ثُمَّ أَنْشَأَ المُعَارِضُ أَيْضًا مُنْكِرًا أنَّ اللهَ يَضْحَكُ إِلَى شَيْءٍ ضَحِكًا هُوَ الضَّحِكُ، طَاعِنًا عَلَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - يُفَسِّرُهَا أَقْبَحَ التَّفْسِيرِ وَيَتَأَوَّلُهَا أَقْبَحَ التَّأْوِيلِ.
فَذَكَرَ مِنْهَا حَدِيثَ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «يَتَجَلَّى رَبُّنَا ضَاحِكًا يَوْم القِيَامَة» (١).
وَأَيْضًا حَدِيثَ أَبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ الله، أَيَضْحَكُ الرَّبُّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: لَنْ نَعْدِمَ مِنْ ربِّ يَضْحَكُ خَيْرًا» (٢).
وحَدِيث جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي ضَحِكِ الرَّبِّ (٣).
فادَّعى المُعَارِضُ فِي تَفْسِيرِ الضَّحِكِ (٤) أنَّ ضَحِكَ الرَّبِّ؛ رِضَاهُ وَرَحْمَتُهُ، وَصَفْحُهُ عَنِ الذُّنُوبِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: رَأَيْتَ زَرْعًا يَضْحَكُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: قَدْ كَذَبْتَ فِيمَا رَوَيْتَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الضَّحِكِ شَبَّهْتَ ضَحِكَهُ بِضَحِكِ الزَّرْعِ؛ لأنَّ ضَحِكَ الزَّرْعِ لَيْسَ بِضَحِكٍ، إِنَّمَا هُوَ خُضْرَتُهُ وَنَضَارَتُهُ، فَجُعِلَ مَثَلًا لِلضَّحِكِ، فعمَّن رَوَيْتَ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنَ
_________________
(١) جزء من حديث ضعيف، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٨٧)، وأحمد (١٩٦٥٥)، وعبد بن حميد (٥٤٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (١/ ٢٧٠)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢٧٧)، والدارقطني في الصفات (٣٤)، وغيرهم، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
(٢) سيأتي مسندًا، برقم (١٨٩).
(٣) يشير المصنف إلى الحديث الصحيح، الذي أخرجه هو في الرد على الجهمية (٩٢)، ومسلم (١٩١)، وأحمد (١٥١١٥)، وأبو عوانة (٣٦٠)، وغيرهم من حديث أبي الزبير قال: سألت جابرًا، عن الورود وفيه «فيتجلى لهم يضحك فيتبعونه».
(٤) في الأصل «الرب» وكتب في الحاشية «لعله الضحك».
[ ٣٠٠ ]
العُلَمَاءِ، أنَّ ضَحِكَ الرَّبِّ رِضَاهُ وَرَحْمَتُهُ؟ فسمِّه وَإِلَّا فَأَنْتَ المحرِّف قَوْلَ رَسُولِ الله - ﷺ - بِتَأْوِيلِ ضَلَالٍ؛ إِذْ شَبَّهْتَ ضَحِكَ اللهِ الحَيِّ القَيُّومِ الفَعَّالِ لِمَا يَشَاءُ ذِي الوَجْهِ الكَرِيمِ، وَالسَّمْعِ السَّمِيع والبَصَرِ البَصِيرِ، بِضَحِكِ الزَّرْعِ المَيِّتِ الَّذِي لَا ضَحِكَ لَهُ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الضَّحِكِ، وَإِنَّمَا ضَحِكُهُ يُمَثَّلُ، وَضَحِكُ اللهِ لَيْسَ يُمَثَّلُ.
وَيْحَكَ! إِنَّ ضَحِكَ الزَّرعِ نَضَارَتُهُ، وَزَهْوتُهُ، وَخُضْرَتُهُ، فَهُوَ أَبَدًا مَا دَامَ أَخْضَرُ ضَاحِكٌ لِكُلِّ أَحَدٍ لِلْوَلِيِّ وَالعَدُوِّ وَلِمَنْ يَسْقِيهِ، وَلِمَنْ يَحْصُدُهُ، لَا يَقْصِدُ بِضَحِكِهِ إِلَى شَيْءٍ، (١) واللهُ يَقْصِدُ بِضَحِكِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ؛ عِنْدَمَا يُعْجِبُهُ فِعَالُهُمْ، وَيَصْرِفُهُ عَنْ أَعْدَائِهِ فِيمَا يُسْخِطُهُ مِنْ أَفْعَالِهِم.
فَالدَّلِيلُ مِنْ فِعْلِ الله أَنَّهُ يَضْحَكُ إِلَى قَوْمٍ، وَيَصْرِفُهُ عَنْ قَوْمٍ، أنَّ ضَحِكَ الزَّرْعِ مَثَلٌ عَلَى المَجَازِ، وَضَحِكَ اللهِ أَصْلٌ، وَحَقِيقَةٌ لِلضَّحِكِ، يَضْحَكُ كَمَا يَشَاءُ، وَالزَّرْعُ أَبَدًا نَضَارَتُهُ وَخُضْرَتُهُ الَّتِي سَمَّيْتَهُ ضَحِكًا قَائِمٌ أَبَدًا حَتَّى يُسْتَحْصَدَ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ ضَحِكَهُ رِضَاهُ وَرَحْمَتُهُ، فَقَدْ صَدَقْتَ فِي بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْحَكُ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا عَن رِضَا فَيَجْتَمِعُ مِنْهُ الضَّحِكُ وَالرِّضَا.
وَلَا يَصْرِفُهُ إِلَّا عَنْ عَدُوٍّ، وَأَنْتَ تَنْفِي الضَّحِكَ عَنِ الله، وَتُثْبِتُ لَهُ الرِّضَا وَحْدَهُ، وَلَئِنْ جَزَعْتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الضَّحِكِ حَتَّى نَفَيْتَهُ عَنِ اللهِ بِمَعْنى ضَحِكِ الزَّرْع؛ مَالَكَ مِنْ رَاحَةٍ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ - مِمَّا يُكَذِّبُ دَعْوَاكَ، وَيَسْتَحِيلُ بِهِ تَفْسِيرُكَ.
_________________
(١) زاد هنا في الأصل «وَالله يَقْصِدُ بِضَحِكِهِ إلى شَيء»، ولعله انتقال نظر من الناسخ.
[ ٣٠١ ]
(١٨٩) حَدَّثَنَاه مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْن سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ:
«آَخِرُ رَجُلٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَمْشِي يَكْبُو عَلَى الصِّرَاطِ وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا جَاوَزَهَا التَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي أَنْجَانِي مِنْكِ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: [٥٧/و] يَا رَبِّ ادْنُنِي مِنْهَا، فَيُدْنِيَهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ بي وَأَنْتَ ربُّ العَالَمِينَ؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْأَلُنِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ضَحِكَ ثُمَّ قَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ: مِنْ ضَحِكِ ربِّ العَالَمِينَ مِنْهُ حِينَ يَقُولُ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي، فَيَقُولُ اللهُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ، فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ» (١).
أَفَلَا تَسْمَعُ أَيُّهَا المُعَارِضُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -: «مِنْ ضَحِكِ رَبِّ العَالَمِينَ مِنْهُ»، أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ ضَحِكَ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ للزَّرْع: يَضْحَكُ، وَلَا يُقالُ يَضْحَكُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا مِنْ أَجْلِ أَحَدٍ، وإنِّا لَمْ نَجْهَلْ مَجَازَ هَذَا فِي العَرَبِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، فَقَدْ سَمِعْنَا قَوْلَ الأَعْشَى وَفَهِمْنَا مَعْنَاهُ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى ضَحِكِ الرَّبِّ بَعِيدٌ، إِذْ يَقُولُ:
مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ
يُضَاحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُؤْزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ
فَالزَّرْعُ مَا دَامَ أَخْضَرَ، فَهُوَ مُضَاحِكُ الشَّمْسِ أَبَدًا، لَا يخصُّ بِضَحِكِهِ أَحَدًا وَلَا يَصْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ، وَالله يَضْحَكُ إِلَى قَوْمٍ، وَيَصْرِفُهُ عَنْ آخَرِينَ.
_________________
(١) صحيح، أخرجه مسلم (١٨٧)، وأحمد (٣٧١٤، ٣٨٩٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٥٧)، والبزار (٤/ ٢٧٣)، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة، به.
[ ٣٠٢ ]
(١٩٠) وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ، أبنا يَعْلَى بْنُ عَطاء، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ العَقِيلِيِّ، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ:
«ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ، قَالَ أَبُو رَزِينٍ: أَيَضْحَكُ الرَّبُّ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا» (١).
فَهَذَا حَدِيثُكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ الَّذِي رَوَيْتَهُ وَثَبَتَّهُ وَفَسَّرْتَهُ، وَأَقْرَرْتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ قَالَهُ، فَفِي نَفْسِ حَدِيثِكَ هَذَا مَا يَنْقُضُ دَعْوَاكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي رَزِينٍ - ﵁ - لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيَضْحَكُ الرَّبُّ؟ وَلَو كَانَ تَفْسِيرُ الضَّحِكِ الرِّضَى وَالرَّحْمَةُ وَالصَّفْحُ مِنَ الذُّنُوبِ فَقَطْ؛ كَانَ أَبُو رَزِينٍ فِي دَعْوَاكَ إِذًا جَاهِلًا أَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّ ربَّه يَرْحَمُ ويَرْضَى ويَغْفِرُ الذُّنُوبَ، حَتَّى يَسْأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ -: أَيَرْحَمُ رَبُّنَا وَيَغْفِرُ وَيَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ؟ بَلْ هُوَ كَافِرٌ فِي دَعْوَاكَ؛ إِذْ لم يَعْرِفْ اللهَ بالرضَى وَالرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ، وَقَدْ قَرَأَ القُرْآنَ وَسَمِعَ مَا ذَكَرَ اللهُ فِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَمَغْفِرَتِهِ، وَصَفْحِهِ عَنِ الذُّنُوبِ، مَا كَانَ لَهُ فِيهِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَيَغْفِرُ رَبُّنَا وَيَرْحَمُ؟ إِنَّمَا سَأَلَهُ عَمَّا لَا يَعْلَمُ، لَا عَمَّا عَلِمَ وَآمَنَ بِهِ قَبْلُ، وَقَرَأَ القُرْآنَ فَوَجَدَ فِيهِ ذِكْرَهُ، وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ ذِكْرَ الضَّحِكِ.
فَلَمَّا أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ يَضْحَكُ قَالَ: «لَا نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا»، وَلَوْ كَانَ عَلَى تَأْوِيلِكَ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَقُولَ أَبُو رَزِينٍ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -:لَا نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَرْحَمُ ويرضى ويغفر خيرًا، لِمَا أَنَّهُ قَدْ آمَنَ وَقَرَأَ قَبْلُ فِي كِتَابِهِ: «إنِّهُ غَفُورٌ رَّحيمٌ» [٥٧/ظ]، فَاعْقِلْهُ، وَمَا أَرَاكَ تَعْقِلُهُ.
_________________
(١) ضعيف الإسناد، أخرجه الطيالسي (١١٨٨)، وأحمد (١٦١٨٧، ١٦٢٠١)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٥٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٥٤)، وغيرهم، من طريق حماد بن سلمة، به. وهذا إسناد ضعيف فيه وكيع بن حدس، ويقال عدس؛ الراجح فيه أنه مجهول الحال.
[ ٣٠٣ ]
ثُمَّ لَم تَأْنَف مِنْ هَذَا التَّأْوِيلَ حَتَّى ادَّعَيْتَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ ضَحِكَ الله عَلَى مَا يَعْقِلُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا كَذِبٌ تَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لأنَّا لَمْ نَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يُشَبِّهُ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الله تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ المَخْلُوقِينَ، ولكنَّا نَقُولُ: هُوَ نَفْسُ الضَّحِكِ، يَضْحَكُ كَمَا يَشَاءُ، وَكَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَتَفْسِيرُكَ هَذَا مَنْبُوذٌ فِي حشِّكَ.
ثُمَّ فَسَّرْتَ الضَّحِكَ تَفْسِيرًا أَوْحَشَ مِنْ هَذَا أَيْضًا فَقُلْتَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَحِكُهُ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ ضَاحِكًا يَأْتِيهِمْ مُبَشِّرًا وَمُغِيثًا وَدَلِيلًا إِلَى الجَنَّةِ.
وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! أَلَا تَسْمَعُ مَا فِي حَدِيثِكَ الَّذِي رَوَيْتَهُ، وَثَبَتَّهُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيَضْحَكُ رَبُّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ»، وَلَمْ يَقُلْ: أَيَخْلُقُ الله خَلْقًا يَضْحَكُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا»، وَلَمْ يَقُلْ: لَا نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَخْلُقُ الضَّاحِكَ، فَهَذَا فِي نَفْسِ حَدِيثِكَ لَوْ قَدْ عَقِلْتَهُ، وأنَّي لَكَ العَقْلُ مَعَ هَذَا التَّخْلِيطِ؟
وادَّعَيْتَ أَيْضًا تَفْسِيرًا لِلضَّحِكِ أَبْعَدَ مِنْ هَذَا مِنَ الحَقِّ وَالمَعْقُولِ؛ فَزَعَمْتَ أنَّ اللهَ يَضْحَكُ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ تُفَسِّرُهُ أَنَّهُ يُضْحِكُهُ وَيَسَرُّهُ، فَذَلِكَ ضَحِكُ اللهِ تَعَالَى عَلَى النِّسْبَةِ، يَعْنِي أَنَّ الخَلْقَ وَضَحِكَهُمْ وَكَلَامَهُمْ لله.
فيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ: إِذَا تَحَوَّلَتِ العَرَبِيَّةُ إِلَى لُغَتِكَ، وَلُغَاتِ أَصْحَابِكَ؛ جَازَ فِيهَا أَنْكَرُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَأَفْحَشُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَهَذَا أَيْضًا بيِّنٌ فِي نَفْسِ حَدِيثِكَ الَّذِي رَوَيْتَهُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّه قَالَ لَهُ: «أيَضْحَكُ رَبُّنَا يَا رَسُولَ الله؟»، وَلَمْ يَقُلْ: أيُضْحِكُ رَبُّنَا، وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَكَانَ جَاهِلًا؛ إِذْ سَأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ - أيُضْحِكُ الرَّبُّ الخَلْقَ؟ وَقَدْ قَرَأَ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [النجم: ٤٣].
[ ٣٠٤ ]
فَلَوِ اشْتَغَلْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِيمَا تَتَقَلَّبُ فِيهِ مِنْ مَسَائِلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ وَنُظَرَائِهِمْ؛ كَانَ أَعْذَرَ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَعَرَّضَ بِمِثْلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الصِّعَابِ المَعَانِي الَّتِي كَانَ يَسْتَعْفِي مِنْ تَفْسِيرِهَا العُلَمَاءُ أَصْحَابُ العَرَبِيَّةِ البُصَرَاءُ، فَتُفَسِّرُهَا بِجَهْلٍ وَضَلَالٍ.
وَسَنَذْكُرُ لَكَ أَيْضًا بَعْضَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي ضَحِكِ الرَّبِّ تَعَالَى مِمَّا يَنْقُضُ دَعْوَاكَ حَتَّى تَضُمَّهُ إِلَى حَدِيث أَبِي رَزِين، وَأَبِي مُوسَى - ﵄ - فَتَعْلَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يُوَفِّقْكَ فِيهَا لِصَوَابٍ مِنَ التَّأْوِيلِ.
(١٩١) حَدَّثَنَا يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِي الوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
«ثَلَاثَةٌ يَضْحَكُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، وَالقَوْمُ إِذَا اصطَفُّوا لِلْقِتَالِ، وَالقَوْم إِذا اصْطَفُّوا للصَّلَاة» (١).
أَفلا ترى أَيهَا المُعَارِضُ أَنَّ الضَّحِكَ لَا يُشْبِهُ ضَحِكَ الزَّرْعِ الَّذِي تأوَّلتَه؛ لِأَنَّ ضَحِكَ الزَّرْعِ لَا يَخُصُّ به أَحَدًا وَلَا يَصْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ، وَاللهُ يَضْحَكُ إِلَى قَوْمٍ وَيَصْرِفُهُ عَنْ قَوْمٍ.
(١٩٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاش، حَدثنِي بَحِيرُ بْنُ سَعِد (٢)، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ كَثِيرِ [٥٨/و] بْنِ مرّة، عَن نُعَيْم ابْن
_________________
(١) إسناده ضعيف، أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٥٤٥)، وعنه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٤٠)، وأخرجه أحمد (١١٧٦١)، وابنه عبد الله في السنة (١٢٠٤)، وأبو يعلى (١٠٠٤)، وغيرهم من طريق هشيم، به. وهذا إسناد ضعيف لأجل مجالد بن سعيد، فهو ضعيف، سئل أبو حاتم الرازي عنه، يحتج بحديثه؟ قال: لا، وقال ابن معين: ضعيف، واهي الحديث، لا يحتج بحديثه. وهشيم بن بشير مدلس وقد عنعن.
(٢) في الأصل «يحيى بن سعيد»، وكُتِبَ في الحاشية «صوابه بحير بن سعد». قلت: نعم.
[ ٣٠٥ ]
هَمَّارٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: أَي الشُّهَدَاء أفضل؟ قَالَ: الَّذِين يُلْقَوْنَ فِي الصَّفِّ وَلَا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُم حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ الَّذِين يَتَلَبَّطُونَ فِي العُلَى فِي الجَنَّةِ يَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي مَوْطِنٍ؛ فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ» (١).
(١٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ المَعَافِرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْن المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي فِرَاسٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - ﵄ - قَالَ: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى صَاحِبِ البَحْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: حِينَ يَرْكَبُهُ وَيُخَلَّى مِنْ أَهْلِهِ، وَحِينَ يَمِيدُ مُتَشَحِّطًا، وَحينَ يَرَى البَرَّ لِيُشْرِفَ لَهُ» (٢).
(١٩٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَبنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَن أبي الأَحْوَص، وَأَبِي الكَنُودِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّ الله يَضْحَكُ إِلَى اثْنَيْنِ: رَجُلٌ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَرَجُلٌ كَانَ مَعَ قَوْمٍ فَلَقَوُا العَدُوَّ فَانْهَزَمُوا وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَاللهُ يَضْحَكُ إِلَيْهِ» (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٤٧٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٥٦٦)، وأبو يعلى (٦٨٥٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٢٧٧)، والآجري في الشريعة (٦٥٠)، من طرق عن إسماعيل بن عياش، به. ورجاله ثقات وإسماعيل بن عياش في روايته عن أهل بلده من الشاميين ثقة، وبحير بن سعد منهم.
(٢) إسناده ثقات، خلا عبد الله بن صالح، وقد توبع. أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٧٢٠)، عن زيد بن الحباب، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٨١)، من طريق ابن وهب، كلاهما عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح، به.
(٣) أخرجه الآجري في الشريعة (٦٣٧)، من طريق يحيى بن آدم، عن إسرائيل، به. واختلف فيه على إسرائيل فرواه أحمد بن يونس عنه عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي الكنود، ورواه يحيى بن آدم، عنه، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، وأبي الكنود. وينظر علل الدارقطني (٥/ ٢٦٧).
[ ٣٠٦ ]
ورُوي عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَضْحَكُ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ كِلَاهُمَا دَاخِلٌ الجَنَّةَ: مُشْرِكٌ قَتَلَ مُسْلِمًا، ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسْتَشْهَدُ بَعْدُ».
(١٩٥) حَدَّثَنَاهُ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، عَن سُفْيَانَ ابْن حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (١).
(١٩٦) وَحَدَّثَنَاهُ القَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (٢).
(١٩٧) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ البَغْدَادِيُّ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّا أَبُو زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أَبِي الهُذَيْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «إِنَّ الله يَضْحَكُ مِمَّنْ ذَكَرَهُ فِي الأَسْوَاقِ» (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٠٦٣٦) من طريق محمد بن أبي حفصة، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٧٢)، من طريق عبد الرحمن بن يزيد، كلاهما عن الزهري، به. وهذا إسناد متماسك، وينظر الإسناد الذي بعده.
(٢) صحيح، أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٢٣)، من طريق القعنبي، به. وأخرجه البخاري (٢٨٢٦)، عن عبد الله بن يوسف التنيسي، والنسائي (٦/ ٣٨)، من طريق عبد الرحمن بن القاسم العتقي، وابن حبان (٢١٥)، من طريق أحمد بن أبي بكر أبي مصعب الزهري، والآجري (٦٣٠)، من طريق مصعب بن عبد الله الزبيري، والبيهقي (٩/ ٢٧٨)، من طريق ابن وهب، كلهم عن مالك، به. والحديث في الموطإ (٢/ ٤٦٠)، ورواه مسلم (١٨٩٠) وغيره، من حديث أبي الزناد، به.
(٣) إسناده حسن، إسماعيل بن زكريا مقارب الحديث، كما قال الإمام أحمد، وباقي إسناده ثقات. ولم أجد من أخرجه سوى المصنف. وقال أبوداود في المراسيل (١/ ١١٢): «حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن نصر، قال: سألت سفيان بن عيينة قلت: يا أبا محمد أريد أسألك= = قال: لا تسأل، قلت: إذا لم أسألك فمن أسأل، قال: سل قلت: ما تقول في هذه الأحاديث التي رويت نحو: القلوب بين أصبعين، وأن الله يضحك أو يعجب ممن يذكره في الأسواق؟ فقال: «أمروها كما جاءت بلا كيف».
[ ٣٠٧ ]
(١٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ: لمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - ﵁ - صَاحَتْ أمُّهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -: «أَلاَ يَرْقَأُ دَمْعُكِ، وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ؟ فَإِنَّ ابْنَكِ أوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللهُ إِلَيْهِ» (١).
وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ ضَحِكِهِ مَا شَبَّهْتَ بِهِ أَيُّهَا المُعَارِضُ مِنْ ضَحِكِ الزَّرْعِ؛ مَا كَانَ يَقُولُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللهُ إِلَيْهِ»؛ لِأَنَّ خُضْرَةَ الزَّرْعِ وَنَضَارَتَهُ بَادِيَةٌ لِأَوَّلِ نَاظِرٍ إِلَيْهَا وَآخِرٍ، لَا يَقْصِدُ بِضَحِكِهِ إِلَى تَقِيٍّ، وَلَا يَصْرِفُهُ عَنْ شَقِيٍّ، فَكَمْ تَدْحَضُ فِي بَوْلِكَ، وَتَعْثُرُ فِي قَوْلِكَ، وتَغُرُّ مَنْ حَوْلَكَ!.
أوَ لم تَقُلْ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ هَذَا أَنَّ الله لَا يُقاس بِالنَّاسِ، وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَهَّمَ فِي صِفَاتِهِ مَا يَعْقِلُهُ مِنْ نَفْسِهِ؟ وَأَنْتَ تَقِيسُهُ فِي ضَحِكِهِ بِالزَّرْعِ وَتَتَوَهَّمُ فِيهِ مَا تتَوَهَّمُ بِالزَّرْعِ.
وادَّعيت أَيْضًا فِي صَدْرِ كِتَابِكَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صِفَاتِ الله تَعَالَى اجْتِهَادُ الرَّأْيِ، وَأَنْتَ تَجْتَهِدُ فِيهَا أَقْبَحَ الرَّأْيِ، حَتَّى مِنْ قَبَاحَةِ اجْتِهَادِكَ تَتَخَطَّى بِهِ الحَقَّ إِلَى البَاطِلِ، وَالصَّوَاب إِلَى الخَطَإ. [٥٨/ظ]
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٧٥٨١)، وفي فضائل الصحابة (٢/ ٨٢٤)، والسنة لابن أبي عاصم (٥٥٩)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٨٠)، وغيرهم، من طريق يزيد بن هارون، به. وإسحاق بن راشد هذا قال الحافظ: مقبول، ولم نجد له متابع. وقال ابن خزيمة: «لست أعرف إسحاق بن راشد هذا، ولا أظنه الجزري، أخو النعمان بن راشد». تنبيه: أدخل ناسخ الأصل هذا الإسناد في الذي قبله من عند إسماعيل لانتقال نظره، ثم علق في الحاشية بقوله: مكرر. والإسناد المثبت هكذا في «س»، وفي مصادر التخريج جميعا.
[ ٣٠٨ ]
أوَ لم تَذْكُرْ فِي كِتَابِكَ أَنَّهُ لَا يحْتَمل فِي التوحيد إِلَّا الصَّوَابُ فَقَطْ؟ فَكَيْفَ تَخُوضُ فِيهِ بِمَا لَا تَدْرِي؟ أَمُصِيبٌ أَنْتَ أَمْ مُخْطِئٌ؟ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا نرَاك تُفَسِّرُ التَّوْحِيدَ بِالظَّنِّ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَهُوَ قَوْلُكَ: يَحْتَمِلُ فِي تَفْسِيرِهِ كَذَا، وَيَحْتَمِلُ كَذَا تَفْسِيرًا وَيَحْتَمِلُ فِي صِفَاتِهِ كَذَا، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَ ذَلِكَ كذا، وَيَحْتَمِلُ فِي كَلَامِهِ كَذَا وَكَذَا، وَالِاحْتِمَالُ ظَنٌّ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ يَقِينٍ، وَرَأْيٌ غَيْرُ مُبِينٍ، حَتَّى تَدَّعِيَ لله فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ألوَانًا كَثِيرَةً، وَوُجُوهًا كَثِيرَةً أَنَّهُ يَحْتَمِلُهَا لَا تَقِفُ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فَتَخْتَارَهُ، فَكَيْفَ تَنْدُبُ النَّاسَ إِلَى صَوَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَنْتَ دَائِبٌ تجْهَلُ صِفَاتَه، وَأَنْتَ تَقِيسُهَا بِمَا لَيْسَ عِنْدَكَ بِيَقِينٍ؟ ولكنَّا نَظُنُّكَ تَقُولُ الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ، حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكَ فِيهِ مَا يَأْخُذُ بِحَلْقِكَ أَوْ يَكْظِمُكَ.
وَالعَجَبُ مِنْ رَجُلٍ يَدَّعِي عَلَى قَوْمٍ زُورًا وَكَذِبًا أَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ اللهَ بَآدَمَ فِي صُورَتِهِ، فَتَدَّعِي عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ كُفْرًا، وَهُوَ يُشَبِّهُهُ فِي يَدِهِ بِأَقْطَعَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَفِي بَصَرِهِ بِأَعْمَى، وَفِي سَمْعِهِ بِأَصَمَّ، وَفِي وَجْهِهِ بِوَجْهِ القبْلَة، وَوُجُوه الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَفِي كَلَامِهِ بِأَبْكَمَ، حَتَّى تَتَوَهَّمَ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ كَكَلَامِ الجِبَالِ وَالشَّجَرِ، وَفِي ضَحِكِهِ بِالزَّرْعِ الأَخْضَرِ.
فَكَيْفَ تُجِيزُ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَجْحَدُهُ عَلَى غَيْرِكَ؟ لَقَدِ احْتَظَرْتَ وَاسِعًا، وَكُلَّما احْتَجَجْتَ لِمَذْهَبِكَ مِنْ بَاطِلٍ احْتُمِلَ، وَمَا احتجَّ عَلَيْكَ غَيْرُكَ فِيهِ مِنْ حَقٍّ بَطُلَ! رُوَيْدَكَ بِالقَضَاءِ فَلَا تَعْجَلْ، فَتَزِلَّ قَدَمُكَ، وَتَسْتَجْهِلَ، وَتَفْتَضِحَ بِهَا عِنْدَ مَنْ عَقِلَ.
وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَهْمِيَّةِ مِنَ الحُجَجِ إِلَّا مَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ مِنْ هَذِهِ العَمَايَاتِ المُسْتَشْنَعَةِ، وَالتَّفَاسِيرِ المَقْلُوبَةِ؛ مَا أَسْدَيْتَ إِلَيْهِمْ بِذِكْرِهَا نَصِيحَةً، وَقَدْ زِدْتَهُمْ بِهَا فَضِيحَةً عَلَى فَضِيحَةٍ، إِذْ تُضِيفُ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الشَّناَئِعَ القَبِيحَةَ، فَكَشَفْتَ عَنْهُمُ
[ ٣٠٩ ]
الغِطَاءَ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ هَيْنَمَةَ فِي خَفَاء.
وَرَوَى المُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ الله قَدْ مَلَأَ العَرْشَ، حَتَّى إِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ، ثُمَّ فسَّر قَوْلَ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَدْ مَلَأَهُ آلَاءً وَنِعَمًا حَتَّى إِنَّ لَهُ أَطِيطًا، لَا عَلَى تَحْمِيلِ جِسْمٍ، فَقَدْ حَمَّلَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالجِبَالَ الأَمَانَةَ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا، وَالأَمَانَةُ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، فَكَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَا وَصَفَ عَلَى العَرْشِ.
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: لَجْلَجْتَ بها ولبَّسْتَ، حَتَّى صَرَّحْتَ بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ عَلَى العَرْشِ، إِنَّمَا عَلَيْهِ آلَاؤُهُ وَنَعْمَاؤُهُ، فَلَمْ يبقَ مِنْ إِنْكَارِ العَرْشِ غَايَةٌ بَعْدَ هَذَا التَّفْسِيرِ.
وَيْلَكَ! فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى العَرْشِ بِزَعْمِكَ إِلَّا آلَاؤُهُ، وَنَعْمَاؤُهُ، وَأَمْرُهُ فَمَا بَالُ العَرْشِ يَتَأَطَّطُ مِنَ الآءِ وَالنَّعْمَاءِ؟ لَكَأَنَّهَا عِنْدَكَ أَعْكَامُ الحِجَارَةِ وَالصُّخُورِ وَالحَدِيدِ؛ فَيَتَأَطَّطُ مِنْهَا العَرْشُ ثِقلًا، إِنَّمَا الآلَاءُ طَبَائِعُ أَوْ صَنَائِعُ لَيْسَ لَهَا ثِقَلٌ، وَلَا أَجْسَامٌ يَتَأَطَّطُ مِنْهَا العَرْشُ، مَعَ أَنَّكَ قَدْ جَحَدْتَ فِي تَأْوِيلِكَ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَلَى العَرْشِ شَيْءٌ مِنَ الله، وَلَا مِنْ تِلْكَ الآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ، إِذْ شَبَّهْتَهَا بِمَا حَمَّلَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالجِبَالَ مِنَ الأَمَانَةِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا، فَقَدْ أَقْرَرْتَ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى العَرْشِ شَيْءٌ؛ لأنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [٥٩/و] وَالجِبَالَ إِذْ أبينَ أَنْ يَحْمِلْنَ الأَمَانَةَ؛ لَمْ يُحَمِّلْهُنَّ الله شَيْئًا، بَلْ تَرَكَهُنَّ خلْوًا مِنْ تِلْكَ الأَمَانَةِ وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا.
فَفِي دَعْوَاكَ لَيْسَ عَلَى العَرْشِ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ الَّتِي ادَّعيت، كَمَا لَيْسَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالجِبَالُ مِنْ تِلْكَ الأَمَانَةِ شَيءٌ فَكَما السماواتُ والأرضُ والجبالُ خلْوٌ مِنَ الأَمَانَةِ؛ كَذَلِكَ العَرْشُ عِنْدَكَ خلْوٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
[ ٣١٠ ]
فَانْظُرْ أَيُّهَا الجَاهِلُ أَنْ تُورِدَكَ هَذِهِ التَّفَاسِيرُ مِنَ المَهَالِكِ، وَمَاذَا تَجُرُّ إِلَيْك مِنَ الجَهْلِ وَالضَّلَالِ، فَتَشْهَدُ عَلَيْكَ بِأَقْبَحِ المُحَالِ، وَلَمْ تَتَأَوَّلْ فِي العَرْشِ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ تَأْوِيلًا أَفْحَشَ وَلَا أَبْعَدَ مِنَ الحق من هَذَا.
وَادَّعَيْتَ أَيْضًا أَنَّ قَتَادَةَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَمَّا قَضَى الله خَلْقَهُ اسْتَلْقَى وَوَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ» (١).
ثُمَّ فسَّره المُعَارِضُ بِأَسْمَجِ التَّفْسِيرِ وَأَبْعَدِهِ مِنَ الحَقِّ، وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ قَالَهُ.
فَزَعَمَ أنَّه قِيلَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الحَدِيثِ: «إنَّ الله لَمَّا خَلَقَ الخَلْقَ اسْتَلْقَى»، فَتَفْسِيرُهُ: أَنَّهُ ألقَاهُمْ وبثَّهم، وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى»، فَيَحْتَمِلُ أَنه أَرَادَ بِالرِّجْلِ الجَمَاعَةَ الكَثِيرَةَ، كَقَوْلِ النَّاسِ: «رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ»، فَنَسَبْتَ تِلْكَ الرِّجْلَ إِلَى الله كَمَا نُسِبَ رُوحُ عِيسَى إِلَى الله بِالإِضَافَةِ، فَألقَى رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ أَيْ جَمَاعَةً عَلَى جَمَاعَةٍ -فِي دَعْوَاهُ-.
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: مَنْ يَتَوَجَّهُ لِنَقِيضَةِ هَذَا الكَلَامِ مِنْ شِدَّةِ اسْتِحَالَتِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ جَمِيعِ المَعْقُولِ عِنْدَ العَرَبِ وَالعَجَمِ، حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الإِنْسِ؟ وَمَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهَا يَنْطِقُ لَهَا حَتَّى لَا تحْتَاجَ نَقِيضَةً، وَيْلَكَ! عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا التَّفْسِيرَ؟ وَمَنْ عَلَّمَكَ؟ وَعَمَّنْ رَوَيْتَ هَذَا؟ فسمِّه
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥٦٨)، والطبراني (١٩/ ١٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٦٧)، قال البيهقي عقبه: «فهذا حديث منكر».وقال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري له (٣/ ٤٠٧): «لا أصل لرفعه وإنما هو متلقى من اليهود». وقال الشيخ الالباني ﵀ في ظلال الجنة: منكر. وقد وقع في الأصل «أبا قتادة»، وهذا وهم إنما هو قتادة بن النعمان، وصوبته من «س»،والمصادر.
[ ٣١١ ]
حَتَّى يَرْتَفِعَ عَنْكَ عَارُهُ، وَيَلْزَمَ مَنْ قَالَهُ، فَأَغْرِبْ بِهَا مِنْ ضَحِكَةٍ! وَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ سُخْرِيَةٍ!
وَيْحَكَ! أَخَلَقَ اللهُ خَلْقًا فَسَمَّاهُمْ رِجْلًا لَهُ ثمَّ أَلْقَى رِجْلًا عَلَى
رِجْلٍ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؟! أَحَطَبًا كَانُوا فَخَدَّهُم، فَألقَى بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الشَّمْسِ؟ وَفِي أَيِّ لُغَاتِ العَرَبِ وَجَدْتَ اسْتَلْقَى: فِي مَعْنَى ألقَى؟ فَإِنَّكَ لَمْ تَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ لُغَاتِهِمْ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ احْتِجَاجُكَ بِجَهْلِكَ لِمَقْلُوبِ تَفْسِيرِكَ هَذَا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَمَرَّ بِنَا رِجْلٌ مِنَ النَّاسِ وَانْزَوَى إِلَيْهِمْ مِنَ الرِّجْلِ الثَّمَانِينَ أَرْجُلُ
وَيْلَكَ! إِنَّمَا قَالَ: رِجْلٌ مِنَ النَّاسِ، وَرِجْلٌ مِنَ الثَّمَانِينَ، وَلَمْ يقلْ: رِجْلٌ مِنَ الله، كَمَا ادَّعَيْتَ أَنَّ الخَلْقَ رِجْلٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى ألقَى بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ انْتَحَلْتَ أَنْتَ فِيهِ قَوْلَ الشَّاعِرِ بِمَا بَهَتَّهُ بِهِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بِهَذَا مَجْنُونٌ مَا زَادَهُ، فَبُؤْسًا لِقَرْيَةٍ مِثْلُكَ فَقِيهُهَا، والمَنْظَورُ إِلَيْهِ فِيهَا!
* * *
[ ٣١٢ ]
وادَّعى المُعَارِضُ أَيْضًا زُورًا عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الله: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] قَالَ: يَعْنُونَ بِذَلِكَ الجَنْبَ الَّذِي هُوَ العُضْوُ، وَلَيْسَ عَلَى مَا يَتَوهَّمُونَهُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: مَا أَرْخَصَ الكَذِبَ عِنْدَكَ، [٥٩/ظ] وأخفَّه عَلَى لِسَانِكَ! فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ فَأَشِرْ بِهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ قَالَهُ، وَإِلَّا فَلِمَ تُشَنِّع بِالكَذِبِ عَلَى قَوْمٍ هُم أَعْلَمُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مِنْكَ، وَأَبْصَرُ بِتَأْوِيلِ كِتَابِ الله مِنْكَ، وَمِنْ إِمَامِكَ؟ إِنَّمَا تَفْسِيرُهَا عِنْدَهُمْ، تَحَسُّرُ الكفَّار عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي الإِيمَانِ وَالفَضَائِلِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى ذَاتِ الله، وَاخْتَارُوا عَلَيْهَا الكُفْرَ وَالسُّخْرِيَةَ بِأَوْلِيَاءِ الله؛ فَسَمَّاهُمُ السَّاخِرِونَ.
فَهَذَا تَفْسِيرُ الجَنْبِ عِنْدَهُمْ. فَمَا أَنْبَأَكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: جَنْبٌ مِنَ الجُنُوبِ؟ فَإِنَّهُ لَا يَجْهَلُ هَذَا المَعْنَى كَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّ المُسْلِمِينَ، فَضْلًا عَنْ عُلَمَائِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - ﵁ -: «الكَذِبُ مُجَانِبُ الإِيمَانِ» (١)، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: «لَا يَجُوزُ مِنَ الكَذِبِ جِدٌّ وَلَا هَزْلٌ» (٢)، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «مَنْ كَانَ كَذَّابًا؛ فَهُوَ مُنَافِقٌ» (٣)، فَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ مِنْهُم.
* * *
_________________
(١) صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٥٩٩٤)، وأحمد (١٦)، وعنه ابنه عبد الله في السنة (٧٨٦)،وغيرهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر - ﵁ -.
(٢) صحيح، أخرجه أحمد (٣٨٩٦)، من طريق أبي الأحوص، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٧)، من طريق أبي معمر، وابن المبارك في الزهد (١/ ٤٩١)، من طريق أبي عبيدة، وابن أبي شيبة (٢٥٩٣٩)، من طريق أبي البختري، وغيرهم عن ابن مسعود.
(٣) صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٩٩٧)، وابن بطة في الإبانة (٩٣٨)، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي.
[ ٣١٣ ]
وَرَوَى المُعَارِضُ أَيْضًا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً، مَنْ يَنْظُرُ إِلَى نَعِيمِهِ وَجَنَّاتِهِ مَسِيرَةَ ألفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى الله - ﷿ - مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ تَلَا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢]» (١).
قَالَ المُعَارِضُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ نَظَرًا إِلَى مَا أعدَّ اللهُ لَهُمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الجَنَّةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى الجِنَانِ.
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: قَدْ جِئْتَ بِتَفْسِيرٍ طَمَّ عَلَى جَمِيعِ تَفَاسِيرِكَ ضَحلةً وَجَهَالَةً، وَلَوْ قَدْ رَزَقَكَ اللهُ شَيْئًا مِنْ مَعْرِفَةِ العَرَبِيَّةِ؛ لَعَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الكَلَامَ الَّذِي رَوَيْتَهُ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ، وَهَذِهِ الألفَاظِ الوَاضِحَةِ لَا يَحْتَمِلُ تَفْسِيرًا غَيْرَ مَا قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَتَلَا تَصْدِيقَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الله.
وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولِ الله - ﷺ -: «إِلَى وَجْهِ الله»، وَلَمْ يَقُلْ: إِلَى وُجُوهِ مَا أَعَدَّ الله لَهُمْ مِنَ الكَراَمَاتِ، وَمَنْ سَمَّى مِنَ العَرَبِ وَالعَجَمِ مَا أَعَدَّ اللهُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ وَجْهًا للهِ قَبْلَكَ؟ وَفِي أَيِّ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ وَجَدْتَ أَنَّ وَجْهَ اللهِ أَعْلَى جَنَّتِهِ؟ مَا لَقِيَ وَجْهُ اللهِ ذُو (٢) الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ مِنْ تَفَاسِيرِكَ؟! مَرَّةً تَجْعَلُهُ مَا أعدَّ الله لِأَهْلِ الجنَّة، وَمَرَّةً تَجْعَلُهُ أَعْلَى الجَنَّةِ، وَمَرَّةً تَجْعَلُهُ وَجْهَ القِبْلَةِ، وَمَرَّةً تُشَبِّهُهُ بِوَجْهِ الثَّوْبِ، وَوَجْهِ الحَائِطِ، وَاللهُ سَائِلُكَ عمَّا تَتَلَاعَبُ بِوَجْهِهِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ.
فَإِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتَ: أَنَّ أَكْرَمَهُمْ عَلَى اللهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ مَا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد (٨١٩ - منتخب)، وعنه الترمذي (٢٥٥٣، ٣٣٣٠)، وأحمد (٤٦٢٣)، وعنه ابنه عبد الله في السنة (٤٦١)، وغيرهم من طرق عن ثوير بن أبي فاختة، وهو ضعيف كما قال يحيى بن معين، وأبو حاتم، وغيرهما. وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: قد نسب إلى الرفض. فالحديث ضعيف.
(٢) في الأصل «ذي»، وهو خلاف الجادة، والمثبت من «س».
[ ٣١٤ ]
مِنَ الكَرَامَةِ الَّتِي يَتَوَقَّعُونَهَا مِنَ اللهِ، أَفَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي حَدِيثِكَ أَيْضًا: «إِنَّ أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَعَدَّ الله لَهُمْ مِنَ جَنَّاتِهِ وَنَعِيمِهِ وَكَرَامَاتِهِ مَسِيرَةَ ألفِ سَنَةٍ، وَإِنَّ الأَدْنَيْنَ مِنْهُمْ يَتَوَقَّعُونَ مِنْ كَرَامَاتِ الله مَا يَتَوَقَّعُ أَكْرَمُهُمْ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى أَعْلَى الجَنَّةِ كَمَا يَنْظُرُ أَكْرَمُهُمْ؟» فمَا مَوْضِعُ تَمْيِيزِ رَسُولِ الله - ﷺ - الأَدْنَى بِالنَّظَرِ إِلَى مُلْكِهِ وَنَعِيمِهِ، وَالأَعْلَى إِلَى وَجْهِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً؛ إِذْ كُلُّهُمْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ [٦٠/و] فِيهَا غَيْرُ مَحْجُوبِينَ، وَلَا عَنِ التَّوَقُّعِ مَمْنُوعِينَ حَتَّى تَلَا رَسُولِ الله - ﷺ - فِي الأَكْرَمِينَ مِنْهُمْ مَا لم يَتْل فِي الأَدْنَيْنِ مِنْهُم تَثْبِيتًا لِوَجْهِهِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، وَتَكْذِيبًا لِدَعْوَاكَ، فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وَلَمْ يَقُلْ: إِلَى كَرَامَاتِهَا نَاظِرَةٌ، فَسُبْحَانَ الله! مَا أَوْحَشَهَا مِنْ تَأْوِيلٍ، وَأَقْبَحَهَا مِنْ تَفْسِيرٍ، وَأَشَدَّهَا اسْتِحَالَةً فِي جَمِيعِ لُغَاتِ العَالَمِينَ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَرْزُقْكَ مِنَ الفَهْمِ إِلَّا مَا تَرَى، لَوْ تَكَلَّم بِهَذَا الكَلَامِ صِبْيَانُ الكُتَّابِ لَاسْتَضْحَكَ النَّاسُ مِنْهُمْ، فَكَيْفَ رَجُلٌ يَعُدُّ نَفْسَهُ مِنْ عِدَادِ عُلَمَاءِ بِلَادِهِ؟
وَرَوَى المُعَارِضُ أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ مُحَمَّدٍ، رَوَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ (١).
وَرَوَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «رَأَى ربَّه جَعْدًا أَمْرَدَ عَلَيْهِ حُلَّة خَضْرَاءُ» (٢).
فادَّعى المُعَارِضُ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ فسَّروا هَذَا أَنَّ هَذِهِ صِفَةُ جِبْرِيلَ، فَعَرَفَ
_________________
(١) رواه الطبراني في كتاب السنة كما في اللآليء المصنوعة للسيوطي (١/ ٣٣ - ٣٤)، من طريق حجاج بن محمد، به. وإسناده منقطع فإن ابن جريج، لم يسمع من الضحاك.
(٢) تقدم الكلام على هذا الحديث ص (٢٨١).
[ ٣١٥ ]
رَبَّهُ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عِلْمًا بِقَلْبِهِ بإدرَاكِهِ جِبْرِيل عيَانًا، فَهَذَا تَفْسِيرُ أَنَّهُ رَأَى مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي شَاهَدَ بِبَصَرِهِ، وَكَانَتْ الصُّورَةُ صُورَةُ جِبْرِيلَ.
فَقُلْنَا لِهَذَا المُعَارِضِ المُنَاقِضِ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ؟ ثُمَّ تَدَّعِي هَاهُنَا أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ فَسَّرُوهُ أَنَّهُ صُورَةُ جِبْرِيلَ، وَأَيُّ صَاحِبِ عِلْمٍ يُفَسِّرُ أَحَادِيثَ الزَّنَادِقَةِ، يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهَا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -؟ إلَّا إِنَّ يَكُونَ زُعَمَاؤُكَ هَؤُلَاءِ المُعَطِّلُونَ؟ وَكَيْفَ تُثْبِتُ الشَّهَادَةَ عَلَى حَدِيثِ الزَّنَادِقَةِ أَن هَذَا تَفْسِيره؟ أَو لَيْسَ قد أَنْبَأْنَاكَ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أنَّى أَرَاهُ»، وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ - ﵂ -: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى ربَّه؛ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى الله الفِرْيَةَ؛ لِأَنَّ الله قَالَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]».
غَيْرَ أَنَّكَ فَسَّرْتَهُ تَفْسِيرًا شَهِدْتَ فِيهِ بِالكُفْرِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -؛ إِذْ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ رَبُّهُ، وَأَنَّهُ قَالَ لِصُورَةٍ مَخْلُوقَةٍ شَاهَدَهَا بِبَصَرِهِ أَنَّهُ رَبُّهُ، فَتَفَكَّرْ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِيمَا يَجْلِبُ عَلَيْكَ تَأْوِيلُكَ هَذَا مِنَ الفَضَائِحِ، حِينَ تَدَّعِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَعْرِفْ جِبْرِيلَ مِنَ اللهِ، حَتَّى يَرَى صُورَةَ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ شَابٍّ جَعْدٍ، فَيَدَّعِيَ أَنَّهُ رَبُّهُ بِزَعْمِكَ.
لَوْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ أَبْكَمَ كَانَ خَيْرًا لَكَ مِنْ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِهَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ! أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ: إِنَّ أَهْلَ العِلْمِ قَالُوا: إِنَّ هَذَا صُورَةُ جِبْرِيلَ، فَمِنْ أَيِّ أَهْلِ العِلْمِ سَمِعْتَ هَذَا التَّفْسِيرَ؟ فَأَسْنِدْهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْنِدُهُ إِلَّا إِلَى مَنْ هُوَ أَجْهَلُ مِنْكَ.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ إِنَّمَا تُغَالِطُ بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِتَدْفَعَ بِهَا قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وَقَوْلُ رَسُولِ الله - ﷺ -: [٦٠/ظ] «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»، فَتُوهِمَ النَّاسَ
[ ٣١٦ ]
أَنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الَّتِي تَسْتَنْكِرُهَا، وَتَلْتَمِسُ لَهَا هَذِهِ العَمَايَاتِ كَالَّتِي يَرْوُونَ فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَأَنَّهُ لَا تُدْفَعُ تِلْكَ بِمِثْلِ هَذَا التَّفْسِيرِ المَقْلُوبِ، لِمَا أَنَّهَا قَدْ ثَبَتَتْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِأَسَانِيدَ كَالصُّخُورِ، فَلَا يُدْفَعُ إِلَّا بِأَثَرٍ مِثْلِهِ مَأْثُورٍ، فَارْبَحِ العَنَاءَ! فَقَدْ عَلِمْنَا حَوْلَ مَاذَا تَدُورُ، وَلَنْ تَغُرَّ بِمِثْلِهَا إِلَّا كُلَّ مَغْرُورٍ.
وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا فِي إِنْكَار الرُّؤْيَة بِحَدِيث رَوَاهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ ضَرَبَ العُزَّى بِالسَّيْفِ فَقَالَ لَهُ: «كُفْرَانَكَ، لَا سُبْحَانَكَ، إِنِّي رَأَيْتُ الله قَدْ أَهَانَك» (١).
قَالَ المُعَارِضُ: فَهَذِهِ رَؤْيَةُ عِلْمٍ لَا رُؤْيَةُ بَصَرٍ. قَالَ: يَعْنِي أَنَّ المُؤْمِنِينَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا كَنَحْوِ مَا رَأَى خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ فِي دُنْيَاهُ.
قَالَ المُعَارِضُ: وفسَّر قَوْمٌ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لِلشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ عَلَى العِلْمِ، كَمَا يُقال: رَأَيْتُ الخَلَّ شَدِيدَ الحُمُوضَةِ، وَرَأَيْتُ العُودَ طَيِّبًا، يُرِيدُ رَائِحَتَهُ كَمَا قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، وَلَمْ يَرَهُ إِلَّا بِالمَعْرِفَةِ. وَكُلُّ شَيْءٍ يُدْرَكُ بِالرُّؤْيَةِ فَلَهُ قِلَّةٌ وَكَثْرَةٌ.
فَاللهُ المُتَعَالِي عَنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا يُرَى بِدَلَائِلِهِ وَآثَارِ صُنْعِهِ، فَهِيَ شَوَاهِده لَا الَّذِي يُعْرَفُ بِمُلَاقَاةٍ وَلَا بِمُشَاهَدَةِ حَاسَّةٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ ذَهَبَتِ الشُّكُوكُ وَعَرَفُوهُ عَيَانًا، لَا بِإِدْرَاكِ بَصَرٍ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِن كَانَ الرِّوَايَات فَهَاهُنَا رِوَايَاتٌ أَيْضًا مُعَارِضَةٌ، وَإِنْ كَانَ يحْتَمل التَّأْوِيل فهاهنا مَا يَحْتَمِلُ أَيْضًا.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: أَمَّا الرِّوَايَاتُ فَمَا نَرَاكَ تَحْتَجُّ فِي جَمِيعِ مَا تَدَّعِي إِلَّا بِكُلِّ أَعْرَجَ مَكْسُورٍ، بِالتَّجَهُّمِ مَشْهُورٌ، وَفِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَغْمُورٌ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٩٣٩)، والطبراني (٣٨١١)، وعنه أبو نعيم في المعرفة (٢/ ٩٢٩).
[ ٣١٧ ]
وَأَمَّا المَعْقُولُ الَّذِي تَدَّعِيهِ مِنْ كَلَامِكَ؛ فَقَدْ أَنْبَأْنَاكَ أَنَّهُ عِنْدَ العَرَبِ مَجْهُولٌ، وَعِنْدَ العُلَمَاءِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لَا يَخْفَى تَنَاقُضُهُ إِلَّا عَلَى كُلِّ جَهُولٍ.
وَأَمَّا مَا احْتَجَجْتَ بِهِ مِنْ قَوْلِ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ فَمَعْقُولٌ بِأَنَّ الله لمَّا قَالَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ورَوَىَ أبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنه قَالَ: «نورأنَّى أَرَاهُ»، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا» آمَنَّا بِمَا قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]؛ عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُدْرِكْهُ، وَلَمْ يَرَهُ لِمَا أَنَّهُ وُلِدَ عَامَ الفِيلِ، فَاسْتَيْقَنَّا عِلْمًا يَقِينًا أَنَّ هَذِهِ رُؤْيَةُ عِلْمٍ، لَا رُؤْيَة بصر، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]؛ فَاسْتَيْقَنَّا بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ لَمْ يرَ رَبَّهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرُؤْيَةِ اللهِ عَيَانًا، وَأَنَّهُ رُؤْيَةُ الفِعْلِ مَدُودِ الظِّلِّ الَّذِي يَرَاهُ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ خَالِدِ بْنِ الوَلَيد: «إِنِّي رَأَيْتُ اللهَ قَدْ أَهَانَكَ» لِاجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ مِنَ الله وَرَسُولِهِ، وَمِنْ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ [٦١/و] أَنَّ أَبْصَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا لَا تُدْرِكُهُ فِي الدُّنْيَا.
فَحِينَ حدَّ اللهُ لِرُؤْيَتِهِ حدًّا فِي الآخِرَة بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] عَلِمْنَا أَنَّهَا رُؤْيَةُ عَيَانٍ، وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ سَأَلَهُ أَبُو ذَرٍّ هَلْ رَأْيتَ رَبك؟ فَقَالَ: «نور أنى أَرَاهُ؟» فَلَمَّا سَأَلَهُ أَصْحَابُهُ: «أَنَرَاهُ فِي الآخِرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَرُؤْيَةِ الشَّمْس، وَالقَمَر لَيْلَة البَدْر».
وأمَّا تَفْسِيرُكَ أَنَّ رُؤْيَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، رُؤْيَةُ آيَاتِهِ وَدَلَائِلِهِ [لَا إِدْرَاكُ بَصَرٍ] (١)، فَإِذَا رَأَوْا آيَاتِهِ ذَهَبت الشُّكُوكُ عَنْهُمْ، فَهَذِهِ أَفْحَشُ كَلِمَةٍ ادَّعَيْتَهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُمْ مَاتُوا شُكَّاكًا لَمْ يَعْرِفُوا رَبَّهُمْ حَتَّى يَرَوْا آيَاتِهِ
_________________
(١) ما بين المعقوفين ليس في الأصل، وأثبتته من «س».
[ ٣١٨ ]
يَوْمَ القِيَامَةِ فَبِهَا تَذْهَبُ الشُّكُوكُ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ.
وَيْحَكَ! أمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ أَحَدٌ وَفِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَكٌّ مِنْ خَالِقِهِ إِلَّا مَاتَ كَافِرًا؟ وَكَيْفَ تَعْتَرِي المُؤْمِنِينَ يَوْمَئذٍ الشُّكُوكُ، وَالكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ بِرُبُوبِيَّتِهِ مُوقِنُونَ لَا تَعْتَرِيهِمْ شُكُوكٌ؟ فَإِنْ كَانَتِ الشُّكُوكُ يَوْمَئِذٍ تَنْزَاحُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِمَا تَصِفُ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالعَلَامَاتِ، مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكِ بَصَرٍ؛ فَكَذَلِك الكفَّار كُلُّهُم قد رَأَوْا يَوْمئِذٍ آيَاتِهِ وعَلَامَاتِهِ مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكِ بَصَرٍ، فَانْزَاحَتْ عَنْهُمُ الشُّكُوكُ، فَصَارُوا كَالمُؤْمِنِينَ فِي دَعْوَاكَ، فَمَا فَضْلُ بُشْرَى اللهِ وَرَسُولِهِ المُؤمنِينَ عَلَى الكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؟
وَيْحَكَ! لَلْغِنَاءُ وَالعَزْفُ أَحْسَنُ مِمَّا تَدَّعِي عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا تَقْذِفُ بِهِ المُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ الشُّكُوكَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى لَا تَذْهَبُ عَنْهُمْ إِلَّا فِي الآخِرَةِ، يَوْمَ يَرَوْنَ آيَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ.
فَأَمَّا مَا احْتَجَجْتَ بِهِ مِنْ قَوْلِ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ قَالَ: «رَأَيْتُ الله قَدْ أَهَانَكَ» فَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ فِيمَا أَنْتَ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ وَلَمْ يُدْرِكْ، وَلَمْ يُمْكِنْ إِدْرَاكُهُ، فَأَمَّا مَا يُرْجَى إِدْرَاكُهُ بِبَصَرٍ فَلَا يَجُوزُ فِي هَذَا المَجَازِ إِلَّا بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ مِنْ كِتَابٍ مَسْطُورٍ، أَوْ أَثَرٍ مَأْثُورٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ مَشْهُورٍ.
وَقَوْلُ خَالِدٍ عِنْدَنَا مَعْنَاهُ كَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لعمر - ﵄ - يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يمتْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَمْ تَسْمَعِ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤]، إِنَّمَا عَنَى أَبُو بَكْرٍ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ فِي كِتَابِهِ لِمَا أَنَّ العِلْمَ مِنْ جَمِيعِ العُلَمَاءِ قَدْ أَحَاطَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ اللهِ بَشَرٌ مِنْ بَنِي آدم غَيْرُ مُوسَى، فَحِينَ أَحَاطَ العِلْمُ بِذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَنَى قَوْلَهُ، لَا
[ ٣١٩ ]
السَّمَاعَ مِنَ الله، وَهَكَذَا قصَّةُ خَالِد بْن الوَلِيدِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ لِإِحَالَةِ العِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَلا تَدْفَع مَا أَحَاطَ العِلْمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، مَا أَحَاطَ العِلْمُ بِأَنَّهُ كَائِنٌ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
وَجَدْتُ اللهَ إِذْ سَمَّى نَزَارًا وَأَسْكَنَهُمْ بِمَكَّةَ قَاطِنِينَا
لَنَا جَعَلَ المَكَارِمَ خَالِصَاتٍ فَلِلنَّاسِ القَفَا وَلَنَا الجَبِينَا
فَحِينَ عَرَفْنَا يَقِينًا أَنَّ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ الله لَمْ يَجِدْهُ عَيَانًا فِي الدُّنْيَا؛ عَلَمِنْا أَنَّ قَوْلَ الكُمَيْتِ: «وَجَدْتُ الله» يُرِيدُ بِهِ المكارم الَّتِي أَعْطَاهُم اللهُ.
* * *
[ ٣٢٠ ]
وَادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا: أَنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ لله عَيْنًا، يُرِيدُونَ جَارِحًا [٦١/ظ] كَجَارِحِ العَيْنِ مِنَ الإِنْسَانِ، وَأَرَادُوا التَّرْكِيبَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].
قَالَ المُعَارِضُ: وَالمَعْقُولُ بَيِّنٌ أَنَّ هَذَا يُرِيدُ عَيْنَ القَوْمِ، يَعْنِي رَئِيسَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ وَلَا يُرِيدُ جَارِحًا، وَلَكِنْ يُرِيدُ الَّذِي يَجُوزُ فِي الكَلَامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ يَقُولُ: «فِي كَلَاءَتِنَا وَحِفْظِنَا» أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ القَائِلِ: عَيْنُ اللهِ عَلَيْكَ، يَقُولُ: أَنْتَ فِي حِفْظِ اللهِ وكَلَاءَتِهِ.
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: أَمَّا مَا ادَّعَيْتَ أَنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنَّ للهِ عَيْنًا فَإِنَّا نَقُولُهُ؛ لِأَنَّ اللهَ قَالَهُ وَرَسُولَهُ، وَأَمَّا جَارِحٌ كَجَارِحِ العَيْنِ مِنَ الإِنْسَانِ عَلَى التَّرْكِيبِ؛ فَهَذَا كَذِبٌ ادَّعَيْتَهُ عَلَيْنَا عَمْدًا، لِمَا أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُهُ، غَيْرَ أَنَّكَ لَا تَأْلُو مَا شَنَّعْتَ، لِيَكُونَ أَنْجَعَ لِضَلَالَتِكَ فِي قُلْوبِ الجُهَّالِ، وَالكَذِبُ لَا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌّ وَلَا هَزْلٌ، فَمِنْ أَيِّ النَّاسِ سَمِعْتَ أَنَّهُ قَالَ: جَارِحٌ مُرَكَّبٌ؟ فأشِرْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ قَائِلَهُ كَافِرٌ، فَكَمْ تُكَرِّرُ قَوْلَكَ: جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، وأَعْضَاءٌ وَجَوَارِحُ، وَأَجْزَاءٌ، كَأَنَّكَ تُهَوِّلُ بِهَذَا التَّشْنِيعِ عَلَيْنَا أَنْ نَكُفَّ عَنْ وَصْفِ اللهِ بِمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا وَصَفَهُ الرَّسُولُ.
وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَصِفِ اللهَ بِجِسْمٍ كَأَجْسَامِ المَخْلُوقِينَ، وَلَا بِعُضْوٍ وَلَا بِجَارِحَةٍ؛ لَكِنَّا نَصِفُهُ بِمَا يَغِيظُكَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي أَنْتَ ودُعَاتُك لَهَا مُنْكِرُونَ، فَنَقُولُ: إِنَّهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ذُو الوَجْه الكَرِيم، والسَّمْعِ السَّمِيع، والبَصَرِ البَصِير، نُورُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ، وَكَمَا وَصَفَهُ الرَّسُولُ - ﷺ - فِي دُعَائِهِ حِين يَقُول:
[ ٣٢١ ]
«اللهمَّ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» (١)، وَكَمَا قَالَ أَيْضًا: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟»، وَكَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: «نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ» (٢). وَالنُّورُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِضَاءَةً واسْتِنَارَةً ومَرأَى ومَنْظَرًا، وَأَنَّهُ يُدْرَكُ يَوْمَئِذٍ بِحَاسَّةِ النَّظَرِ (٣)، إِذَا كُشِفَ عَنْهُ الحِجَابُ، كَمَا يُدْرَكُ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ فِي الدُّنْيَا.
وَإِنَّمَا احْتَجَبَ اللهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ فِي الدُّنْيَا رَحْمَةً لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَجَلَّى فِي الدُّنْيَا لِهَذِهِ الأَعْيُنِ المَخْلُوقَةِ الفَانِيَةِ لَصَارَتْ كَجَبَلِ مُوسَى دَكًّا، وَمَا احْتَمَلَتِ النَّظَرَ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا أَبْصَارٌ خُلِقَتْ لِلْفَنَاءِ، لَا تحْتَمِلُ نُورَ البَقَاءِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ؛ رُكِّبَتِ الأَبْصَارُ لِلْبَقَاءِ فَاحْتَمَلَتِ النَّظَرَ إِلَى نُورِ البَقَاءِ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، أَنَّهُ قَالَ: بِحِفْظِنَا وَكَلَاءَتِنَا، (٤) فَإِنْ صحَّ قَوْلُكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَمَعْنَاهُ الَّذِي ادَّعَيْنَا لَا مَا ادَّعَيْتَ أَنْتَ، يَقُولُ: بِحِفْظِنَا وَكَلَاءَتِنَا بِأَعْيُنِنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي كَلَام العَرَبِ أَنْ يُوصَفَ بِكَلَائةٍ إِلَّا وَذَلِكَ الكَالِيءُ مِنْ ذَوِي الأَعْيُنِ، فَإِنْ جَهِلْتَ؛ فَسَمِّ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ ذَوِي الأَعْيُنِ يُوصَفُ بِالكَلَائةِ.
وَإِنَّمَا أَصْلُ الكَلَائةِ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ كَالِئًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ،
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (١١٢٠، ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩)، ومسلم (٧٦٩)، وغيرهما من طريق طاوس عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، به.
(٢) تقدم تخريجه برقم (١٠٧).
(٣) زاد هنا في الأصل، وس «والكلام»، ولا وجه لها في هذا السياق، وأظن أنه ضرب عليها في الأصل، والمثبت بدونها من بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٥/ ٥١٣).
(٤) زاد هنا في الأصل «فَإِنْ صَحَّ قَوْلُكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أَنَّهُ قَالَ: بِحِفْظِنَا وَكَلَاءَتِنَا»، وهو تكرار لانتقال نظر الناسخ.
[ ٣٢٢ ]
وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الأَعْيُنِ، [٦٢/و] وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِكَ: عَيْنُ الله عَلَيْكَ، فَافْهَمْ، وَقَدْ فسَّرنا لَكَ بَعْضَ هَذَا الكَلَامِ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا، غَيْرَ أَنَّكَ أَعَدْتَهُ لَجَاجَةً مِنْكَ، اغْتِيَاظًا عَلَى مَنْ يُؤمِنُ بِرُؤْيَةِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَاغْتِيَاظِكَ وَإِفْرَاطِكَ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَانْتدبْتَ مُختلطًا غَضْبَانًا تَدَّعِي أَنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ، لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُم وَلَا نَظَرَ لَدَيْهِمْ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَألزَمَ بِجَهْلِهِ مَنْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ الكُفْرَ، وَهُوَ الكَافِرُ عَيَانًا فِيمَا يتَكَلَّفُ مما لم يُؤْمَرْ بِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ السَّلَفُ، فَجَاءَ الظَّالِمُ الجَرِيءُ فَهُوَ آمِنٌ بِجَهْلِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَرْضَى حَتَّى يَنْسِبَ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ الكَافَّ عَنِ الخَوْضِ فِيهِ إِلَى الكُفْرِ.
ثُمَّ وَصَفَ أَنَّ الكَلَامَ مِنَ النَّاطِقِ لَا يُسَمَّى مُحْدَثًا مَتَى مَا قَالَهُ، وَلَا يَتْرُكُونَ مَنْ عَرَفَ وَجْهَ الكَلَامِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَا كُلُّ هَذَا الاخْتِلَاط (١) غَيْرَةٌ، غَيْرَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْكَ، إِنَّكَ لَا تُبْدِي هَذَا إِلَّا عَنْ حُرْقَةٍ، فَأَهْلٌ لَكَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الكَلَامَ مِنَ النَّاطِقِ مُحْدَثًا، فقَدْ فَهِمْنَا مُرَادَكَ مِنْ هَذَا، يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا للهِ فَقَدْ صَدَقْتَ فِي دَعْوَاكَ عَلَيْهِمْ: لَا يَرَوْنَهُ مُحْدَثًا لله كَمَا ادَّعَيْتَ، وَمَنْ رَآهُ مُحْدَثًا للهِ عَدُّوُهُ كَافِرًا، لِأَنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ كَانَ، وَلَا كَلَامَ لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ السَّلَفُ، فَقَدْ أَنْبَأْنَاكَ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ مِنَ السَّلَفِ الَّذِينَ كَانُوا أَعَلْمَ بِالله وَبِكِتَابِهِ مِنْ سَلَفِكَ الَّذِينَ احْتَجَجْتَ بِهِمْ؛ مِثْلِ المَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ، وَأَمَّا مَا تَصِفُ عَنْ نَفْسِكَ مِنَ الكَفِّ عَنِ الخَوْضِ فِيهِ، فَقَلَّمَا رَأَيْنَا أَسْفَقَ عَيْنًا مِنْكَ وَلَا أَقَلَّ حَيَاءً،
_________________
(١) في الأصل «الأخلاط» والنثبت من «س»، ونسخة على «ع».
[ ٣٢٣ ]
أَوَلَيْسَ كُلُّ مَا ضَمَّنْتَ هَذَا الكِتَابَ مِنْ هَذِه العَمَايَات خَوْضٌ كُلَّهُ؟ فَإِنَّا مَا رَأَيْنَا خَائِضًا فِيهِ أَقْبَحَ مِنْكَ خَوْضًا، وَأَوْحَشَ مِنْكَ تَأْوِيلًا وَأَقَلَّ مِنْكَ إِصَابَةً، فَمِثْلُكَ فِي وَعْظِكَ كَالَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفَسَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَا يَتْرُكُونَ مَنْ عَرَفَ وُجُوهَ الكَلَامِ مَا ضَمَّنْتَ هَذَا الكَلَامَ (١) عَنْ نَفْسِكَ وَعِنْ إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ، فَقَدِ انْقَلَبَتْ لُغَاتُ العَرَب، فَصَارَ المُنْكَرُ مِنْهَا مَعْرُوفًا وَالمَعْرُوفُ مُنْكَرًا، وَالعَرَبِيُّ عَجَمِيًّا، وَالعَجَمِيُّ عَرَبِيًّا؛ لِأَنَّ تَفَاسِيرَكُمْ هَذِهِ كُلَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلُغَاتِهِمْ، وَلِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
مَنْ أَئِمَّتُكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَنْسبُهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الكَلَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا لِأَهْلِ السُّنَّةِ حُجَّةً مِنْ كِتَابِ الله عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالزَّنَادِقَةِ إِلَّا نَقَضُوهَا بِخُرَافَاتٍ وَعَمَايَاتٍ، وَلَا تَرَكُوا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - حَدِيثًا صَحِيحًا نَاقِضًا لِمَذْهَبِهِمْ إِلَّا وردُّوهُ بِتِلْكَ العَمَايَات.
لَقَدْ تَرَكُوا مَعْرِفَةَ كِتَابِ الله وَالسُّنَّةِ شَرْقًا (٢) ومَغْرِبًا مِثْلَ انْتِحَالِكَ لِهَؤُلَاءِ بِحُسْنِ الكَلَامِ مِمَّا يُوَافِقُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، كَمَا قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْط كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُوُر» (٣)؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْتَوْا فِيهَا مِنَ البَصَرِ إِلَّا خِلَافَ مَا مَضَى عَلَيْهِ أَسْلَافُ المُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ البَصَرِ، فَإِنْ جَحَدْتَهُ فَهَاهُنَا رِوَايَاتُهُمْ وَتَفَاسِيرُهُمْ إِذَا نَظَرَ فِيهَا [٦٢/ظ] النَّاظِرُ؛ اسْتَيْقَنَ بِضَلَالِ تَفْسِيرِكُمْ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى قِلَّةِ عِلْمِكُمْ بِالمُسْتَحَالَاتِ مِنْهَا، فَمَا تَدْرِي أَيُّ زُعَمَائِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبْصِرُونَ وُجُوهَ الكَلَامِ؟ فَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَكَيْتَ عَنْهُمْ هَذِهِ العَمَايَاتِ،
_________________
(١) في «س» (الكتاب)، والمثبت من الأصل.
(٢) في الأصل غير واضحة، وكتب في الحاشية «م شرقا»، فلعلها في نسخة هكذا.
(٣) أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)، وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر - ﵂ -.
[ ٣٢٤ ]
فَقَدْ أَنْبَأْنَاكَ بِنَاقِضِهَا وَاسْتِحَالَتِهَا، مِمَّا يَجْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الكُفْرِ الَّذِي لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهَا، فَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبْصِرُونَ وُجُوهَ الكَلَامِ مِنْ زُعَمَائِكَ؟ أَهُوَ المَرِيسِيُّ المَشْهُور بالتَّجَهُّم؟ فَقَدْ أَنْبَأْنَاكَ عَوْرَةَ كَلامِهِ، وَكَذَلِكَ الثَّلْجِيُّ، وَكَذَلِكَ ضِرَارٌ (١)،
ذَاكَ الزِّنْدِيقُ الَّذِي تَنْتَحِلُ بَعْضَ كَلَامِهِ، وَتُكَنِّي عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ البَصَرِ هَؤُلَاء، وَأَحْسَنُ الكَلَامِ عِنْدَكَ مَا حَكَيْتَ عَنْ هَؤُلَاءِ؛ فَإِلَى اللهِ نَبْرَأُ مِمَّا حَكَيْتَ عَنْهُمْ، لَلْغِنَاءُ وَالنَّوْحُ، وَنُبَاحُ الكِلَابِ أَحْسَنُ مِمَّا حَكَيْتَ عَنْهُمْ مِنْ هَذِهِ الحِكَايَاتِ الَّتِي لَا تَنْقَاسُ فِي كِتَابٍ، وَلا سُنَّةٍ، وَلَا إِجْمَاعٍ.
أَحَسَدْتَهُمْ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِيمَا أَصَابُوا بِهَذِهِ العَمَايَاتِ مِنْ وُجُوه الحَقِّ أم فِيمَا نَالُوا مِنَ المَرَاتِبِ السَّنِيَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَالثَّنَاءِ الحَسَنِ عَلَى أَلْسُنِ المُؤْمِنِينَ، حَتَّى انْتَحَلْتَ مَذْهَبَهُمْ وَاحْتَجَجْتَ بِكَلَامِهِمْ؛ حَتَّى تَنَالَ بِذِكْرِهِمْ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا مِثْلَ مَا نَالُوا؟! إِذْ يُدعى أَحَدُهُمْ زِنْدِيقٌ، وَالآخَرُ جَهْمِيٌّ، وَالآخَرُ تُرْسُ الجَهْمِيَّةِ يَعْنُونَ: ابْنَ الثَّلْجِيِّ، وَهَنِيئًا لَكَ مِيرَاثُهُمْ غَيْرَ مَحْسُودٍ وَلَا مَغْبُوطٍ! فَبِأَيِّ مُتَكَلِّمٍ مِنْهُمْ تَسْتَطِيلُ؟ أَبِالَّذِي زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللهِ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ؟ أَمْ بِالَّذِي قَالَ: أَسْمَاءُ اللهِ مُحْدَثَةٌ مُسْتَعَارَةٌ مَخْلُوقَةٌ؟ أَمْ بِالَّذِي زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا رَبُّ؟ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ فَضَائِحِ مَا حَكَيْتَ عَنْهُم فِي كِتَابِكَ هَذَا كثيرًا.
هَؤُلَاءِ عِنْدَكَ أَهْلُ البَصَرِ بِالكَلَامِ، وَأَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالتَّمْيِيزِ؟ فَقَدْ أَخْبَرْنَاكَ أَنَّ النَّوْحَ وَالغِنَاءَ، وَنُبَاحَ الكِلَابِ أَحْسَنُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَتَفَاسِيرِهِمْ.
* * *
_________________
(١) هوضرار بن عمرو، من رؤوس المعتزلة، شيخ الضرارية. يقال مات في زمان الرشيد ينظر سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٤) ..
[ ٣٢٥ ]
ثُمَّ زَعَمَ المُعَارِضُ أَنَّهُ فَرَغَ مِنَ الأَحَادِيثِ المُشْتَبِهَةِ، وَابْتَدَأَ فِي التَّوْحِيدِ بالمَعْقُولِ ثُمَّ حَكَى في تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ كَلَامًا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الفِقْهِ وَالعِلْمِ، وَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنْهَا فِي الرِّوَايَاتِ.
فَقَالَ: سَلِ الرَّجُلَ: هَلْ عَرَفْتَ الخَلْقَ بِاللهِ، أَوْ عَرَفْتَ اللهَ بِالخَلْقِ؟
فيُقالُ لَهُ: مَعْبُودُكَ هَذَا مَا هُوَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ وَمَا صِفَتُهُ؟ وَمَا مِثَالُهُ؟ ثمَّ فسَّرهما بِتَفَاسِير لَا يَأْثُرُ شيءً مِنْهَا عَنْ أَحَدٍ مَوْسُومٍ بِالعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى وَمِمَّنْ غَبَرَ، فَلَمْ أَجِدْ لِبَعْضِهَا نَقِيضَةً أَسْلَمَ مِنَ الإِمْسَاكِ عَنْ جَهْلِ الجَاهِلِينَ، وَكَثِيرًا مِنْهَا قَدْ فَسَّرْتُ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا، فَإِنْ لَمْ يوحِّد اللهَ من أمة مُحَمَّدٍ إِلَّا مَنْ قَامَ بِهَذِا الخُرَافَاتِ، وَجَوَابِهَا مَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - عِنْدَ هَذَا المُعَارِضِ مُوَحِّدٌ.
وَقَدْ فسَّرنا لِلْمُعَارِضِ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ مَا كَانَ فِيهِ مَنْدُوحَةٌ من هَذِه التَّخَالِيط: أَنَّهُ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هَذَا تَفْسِيرُهُ المَعْقُولُ، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى وَالعُرْوَةُ الوُثْقَى، مَنْ جَاءَ بِهَا مُخْلِصًا؛ فَقَدْ وَحَّدَ الله تَعَالَى، وَإِن لم يَجِئْ بِمَا فَسَّرَ المُعَارِضُ ولم يحسن مِنْ هَذِهِ العَمَايَاتِ وَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي رَضِيَ بِهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - من عَمِّهِ، وهُوَ الدَّلِيل على إِيمَانِ الرَّجُلِ وَإِسْلَامِهِ وَتَوْحِيدِهِ.
وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! أَوَلَمْ تَزْعُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي التَّوْحِيدِ إِلَّا الصَّوَابُ؟ [٦٣/و] أَفَتَأْمَنُ الجَوَابَ فِي هَذِهِ العَمَايَاتِ أَنْ تَجُرَّكَ إِلَى الخَطَإِ فِي التَّوْحِيدِ، وَالخَطَأُ فِيهِ كُفْرٌ؟ فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ نَفْسِكَ لِمَا نَدَبْتَ إِلَيْهِ غَيْرَكَ مِنَ الخَوْضِ فِيهِ وَمَا أَشْبَهَهُ؟
ثُمَّ عَادَ المُعَارِضُ إِلَى أَسْمَاءِ الله تَعَالَى ثَانِيَةً، فَادَّعَى أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ الأَسْمَاءَ هِيَ ألفَاظٌ، ولا يكون لَفْظٌ إِلَّا مِنْ لَافِظٍ، إِلَّا أَنَّ مِنْ مَعَانِيهَا مَا هِيَ قَدِيمَةٌ، وَمِنْهَا حَدِيثَةٌ.
وَقَدْ فَسَّرْنَا لِلْمُعَارِضِ تَفْسِيرَ أَسْمَاءِ الله فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا، وَاحْتَجَجْنَا
[ ٣٢٦ ]
عَلَيْهِ بِمَا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَمْ نُحِبَّ إِعَادَتَهَا هَاهُنَا لِيَطُولَ بِهِ الكِتَابُ، غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ: هِيَ «لَفْظُ اللَّافِظِ» يَعْنِي: أَنَّهُ مِنَ ابْتِدَاعِ المَخْلُوقِينَ بِألفَاظِهِمْ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يَلْفِظُ بِشَيْءٍ -فِي دَعْوَاه-، وَلَكِنْ وَصَفَهُ بِهَا المَخْلُوقُونَ، فَكُلَّمَا حَدَثَ للهِ فِعْلٌ -فِي دَعْوَاهُ- أَعَارَهُ العِبَادُ اسْمَ ذَلِكَ الفِعْلِ، يَعْنِي أَنَّهُ لمَّا خَلَقَ؛ سَمَّوْهُ خَالِقًا، وَحِينَ رَزَقَ؛ سَمَّوْهُ رَازِقًا، وَحِينَ خَلَقَ الخَلْقَ فَمَلَكَهُمْ؛ سَمَّوْهُ مَالِكًا، وَحِينَ فَعَلَ الشَّيْءَ؛ سَمَّوْهُ فَعَّالًا.
وَلِذَلِكَ قَالُوا: مِنْهَا حَدِيثَةٌ وَمِنْهَا قَدِيمَةٌ، فَأَمَّا قَبْلَ الخَلْقِ -فَبِزَعْمِهِمْ- لَمْ يَكُنْ للهِ تَعَالَى اسْمٌ، وَكَانَ كَالشَّيْءِ المَجْهُولِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ وَلَا يُدْرِى ما هو حتى حَدَثَ الخَلْقُ فَأَحْدَثُوا أَسْمَاءَهُ، وَلَمْ يَعْرِفِ اللهُ -فِي دَعْوَاهُمْ- لِنَفْسِهِ اسْمًا حَتَّى خَلَقَ الخَلْقَ؛ فَأَعَارُوهُ هَذِهِ الأَسْمَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَيَقُولُ: ﴿أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]، وَ«أَنَا الله الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ»، ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]، فَنَفَوْا كُلَّ ذَلِكَ عَنِ الله - ﷿ - مَعَ نَفْيِ الكَلَامِ عَنْهُ، حَتَّى ادَّعى جَهْمٌ: أَنَّ رَأْسَ مِحْنَتِهِ نَفْيُ الكَلَامِ عَنِ الله تَعَالَى فَقَالَ: مَتَى نَفَيْنَا عَنْهُ الكَلَامَ، فَقَدْ نَفَيْنَا عَنْهُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ، مِنَ النَّفْسِ وَاليَدَيْنِ، وَالوَجْهِ، وَالسَّمْعِ، وَالبَصَرِ؛ لِأَنَّ الكَلَامَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا لِذِي نَفْسٍ وَوجه وَيَد وَسمع وَبَصَرٍ، وَلَا يَثْبُتُ كَلَامٌ لِمُتَكَلِّمٍ إِلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ. وَكَذَبَ جَهْمٌ وَأَتْبَاعُهُ فِيمَا نَفَوْا عَنْهُ مِنَ الكَلَامِ، وَصَدَقُوا فِيمَا ادَّعَوْا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الكَلَامُ إِلَّا لمن اجْتَمَعَتْ فِي هَذِهِ الصِّفَاتُ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِي اللهِ عَلَى رَغْمِ أَعْدَاءِ اللهِ، وَإِنْ جَزَعُوا مِنْهُ، بِلَا تَكْيِيفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَسْمَائِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ المُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ المُرْسَلِ، وَوَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ.
وَقَوْلُهُ وَوَصْفُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، -عَلَى رَغْمِ الجَهْمِيَّةِ- غَيْرَ أَنَّ الوَصْفَ مِنَ الله عَلَى لَوْنَيْنِ: أَمَّا مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَالْوَصْفُ والوَاصِفُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَمَّا مَا
[ ٣٢٧ ]
وَصَفَ بِهِ خَلْقَهُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ وَالشَّجَرِ، وَالجِنّ وَالإِنْس والأَنْعَامِ وسَائِرِ الخَلَائِقِ، فَالوَصْفُ مِنْهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالمَوْصُوفَاتُ مَخْلُوقَاتٌ كُلُّهَا.
* * *
[ ٣٢٨ ]
وَادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا: أَنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ بِالضَّمِيرِ، وَالضَّمِيرُ مُنْتَفِي عَنِ اللهِ تَعَالَى وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ المُعَارِضِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ خَبِيثَةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ كَلَامِ جَهْمٍ؛ عَارَضَ بِهَا جَهْمٌ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، يَدْفَعُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اللهُ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ فِي نَفْسِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ وَأَعْمَالِهِمْ، [٦٣/ظ] قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، فَلَطَّفَ بِذِكْرِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهُ عِنْدَ الجُهَّالِ.
فَردَّ عَلَى جَهْمٍ بَعْضُ العُلَمَاءِ قَوْلَهُ هَذَا وَقَالُوا لَهُ: كَفَرْتَ بِهَا يَا عَدُوَّ الله مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
وَجْهٍ: أَنَّكَ نَفَيْتَ عَنِ الله تَعَالَى العِلْمَ السَّابِقَ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ حُدُوثِ الخَلْقِ وَأَعْمَالِهِمْ.
وَالوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّكَ اسْتَجْهَلْتَ المَسِيحَ أَنَّهُ وَصَفَ اللهَ تَعَالَى بِمَا لَا يُوصَفُ بِأَنَّ لَهُ خَفَايَا عِلْمٍ فِي نَفْسِهِ؛ إِذْ يَقُولُ لَهُ: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾.
وَالوَجْهِ الثَّالِثِ: أَنَّكَ طَعَنْتَ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -؛ إِذْ جَاءَ بِهِ مُصَدِّقًا لِعِيسَى، فَأَفْحَمَ جَهْمًا.
وَقَوْلُ جَهْمٍ: لَا يُوصَفُ اللهُ بِالضَّمِيرِ، يَقُولُ: لَمْ يَعْلَمِ اللهُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الخَلْقِ قَبْلَ حُدُوثِهِمْ وَحُدُوثِ أَعْمَالِهِمْ، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي تَعْطِيلِ النَّفْسِ وَالعِلْمِ السَّابِقِ، وَالنَّاقِضُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، فَذكر المَسِيحُ أَنَّ للهِ عِلْمًا سَابِقًا فِي نَفسه، يُعلمهُ اللهُ، ولا يَعْلَمُهُ هُوَ، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١]، وَ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
[ ٣٢٩ ]
وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «لمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ: أَن رَحْمَتي تَغْلِبُ غَضَبِي».
(١٩٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (١).
(٢٠٠) وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله - ﷺ -:
«قَالَ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِذَا ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ؛ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ؛ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأ خَيْر مِنْهُم» (٢).
فقد أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ اللهَ يُخْفِي ذِكْرَ العَبْدِ فِي نَفْسِهِ إِذَا أَخْفَى ذِكْرَهُ، وَيُعْلِنُ ذِكْرَهُ؛ إِذَا هُوَ أَعْلَنَ ذِكْرَهُ، فَفَرَّقَ بَيْنَ عِلْمِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، وَالجَهْرِ وَالخَفَى، فَإِذَا اجْتَمَعَ قَوْلُ اللهِ وَقَوْلُ الرَّسُولَيْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ- فَمَنْ يَكْتَرِثُ لِقَوْلِ جَهْمٍ وَالمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا؟ فَنَفْسُ اللهِ، هُوَ اللهُ.
وَالنَّفْسُ تَجْمَعُ الصِّفَاتِ كُلَّهَا، فَإِذَا نَفَيْتَ النَّفْسَ؛ نَفَيْتَ الصِّفَاتِ، وَإِذَا نَفَيْتَ الصِّفَاتِ؛ كَانَ لاشَيءٌ.
(٢٠١) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَبَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا البَخْتَرِيِّ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: الَّلهُمَّ أَدْخِلْنِي مُسْتَقَرَّ رَحْمَتِكَ، فَإِنَّ مُسْتَقَرَّ رَحْمَتِهِ نَفْسُهُ» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٠٤)، من طريق الأعمش، به. ومسلم (٢٧٥١)، من طريق الأعرج، عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، وغيرهما من طريق الأعمش، به.
(٣) إسناده صحيح إلى إبي البختري الطائي سعيد بن فيروز، ولم أقف له على تخريج، = =وقد روى البخاري في الأدب المفرد (٧٦٨)، من طريق أَبي الْحَارِثِ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي رَجَاءٍ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ، قَالَ: وَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَمَا مُسْتَقَرُّ رَحْمَتِهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ، قَالَ: لَمْ تُصِبْ، قَالَ: فَمَا مُسْتَقَرُّ رَحْمَتِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: رَبُّ الْعَالَمِينَ. وقال الألباني: صحيح.
[ ٣٣٠ ]
فَقَدْ أَخْبَرَ أَبُو البَخْتَرِيِّ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ فِي نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥].
(٢٠٢) فَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الحَنَفِيِّ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قَالَ: «من نَفسِي» (١).
فَأَيُّ مُسْلِمٍ سَمِعَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، وَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ الرَّسُولُ - ﷺ -، ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى أَقَاوِيلِهِمْ إِلَّا كُلُّ شَقِيٍّ غَوِيٍّ.
وَلَوْ قَدْ أَظْهَرَ المُعَارِضُ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ بِبَلَدٍ سِوَى بَلَدِهِ؛ لَظَنَنَّا أَنَّهُ كَانَ يُنْفَى عَنْهَا، وَجَانَبَهُ مِنْ أَهْلِهَا أَهْلُ الدِّينِ وَالوَرَعِ.
وَيْحَكَ! إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَرْضَوْا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذْ أَفْتَى بِخِلَافِ رِوَايَاتٍ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -[٦٤/و] فِي «البَيِّعَيْن بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا» (٢)، وَفِي «الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ» (٣) و«إِشْعَار البُدْن» (٤) وَفِي «إِسْهَامِ الفَارِسِ وَالرَّاجِلِ» (٥) وَفِي «لبس المحرم الخُفَّيْنِ إذا لم يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» (٦).
_________________
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات. وأبو صالح الحنفي اسمه عبد الرحمن بن قيس من الوسطى من التابعين.
(٢) أخرجه البخاري (٢١٠٧)، وغيره من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٣) أخرجه مسلم (٣٦٠)، من حديث جابر بن سمرة - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (١٦٩٦)، ومسلم (١٣٢١)، من حديث عائشة - ﵂ -.
(٥) أخرجه البخاري (٢٨٦٣)، ومسلم (١٧٦٢)، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٦) أخرجه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٧٨)، من حديث ابن عباس - ﵄ -.
[ ٣٣١ ]
وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الأَحَادِيث حَتَّى نَسَبُوا أَبَا حَنِيفَةَ فِيهَا إِلَى رَدِّ حَدِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَنَاقَضُوهُ فِيهَا، وَوَضَعُوا عَلَيْهِ فِيهَا الكُتُبَ.
فَكَيْفَ بِمَنْ نَاصَبَ اللهَ فِي صِفَاتِهِ الَّتِي يَنْطِقُ بنصِّها كِتَابُهُ، فَيَنْقُضُهَا عَلَى اللهِ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ، وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِعَمَايَاتٍ مِنَ الحُجَجِ وَخُرَافَاتٍ مِنَ الكَلَامِ خِلَافَ مَا عَنَى اللهُ، وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهَا الرِّوَايَاتُ، وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهَا عَن العلمَاء الثِّقَات، بَلْ كُلُّهَا ضَحِكٌ وَخُرَافَاتٌ؟ فَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ اسْتَحَقَّ بِمَا أَفْتَى مِنْ خِلَافِ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى رَدِّ حَدِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ -؛ اسْتَحْقَقْتُمْ أَنْتُمْ أَنْ تُنْسَبُوا إِلَى رَدِّ مَا أَنْزَلَ اللهُ - ﷿ -، بَلْ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالرَّدِّ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى بَعْضِ فُتْيَاهُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ، وَلَمْ يُتَابِعْكُمْ عَلَى مَذَاهِبِكُمْ إِلَّا السُّفَهَاءُ وَأَهْلُ البِدَعِ والأَهْوَاءِ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُ لَهُ إِلَهًا فِي السَّمَاءِ، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا أَفْتَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ كَفَرَ كَمَنْ أَخْطَأَ، وَلَا هُمَا فِي الإِثْمِ والعَارِ سَوَاءٌ.
وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا بِحَمْدِ الله تَعَالَى مِنْ لُغَاتِ العَرَبِ هَذِهِ المَجَازَاتِ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوهَا دَلَسَةً وَأُغْلُوطَةً عَلَى الجُهَّالِ، تَنْفُونَ بِهَا عَنِ اللهِ حَقَائِقَ الصِّفَاتِ بِعِلَلِ المَجَازَاتِ.
غَيْرَ أَنَّا نَقُولُ: لَا يُحْكَمُ لِلْأَغْرَبِ مِنْ كَلَامِ العَرَبِ عَلَى الأَغْلَب، وَلَكِن نَصْرِفُ مَعَانِيهَا إِلَى الأَغْلَبِ، حَتَّى تَأْتُوا بِبُرْهَانٍ أَنَّهُ عَنَى بِهَا الأَغْرَبَ، وَهَذَا هُوَ المَذْهَبُ الَّذِي إِلَى العَدْلِ وَالإِنْصَافِ أَقْرَبُ، لَا أَن تُعْتَرِضَ صِفَاتِ اللهِ المَعْرُوفَةَ المَقْبُولَةَ عِنْدَ أَهْلِ البَصَرِ فَتُصْرِفُ مَعَانِيَهَا بِعِلَّةِ المَجَازَاتِ إِلَى مَا هُوَ أَنْكَرُ، وَتَرُدَّ عَلَى اللهِ بِدَاحِضِ الحُجَج، وبِالَّتِي هِي أَعْوَجُ، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ القُرْآنِ وَجَمِيعُ ألفَاظِ الرِّوَايَاتِ، تُصْرَفُ مَعَانِيهَا إِلَى العُمُومِ، حَتَّى يَأْتِيَ مُتَأَوِّلٌ بِبُرْهَانٍ بَيِّنٍ أَنَّهُ
[ ٣٣٢ ]
أُرِيدَ بِهَا الخُصُوصُ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، فَأَثْبَتُهُ عِنْدَ العُلَمَاءِ: أَعَمُّهُ وأَشَدُّه اسْتِفَاضَةً عِنْدَ العَرَبِ، فَمَنْ أَدْخَلَ مِنْهَا الخَاصَّ عَلَى العَامِّ؛ كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَّبِعَ فِيهَا غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ.
فَمُرَادُ جَهْمٍ بِقَوْلِهِ «لَا يُوصَفُ اللهُ بِضَمِيرٍ» يَقُولُ: لَا يُوصَفُ اللهُ بِسَابِقِ عِلْمٍ فِي نَفْسِهِ، وَالله مُكَذِّبُهُ بِذَلِكَ ثُمَّ رَسُولُهُ؛ إِذْ يَقُولُ: «سَبَقَ عِلْمُ الله فِي خَلْقِهِ، فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى ذَلِك».
(٢٠٣) حَدَّثَنَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُرَقِي، عَن أَبِيهِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - (١).
(٢٠٤) وحَدَّثَنَا نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ، ثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - ﵄ - قَالَ: سمعتُ رَسُولِ الله - ﷺ - يَقُولُ: «جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ» (٢).
_________________
(١) إسناده حسن، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١١١)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦٧٧)، من طريق المصنف، به، ورجاله ثقات خلا العلاء بن عبد الرحمن الحرقي، قال النسائي: ليس به بأس، وكذلك قال ابن معين فيما رواه المصنف عنه.
(٢) صحيح، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١١٢)، والترمذي (٢٦٤٢)، وأحمد (٦٦٤٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١١٧٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٧٩٣٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٤١، ٢٤٣)، وغيرهم، من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي، به، وإسناده صحيح رجاله ثقات، غير نعيم بن حماد، فإنه صدوق يخطئ كثيرًا كما ذكر الحافظ، غير أنه توبع؛ تابعه أحمد بن جميل المروزي أبو يوسف، كما عند عبد الله بن أحمد في السنة، وأحمد بن جميل، صدوق.
[ ٣٣٣ ]
(٢٠٥) وَحَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أَبنا رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُمَرِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ أَبِي بزَّة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ [٦٤/ظ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ:
«إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ القَلَمَ، فَأَمَرَهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ» (١).
فَهَلْ جَرَى القَلَمُ إِلَّا بِسَابِقِ عِلْمِ الله فِي نَفْسِهِ قَبْلَ حُدُوثِ الخَلْقِ وَأَعْمَالِهِمْ؟ وَالله مَا جَرَى القَلَمُ بِمَا يَجْرِي حَتَّى أَجْرَاهُ الله تَعَالَى بِعِلْمِهِ، وعلَّمه مَا يَكْتُبُ مِمَّا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ.
وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ بِخَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ».
فَهَلْ كَتَبَ ذَلِكَ إِلَّا بِمَا عَلِمَ؟ فَمَا مَوْضِعُ كِتَابِهِ هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فِي دَعْوَاهُمْ؟
(٢٠٦) حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ المَصْرِيُّ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ حُمَيْدِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبْلِيِّ (٢)، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ» (٣).
_________________
(١) صحيح، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (١١٨)، والطبري في التفسير (٢٣/ ٥٢٦)، وأبو يعلى في مسنده (٢٣٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٨)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣)، والضياء في المختارة (٣٦١)، وغيرهم، من طريق ابن المبارك، به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، سوى نعيم بن حماد، وفد توبع، تابعه أحمد بن جميل كما عند المصنف في الرد على الجهمية.
(٢) بضم الحاء المهملة، وسكون الباء الموحدة، وضبطت بضمهما أيضًا، والمثبت ما رجحه العلامة المعلمي اليماني في حاشيته على كتاب الأنساب للسمعاني (٤/ ٥٠).
(٣) صحيح، أخرجه مسلم (٢٦٥٣)، والمصنف في الرد على الجهمية (١١٩)، والترمذي= = (٢١٥٦)، وأحمد (٦٥٧٩)، وابن حبان (٦١٣٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٨٥٦)، وغيرهم، من طرق عن أبي هانئ، به.
[ ٣٣٤ ]
وَالأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي الإِيمَانِ بِسَابِقِ عِلْمِ الله تَعَالَى كَثِيرٌ، يَطُولُ إِن ذَكرنَاهَا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ دَعْوَى جَهْمٍ فِي أُغْلُوطَتِهِ الَّتِي تَوَهَّمَ عَلَى الله فِي الضَّمِير.
* * *
[ ٣٣٥ ]
ثُمَّ عَارَضَ المُعَارِضُ أَيْضًا أَشْيَاءَ مِنْ صِفَاتِ الله تَعَالَى الَّتِي هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ الله، وَنَازَعَ فِي الآيَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا لِيُغَالِطَ النَّاسَ فِي تَفْسِيرِهَا؛ فذكر منها: الحُبَّ وَالبُغْضَ، وَالغَضَبَ، وَالرِّضَا وَالفَرَحَ، وَالكُرْهَ، وَالعَجَبَ، وَالسَّخَطَ، وَالإِرَادَةَ، وَالمَشِيئَةَ، ليُدْخِلَ عَلَيْهَا مِنَ الأُغْلُوطَاتِ مَا أَدْخَلَ عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ أَمْسَكَ عَنِ الكَلَامِ فِيهَا بَعْدَمَا خَلَطَهَا بِتِلْكَ، فَحِينَ أَمْسَكَ المُعَارِضُ عَنِ الكَلَامِ فِيهَا؛ أَمْسَكْنَا عَنْ جَوَابِهِ، وَرَوَيْنَا مَا رُوي فِيهَا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ أُغْلُوطَاتِهِ، فَإِلَى اللهِ نَشْكُوا قَوْمًا هَذَا رَأْيُهُمْ فِي خَالِقِنَا وَمَذْهَبُهُمْ فِي إِلَهِنَا.
مَعَ أَنَّهُ عَزَّ وَجْهُهُ، وَجَلَّ ذِكْرُهُ قَدْ حَقَّقَهَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ، قَبْلَ أَنْ يَنْفِيَهَا عَنْهُ المُبْطِلُونَ، وَكَذَّبَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدَّعُوهُ، وَعَابَهُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُوهُ، ثُمَّ رَسُولُهُ المُجْتَبَى، وَصَفِيُّهُ المُصْطَفَى، فَاسْتَغْنَيْنَا فِيهِ بِمَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ مِنْهَا وَسَطَّرَ (١)، وَسَنَّ رَسُولُهُ المُصْطَفَى وَأَخْبَرَ، وَرَدَّدَ مِنْ ذِكْرِهَا وَكَرَّرَ، فَمَنْ يَكْتَرِثُ لِضَلَالَتِهِمْ بَعْدَ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، أَمْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، فَجَمَعَ بَيْنَ الحُبَّيْنِ: حُبِّ الخَالِقِ وَحُبِّ المَخْلُوقِ، مُتَقَارِنَيْنِ.
ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُحِبُّ وَبين مَا لَا يُحِبُّ، لِيَعْلَمَ خَلْقُهُ أَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ غَيْرُ مُتَّفِقَيْنِ، فَقَالَ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٤٨]، و﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ سَخَطِهِ
_________________
(١) يشبه أن يكون ضرب عليها في الأصل.
[ ٣٣٦ ]
وَإِسْخَاطِ العِبَادِ إِيَّاهُ، فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ [الفتح: ٦].
ثُمَّ ذَكَرَ إِغْضَابَ الخَلْقِ إِيَّاهُ، فَقَالَ تَعَالَى: [٦٥/و] ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] يَقُولُ: أَغْضَبُونَا، فَذَكَرَ أَنَّهُ يَغْضَبُ ويُغْضِبُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦].
فَهَذَا النَّاطِقُ مِنْ كِتَابِ الله يُسْتَغْنَى فِيهِ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَنِ التَّفْسِيرِ، وَتَعْرِفُهُ العَامَّةُ وَالخَاصَّةُ، غَيْرَ هَؤُلَاءِ المُلْحِدِينَ فِي آيَاتِ الله الَّذِينَ غَالَطُوا فِيهَا الضُّعَفَاءَ.
فَقَالُوا: نُقِرُّ بِهَا كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي القُرْآنِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا، غَيْرَ أنَّا لَا نَقُولُ: يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَيَغْضَبُ وَيَسْخَطُ، وَيَكْرَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا هَذِهِ الصِّفَاتُ مِنْ ذَاتِهِ عَلَى اخْتِلَافِ مَعَانِيهَا؛ وَلَكِنْ تَفْسِيرُ حُبِّهِ وَرِضَاهُ -بِزَعْمِهِمْ-: مَا يُصِيبُ النَّاسَ مِنَ العَافِيَةِ، وَالسَّلَامَةِ، وَالخِصْبِ، وَالدَّعَةِ، وَغَضَبُهُ وَسَخَطُهُ -بِزَعْمِهِمْ-: مَا يَقَعُونَ فِيهِ مِنَ البَلَاءِ، وَالهَلَكَةِ، وَالضِّيقِ وَالشِّدَّةِ.
فَإِنَّمَا آيَةُ غَضَبِهِ وَرِضَاهُ وَسَخَطِهِ -عِنْدَهُمْ-: مَا يَتَقَلَّبُ فِيهِ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الحَالَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا، لَا أَنَّ اللهَ يُحِبُ وَيَبْغَضُ ويَرْضَى وَيَسْخَطُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ فِي نَفْسِهِ.
فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ المُلْحِدِينَ فِي آيَاتِ الله تَعَالَى المُكَذِّبِينَ بِصِفَاتِ الله: مَا رَأَيْنَا دَعْوَى أَبْطَلَ وَلَا أَبْعَدَ مِنْ صَحِيحِ لُغَاتِ العَرَبِ وَالعَجَمِ مِنْ دَعْوَاكُمْ هَذِهِ، فَفِي دَعْوَاكُمْ: إِذَا كَانَ أَوْلِيَاءُ اللهِ المُؤْمِنُينَ مِنْ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَسَائِرِ أَوْلِيَائِهِ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ وَعِوَزٍ مِنَ المَأْكَلِ وَالمَشْرَبِ، وَفِي خَوْفٍ وَبَلَاءٍ، كَانُوا -فِي دَعْوَاكُمْ- فِي سَخَطٍ مِنَ الله وَغَضَبٍ وعِقَاب، وإذَا كَانَ الكَافِرُ فِي خِصْبٍ وَدَعَةٍ وَأَمْنٍ
[ ٣٣٧ ]
وعَافِيَةٍ، وَاتَّسَعَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ مِنْ مَأْكَلِ الحَرَام وَشُرْبِ الخُمُورِ كانوا فِي رِضًا مِنَ الله وَفِي مَحَبَّةٍ.
مَا رَأَيْنَا تَأْوِيلًا أَبْعَدَ مِنَ الحَقِّ مِنْ تَأْوِيلِكُمْ هَذَا!
وَبَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ المَرِيسِيِّ قَالَ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الأَسَانِيدِ الجِيَادِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَيْنَا فِي رَدِّ مَذَاهِبِنَا، مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّكْذِيبُ بِهَا؟ مِثْلَ: سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُور، عَن الزُّهْرِيّ، وَالزهْرِيّ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَيُّوبَ وَابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَمَا أَشْبَهَهَا؟
قَالَ: فَقَالَ المَرِيسِيُّ: لَا تَرُدُّوهُ فَتُفْتَضَحُوا، وَلَكِنْ غَالِطُوهُمْ بِالتَّأْوِيلِ فَتَكُونُوا قَدْ رَدَدتُمُوهَا بِلُطْفٍ؛ إذْ لَم يُمْكِنُكُمْ رَدُّهَا بِعُنْفٍ، كَمَا فَعَلَ هَذَا المُعَارِضُ سَوَاءً.
وَسَنَقُصُّ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ هَذِه الأَبْوَاب، مِنَ الحُبِّ وَالبُغْضِ وَالسَّخَطِ وَالكَرَاهِيَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
(٢٠٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ العَبْدِيُّ، أَبَنَا هَمَّام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت - ﵄ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ:
«مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (١).
فَذَكَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - الكَرَاهَتَيْنِ مَعًا من الخَالِق والمَخْلُوقِ.
(٢٠٨) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ القَطَّانُ- عَنْ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة، حَدثنِي عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -[٦٥/ظ] قَالَ:
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠٥٦)، من طريق المصنف، به. وأخرجه البخاري (٦٥٠٧)، عن حجاج بن المنهال، ومسلم (٢٦٨٣)، عن هدبة بن خالد كلاهما عن همام، به.
[ ٣٣٨ ]
«مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ، وَالمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ الله» (١).
(٢٠٩) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الوَاسِطِيُّ، أَبَنَا خَالِدٌ -وهو ابن عَبْدِ الله- عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قال: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، فَيُبْغِضُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ» (٢).
(٢١٠) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَبَنَا سُفْيَانُ قَالَ: «مَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا فَأَبْغَضَهُ، وَمَا أَبْغَضَ عَبْدًا فَأَحَبَّهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْبُدُ الأَوْثَانَ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ» (٣).
(٢١١) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولِ الله - ﷺ -:
«إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ» (٤).
(٢١٢) حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ نَافِعٍ الرَّمْلِيّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ الجُمَحِيِّ، عَن بِشْر بْن عَاصِمٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: قَالَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٨٤)، والحميدي (٢٢٧)، وغيرهما من طريق زكريا بن أبي زائدة، به.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٣٧)، والترمذي (٣١٦١)، وغيرهما من طريق سهيل، به. وأخرجه البخاري (٧٤٨٥)، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، به.
(٣) إسناده ثقات، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٩)، من طريق محمد بن كثير، به. وفيه «وهو عند الله سعيد».
(٤) أخرجه البخاري (٧١٨٨)، عن مسدد، به. وفي (٢٤٥٧)، (٤٥٢٣)، ومسلم (٢٦٦٨)، من طريق ابن جريج، به
[ ٣٣٩ ]
رَسُولُ الله - ﷺ -:
«إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ تَخَلُّلَ البَاقِرِ بِأَلْسِنَتِهَا» (١).
(٢١٣) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ثَنَا مُعَاذُ بنُ هِشَام، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدُنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدُكُم فَقَدْ أَسْخَطُّتم رَبَّكُم» (٢).
(٢١٤) حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِير، أبنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ الحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عبد الله بن عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ الهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ» (٣).
(٢١٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّاد -وَهُوَ ابْن سَلمَة- أَبَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ قَامَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَانْهَزَمَ، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الفِرَارِ وَمَا لَهُ فِي
_________________
(١) صحيح، رجاله ثقات أخرجه أبو داود (٥٠٠٥)، والترمذي (٢٨٥٣)، وأحمد (٦٥٤٣)، وغيرهم من طريق نافع بن عمر، به.
(٢) صحيح، رجاله ثقات أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٦٠)، عن علي بن المديني، به. وأخرجه أبو داود (٤٩٧٧)، وأحمد (٢٢٩٣٩)، وغيرهما من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، به.
(٣) صحيح أخرجه النسائي (٧/ ١٤٤)، من طريق محمد بن جعفر، وأحمد (٦٤٨٧)، عن ابن أبي عدي، والطيالسي (٢٣٨٦)، ثلاثتهم، وغيرهم عن شعبة، به. ورجاله ثقات، وأبو كثيرالزبيدي اسمه زهير بن الأقمر، وثقه النسائي، وابن حبان.
[ ٣٤٠ ]
الرُّجُوعِ فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ» (١).
(٢١٦) حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمَانَ المَدَائِنِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَاد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
«عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قَوْمٍ جِيءَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ حَتَّى يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ» (٢).
(٢١٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ كَانَ رِدْفَ عَلِيٍّ، فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ:
«يَعْجَبُ الرَّبُّ -أَوْ رَبُّنَا- إِذَا قَالَ العَبْدُ: سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٣٦)، وأحمد (٣٩٤٩)، وابن أبي شيبة في المسند (٣٨٥)، وعنه ابن أبي عاصم في السنة (٥٦٩)، وفي الجهاد (١٢٥)، وأبو يعلى (٥٢٧٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٦٧)، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء، به. وعطاء ممن اختلط بأخرة، وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، وبعد الاختلاط، فلا ندري متى سمع منه هذه الرواية، وينظر تعليقي، على حديث (٨٥). وقال أبو نعيم بعد رواية الحديث: «هذا حديث غريب، تفرد به عطاء عن مرة، وعنه حماد بن سلمة». وقد أعل الدارقطني هذه الرواية كما في العلل (٥/ ٢٦٦)، ورجح أن الصحيح رواية أبي الكنود، عن ابن مسعود، موقوفًا.
(٢) أخرجه البخاري (٣٠١٠)، عن محمد بن بشار، قال حدثنا غندر، وأحمد (٩٨٨٩)، عن غندر، عن شعبة، به.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦)، والطيالسي (١٣٤)، من طريق أبي الأحوص، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير (٣/ ١٦٥)، عن معمر، وأخرجه أحمد (٧٥٣)، من طريق شريك، وفي (١٠٥٦)، من طريق إسرائيل، وأخرجه أبو يعلى (٥٨٦)، من طريق منصور، خمستهم وغيرهم عن أبي إسحاق السبيعي، به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة إلا أن أبا إسحاق لم يسمع من علي بن ربيعة، قال الدارقطني في= = العلل (٤/ ٦١): «وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة يبين ذلك ما رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، قال: قلت لأبي إسحاق: سمعته من علي بن ربيعة؟ فقال: حدثني يونس بن خباب، عن رجل عنه».اهـ. قلت: قد دلسه أبو إسحاق إذن وأسقط منه رجلين، أحدهما يونس بن خباب، قال البخاري: منكر الحديث، والثاني مبهم. وقد روى هذا الحديث الطبراني في الأوسط (١٧٥)، من طريق يونس بن خباب هذا، عن شقيق الأزدي، عن علي بن ربيعة، به. فتبين لنا الرجا المبهم الذي أشار إليه أبو إسحاق، ألا وهو شقيق وهو بن عقبة الأسدي، كما ذكر الدارقطني في العلل. وأخرج البزار (٧٧١)، من طريق أبي عاصم النبيل، وابن أبي شيبة (٢٩٨٩٢)، عن أبي نعيم الفضل، كلاهما عن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير، عن علي بن ربيعة، به. قلت: وإسماعيل ممن يكتب حديثه كما ذكر البخاري، وابن عدي. وأخرج الحاكم (٢/ ١٠٨)، وابن بطة في الإبانة (٧/ ١٠٤)، من طريق فضيل بن مرزوق، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة، به. وهذا إسناد حسن. قلت: لذلك قال الدارقطني في العلل (٤/ ٦٢): «وأحسنها إسنادا حديث المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة». قلت: فهذه طريق علي بن ربيعة لهذا الحديث. وقد توبع، تابعه الحارث الأعور، كما أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٩٩)، من طريق أبي إسحاق السبيعى، عنه، عن علي بن أبي طالب. وإسناده ثقات إلا الحارث الأعور فإنه ضعيف وقد رمي بالرفض، فضلا عن عنعنة أبي إسحاق، وقد عانينا منها قبل قليل. قلت: لكن هذه الطرق ترقي الحديث إلى درجة الحسن على أقل الأحوال، والله أعلم.
[ ٣٤١ ]
(٢١٨) وَحَدَّثَنَا الطَّيَالِسِيُّ أَبُو الوَلِيدِ، ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ [٦٦/و] إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، حَدَّثَنِي إِيَادٌ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَطَلَبَهَا حَتَّى شقَّ عَلَيْهِ، فَمَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ، فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا بِهِ فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟ قَالَ: قُلْنَا: شَدِيدٌ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: وَاللهِ للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُم يَسْقُطُ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ
[ ٣٤٢ ]
أَطَلَّهُ بِأَرْضٍ فَلَاة» (١).
(٢١٩) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«لَلَربُّ ﵎ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ رَجُلٍ كَانَ فِي فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَمَعَهُ رَاحَلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَمَالُهُ، فَتَوَسَّدَ رَاحِلَتَهُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ، ثمَّ قَامَ وَالرَّاحِلَةُ قَدْ ذَهَبَتْ، فَصَعَدَ شَرَفًا فَنَظَرَ فَلم يرَ شَيْئًا، ثمَّ هَبَط فَنظر فَلم يرَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: لَأَعُودَنَّ إِلَى المَكَانِ الَّذِي نِمْتُ فِيهِ حَتَّى أَمُوتَ، قَالَ: فَعَادَ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَالرَّاحِلَةُ قَائِمَةٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: للهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ صَاحِبِ الرَّاحِلَةِ بِهَا حِينَ وَجَدَهَا» (٢).
(٢٢٠) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«لَا يتَوَضَّأُ أَحَدٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ، ثُمَّ يَأْتِي المَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ» (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٤٩٢)، عن أبي الوليد الطيالسي، به. وأخرجه مسلم (٢٧٤٦)، وغيره من طريق عبيد الله بن إياد، به. تنبيه: زاد في «س»، وثلاث نسخ على «ع» ما يلي [حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَسْقُطُ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فلاة»]، وليس موجودا بالأصل.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٤٢٣)، من طريق شريك، ومسلم (٢٧٤٥)، من طريق أبي يونس حاتم بن أبي صغيرة، والدارمي (٢٧٧٠)، من طريق حماد بن سلمة، وغيرهم عن سماك، به.
(٣) ضعيف أخرجه أحمد (٨٤٨٧)، (٨٠٦٥)، (٩٨٤٢)، وابن خزيمة في صحيحه (١٤٩١)، من طريق الليث، به. وأخرجه أحمد (٨٣٥٠)، (٩٨٤١)، وابن ماجه (٨٠٠)، والطيالسي= = (٢٤٥٥)، وغيرهم من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، به. دون ذكر أبي عبيدة في الإسناد. والمحفوظ رواية الليث بن سعد، كما رجح ذلك الدارقطني في العلل (١١/ ٩)، وصرح بجهالة أبي عبيدة، وهو علة هذا الحديث.
[ ٣٤٣ ]
(٢٢١) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ:
«إِنَّ نُوحًا النَّبِيَّ - ﵊ - قَالَ لِابْنِهِ: اثْنَتَانِ أُوصِيكَ بِهِمَا؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ اللهَ يَسْتَبْشِرُ بِهِمَا وَصَالِحَ خَلْقِهِ، وَرَأَيْتُهُمَا يُكْثِرَانِ الوُلُوجَ عَلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، وَقَوْلُ: لَا إِلَهِ إِلَّا الله. وَأَمَّا اللَّتَانِ أَنْهَاكَ عَنْهُمَا؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ اللهَ يَكْرَهُهُمَا وَصَالِحَ خَلْقِهِ: الكِبْرُ، وَالشِّرْكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: أَمِنَ الكِبْرِ أَنْ ألبَسَ الحُلَّةَ الحَسَنَةَ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ» (١).
وَفِي هَذِهِ الأَبْوَابِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَا، لَمْ نَأْتِ بِهَا؛ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا دِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا دَلَّسَ هَذَا المُعَارِضُ عَنْ زُعَمَائِهِ الَّذِينَ كَنَى عَنْهُمْ مِنَ الكَلَامِ المُمَوَّهِ المُغَطَّى، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يَسْتَخْفِي عَلَى مَنْ لَا
_________________
(١) هذا الحديث اختلف فيه على زيد بن أسلم فأخرجه الطبراني في الدعاء (١٧١٤)، من طريق هشام بن سعد عنه، به، وإسناده ضعيف. وأخرجه أحمد (٦٥٨٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٤٨)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٦٦٠)، جميعا من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن زيد بن أسلم، به. دون ذكر موضع الشاهد، ألا وهو: الاستبشار، والكراهية. وقد أخرج الحاكم في المستدرك (١/ ٧٨)، من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله أمن الكبر أن ألبس الحلة الحسنة؟ قال: «إن الله جميل يحب الجمال». فالذي يظهر لي أن هذا من أوهام هشام بن سعد فقد قال أحمد عنه: ليس بمحكم للحديث، وقال أبو حاتم لا يحتج به. والله تعالى أعلم.
[ ٣٤٤ ]
يَفْطِنُ لِمَعْنَاهُ وَلَا يَدْرِي، وَنَحْنُ نَكْتَفِي مِنْهُ بِاليَسِيرِ الأَدْنَى؛ حَتَّى تَقَعَ عَلَى الفَرْحَةِ الكُبْرَى.
فَلَمْ يَزَلْ هَذَا المُعَارِضُ يُلَجْلِجُ بِأَمْرِ القُرْآنِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى كَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ الغِطَاءَ، وَطَرَحَ جِلْبَابَ الحَيَاءِ، فَصَرَّحَ وَأَفْصَحَ بِأَنَّهُ [٦٦/ظ] مَخْلُوقٌ، وَأَنَّ من قَالَ: غيرمَخْلُوقٍ؛ كَافِرٌ -فِي دَعْوَاهُ-، فَلَمْ يَتْرُكْ لِمَتَأَوِّلٍ عَلَيْهِ مَوْضِعَ تَأْوِيلٍ، وَلَا لِمُسْتَنْبِطٍ عَلَيْهِ مَوْضِعَ اسْتِنْبَاطٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَافِر عِنْدَهُ؛ فَالَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُؤْمِنٌ مُوَفَّقٌ رَاشِدٌ، تَابِعٌ لِلْحَقِّ.
فَحِينَ نَكْشِفُ عَنْهُ لِلنَّاسِ إِرَادَتَهُ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِهَا عِبَارَتُهُ، سُقِطَ فِي يَدِهِ وَكُسِرَ فِي دِرْعِهِ، فَادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ بِالإِكْفَارِ إِلَى مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ كَلَامَ اللهِ ذَلِكَ بِفَم وَلِسَانٍ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، يُسْأَلُونَ عَنِ الكَلَامِ؟ فَإِنِ ادَّعوا فَمًا وَلِسَانًا؛ فَهُوَ كُفْرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ أَمْسَكُوا عَنِ الجَوَابِ فِيهِ؛ كَانُوا بِإِمْسَاكِهِمْ أَنْ يَدَّعُوا فَمَا وَلِسَانًا؛ جَهْلٌ لَا يُعْذَرُونَ بِهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ المُحْتَجِّ بِالمُحَالِ مِنَ الضَّلَالِ: قد تَفَلَّتَتْ مِنْكَ الكَلِمَةُ بِلَا تَفْسِيرٍ، وَلَا بِحَضْرَةِ مَنْ تَدَّعِي عَلَيْهِ فَمَا وَلِسَانًا، أوَ تَقْدِرُ أَنْ تُشِيرَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ الله أَنَّهُ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ؟ فَتَعَلُّقُكَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ اليَوْمَ مِنْكَ مُوَارَبَةٌ وَاعْتِذَارٌ مِنْكَ إِلَى الجُهَّالِ؛ كَيْلَا يَفْطنُوا لِمُرَادِكَ مِنْهَا.
وَلَئِنْ كَانَ أَهْلُ الجَهْلِ فِي غَلَطٍ مِنْ مُرَادِكَ؛ إِنَّا مِنْهُ لَعَلَى يَقِينٍ، وَلَئِنْ جَازَ لَكَ هَذَا التَّأْوِيلُ؛ إِذًا يَجُوزُ لِكُلِّ زِنْدِيقٍ وَجَهْمِيٍّ أَنْ يَقُولَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ.
فَإِذَا وُبِّخَ، وَوُقِفَ عَلَى دَعْوَاهُ قَالَ: إِنَّمَا قَصَدْتُ بِالكُفْرِ قَصْدَ مَنْ يَدَّعِي بِهِ فَمًا وَلِسَانًا. وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَّهُ قَالَهُ.
فَلَمْ يَنَلِ المُعَارِضُ عِنْدَ النَّاسِ بِاعْتِذَارِهِ عُذْرًا، بَلْ حَقَّقَ بِمَا فسَّر، وَأَكَّدَ مِنْ
[ ٣٤٥ ]
ذَلِكَ أَنَّهُ كَلَامُ المَخْلُوقِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: يُسْأَلُ مَنْ قَالَ: كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَإِن ادَّعَوْا فَمًا وَلِسَانًا؛ لَقَدْ كَفَرُوا، وَإِنْ أَمْسَكُوا عَنِ الجَوَابِ فَقَدْ جَهِلُوا، وَلَمْ يُعْذَرُوا، لِمَا أَنَّ الكَلَامَ كُلَّهُ -فِي دَعْوَاهُ- لَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى إِلَّا بِفَمٍ وَلِسَانٍ، وَخُرُوجٍ مِنْ جَوْفٍ، مَنْ لَمْ يَفْقَهْ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدَ المُعَارِضِ جَاهِلٌ.
فَإِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَى فَقَدْ حَقَّقَ أَنَّهُ كَلَامُ البَشَرِ لَمْ يَخْرُجْ -بِزَعْمِهِ- إلَّا مِنَ الأَجْوَافِ وَالألسُنِ وَالأَفْوَاهِ المَخْلُوقَةِ- تَعَالَى الله عَنْ هَذَا الوَصْفِ وَتَكَبَّرَ-؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ المَلِكِ الأَكْبَرِ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى خَيْرِ البَشَرِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا عَدَدَ مَنْ مَضَى وَغَبَرَ، وَعَدَدَ التُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ.
ثُمَّ قَفَّى المعَارِضُ بِكِتَاب آخَرَ كَالمُعْتَذِر لِمَا سَلَفَ مِنْهُ، مُصَدِّقًا لِبَعْضِ مَا سَبَقَ مِنْ ضَلَالَاتِهِ، مُكَذِّبًا لِبَعْضٍ، يُرِيدُ أَنْ يَنَلَ عِنْدَ الرِّعَاعِ لِنَفْسِهِ فِي زَلَّاتِهِ وَسَقَطَاتِهِ عُذْرًا، فَلَمْ ينلْ بِهِ عُذْرًا؛ بَلْ أَقَامَ عَلَى نَفْسِهِ حُجَّةً بَعْدَ حُجَّةٍ، وَكَانَتْ حُجَّتُهُ الَّتِي احتجَّ بِهَا فِي كِتَابِهِ أَعْظَمَ مِنْ جُرمِهِ.
وَهكَذَا البَاطِل مَا ازْدَادَ المَرْءُ له احْتِجَاجًا؛ إِلَّا ازْدَادَ اعْوِجَاجًا، وَلِمَا خَفِيَ مِنْ ضَمَائِرِهِ إِخْرَاجًا.
فَادَّعَى أَنَّ مَنْ قَالَ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وهُوَ يَعْنِي أَنَّهُ اللهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ غَيْرُ الله فَهُوَ مُصِيبٌ، ثُمَّ إِنْ قَالَ بَعْدَ إِصَابَتِهِ إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَهُوَ جَاهِلٌ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ جِسْمٍ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ.
قَالَ: وَالكَلَامُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ، وَالقَوْلُ غَيْرُ [٦٧/و] القَائِلِ وَالقُرْآنُ، وَالمَقْرُوءُ وَالقَارِئُ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ مَعْنًى.
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: مَا أَثْبَتَّ بِكَلَامِكَ هَذَا الأَخِيرِ عُذْرًا، وَلَا أَحْدَثْتَ مِنْ ضَلَالَتِكَ بِهِ تَوْبَةً، بَلْ حَقَّقْتَ وَأَكَّدْتَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِتَمْوِيهٍ وَتَدْلِيسٍ، وَتَخْلِيطٍ
[ ٣٤٦ ]
مِنْكَ وَتَلْبِيسٍ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ مَوَّهْتَ عَلَى مَنْ لَا يَعْقِلُ بَعْضَ التَّمْوِيهِ، فَسَنَرُدُّهُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ الله إِلَى تَنْبِيهٍ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: الكَلَامُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ، وَالقَوْلُ غَيْرُ القَائِلِ، فَإِنَّهُ لَا يَشُكُّ عَرَبِيٌّ ولا عَجَمِيٌّ أَنَّ القَوْلَ وَالكَلَامَ مِنَ المُتَكَلِّمِ وَالقَائِل يَخْرُجُ مِنْ ذَوَاتِهِم سِوَاهُ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنُ غَيْرُ اللهِ فَقَدْ أَصَابَ، فَهَذَا مِنْكَ تَأْكِيدٌ وَتَحْقِيقٌ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللهِ فِي دَعْوَاكَ وَدَعْوَانَا مَخْلُوقٌ.
ثُمَّ أَكَّدْتَ أَيْضًا فَقُلْتَ: مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَدْ جَهِلَ، وَقُلْتَ مَرَّةً: فَقَدْ كَفَرَ، فَأَيُّ تَوْكِيدٍ أَوْكَدُ فِي المَخْلُوقِ مِنْ هَذَا؟ ثُمَّ رَاوَغْتَ فَقُلْتَ فِي بَعْضِ كَلَامِكَ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ؛ تَمْوِيهًا مِنْكَ وَتَدْلِيسًا عَلَى الجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ عِنْدَكَ جَاهِلًا كَافِرًا؛ كَانَ مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ عِنْدَكَ عَالِمًا مُؤْمِنًا.
فَقَوْلُكَ مُبْتَدَعٌ لَا يَنْقَاسُ لَكَ فِي مَذْهَبِكَ، غَيْرَ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُرْضِيَ بِهِ مَنْ حَوْلَكَ مِنَ الأَغْمَارِ.
وَأَمَّا قَوْلُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ جِسْمٍ فَهُوَ كَافِرٌ، فَلَيْسَ يُقَالُ كَذَلِكَ، وَلَا أَرَاكَ سَمِعْتَ أَحَدًا يَتَفَوَّهُ بِهِ كَمَا ادَّعَيْتَ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ اللهِ ﵎ دُونَ مَنْ سِوَاهُ.
وَذِكْرُ الجِسْمِ وَالفَمِ وَاللِّسَانِ؛ خُرَافَاتٌ وَفُضُولٌ مَرْفُوعَةٌ عَنَّا، لَمْ نُكَلَّفْهُ فِي دِينِنَا، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ الكَلَامَ يَخْرُجُ مِنَ المُتَكَلِّمِ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، فَهَذَا أَيْضًا مِنْ تِلْكَ الفُضُولِ، وَمَا رَأَيْنَا أَحَدًا يَصِفُهُ بِالأَجْزَاءِ، وَالأَعْضَاءِ -جَلَّ عَن هَذَا الوَصْف وَتَعَالَى- وَالكَلَامُ صِفَةُ المُتَكَلِّمِ لَا يُشْبِهُ الصِّفَات من الوَجْه وَاليَدِ، وَالسَّمْعِ، وَالبَصَرِ، وَلَا يُشْبِهُ الكَلَامُ من الخَالِق والمَخْلُوقِ سَائِرَ الصِّفَات.
[ ٣٤٧ ]
وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ تَفْسِيرًا فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ الله.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنْ قَالُوا: القُرْآنُ هُوَ اللهُ، فَهُوَ كُفْرٌ؛ فَإِنَّا لَا نَقُولُ: هُوَ اللهُ كَمَا ادَّعَيْتَ، فَيَسْتَحِيلُ، وَلَا نَقُولُ: هُوَ غَيْرُ اللهِ، فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَقُولَ: كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ الله مَخْلُوقٌ، كَمَا لَزِمَكَ.
وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، خَرَجَ مِنْهُ كَمَا شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ، وَاللهُ بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ عَلَى عَرْشِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: فِي القِرَاءَةِ وَالقَارِئِ وَالمَقْرُوءِ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ مَعْنًى عَلَى حِدَةٍ؛ فَهَذَا أَمْرُ مَذَاهِبِ اللَّفْظِيَّةِ، لَا نَدْرِي مِنْ أَيْن وَقَعَتَ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ تَقَلَّدْتَهُ؟ فَمَرَّةً أَنْتَ جَهْمِيٌّ، وَمَرَّةً وَاقِفِيٌّ، وَمَرَّةً لَفْظِيٌّ، وَلَوْلَا أَنْ يَطُولَ الكِتَابُ لَبَيَّنَّا لَكَ وُجُوهَ القَارِئِ وَالقِرَاءَةِ وَالمَقْرُوءِ، وغَيْرَ أَنِّي قَدْ طَوَّلْتُ وَأَكْثَرْتُ، وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَصَرْتُ وَتَخَطَّيْتُ خُرَافَاتٍ لَمْ يَسْتَقِمْ لِكَثِيرٍ مِنْهَا جَوَابٌ، غَيْرَ أَنَّا مَا فَسَّرْنَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى مَا لَمْ نُفَسِّرْ، وَالله المُوَفِّقُ لِصَوَابِ مَا نَأْتِي وَمَا نَذَرُ. [٦٧/ظ]
وَاعْلَمُوا أَنِّي لَمْ أرَ كِتَابًا قَطُّ أَجْمَعَ لِحُجَجِ الجَهْمِيَّةِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ الَّذِي نُسِبَ إِلَى هَذَا المُعَارِضِ، وَلَا أَنْقَضَ لِعُرَى الإِسْلَامِ مِنْهُ، وَلَوْ وَسِعَنِي لَافْتَدَيْتُ مِنَ الجَوَابِ فِيهِ بِمُحَالٍ، وَلَكِنْ خِفْتُ أَنه لَّا يَسَع أَحَدًا عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ البَيَانِ يَكُونُ بِبَلَدٍ يُنْشَرُ فِيهِ هَذَا الكَلَامُ، ثُمَّ لَا يَنْقُضُهُ عَلَى نَاشِرِهِ ذَبًّا عَنِ الله تَعَالَى وَمُحَامَاةً عَنْ أَهْلِ الغَفْلَةِ مِنَ ضُعَفَاءِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيانِ، أَن يَضِلُّوا بِهِ، وَيَفْتَتِنُوا أَوْ يَشُكُّوا فِي الله وَفِي صِفَاتِهِ. وَلَمْ نَأْلُكُمْ فِيهِ وَالإِسْلَامَ نُصْحًا إِنْ قَبِلْتُمْ، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ؛ فَلْيَنْصَحْ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَإِخْوَانَهُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ، فَلْيَعْرِضْهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ عُلَمَاءِ الحِجَازِ وَالعِرَاقِ، وَمَنْ غَبَرَ مِنْ عُلَمَاءِ خُرَاسَانَ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ نُصْحُنَا، وَخِيَانَةُ هَذَا المُعَارِضِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَإِنَّهُ أَحْدَثَ أَشْنَعَ
[ ٣٤٨ ]
المُحْدَثَاتِ وَجَاءَ بِأَنْكَرِ المُنْكَرَاتِ، وَلَا آمَنُ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ هَذَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ -فَأَغَضُّوا لَهُ عَنْهُ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ عَلَيْهِ بِجِدٍّ- أَنْ يُصِيبَهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مَسْخٍ، أَوْ خَسْفٍ، أَوْ خَذْفٍ؛ فَإِنَّ الخَطْبَ فِيهِ أَعْظَمُ مِمَّا يَذْهَبُ إِلَيْهِ العَوَامُّ؛ لِأَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي مَسْخٌ، وَذَلِكَ فِي قَدَرِيَّةٍ وَزَنْدَيقِيَّةٍ».
(٢٢٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، ثَنَا ابْنُ المُبَارك، عَن حَيْوَة بْن شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ حُمَيْدُ بنُ زِيَاد، أَن نَافِعًا أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ:
«سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي مَسْخٌ، وَذَلِكَ فِي قَدَرِيَّةٍ وَزَنْدَقِيَّةٍ» (١).
وَالتَّجَهُّمُ عِنْدَنَا بَابٌ كَبِيرٌ مِنَ الزَّنْدَقَةِ، يُسْتَتَابُ أَهْلُهُ، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا، وَقَدْ رَوَيْنَا بَابَ قَتْلِهِمْ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ، حَتَّى لَقَدْ رَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ اسْتِتَابَةَ القَدَرِيَّةِ، فَكَيْفَ الجَهْمِيَّةُ وَالزَّنَادِقَةُ.
(٢٢٣) حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أبي سُهَيْل قَالَ: «كُنْتُ أُسَايِرُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَالَ لِي: مَا تَرَى فِي هَؤُلَاءِ القَدَرِيَّةِ؟ فَقُلْتُ: أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ: ذَلِكَ رَأْيِي» قَالَ القَعْنَبِيُّ: قَالَ مَالك: «ذَلِك رَأْيِي» (٢).
(٢٢٤) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ،
_________________
(١) منكر، أخرجه الترمذي (٢١٥٢، ٢١٥٣)، وابن ماجه (٤٠٦١)، وأحمد (٥٨٦٧)، وغيرهم من حديث أبي صخر حميد بن زياد، وهومختلف فيه، وقد ذكره ابن عدي في الكامل (٣/ ٦٨)، وقال: «وهو عندي صالح الحديث، وإنما أنكرت عليه هذين الحديثين» فذكر هذا الحديث وآخر.
(٢) صحيح، وهو في الموطإ (١٦٣١)، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٩٩)، عن سعيد بن عبد الجبار، والخلال في السنة (٨٧٦)، من طريق القعنبي، كلاهما وغيرهما عن مالك، به.
[ ٣٤٩ ]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ اليَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: «مَا نِسْبَةُ رَبِّكَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] كُلَّهَا» (١).
(٢٢٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَالَ لِلْحَسَنِ: هَلْ تَصِفُ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، بِغَيْرِ مِثَالٍ» (٢).
(٢٢٦) حَدثنَا سَلَّامُ بنُ سُلَيْمَانَ المَدَائِنِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «لَيْسَ لله مَثَلٌ» (٣).
وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ للهِ مَثَلٌ وَلَا شَبَهٌ، وَلَا كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا كَصِفَاتِهِ صِفَةٌ، فَقَوْلُنَا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أَنَّهُ شَيْءٌ أَعْظَمُ الأَشْيَاءِ، وخَالِقُ
_________________
(١) صحيح، وسعيد بن بشير، وإن ضعفه بعض أهل العلم، إلا أن محله الصدق، وقال ابن عدي الغالب على حديثه الاستقامة، وقد أخرجه الطبري في التفسير (٢٤/ ٧٢٩)، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قوله، دون ذكر سعيد بن جبير. لكن إسناد الطبري إلى سعيد لا يصح، ففيه مهران بن أبي عمر العطار سيء الحفظ.
(٢) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٠)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٩٩، ١١٣٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦١٧)، بزيادة رجل مبهم بين الراسبي، وابن رواحة، فالأثر ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف (١/ ١٩٥، ١٩٦)، من طريق روح، عن شعبة، عن أبي جمرة، بمثله، وصرح فيه بنسبة أبي جمرة فقال الضبعي. وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٢٤٤) من طريق شبابة، ويحيى بن عباد، عن شعبة، والطبري في التفسير (٢/ ٦٠٠)، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، وفيه أبو حمزة، وكلاهما أبو جمرة، وأبو حمزة ممن روى عن ابن عباس، وروى عنهما شعبة، لكن أحدهما ثقة وهو أبو جمرة، واسمه نصر بن عمران الضبعي، والآخر متكلم فيه، وهو أبو حمزة واسمه عمران بن أبي عطاء، والذي يترجح لدي من رسم المخطوط، ومن تصريح ابن أبي داود، أنه أبو جمرة الضبعي، وعليه فلأثر صحيح، وشيخ المصنف وإن كان ضعيفا؛ فقد توبع كما مر في التخريج. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ٣٥٠ ]
الأَشْيَاء، وَأَحْسَنُ الأَشْيَاء [٦٨/و] نُورُ السَّمَاواتِ وَالأَرْض، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ يَعنُونُ: لا يُثْبِتُونَ فِي الأَصْلِ شَيْئًا، فَكَيْفَ المِثْلُ؟ وَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ.
وَالدِّلَالَةُ عَلَى دَعْوَاهُمْ هَذِهِ الخُرَافَاتُ وَالمُسْتَحَالَاتُ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا فِي إِبْطَالِهَا، وَاتَّخَذُوا قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، دَلَسَةً عَلَى الجُهَّالِ لِيُرَوِّجُوا عَلَيْهِمْ بهَا الضَّلالِ، كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَى بهَا بَاطِلٌ، وَلَئِنْ كَانَ السُّفَهَاءُ فِي غَلَطٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ؛ إِنَّ الفُقَهَاءَ مِنْهُمْ على يَقِين.
آخِرُ الكِتَابِ وَالحَمْدُ للهِ المَلِكِ الوَهَّابِ الكَرِيمِ التَّوَّابِ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وَصَلواتِهِ وَسَلَامِهِ عَلىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلهِ وَصَحْبِهِ وَسلِّم تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
فُرِغَ مِنْ نَسْخِهِ يَوْمَ السَّبْتِ سَلْخ جُمَادَى الآخِر
سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ وَسَبْعُمَائَةِ
بِالمَدْرَسَةِ الضِّيَائِيَّة
رَحِمَ اللهُ وَاقِفُهَا
بِسَفْحِ قَاسْيُون
ظَاهِر دِمَشْق
المَحْرُوسَة.
-
[ ٣٥١ ]