَحْقِيق أَحْمد سعد حمدَان ٢/ ٢٤١ عَن ابْن عُيَيْنَة نَحوه. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ =
[ ١ / ٥٧٣ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ١ -مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ٢ مَوْلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ٣ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُبَارك٤
_________________
(١) = وأئمة الْمُسلمين ﵃ فِي أَن الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ص"٢٤٥" بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عُيَيْنَة قَالَ: أدْركْت مشيختنا مُنْذُ سبعين، مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار يَقُولُونَ: الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمصدر نَفسه ص"٢٤٥": قَالَ أَبُو وَاقد اللَّيْثِيّ، أدْرك عَمْرو بن دِينَار أجلة أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من الْبَدْرِيِّينَ والمهاجرين وَالْأَنْصَار مثل جَابر بن عبد الله وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الله بن عَبَّاس، وَعبد الله بن الزبير ﵃، وأجلة التَّابِعين رَحْمَة الله عَلَيْهِم، وعَلى هَذَا مضى صدر هَذِه الْأمة لم يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك. ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢١٠: مُحَمَّد بن مَنْصُور بن دَاوُد الطوسي، نزيل بَغْدَاد أَبُو جَعْفَر العابد، ثِقَة من صغَار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة أَربع أَو سِتّ وَخمسين وَله ٨٨ سنة، د س. ٢ فِي ط، ش "عَليّ بن مُحَمَّد بن مضاء المصِّيصِي"، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٤: عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي المضاء المصِّيصِي، القَاضِي، ثِقَة، من الْحَادِيَة عشرَة، ص. ٣ خَالِد بن عبد الله بن يزِيد بن أَسد الْقَسرِي، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمُهْملَة أَمِير الْحجاز ثمَّ الْكُوفَة، لَيست لَهُ رِوَايَة عِنْدهمَا، قتل سنة ٢٦/ عخ د، انْظُر: التَّقْرِيب لِابْنِ حجر ١/ ٢١٥، وَفِي لِسَان الْمِيزَان ٢/ ٣٩١-٣٩٢ قَالَ: ابْن عدي وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيف، وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع على حَدِيثه. ٤ لَعَلَّه: مُحَمَّد بن الْمُبَارك الصُّورِي، نزيل دمشق، القلانسي، الْقرشِي، ثِقَة، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَله ٦٢ سنة، ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٠٤، والكاشف للذهبي ٣/ ٩٢، وَالْخُلَاصَة ص"٣٥٧".
[ ١ / ٥٧٤ ]
بِالْمِصِّيصَةِ١ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْقُرْآنِ قَالَ٢: "وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"٣. حَدَّثَنِي٤
_________________
(١) ١ قَالَ الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الْبلدَانِ ٥/ ١٤٤: "المصيصة بِالْفَتْح ثمَّ الْكسر وَالتَّشْدِيد وياء سَاكِنة وصاد أُخْرَى، كَذَا ضَبطه الْأَزْهَرِي من اللغويين وتقرد غَيره بتَخْفِيف الصادين، وَالْأولَى أصح، مَدِينَة على شاطئ جيحان من ثغور الشَّام بَين أنطاكية وبلاد الرّوم تقَارب طرطوس، وَهِي مُسَمَّاة فِيمَا زعم أهل السّير باسم الَّذِي عمرها وَهُوَ مصيصة بن الرّوم بن الْيمن بن سَام بن نوح ﵇، والمصيصة أَيْضا قَرْيَة من دمشق، وينسب إِلَى المصيصة كثير من كتاب النّسَب للسمعاني" بِتَصَرُّف. وَانْظُر: اللّبَاب لِابْنِ الْأَثِير ٣/ ٢٢١. ٢ فِي ط، س، ش "فَقَالَ". ٣ وَجَاء أَيْضا بِإِسْنَادِهِ وَلَفظه فِي الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"١٠١". قلت: وَقد أسهب الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ، أَبُو الْقَاسِم اللالكائي ﵀ فِي ذكر من نقل عَنْهُم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة المرضيين القَوْل بِأَن الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَقد كفاني جمال الدَّين القاسمي مُؤنَة عدهم فَذكر فِي كِتَابه تَارِيخ الْجَهْمِية أَنهم نَحْو من خَمْسمِائَة وَخمسين رجلا. انْظُر: شرح السّنة لأبي الْقَاسِم اللالكائي، تَحْقِيق د. أَحْمد سعد حمدَان ٢/ ٢٧٧-٣٣٠، وَانْظُر تَارِيخ الْجَهْمِية والمعتزلة لجمال الدَّين القاسمي ط. الأولى ص"٣٢". ٤ فِي ط، س، ش قَالَ قبل هَذَا الْأَثر: "حَدثنِي مُحَمَّد بن مَنْصُور، عَن عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ بَقِيَّة بن الْوَلِيد يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوق" قلت: مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعلي بن مضاء تقدمًا قَرِيبا، وَبَقِيَّة بن الْوَلِيد تقدم ص"٣٨٠". وَهَذَا الْمَأْثُور عَن بَقِيَّة أوردهُ الْمُؤلف أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية الْمصدر السَّابِق بِسَنَدِهِ وَلَفظه ص"١٠١"، وَلم أَقف عَلَيْهِ عِنْد غَيره.
[ ١ / ٥٧٥ ]
مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ١، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ٢ قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ٣ يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"٤.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ مَنْصُورٍ٥، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ٦ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ الْجَزَرِيَّ٧ يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"٨.
حَدثنِي مُحَمَّد بن مَنْصُور٩
_________________
(١) ١ مُحَمَّد بن مَنْصُور، تقدم ص"٥٧٤". ٢ فِي ط، ش "عَليّ بن مُحَمَّد بن مضاء"، وَانْظُر تَرْجَمته ص"٥٧٤". ٣ عِيسَى بن يُونُس، تقدم ص"١٤٦". ٤ أوردهُ الْمُؤلف فِي الرَّد على الْجَهْمِية، الْمصدر السَّابِق، ص"١٠١" بِسَنَدِهِ وَمَتنه. وَأخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"١٤" من طَرِيق آخر عَن عِيسَى بن يُونُس "أَن رجلا سَأَلَهُ عَمَّن يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق، فَقَالَ: كَافِر أَو كفر فَقيل لَهُ: تكفرهم بِهَذِهِ الْكَلِمَة؟ قَالَ: إِن هَذَا من أيسر أَو أحسن مَا يظهرون". ٥ مُحَمَّد بن مَنْصُور، تقدم ص"٥٧٤". ٦ فِي ط، ش "عَليّ بن مُحَمَّد بن مضاء" وَانْظُر تَرْجَمته ص"٥٧٤". ٧ فِي ط، س، ش "الْجُورِي" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"١٠١"، وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمته إِلَّا أَنِّي أستظهر أَنه الْقَاسِم الْجرْمِي كَمَا ظن ذَلِك الشَّيْخ حَامِد الفقي فِي تَعْلِيقه على المطبوعة ص"١١٧"، وَهُوَ الْقَاسِم بن يزِيد الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء، أَبُو يزِيد الْموصِلِي ثِقَة عَابِد من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ١٩٤/ س "انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٢١". ٨ جَاءَ أَيْضا بِسَنَدِهِ وَمَتنه فِي الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف، الْمصدر السَّابِق، ص"١٠١"، وَفِي التَّهْذِيب الْكَمَال للمزي ٢/ ١١١٨ قَالَ: "وَعَن هِشَامُ بْنُ بِهْرَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ قاسمًا الْجرْمِي يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوق". ٩ مُحَمَّد بن مَنْصُور الطوسي، تقدم ص"٥٧٤".
[ ١ / ٥٧٦ ]
ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ١ قَالَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ بِهْرَامٍ٢ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ٣ يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ".
قَالَ هِشَامٌ٤: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ الْمُعَافَى"٥ قَالَ عَلِيٌّ٦: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ هِشَامٌ"٧، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ٨: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ خَمْسِينَ مَرَّةً"، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ٩: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا"، قَالَ الصَّرَّامُ١٠: "وَأَنَا أَقُول كَمَا قَالُوا" قَالَ رُوَاةُ الصَّرَّامِ: "وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا"، وَقَالَ لَنَا إِسْحَاقُ١١: "وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا"١٢.
فَكُلُّ هَؤُلَاءِ قَالُوا: "إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"، وَلَيْسُوا١٣ بِدُونِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَرهُوا الْخَوْض فِيهِ فَيَقُولُونَ١٤: "هوغير مَخْلُوق" مثل أبي
_________________
(١) "١، ٦" فِي ط، ش "عَليّ بن مُحَمَّد بن مضاء" انْظُر تَرْجَمته ص"٥٧٤". "٢، ٤، ٧" قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣١٧: هِشَام بن بهْرَام الْمَدَائِنِي، أَبُو مُحَمَّد ثِقَة من كبار الْعَاشِرَة، د س، قَالَ فِي حَاشِيَة الكاشف للذهبي ٣/ ٢٢١: كَانَ حيًّا سنة ٢١٩. "٣، ٥" الْمعَافى بن عمرَان، تقدم ص"٥٤٥". ٨ مُحَمَّد بن مَنْصُور الطوسي، تقدم ص"٥٧٤". ٩ فِي ط، س، ش "قَالَ أَبُو سعيد" وَهُوَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ صَاحب هَذَا الْكتاب. ١٠ الصرام مُحَمَّد بن إبراهم، تقدم ص"١٣٧". ١١ لَعَلَّه أَرَادَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَّابُ، تقدم ص"١٣٧". ١٢ انْظُر كتاب السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص"٥٨" قَالَ: "حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: قدم عَليّ بن مضاء مولى لخَالِد الْقَسرِي، حَدثنَا هِشَام بن نهرام، سَمِعت معافى بْنَ عِمْرَانَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، قَالَ هِشَامٌ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ الْمُعَافَى، قَالَ عَلِيٌّ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ -يَعْنِي هشامًا- قَالَ أَبُو جَعْفَر الطوسي: أَنا أَقُول: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ". ١٣ فِي ط، ش "وَلَيْسَ" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ١٤ فِي الأَصْل وس "فيقولوا" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، ش وَهُوَ الصَّوَاب.
[ ١ / ٥٧٧ ]
أُسَامَةَ١ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ٢ وَمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ٣ إِنْ صَدَقْتَ عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاكَ وَأَخَسُّهُمْ عِنْدَ النَّاسِ مَنْزِلَةً أَعْلَى مِنَ الْمَرِيسِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ٤ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمُ الَّذِينَ ادَّعَوْا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، حَتَّى لَقَدْ أَكْفَرَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِمْ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ بِهِ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ بِذَلِكَ إِلَّا وَأَنَّ قَوْلَهُمْ كَانَ٥ عِنْدَهُمْ كُفْرًا.
_________________
(١) ١ أَبُو أُسَامَة، تقدم ص"٤١٦". ٢ أَبُو مُعَاوِيَة، تقدم ص"٥١٧"، قلت: وَمِمَّا أثر عَنهُ فِي ذَلِك مَا أخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٣٣" بِسَنَدِهِ إِلَى أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم قَالَ: "الْكَلَام فِيهِ بِدعَة وضلالة، مَا تكلم فِيهِ النَّبِي وَلَا الصاحبة وَلَا التابعون وَلَا الصالحون -يَعْنِي الْقُرْآن مَخْلُوق-". ٣ مَنْصُور بن عمار الْوَاعِظ أَبُو السّري، خراساني، وَيُقَال: بَصرِي زاهد شهير وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي بلاغة الْوَعْظ، وترقيق الْقُلُوب، وتحريك الهمم، قَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ ابْن عدي: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ الْعقيلِيّ: فِيهِ تجهم، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يروي عَن ضعفاء أَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا. "تبصرف من ميزَان الِاعْتِدَال ٤/ ١٨٧"، وَانْظُر لِسَان الْمِيزَان ٦/ ٩٨-١٠٠، وتاريخ بَغْدَاد ١٣/ ٧. قلت: وَمِمَّا أثر عَنهُ فِي ذَلِك مَا أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ٩/ ٣٢٦ بِسَنَدِهِ إِلَى مَنْصُور بن عمار قَالَ: كتب إِلَى بشر المريسي: أعلمني مَا قَوْلكُم فِي الْقُرْآن مَخْلُوق هُوَ أَو غير مَخْلُوق؟ فَكتبت إِلَيْهِ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. أما بعد بِدعَة يشْتَرك فِيهَا السَّائِل والمجيب، فتعاطى السَّائِل مَا لَيْسَ لَهُ بتكليف والمجيب مَا لَيْسَ عَلَيْهِ "كَذَا" وَالله تَعَالَى الْخَالِق وَمَا دون الله مَخْلُوق وَالْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق، فانته بِنَفْسِك وبالمختلفين فِي الْقُرْآن إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ الله بهَا تكن من المهتدين، وَلَا تبتدع فِي الْقُرْآن من قَلْبك اسْما فَتكون من الضَّالّين.. إِلَخ. ٤ اللؤْلُؤِي، تقدم ص"٥٥٥". ٥ فِي ط، س، ش "قَوْلهم فِي ذَلِك".
[ ١ / ٥٧٨ ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ١ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ٢، حَدَّثَهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ٣، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ٤ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٥ قَتَلَ زَنَادِقَةً٦، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ٧ ثُمَّ قَالَ: صدق الله وَرَسُوله نقل الْمُؤلف أَقْوَال السّلف فِي الحكم على الْجَهْمِية والزنادقة
_________________
(١) ١ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ٢ أَبُو بكر بن عَيَّاش، تقدم ص"٥٤٠". ٣ فِي ط، س، ش "عَن أبي حُصَيْن"، وَلَعَلَّ لَفْظَة "أبي" سَقَطت من الأَصْل، قلت: الرَّاجِح أَنه عُثْمَان بن عَاصِم بن حُصَيْن الْأَسدي الْكُوفِي أَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْمُهْملَة ثِقَة، ثَبت سني، وَرُبمَا دلّس، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين، وَيُقَال: بعْدهَا، وَكَانَ يَقُول أَن عَاصِم بن بَهْدَلَة أكبر مِنْهُ بِسنة وَاحِدَة، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٠، وذكرالذهبي فِي الْخُلَاصَة ص"٢٦٠" أَنه روى عَن سُوَيْد بن غَفلَة. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٤١: سُوَيْد بن غَفلَة، بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، أَبُو أُميَّة الْجعْفِيّ، مخضرم، من كبار التَّابِعين، تقدم يَوْم دفن النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ مُسلما فِي حَيَاته ثمَّ نزل الْكُوفَة، وَمَات سنة ٨٠، وَله ١٣٠ سنة، ع. ٥ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش وَعلي ﵁ تقدم ص"٥٢٥". ٦ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٧ ذكره ابْن حجر فِي الْفَتْح ١٢/ ٢٧٠ وَعَزاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من طَرِيق سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ "أَنَّ عَلِيًّا بلغه أَن قوما ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام فَبعث إِلَيْهِم فأطعمهم، ثمَّ دعاهم إِلَى الْإِسْلَام فَأَبَوا، فحفر حفيرة، ثمَّ أَتَى بهم فَضرب أَعْنَاقهم وَرَمَاهُمْ فِيهَا، ثمَّ ألْقى عَلَيْهِم الْحَطب فأحرقهم، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". وَأخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"١٨٨" من طَرِيق آخر، عَن أبي جُحَيْفَة قَالَ: لما أحرق عَليّ الزط قَالَ: صدق الله وَرَسُوله، فَلَمَّا انْصَرف قلت لَهُ: فَهَل عهد إِلَيْك فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عهدا؟ فَقَالَ: إِذا قلت: صدق الله وَرَسُوله عرف مثلك وَمن يعقل أَنه كَذَلِك، فَإِذا قلت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فهنالك فسلني.
[ ١ / ٥٧٩ ]
فَالْجَهْمِيَّةُ١ عِنْدَنَا أَخْبَثُ الزَّنَادِقَةِ٢؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ قَوْلِهِمْ٣ إِلَى التَّعْطِيلِ كَمَذْهَبِ الزَّنَادِقَةِ٤ سَوَاءٌ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْمَرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ٥، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبِ أبي٦، عَن أَبِيه ٧
_________________
(١) ١ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٢ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١"، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: "الْجَهْمِية أَعدَاء الله وهم الَّذين يَزْعمُونَ أَن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَأَن الله ﷿ لم يكلم مُوسَى وَأَن الله لَيْسَ بمتكلم وَلَا يتَكَلَّم ولاينطق وكلامًا كثيرا أكره حكايته. وهم كفار زنادقة أَعدَاء الله". السّنة للْإِمَام أَحْمد ذيل الرَّد على الْجَهْمِية والزنادقة بتحقيق إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ ص"٨١-٨٢". ٣ فِي س "أَقْوَالهم". ٤ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٢٠: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن حميد، أَبُو مُحَمَّد بن أبي سُفْيَان المعمري صَدُوق، من الْعَاشِرَة، نقل الدَّارمِيّ أَن ابْن معِين كذبه وَلم يثبت ذَلِك، مَاتَ سنة ٢٨/ عخ. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٩٧: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حبيب بن أبي حبيب الْجرْمِي صَاحب الأنماط، مَقْبُول، من التَّاسِعَة، عخ. ذكر فِي الْخُلَاصَة ص"٢٣٤" أَنه روى عَن أَبِيه وَعنهُ الْقَاسِم بن مُحَمَّد المعمري. ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٥٣: مُحَمَّد بن حبيب الْجرْمِي، مَجْهُول من السَّادِسَة، عخ.
[ ١ / ٥٨٠ ]
عَنْ جَدِّهِ١ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ٢ قَالَ: خَطَبَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ٣ بِوَاسِطَ٤ يَوْمَ أَضْحَى٥ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ارْجِعُوا فَضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ. فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ٦ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ٧ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى٨ تَكْلِيمًا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ٩ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ١٠.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٤٨: حبيب بن أبي حبيب الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، الْأنمَاطِي اسْم أَبِيه: يزِيد، صَدُوق يُخطئ، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٦٢/ بخ م س ق. ٢ عبارَة "عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حَبِيبِ بن أبي حبيب" لَيست فِي ط، س، ش وَبهَا ورد سَنَد البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد كَمَا سَنذكرُهُ فِي تَخْرِيجه إِلَّا أَنه لم يُصَرح باسم الْجد. ٣ خَالِد الْقَسرِي، تقدم ص"٥٧٤". ٤ وَاسِط فِي عدَّة مَوَاضِع، وَالْمرَاد هُنَا الْمَدِينَة الْمَشْهُورَة من مدن الْعرَاق، وَسميت بذلك لتوسطها بَين الْبَصْرَة والكوفة؛ لِأَن مِنْهَا إِلَى كل وَاحِد خمسين فرسخًا، انْظُر: مُعْجم الْبلدَانِ للحموي ٥/ ٣٤٧. ٥ فِي ط، س، ش "يَوْم الْأَضْحَى". ٦ الْجَعْد بن دِرْهَم، انْظُر ص"٥٣٠". ٧ إِبْرَاهِيم ﵇، تقدم ص"٢٩٣". ٨ مُوسَى ﵇، تقدم ص"١٥٥". ٩ فِي ط، ش "يَقُوله". ١٠ أخرجه البُخَارِيّ فِي أَفعَال الْعباد قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، ثمَّ ذكره، انْظُر: عقائد السّلف، كتاب خلق أَفعَال الْعباد ص"١١٨"، والدارمي فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"٧، ١١٣-١١٤". وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٢٥٤" بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الرَّحْمَن بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَن أَبِيه عَن جده، ثمَّ ذكره. وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ: مُرَاجعَة وَتَصْحِيح عبد الرَّحْمَن عُثْمَان، ص"١٠٠"، وَعز الْقِصَّة أَيْضا إِلَى ابْن أبي حَاتِم فِي الرَّد على الْجَهْمِية، انْظُر: مُخْتَصر الْعُلُوّ للألباني ص"١٣٣-١٣٤".
[ ١ / ٥٨١ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١ قَالَ: قلت لإِبْرَاهِيم بن سعد٢: ماتقول فِي الزَّنَادِقَةِ٣ تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُمْ٤ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَبِمَ تَقُولُ ذَاك٥؟ قَالَ: كَانَ علينا وَال٦ بِالْمَدِينَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ فَبَعَثَ إِلَى أبي، فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَا يَهْتَدِيكَ٧ فَإِنَّهُ قَوْلُ الله: ﴿فَلَمَّا ٨ رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قَالَ: السَّيْفُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ٩ قَالَ: السَّيْف سنة الْقَتْل١٠.
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ إِبْرَاهِيم بن سعد، تقدم ص"٢٠٥". ٣ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٤ فِي ط، س، ش "ترى أَن تستتيبهم"، وَفِي كِتَابه الرَّد على الْجَهْمِية "نستتيبهم" بالنُّون. ٥ فِي ط، س، ش "ذَلِك". ٦ فِي س "وَالِي" وَحذف الْيَاء هُوَ الصَّوَاب. ٧ وَفِي الرَّد على الْجَهْمِية "لَا يهدينك". ٨ فِي الأَصْل "لما" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٩ [سُورَة غَافِر، الْآيَتَانِ ٨٤، ٨٥] . ١٠ وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي الرَّد على الْجَهْمِية بتحقيق زُهَيْر الشاويش ص"١١٤" بِسَنَدِهِ وَمَتنه إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره: "قَالَ: السَّيْف، فَقَالَ: سنته الْقَتْل". قلت: وَقد ذكر شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية الْخلاف إِجْمَالا فِي الزنديق إِذا أظهر التَّوْبَة هَل تقبل تَوْبَته فَلَا يقتل أم يقتل؛ لِأَنَّهُ لَا يعلم صدقه؟. فَأفْتى طَائِفَة بِأَنَّهُ يُسْتَتَاب فَلَا يقتل، وَأفْتى الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ يقتل وَإِن أظهر التَّوْبَة، فَإِن كَانَ صَادِقا فِي تَوْبَته نَفعه ذَلِك عِنْد الله وَقتل فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ الْحَد تَطْهِيرا لَهُ، كَمَا لَو تَابَ الزَّانِي وَالسَّارِق وَنَحْوهم بعد أَن يرفعوا للْإِمَام فَإِنَّهُ لَا بُد من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم، فَإِنَّهُم إِن كَانُوا صَادِقين كَانَ قَتلهمْ كَفَّارَة لَهُم، وَمن كَانَ كَاذِبًا فِي التَّوْبَة كَانَ قَتله عُقُوبَة لَهُ. "انْظُر مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣٥/ ١١٠ وَانْظُر: عُمْدَة الْقَارِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ ٢٤/ ٧٩، وَفتح الْبَارِي ١٢/ ٢٧٢".
[ ١ / ٥٨٢ ]
وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ١ يَقُولُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ٢: مَا تَرَى فِي قَتْلِ هَؤُلَاءِ٣ الْجَهْمِيَّةِ٤؟ قَالَ٥ يُسْتَتَابُونَ، فَقُلْتُ٦: لَا، أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا يُسْتَتَابُونَ وَتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بكير الْمصْرِيّ٧،
_________________
(١) ١ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، تقدم ص"١٥١". ٢ أَحْمد بن حَنْبَل، تقدم ص"٥٣٨". ٣ لَفْظَة "هَؤُلَاءِ" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ الحهمية انْظُر ص "١٣٨". ٥ لَفْظَة "هَؤُلَاءِ" لَيست فِي ط، ش وَالْأَظْهَر أَنَّهَا سَقَطت. ٦ فِي ط، ش "فَقَالَ" وَالَّذِي يظْهر لي أَن الصَّوَاب مَا ورد بِهِ الأَصْل، يُؤَيّدهُ أَن الرِّوَايَة وَردت فِي كتاب الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف نَفسه، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش وَتَخْرِيج الألباني، الطبعة الرَّابِعَة ص"١١٤" قَالَ: "وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَة الْحلَبِي يَقُول: ناظرت أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ فِي قتل هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية٥ فَقَالَ: يستتابون٦، فَقلت لَهُ: أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا يُسْتَتَابُونَ وَتُضْرَبُ أَعْنَاقهم"، وَفِي مسَائِل الإِمَام أَحْمد رِوَايَة ابْنه عبد الله تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"٣٤٠" أَن الزنديق يُسْتَتَاب ثَلَاثًا. قلت: وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد أَن الزنديق يُسْتَتَاب فَإِن لم يتب فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْقَتْل. ودراسة د. عبد الْإِلَه الأحمدي جـ٢/ ٦٨-٧٠. ٧ يحيى بن بكير، تقدم ص"٢١٠".
[ ١ / ٥٨٣ ]
ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ١، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ٢ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ" ٣، قَالَ مَالِكٌ٤: وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ٥ ﷺ هَذَا -فِيمَا نَرَى٦ وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ٧، وَأَشْبَاهِهِمْ٨، فَإِنَّ أُولَئِكَ يُقْتَلُونَ، وَلَا يُسْتَتَابُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا تعرف٩
_________________
(١) ١ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠". ٢ زيد بن أسلم، تقدم ص"٢٥٧". ٣ أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ تَصْحِيح وترقيم مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْأَقْضِيَة بَاب الْقَضَاء فِيمَن ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام، حَدِيث ١٥، ٢/ ٧٣٦، قَالَ: حَدثنَا يحيى، عَن مَالك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فاضربوا عُنُقه". قَالَ مُحَمَّد فؤاد: مُرْسل عِنْد جَمِيع الروَاة وَهُوَ مَوْصُول فِي البُخَارِيّ من طَرِيق أَيُّوب بِعَذَاب عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي "٥٦" كتاب الْجِهَاد "١٤٩" بَاب لَا يعذب بِعَذَاب الله وَلَفظه: "من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ". قلت: انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، حَدِيث ٣٠١٧، ٦/ ١٤٩. ٤ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠". ٥ فِي ط، ش "وَمعنى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ". ٦ لَفْظَة "نرى" لَيست فِي س وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا كَمَا فِي الْمُوَطَّأ، انْظُر: تَخْرِيج كَلَام الإِمَام مَالك. ٧ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٨ فِي الأَصْل، ط، ش "وأشباهها"، وَفِي س "وأشباههما" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ. ٩ فِي ط، س، ش، "لم يعرف".
[ ١ / ٥٨٤ ]
تَوْبَتُهُمْ١، وَأَنَّهُمْ٢ قَدْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا أَرَى٣ أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ٤.
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْبُوَيْطِيُّ٥، عَنِ الشَّافِعِيِّ٦، فِي الزِّنْدِيقِ٧:
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ "رويتهم" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ. ٢ فِي الأَصْل "وَأَنه" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي ط، س، ش وَبِه جَاءَ أَيْضا فِي الْمُوَطَّأ. ٣ فِي ط، س، ش "وَلَا أرى" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ. ٤ جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ تَخْرِيج وترقيم مُحَمَّد فؤاد، طبعة البابي الْحلَبِي ٢/ ٧٣٦: "معنى قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا نرى وَالله أعلم: "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ". أَنه من خرج عَن الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ، مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وأشباههم، فَإِن أُولَئِكَ إِذْ ظهر عَلَيْهِم، قتلوا وَلم يستتابوا؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يسرون الْكفْر ويعلنون الْإِسْلَام. فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يقبل مِنْهُم قَوْلهم، وَأما مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيره وَأظْهر ذَلِك فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل"، وَانْظُر: الْمصدر نَفسه بشرح وَتَعْلِيق أَحْمد راتب ط. الأولى ص"٥٢٢". ٥ قَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٨٣: يُوسُف بن يحيى الْقرشِي مَوْلَاهُم، أَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ صَاحب الشَّافِعِي، ثِقَة فَقِيه، من أهل السّنة، مَاتَ فِي المحنة بِبَغْدَاد سنة ٣١، ٣٢/ ل ت. ٦ مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن شَافِع بن السَّائِب بن عبد يزِيد بن هَاشم بن عبد الْمطلب المطلبي أَبُو عبد الله الشَّافِعِي، الْمَكِّيّ، نزيل مصر، رَأس الطَّبَقَة التَّاسِعَة، وَهُوَ المجدد لأمر الدَّين على رَأس الْمِائَتَيْنِ، مَاتَ سنة ٢٠٤ وَله ٥٤ سنة، خَ م وَالْأَرْبَعَة، انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ١٤٣. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣/ ١٧: نَاصِر الحَدِيث، عَن مَالك والزنجي وَعنهُ أَحْمد وَأَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ وَالربيع "وَانْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد ٢/ ٥٦، وشذرات الذَّهَب ٢/ ٩، وَتَذْكِرَة الْحفاظ ١/ ٣٦١، وتهذيب التَّهْذِيب ٩/ ٣٥". ٧ الزنديق وَاحِد الزَّنَادِقَة، وَقد تقدم التَّعْرِيف بهم ص"٥٣١".
[ ١ / ٥٨٥ ]
"يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا رَجَعَ وَلَا يُقْتَلُ"١.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ السِّجِسْتَانِيُّ٢ -وَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ٣ أَهْلِ سِجِسْتَانَ وَأَصْدَقِهِمْ- عَنْ زُهَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْبَابِيِّ٤ أَنَّهُ سَمِعَ سَلَّامَ بن
_________________
(١) ١ أخرجه الدَّارمِيّ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية، بتحقيق زُهَيْر الشاويش ص"١١٦" قَالَ: "حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْبُوَيْطِيُّ، عَن مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵀ فِي الزنديق قَالَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا رَجَعَ، وَلَا يقبل. وَاحْتج فيهم بـ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فَأمره الله أَن يدع قَتلهمْ لما يظهرون من الْإِسْلَام وَكَذَلِكَ الزنديق إِذا أظهر الْإِسْلَام فِي هَذَا الْوَقْت مُسلما وَالْمُسلم غير مبدل". وَفِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ ذيل الْأُم، بَاب حكم الْمُرْتَد ص"٢٥٩" قَالَ الشَّافِعِي: "وَأي كفر ارْتَدَّ إِلَيْهِ مِمَّا يظْهر أَو يسر من الزندقة وَغَيرهَا، ثمَّ تَابَ لم يقتل". وَنَقله عَنهُ ابْن حجر فِي الْفَتْح ١٢/ ٢٧١، وَانْظُر: الْمُهَذّب فِي فقه الشَّافِعِي للفيروزآبادي ٢/ ٢٢٢-٢٢٣. قلت: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَمِيُّ ﵀ فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"١١٦": "وَأَنا أَقُول كَمَا قَالَ الشَّافِعِي، أَن تقبل علانيتهم إِذا اتَّخَذُوهَا جنَّة لَهُم من الْقَتْل، أَسرُّوا فِي أنفسهم مَا أَسرُّوا، فَلَا يقتلُوا كَمَا أَن الْمُنَافِقين: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ لفم يُؤمر بِقَتْلِهِم". ٢ فِي ط، س، ش "مُحَمَّد بن المعمر" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"١١١" وَزَاد أَن كنيته "أَبُو سهل" وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة. ٣ فِي ش "وَهل من أثر" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى، وَفِي ط "وَكَانَ من آثر" وَفِي س "وَكَانَ من أوثر". ٤ فِي ط، س، ش "ألباني" بالنُّون وَصَوَابه بِالْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٦٥: زُهَيْر بن نعيم الْبَانِي: بموحدتين السَّلُولي، أَبُو عبد الرَّحْمَن السجسْتانِي، نزيل الْبَصْرَة، عَابِد من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ، ل. وَانْظُر الْخُلَاصَة للخزرجي ص"١٢٣".
[ ١ / ٥٨٦ ]
أبي مُطِيع١ يَقُول: "الجمهية كُفَّارٌ"٢.
قَالَ: وَسَمِعْتُ زُهَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ٣ يَقُولُ: سُئِلَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ٤ -وَذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ٥- فَقَالَ: ذَاكَ كَافِرٌ٦.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "سَلام بن مُطِيع" وَصَوَابه مافي الأَصْل. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٢/ ١٨١: سَلام بن أبي مُطِيع "خَ، م" الْبَصْرِيّ عَن قَتَادَة وَأبي حُصَيْن وَعنهُ أَبُو الْوَلِيد ومسدد وَخلق، ثِقَة أَحْمد وَغَيره، وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِمُسْتَقِيم الحَدِيث فِي قَتَادَة خَاصَّة، وَله غرائب، ويعد من خطباء الْبَصْرَة. ٢ أوردهُ البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد: قَالَ: وَقَالَ زُهَيْر السّخْتِيَانِيّ "كَذَا" سَمِعت سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: الْجَهْمِية كفار. انْظُر: خلق أَفعَال الْعباد ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف للنشار ص"١٢٤". وَأخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"١٨٣" من طَرِيق زُهَيْر بن نعيم السجسْتانِي، سَمِعت سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: الْجَهْمِية كفار لَا يصلى خَلفهم. وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة، تَحْقِيق وَتَخْرِيج د. أَحْمد سعد حمدَان ٢/ ٣٢١ عَن سَلام بن أبي مُطِيع مثله. ٣ زُهَيْر بن نعيم، تقدم ص"٥٨٦". ٤ حَمَّاد بن زيد، تقدم ص"٤٥٢". ٥ فِي ط، س، ش "وَقيل لَهُ عَن بشر المريسي". ٦ فِي ط، س، ش "ذَلِك كَافِر". قلت: وَفِي الرَّد على الْجَهْمِية، بتحقيق الشاويش، ص"١١١" قَالَ: وَسمعت مُحَمَّد بن الْمُعْتَمِر يَقُول: سَمِعت زُهَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ يَقُولُ: سُئِلَ حَمَّاد بن زيد وَأَنا مَعَه فِي سوق الْبَصْرَة عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ فَقَالَ: ذَاكَ كَافِر". قلت: وَبِمَعْنَاهُ مَا أخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"١٠" من طَرِيق فطر قَالَ: سَأَلت حَمَّاد بن زيد فَقلت. يَا أَبَا إِسْمَاعِيل، إِمَام لنا يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق أُصَلِّي خَلفه؟ فَقَالَ: صل خلف مُسلم أحب إِلَيّ. وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ١/ ٣٢٥ أَن حَمَّاد بن زيد قيل لَهُ؟ إِمَام لنا يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق أُصَلِّي خَلفه؟ قَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَة" وَانْظُر الْمَنْقُول أَيْضا فِي تَكْفِير بشر عَن جمَاعَة من الْعلمَاء فِي السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص"١٢".
[ ١ / ٥٨٧ ]
حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ١، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ٢ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ٣ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ٤: ﴿إِنَّنِي ٥ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ ٦ مَخْلُوقٌ٧ فَهُوَ كَافِرٌ٨.
وَسَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الْأَنْطَاكِيَّ٩ أَنَّهُ١٠ سَمِعَ وكيعًا١١ يكفر
_________________
(١) ١ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ٢ الْحسن بن الرّبيع، تقدم ص"٥٣٨". ٣ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٤ فِي ط، س، ش "أَن قَول الله". ٥ فِي الأَصْل، س "إِنِّي"، وَفِي ط، ش "إِنَّنِي" وَهُوَ الصَّوَاب ٦ فِي ط، ش "فاعبدون" وَصَوَابه "فاعبدني"، انْظُر: سُورَة طه آيَة ١٤. ٧ فِي ط، ش "أَنه مَخْلُوق". ٨ تقدم تَخْرِيجه ص"٥٣٨". ٩ مَحْبُوب بن مُوسَى الْأَنْطَاكِي، تقدم ص"١٥٠". ١٠ فِي ط، ش "يَقُول أَنه سمع". ١١ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠".
[ ١ / ٥٨٨ ]
الْجَهْمِيَّةَ١. وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ٢ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ٣ كَانَ لَا يَعُدُّ الْجَهْمِيَّةَ٤ فِي عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ٥.
وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى٦ يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ٧ مَنْ شَكَّ فِيهِ أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ"٨.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْفَرُوهُمْ٩ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ١٠ وَابْنُ عَبَّاسٍ١١ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا١٢ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَأَنْزَلَاهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ بَدَّلَ دينه فَاسْتحقَّ بتبديله الْقَتْل.
_________________
(١) "١، ٤" الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". انْظُر تَخْرِيج ذَلِك ص"١٥٠". ٢ عَليّ بن خشرم، تقدم ص"١٤٦". ٣ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٥ انْظُر تَخْرِيجه ص"١٥٠". ٦ لَعَلَّه يحيى بن يحيى بن كثير اللَّيْثِيّ، تقدم ص"١٥١". ٧ فِي ش "من كَلَام الله". ٨ أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا روى عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين ﵃ فِي أَن الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ص"٢٥٣" بِسَنَدِهِ إِلَى مَحْمُود بن غيلَان يَقُول: سعمت يحيى بن يحيى يَقُول: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِر بِاللَّه الْعَظِيم وَعصى ربه وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَته. ٩ فِي س "أكفرهم". ١٠ عَليّ بن أبي طَالب، تقدم ص"٥٢٥". ١١ ابْن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ١٢ عبارَة "﵄" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٥٨٩ ]
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ١، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ٢ وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ٣ عَنْ أَيُّوبَ٤، عَنْ عِكْرِمَةَ٥ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ٦ ﵁ أُتِيَ بِقَوْمٍ الزَّنَادِقَةِ٧ فَحَرَقَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ٨ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمَا حَرَقْتُهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٩: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، وَقَالَ١٠: "لَا تعذبوا بِعَذَاب".
_________________
(١) ١ سُلَيْمَان بن حَرْب الْأَزْدِيّ الواشحي، بِمُعْجَمَة ثمَّ مُهْملَة الْبَصْرِيّ القَاضِي بِمَكَّة، ثِقَة إِمَام حَافظ، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٢٤/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٣٢٢ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٣٩٢: ولد سنة ١١٣. ٢ حَمَّاد بن زيد، تقدم ص"٤٥٢". ٣ حَمَّاد بن حَازِم، تقدم ص"٣١٦"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٨٧ أَنه روى عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. ٤ أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة، كيسَان السّخْتِيَانِيّ: بِفَتْح الْمُهْملَة بعْدهَا مُعْجمَة ثمَّ مثناه ثمَّ تَحْتَانِيَّة وَبعد الْألف نون، أَبُو بكر الْبَصْرِيّ، ثِقَة، ثَبت حجَّة، من كبار الْفُقَهَاء الْعباد، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَله خمس وَسِتُّونَ، ع. ٥ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس تقدم ص"٢٨٦" وَفِي التَّهْذِيب الْكَمَال ٢/ ٩٥٠ أَنه روى عَن عَليّ وَعنهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. ٦ عَليّ بن أبي طَالب، تقدم ص"٥٢٥". ٧ الزَّنَادِقَة، تقدمُوا ص"٥٣١" وَالْمرَاد بهم هُنَا فِيمَا ظهر لي السبئية كَمَا سيتبين من قصتهم. ٨ ابْن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٩ الْعبارَة من قَوْله: "وَلما حرقتهم" إِلَى بداية الحَدِيث لَيست فِي ط، س، ش وبإثباتها جَاءَ لفظ الدَّارمِيّ فِي الرَّد على الْجَهْمِية، بتحقيق الشاويش ص"١١٣". ١٠ فِي ش "وَقيل".
[ ١ / ٥٩٠ ]
اللَّهِ"١.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ فِي إِكْفَارِ الْجَهْمِيَّةِ٢ وَقَتْلِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَوْلِهِمْ: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. أَن هَذِه
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه الْفَتْح، كتاب الْجِهَاد، بَاب لَا يعذب بِعَذَاب الله حَدِيث ٣٠١٧، ٦/ ١٤٩ عَن عِكْرِمَة أَن عليًّا حرق قوما فَبلغ ابْن عَبَّاس فَقَالَ: لَو كنت أَنا لم أحرقهم؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تعذبو بِعَذَاب الله" ولقتلتهم كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "من بدل دينه قاقتلوه" وَأخرجه أَيْضا فِي الْمصدر نَفسه، كتاب اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين، بَاب حكم الْمُرْتَد والمرتدة واستتابتهم، حَدِيث ٦٩٢٢، ١٢/ ٢٦٧ عَن عِكْرِمَة عَن عَليّ وَفِيه: "أُتِي عَليّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم" إِلَخ، قلت: وَذكر شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية أَن الَّذين أحرقهم عَليّ هم من الغالية الَّذين قَالُوا: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَو غَيره من أهل الْبَيْت هُوَ الله، قَالَ: وَهَؤُلَاء هم الزَّنَادِقَة وَذكر الْقِصَّة. "انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/ ٣٩٤". وَذكر ابْن حجر خبر حرق الزَّنَادِقَة من طَرِيق عبد الله بن شريك العامري، عَن أَبِيه وَفِيه أَنهم قَالُوا لعَلي: أَنْت رَبنَا وخالقنا ورازقنا. وَإسْنَاد الْخَبَر حسن كَمَا قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح ١٢/ ٢٧٠، وَيُمكن القَوْل بِأَن لفظ الزندقة الْوَارِد هُنَا لَيْسَ غَرِيبا على عبد الله بن سبأ والسبئية، يَقُول الذَّهَبِيّ: "عبد الله بن سبأ من غلاة الزَّنَادِقَة، ضال مضل، أَحسب أَن عليًّا حرقه بالنَّار" انْظُر: ميزَان الِاعْتِدَال ٢/ ٤٢٦، وَظن الذَّهَبِيّ فِي إحراق عَليّ لِابْنِ سبأ غير صَحِيح لثُبُوت وجوده بعد موت عَليّ، وَقَالَ ابْن حجر: "عبد الله بن سبأ من غلاة الزَّنَادِقَة" لِسَان الْمِيزَان ٣/ ٣٨٩: وَقَالَ أَيْضا: وَله أَتبَاع يُقَال: لَهُم السبئية معتقدون الإلهية فِي عَليّ بن أبي طَالب وَقد أحرقهم عَليّ بالنَّار خِلَافَته. لِسَان الْمِيزَان ٣/ ٢٩٠. رِسَالَة ماجستير، إعداد سُلَيْمَان حمد العودة، ص"٢٦٥". ٢ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨".
[ ١ / ٥٩١ ]
الرِّوَايَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا لَيْسَ أَثَرًا١ عِنْدَهُ. لَمَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ٢ قَالَ: "الْأَثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ. وَمَا بَعْدَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِأَثَرٍ"٣.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: فَكَيْفَ جَعَلْتَ أَنْتَ أَثَرًا مَا رَوَيْتَ٤ فِي رَدِّ مَذْهَبِنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ٥ وَأَبِي يُوسُفَ٦ وَأَبِي أُسَامَةَ٧ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ٨، وَالْمَرِيسِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ٩، وَالثَّلْجِيِّ١٠؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا رَوَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ١١ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ١٢، وَبَقِيَّةَ بن الْوَلِيد١٣ وَابْن
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل، س "أثر" بِالرَّفْع. ٢ أَبُو يُوسُف القَاضِي، تقدم ص"١٦٧". ٣ هَذَا من دَعْوَى الْمعَارض، وَلم أَقف فِيمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من كتب عُلُوم الحَدِيث على من نسب هَذَا القَوْل إِلَى أبي يُوسُف وَكَذَا فِي مصنفات أبي يُوسُف نَفسه ككتاب الْآثَار، وَكتاب الْخراج وَغَيرهمَا، بل إِن من تَأمل كِتَابه "لآثار" يجد أَنه أورد فِيهِ أَخْبَارًا، ونقولًا كَثِيرَة عَن التَّابِعين، مِمَّا ينْقض دَعْوَى الْمعَارض عَلَيْهِ. وعَلى فرض ثُبُوته فاستدلال الْمعَارض بِهِ اسْتِدْلَال فِي غير مَحَله، ثمَّ هُوَ أَيْضا محجوج بتناقض الْمعَارض فِي أَقْوَاله كَمَا هُوَ وَاضح من رد الدَّارمِيّ عَلَيْهِ. ٤ فِي ط، ش "مَا رويت أثرا"، وَفِي س "مَا رويت أثر". ٥ أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت، تقدم ص"١٩٢". ٦ أَبُو يُوسُف، تقدم ص"١٦٧". ٧ أَبُو أُسَامَة، تقدم ص"٤١٦". ٨ أَبُو مُعَاوِيَة، تقدم ص"١٥٧". ٩ اللؤْلُؤِي، تقدم ص"٥٥٦". ١٠ فِي ط، ش "وَابْن الثَّلْجِي". ١١ جَعْفَر بن مُحَمَّد، تقدم ص"١٥٤". ١٢ عَمْرو بن دِينَار، تقدم ص"٢٤٤". ١٣ بَقِيَّة بن الْوَلِيد، تقدم ص"٣٨٠".
[ ١ / ٥٩٢ ]
الْمُبَارَكِ١، وَوَكِيعٍ٢ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ٣ ونظرائهم أثرا عنْدك٤، فأبعد من الْأَثَرِ مَا احْتَجَجْتَ فِي رَدِّهِ عَنِ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ٥ وَنُظَرَائِهِمْ. فَكَيْفَ أَقَمْتَ أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَّهَمِينَ لِنَفْسِكَ أَثَرًا، وَلَا تُقِيمُ، أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَمَيِّزِينَ لَنَا أَثَرًا؟ مَعَ أَن يُوسُفَ٦ إِنْ قَالَ لَيْسَتْ أَقَاوِيلُ التَّابِعِينَ بِأَثَرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ. إِنَّمَا يُقَالُ: لَيْسَ اخْتِلَافُ التَّابِعِينَ سُنَّةً لَازِمَةً كَسُنَنِ٧ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. فَأَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ أَثَرًا٨ فَإِنَّهُ أَثَرٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَأَقَاوِيلُهُمْ أَلْزَمُ لِلنَّاسِ مِنْ أَقَاوِيلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى٩ أَثْنَى عَلَى التَّابِعِينَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١٠ فَشهد١١ بِاتِّبَاع
_________________
(١) ١ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٢ وَكِيع، تقدم ص"١٥٠". ٣ عِيسَى بن يُونُس، تقدم ص"١٤٦". ٤ فِي ط، س، ش "عنْدك بأثر". ٥ فِي ط ش "واللؤلؤي وَابْن الثَّلْجِي"، فِي س "واللؤلؤي والثلجي"، وَانْظُر تَرْجَمَة اللؤْلُؤِي ص"٥٥٦" والثلجي ص"٧٣-٩٠". ٦ أَبُو يُوسُف، تقدم ص"١٦٧". ٧ فِي ط، ش "كسنن". ٨ فِي س "أثر" وَصَوَابه بِالنّصب. ٩ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ١٠ [سُورَة التَّوْبَة، آيَة ١٠٠] . ١١ فِي ط، س، ش "فَشهد لَهُم".
[ ١ / ٥٩٣ ]
الصَّحَابَةِ١، وَاسْتِيجَابِ الرُّضْوَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ سَمَّوْهُمُ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَأْثِرُونَ٢ عَنْهُمْ٣ بِالْأَسَانِيدِ كَمَا يَأْثِرُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَيَحْتَجُّونَ بِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَيَرَوْنَ آرَاءَهُمْ أَلْزَمَ مِنْ آرَاءِ من بعدهمْ، للاسم تَابِعِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ٥ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ٦: "وَلَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ" فَقَالَ: "رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ"٧، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ٨ مَا رُوِيَ عَن التَّابِعين
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "الصَّحَابَة ﵃". ٢ فِي ط، ش "يؤثرون". ٣ فِي س "عَنهُ" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى. ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، تقدم ص"١٧٦". ٦ الْحسن الْبَصْرِيّ، تقدم ص"٢٢٧". ٧ أخرجه ابْن سعد فِي الطَّبَقَات، طبعة دَار بيروت ٧/ ١٦٥ قَالَ: أخبرنَا روح ابْن عبَادَة قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة، عَن الْجريرِي أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ لِلْحسنِ بن أبي الْحسن: أَرَأَيْت مَا تُفْتِي النَّاس أَشْيَاء سمعته أم بِرَأْيِك؟ فَقَالَ الْحسن: "لَا وَالله مَا كل مَا نفتي بِهِ سمعناه، وَلَكِن رَأينَا لَهُم خير من رَأْيهمْ لأَنْفُسِهِمْ" وَأخرجه ابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله ٢/ ٧٥ عَن الْحسن وَذكره ابْن الْقيم فِي إِعْلَام الموقعين طبعة درا الجيل ١/ ٧٤ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَيْضا. ٨ أَبُو يُوسُف، تقدم ص"١٦٧".
[ ١ / ٥٩٤ ]
أَثَرًا١ فَبِئْسَ٢ مَا أَثْنَى عَلَى زَعِيمِهِ٣ وَإِمَامِهِ أَبِي حَنِيفَةَ٤، إِذْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ عَامَّةَ فُتْيَاهُ بِغَيْرِ أَثَرٍ؛ لِأَنَّ عِظَمَ٥ مَا أَفْتَى وَأَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا رَوَاهُ عَن حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ٦، وَكَانَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَقَدْ شَهِدَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِغَيْرِ أَثَرٍ، وَعَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَبِعَهُ فِي فُتْيَاهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ٧، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا روى عَن التَّابِعين آثارعند أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَكُمْ٨ فَكَيْفَ سَمَّيْتَ رَأْيَ إِبْرَاهِيمَ: آثَارَ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَإِنَّمَا
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل "أثر" بِالرَّفْع وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ خبر "يكن". ٢ فِي ط، س، ش "فَلَيْسَ" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي س "زَعمه" ويتضح الْمَعْنى بِمَا أُثبتناه. ٤ أَبُو حنيفَة، تقدم ص"١٩٢". قلت: وَعُثْمَان بن سعيد يحسن الظَّن بِأبي يُوسُف وَأبي حنيفَة رحمهمَا الله وَلَكِن الَّذِي حمله على هَذَا هُوَ قُوَّة اندفاعه فِي الرَّد على الْخصم كَمَا هُوَ وَاضح لمن تَأمل هَذَا الْكتاب. ٥ كَذَا فِي جَمِيع النّسخ ولعلها "أعظم ٦ فِي ط، س، ش "عَن حَمَّاد بن إِبْرَاهِيم" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل. تَأمل السطور الَّتِي بعده، وَحَمَّاد هَذَا هُوَ ابْن أبي سُلَيْمَان مُسلم الْأَشْعَرِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، فَقِيه صَدُوق، وَله أَوْهَام، من الْخَامِسَة، رمي بالإرجاء، مَاتَ سنة عشْرين أَو قبلهَا، خت بخ م وَالْأَرْبَعَة، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٣/ ١٦ أَنه روى عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعنهُ أَبُو حنيفَة. وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، تقدم ص"٣٧٤"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٦٧ أَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان روى عَنهُ. ٧ فِي ط، س، ش "بصر". ٨ فِي ط "عِنْد أبي يُوسُف وعندكم أثر"، وَفِي س "عِنْد أبي يُوسُف وعندكم" وَلم يذكر لَفْظَة "أثر"، وَفِي ش "عِنْد أبي يُوسُف وعندكم أثرا". قلت: أَبُو يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة، تقدم ص"١٦٧".
[ ١ / ٥٩٥ ]