ثُمَّ اعْتَرَضَ المُعَارِضُ أَسْمَاءَ اللهِ المُقَدَّسَةَ فَذَهَبَ فِي تَأْوِيلِهَا مَذْهَبَ إِمَامِهِ المَرِيسِيِّ.
فَادَّعَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ غَيْرُ اللهِ، وَأَنَّهَا مُسْتَعَارةٌ مخلوقةٌ كَمَا أَنه قَدْ يَكُونُ شَخْصٌ بِلَا اسْمٍ، فَتَسْمِيَتُهُ لَا تَزِيدُ فِي الشَّخْصِ، وَلَا تَنْقُصُ.
يَعْنِي أَنَّ الله كَانَ مَجْهُولًا كَشَخْصٍ مَجْهُولٍ، لَا يَهْتَدِي لِاسْمِهِ، وَلَا يَدْرِى مَا هُوَ، حَتَّى خَلَقَ الخَلْقَ فَابْتَدَعُوا لَهُ أَسْمَاءً مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ، فَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ اسْمٌ قَبْلَ الخَلْقِ.
وَمَنِ ادَّعَى هَذَا التَّأْوِيلَ؛ فَقَدْ نَسَبَ اللهَ تَعَالَى إِلَى العَجْزِ، وَالوَهَنِ وَالضَّرُورَةِ، وَالحَاجَةِ إِلَى الخَلْقِ؛ لِأَنَّ المُسْتَعِيرَ مُحْتَاجٌ مُضْطَرٌّ، وَالمُعِيرُ أَبَدًا أَعْلَى مِنْهُ وَأَغْنَى.
فَفِي هَذِهِ الدَّعْوَى اسْتِجْهَالُ الخَالِقِ؛ إِذْ كَانَ بِزَعْمِهِ هَملًا لَا يُدْرَى مَا اسْمُهُ وَمَا هُوَ وَمَا صِفَتُهُ وَالله المُتَعَالِي عَنْ هَذَا الوَصْف المُنَزَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ هِيَ تَحْقِيقُ صِفَاتِهِ، سَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: عَبَدْتُ اللهَ، أَوْ عَبَدْتُ الرَّحْمَنَ، أَوِ الرَّحِيمَ، أَوِ المَلِكَ العَزِيزَ الحَكِيمَ، وَسَوَاءٌ عَلَى الرَّجُلِ قَالَ: كَفَرْتُ بِالله، أَوْ قَالَ: [٣/و] كفرت بالرحمن الرَّحِيم، أَو بالخالق العَزِيزِ الحَكِيمِ، وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: عَبْدُ الله، أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَوْ عَبْدُ العَزِيزِ، أَوْ عَبْدُ المَجِيدِ، وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: يَا اللهُ يا رحمنُ، أَو يا رحيمُ، أَو يا مَلِكُ يَا عَزِيزُ يَا جَبَّارُ، بِأَيِّ اسْمٍ دَعَوْتَهُ مِنْ هَذِهِ الأَسْمَاءِ، أَوْ أَضَفْتَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّمَا تَدْعُو اللهَ نَفْسَهُ، مَنْ شَكَّ فِيهِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: رَبِّيَ اللهُ، أَوْ رَبِّيَ الرَّحْمَنُ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:١]،وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب:٤٢]
[ ٤٧ ]
كَذَلِكَ قَالَ فِي الِاسْمِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، كَمَا يُسَبِّحُ الله، وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا مُسْتَعَارًا غَيْرَ اللهِ، لَمْ يَأْمُرِ اللهُ أَنْ يُسَبَّحَ مَخْلُوقٌ غَيْرُهُ.
وَقَالَ: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: ٢٤].
ثُمَّ ذَكَرَ الآلِهَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ بِأَسْمَائِهَا المُسْتَعَارَةِ المَخْلُوقَةِ فَقَالَ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم: ٢٣]، وَكَذَلِكَ قَالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ حِينَ: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]، فَقَالَ لَهُمْ يَنْهَاهُمْ: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [الأعراف: ٧١]، يَعْنِي: أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى لَمْ تَزَلْ، كَمَا لَمْ يَزَلِ اللهُ، وَأَنَّهَا بِخِلَافِ هَذِهِ الأَسْمَاءِ المَخْلُوقَةِ الَّتِي أَعَارُوهَا لِلْأَصْنَامِ وَالآلِهَةِ الَّتِي عَبَدُوهَا مِنْ دُونِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَسْمَاءُ اللهِ بِخِلَافِهَا، فَأَيُّ تَوْبِيخٍ لِأَسْمَاءِ الآلِهَةِ المَخْلُوقَةِ؛ إِذْ كَانَت أسماءُهَا وَأَسْمَاءُ اللهِ مَخْلُوقَةً مُسْتَعَارَةً عِنْدَكُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكُلُّهَا مِنْ تَسْمِيَةِ العِبَادِ وَمِنْ تَسْمِيَةِ آبَائِهِمْ بِزَعْمِكُمْ؟!
فَفِي دَعْوَى هَذَا المُعَارِضِ أَنَّ الخَلْقَ عَرَّفُوا اللهَ إِلَى عِبَادِهِ بِأَسْمَاءٍ ابْتَدَعُوهَا، لَا أَنَّ اللهَ عَرَّفَهُمْ بِهَا نَفْسَهُ، فَأَيُّ تَأْوِيلٍ أَوْحَشَ فِي أَسْمَاءِ اللهِ مِنْ أَنْ يَتَأَوَّلَ رَجُلٌ أَنَّهُ كَانَ كَشَخْصٍ مَجْهُولٍ، أَوْ بَيْتٍ، أَوْ شَجَرَة، أَو بهيمة، لَمْ يُشْتَقَّ لِشَيْءٍ مِنْهَا اسْمٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ مَا هُوَ، حَتَّى عَرَّفَهُ الخَلْقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟!
وَلَا تُقَاسُ أَسْمَاءُ اللهِ بِأَسْمَاءِ الخَلْقِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الخَلْقِ مَخْلُوقَةٌ مُسْتَعَارَةٌ، وَلَيْسَت أَسْمَاءَهُم نَفْسُ صِفَاتِهِمْ، بَلْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لِصِفَاتِهِمْ.
وَأَسْمَاءُ الله صِفَاتُهُ، لَيْسَ شَيْءٌ منها مُخَالِفٌ لِصِفَاتِهِ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مُخَالِفٌ لِلْأَسْمَاءِ (١).
_________________
(١) كلمة «مخالف» جاءت على الرفع هكذا في الموضعين من الأصل، وهي خلاف الجادة،= = فالجادة النصب على أنها خبر ليس منصوب.
[ ٤٨ ]
فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ، أَوْ مُسْتَعَارَةٌ فَقَدْ كَفَرَ وَفَجَرَ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: اللهُ؛ فَهُوَ اللهُ، وَإِذَا قُلْتَ: الرَّحْمَنُ؛ فَهُوَ الرَّحْمَنُ، وَهُوَ اللهُ وَإِذَا قُلْتَ: الرَّحِيمُ؛ فَهُوَ كَذَلِك، وَإِذا قلت: حَكِيمٌ، عليم، حَمِيدٌ، مَجِيدٌ، جَبَّارٌ، مُتَكَبِّرٌ، قاهرٌ، قَادرٌ؛ فَهُوَ كَذَلِك وَهُوَ اللهُ سَوَاء، لَا يُخَالِفُ اسْمٌ لَهُ صِفَتَهُ وَلَا صِفَتُهُ اسْمًا.
وَقَدْ يُسَمَّى الرَّجُلُ حَكِيمًا، وَهُوَ جَاهِلٌ، وَحَكَمًا، وَهُوَ ظَالِمٌ، وَعَزِيزًا، وَهُوَ حَقِيرٌ، وَكَرِيمًا، وَهُوَ لَئِيمٌ، وصالحًا، وَهُوَ طالح، وَسَعِيدًا، وَهُوَ شَقِيٌّ، وَمَحْمُودًا، وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَحَبِيبًا، وَهُوَ بَغِيضٌ، وَأَسَدًا، وَحِمَارًا، وَكَلْبًا، وَجريًا، وَكُلَيْبًا، وَهِرًّا، وَحَنْظَلَةَ، وَعَلْقَمَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَاللهُ ﵎ اسْمُهُ كَأَسْمَائِهِ سَوَاءٌ، لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ وَلَا يَزَالُ، لَمْ تَحْدُثْ لَهُ صِفَتُهُ، وَلَا اسْمٌ لَمْ يَكُ [٣/ظ] كَذَلِكَ قَبْلَ الخَلْقِ، كَانَ خَالِقًا قَبْلَ المَخْلُوقِينَ، وَرَازِقًا قَبْلَ المَرْزُوقِينَ، وَعَالِمًا قبل المَعْلُومِينَ، وسَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ أَصْوَاتَ المَخْلُوقِينَ، وَبَصِيرًا قَبْلَ أَنْ يَرَى أَعْيَانَهُمْ مَخْلُوقَةً.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]، فقَالَ مَرَّةً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وَقَالَ مَرَّةً: اللهُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد.
ولو كان كَمَا ادَّعَى المُعَارِضُ وَإِمَامُهُ المَرِيسِيُّ، لَكَانَ الخَالِقُ وَالمخْلُوقُ اسْتَوَيَا جَمِيعًا على العَرْش، إِذ كَانَت أسماؤه مخلوقة عِنْدهم؛ إذ كان الله في دعواهم في حد المجهول أكثر منه في حد المعروف؛ لِأَنَّ لِحُدُوثِ الخَلْقِ حَدًّا
[ ٤٩ ]
وَوَقْتًا، وَلَيْسَ لِأَزَلِيَّةِ اللهِ حَدٌّ وَلَا وَقْتٌ، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ.
ثُمَّ احْتَجَّ المُعَارِضُ لِتَرْوِيجِ مَذْهَبِهِ هذا بِأَقْبَحِ قِيَاسٍ؛ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَتَبْتَ اسْمًا فِي رُقْعَةٍ ثُمَّ احْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ، أَلَيْسَ إِنَّمَا تَحْتَرِقُ الرُّقْعَةُ وَلَا تَضُرُّ النَّارُ الاسْمَ شَيْئًا؟ فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَخْرُجُ من رَأسه:
إِنَّ الرُّقْعَةَ وَكِتَابَةَ الِاسْمِ لَيْسَ كَنَفْسِ الِاسْمِ، إِذَا احْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ احْتَرَقَ الخَطُّ وَبَقِيَ اسْمُ اللهِ لَهُ وَعَلَى لِسَانِ الكَاتِبِ، كَمَا لَمْ يَزَلْ قَبْلَ أَنْ يُكْتَبَ، لَمْ تُنْقِصِ النَّارُ مِنَ الِاسْمِ وَلَا مِمَّنْ لَهُ الِاسْمُ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَسْمَاءُ المَخْلُوقِينَ، لَمْ تُنْقِصِ النَّارُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ وَلَا مِنْ أَجْسَامِهِمْ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبْتَ «الله» بِهِجَائِهِ فِي رُقْعَةٍ لَاحْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ وَكَانَ اللهُ بِكَمَالِهِ عَلَى عَرْشِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ صُوِّرَ رَجُلٌ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ ألقِيَتْ فِي النَّارِ، لَاحْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ، وَلَمْ تُضَرُّ الصُّورَةُ (١) شَيْئًا.
وَكَذَلِكَ القُرْآنُ، لَوِ احْتَرَقَتِ المَصَاحِفُ كُلُّهَا لَمْ يَنْقُصْ مِنْ نَفْسِ القُرْآنِ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ لَوِ احْتَرَقَتِ القَرَأَةُ كُلُّهُمْ، أَوْ قُتِلُوا، أَوْ مَاتُوا، لَبَقِيَ القُرْآنُ بِكَمَالِهِ كَمَا كَانَ، لَمْ يُنْتَقَصْ مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ عِنْدَ فَنَاءِ الخَلْقِ بِكَمَالِهِ غَيْر مَنْقُوصٍ.
وَقَدْ كَانَ لِإِمَامِهِ المَرِيسِيِّ فِي أَسْمَاءِ اللهِ مَذْهَبٌ كَمَذْهَبِهِ فِي القُرْآنِ.
كَانَ القُرْآنُ عِنْدَهُ مَخْلُوقًا مِنْ قَوْلِ البَشَرِ، لَمْ يَتَكَلَّمِ اللهُ بِحَرْفٍ مِنْهُ فِي دَعْوَاهُ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ اللهِ عِنْدَهُ مِنَ ابْتِدَاعِ البَشَرِ مِنْ غير أَن يَقُول الله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] بِزَعْمِهِ قَطُّ.
_________________
(١) المقصود بالصورة ها هنا: صورة الرجل الحقيقية، وبذلك يستقيم المعنى.
[ ٥٠ ]
وَزَعَمَ أَنِّي مَتَى اعْتَرَفْتُ بِأَنَّ الله تَكَلَّمَ بِأَنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ؛ لَزِمَنِي أَنْ أَقُولَ: تَكَلَّمَ اللهُ بِالقُرْآنِ.
وَلَوِ اعْتَرَفْنَا بِذَلِكَ لَانْكَسَرَ عَلَيْنَا مَذْهَبُنَا فِي القُرْآنِ.
وَقَدْ كَسَرَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَلَى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] لَا يَسْتَحِقُّ مَخْلُوقٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا. فَإِن فعل ذَلِكَ كَانَ كَافِرًا؛ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].
فَهَذَا الَّذِي ادَّعَوْا فِي أَسْمَاءِ اللهِ؛ أَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أُصُولِ الجَهْمِية الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا مِحَنَهُم وأَسَّسُوا بِهَا ضَلَالَتَهُمْ، غَالَطُوا بِهَا الأَغْمَارَ وَالسُّفَهَاءَ، وَهَمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُغَالِطُونَ بِهَا الفُقَهَاءَ، وَلَئِنْ كَانَ السُّفَهَاءُ [٤/و] فِي غَلَطٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، إِنَّ الفُقَهَاءَ مِنْهُم لَعَلَى يَقِين.
أَرَأَيْتُمْ قَوْلَكُمْ: إِنَّ أَسْمَاءَ اللهِ مَخْلُوقَةٌ. فَمَنْ خَلَقَهَا؟ أَوْ كَيْفَ خَلَقَهَا؟ أَجَعَلَهَا أَجْسَامًا وَصُوَرًا تَشْغَلُ أَعْيَانُهَا أَمْكِنَةً دُونَهُ مِنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟ أَمْ مَوْضِعًا دُونَهُ فِي الهَوَاءِ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: لَهَا أَجْسَامٌ دُونَهُ، فَهَذَا مَا تَنْفِيهِ عُقُولُ العُقَلَاءِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: خَلَقَهَا عَلَى ألسِنَةِ العِبَادِ، فَدَعَوْهُ بِهَا، وَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ، فَهُوَ مَا ادَّعَيْنَا عَلَيْكُمْ: إِنَّ اللهَ بِزَعْمِكُمْ كَانَ مَجْهُولًا لَا اسْمَ لَهُ حَتَّى حَدَثَ الخَلْقُ فَأَحْدَثُوا أَسْمَاءً مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ.
وَهَذَا هُوَ الإلحادُ بِاللهِ وَفِي أَسْمَائِهِ، وَالتَّكْذِيبُ بِهَا.
قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] كَمَا نُضِيفُهُ إِلَى اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ لَقِيلَ: الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ المُسَمَّى الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وَكَمَا قَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٢ - ٣]، وَكَمَا قَالَ:
[ ٥١ ]
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، كَذَلِكَ قَالَ: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ٢]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢].
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل: ٦]، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَكُلُّهَا هِيَ اللَهُ، وَاللهُ هُوَ أَحَدُ أَسْمَائِهِ، كالعزيز، الحَكِيم، الجَبَّارِ، المُتَكَبِّرِ، كَذَلِكَ رَوَى زَعِيمُكُمُ الأَوْسَطُ يَعْقُوبُ أَبُو يُوسُفَ (١) عَنِ الشَّعْبِيِّ، إِنْ قَنَعْتُمْ بِرِوَايَتِهِ.
(٨) حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو يُوسُفَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ (٢) قَالَ: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ هُوَ الله» (٣).
(٩) حَدثنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِد، أَخْبَرَنَا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ، عَنْ حَيَّانَ الأَعْرَجِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ هُوَ اللهُ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الأَسْمَاءِ كُلِّهَا» (٤).
_________________
(١) هو الإمام، المجتهد، العلامة، المحدث، قاضي القضاة، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب. صاحب أبا حنيفة، لزمه، وتفقه به، وهو أنبل تلامذته، وأعلمهم، توفي سنة ١٨٢ هـ. ينظر سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥).
(٢) الشَّعْبِيُّ: هو عَامِرُ بنُ شَرَاحِيْلَ بن عَبْدِ بنِ ذِي كِبَار، الإِمَامُ، عَلاَّمَةُ العَصْرِ، أَبُو عَمْرٍو الهَمْدَانِيُّ، ثُمَّ الشَّعْبِيُّ، وهو من الطبقة الوسطى من التابعين توفي سنة ١٠٥ هـ على الأرجح، وينظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤).
(٣) اسناده إلى الشعبي ضعيف، فيه مجالد بن سعيد، ضعفه غير واحد من أهل العلم كيحيى القطان وابن مهدي، وأحمد بن حنبل. والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٣٦٧)، بإسناد فيه من لم يسم عن الشعبي.
(٤) إسناده حسن، أبو هلال الراسبي اسمه محمد بن سليم البصري، قال ابن معين -كما نقل عنه المصنف-: صدوق. وباقي الإسناد ثقات، وجابر بن زيد هو: أَبُو الشَّعْثَاءِ الأَزْدِيُّ اليَحْمَدِيُّ، توفي فيد حدود المائة. وينظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤). والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٣٦٦)، عن وكيع، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٢٥) من طريق آدم، وهو بن أبي إياس، كلاهما: وكيع وآدم، عن أبي هلال، به. وأخرجه عبد الغني= = المقدسي في الترغيب في الدعاء (٥٦)، والضياء في العدة للكرب والشدة (٤٧)، كلاهما من طريق هدبة بن خالد، به.
[ ٥٢ ]
أَفَلَا يَسْتَحِي عَبْدٌ مِنْ خَالِقِهِ، وَمِنْ خَلْقِ رَبِّهِ؛ فَيَدَّعِي أَنَّ «اللهَ» اسْمٌ مَخْلُوقٌ مُسْتَعَارٌ!
(١٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بن أبي طَلْحَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١]؛ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ» (١).
وَقَدْ رُوِيَ لَنَا فِي تَفْسِيرِهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -.
(١١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَافٌ مِنْ كَرِيمٍ، وَعَيْنٌ مِنْ عَلِيمٍ، وياء من حَكِيمٍ، وَهَا مِنْ هَادٍ، وَصَادٌ من صدوق» (٢).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق المصنف، به، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٤٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٧٤٧)، كلاهما من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، به. قلت: عبد الله بن صالح فيه ضعف مشهور. قال الذهبي: فيه لين، وقال الحافظ صدوق كثير الغلط. ثم الراوي عن ابن عباس وهو علي بن أبي طلحة. قال أبو حاتم عن دحيم: لم يسمع من ابن عباس التفسير. وذكر الخليلي في الإرشاد (ص ٩٦) نحو ذلك. ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه: أن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: مرسل. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص ١٤٠). وقال الإمام أحمد: له أشياء منكرات.
(٢) حسن بمجموع طرقه؛ أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٢/ ٣٥٠)، والضياء في المختارة (٣١٩)، من طريق سفيان بن عيينة، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٦٦)، من طريق ورقاء بن عمر، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠٣)، من طريق عمرو بن أبي قيس. ثلاثتهم (سفيان، وورقاء، وعمرو) تابعوا هشيمًا في روايته عن عطاء بن السائب.= = قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ عطاءٌ اختلط فلا يقبل منه إلا ما كان من رواية القدماء عنه، وهؤلاء لم نتبين متى سمعوا منه، بل الأرجح أنهم ممن سمع منه بِأَخَرَةٍ، وقد نص على هشيم من بينهم. لكن توبع عطاء في روايته عن سعيد بن جبير، تابعه كل من:
(٣) سالم الأفطس، كما أخره الطبري في التفسير (١٥/ ٤٤٤)، والحاكم (٢/ ٤٠٣)، وعنه البيهقي في الأسماء (١٦٨)، وإسناده لا بأس به.
(٤) إسماعيل بن راشد، كما أخرجه الطبري (١٥/ ٤٤٣)، والبيهقي في الأسماء (١٦٥)، وإسناده رجاله ثقات غير إسماعيل نفسه فإنه مجهول الحال.
(٥) أبو حصين واسمه عثمان بن عاصم، أخرجه الطبري (١٥/ ٤٤٥) بلفظ مختصر، وإسناده صحيح. فالأثر في أقل أحواله حسن بمجموع هذه الطرق والله أعلم.
[ ٥٣ ]
وَحَتَّى إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يُجْمِلُهَا فَيَقُولُ: «يَا كَهَيَعصَ! اغْفِرْ لِي» كَمَا يَقُولُ: «يَا الله اغْفِرْ لِي».
(١٢) حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عَبْدِ المُؤمن المُقْري، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ أَنَّهَا سَمِعَتْ عليًّا يَقُول: «يَا كهيعص اغفر لي» (١).
فَمَنْ خَلَقَ ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١] فِي دَعْوَاكُمْ؟ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا قَبْلَ اللهِ؟ وَمَنِ اهْتَدَى لَهَا غَيْرَ اللهِ؟ وَكَمَا قَالَ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] كَذَلِكَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ -: «أَنَا الرَّحْمَنُ».
(١٣) حَدَّثَنَاهُ مُسَدَّدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ [٤/ظ]
_________________
(١) إسناده حسن، نافع هو ابن عبد الرحمن بن أبي نعيم، قال أحمد: ليس في الحديث بشيء، وقال ابن معين ثقة، وقال ابن عدي: لم أر فِي أحاديثه شيئا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس بِهِ. وقد أخرج هذا الحديث من طريقه ابن ماجه في التفسير، كما أشار المزي في ترجمة نافع من تهذيب الكمال (٢٩/ ٣٨٢).
[ ٥٤ ]
رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ:
«قَالَ اللهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» (١).
فَيَقُولُ اللهُ: أَنَا شَقَقْتُ لَهَا من اسْمِي، وَادَّعت الجَهْمِيةُ المُكَذِّبِينَ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ أَنَّهُمْ أَعَارُوهُ الِاسْمَ الَّذِي شَقَّهَا مِنْهُ!
ومن أَيْنَ عَلِمَ الخَلْقُ أَسْمَاءَ الخَالِقِ قَبْلَ تَعْلِيمِهِ إِيَّاهُمْ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ آدَمُ وَلَا المَلَائِكَةُ أَسْمَاءَ المَخْلُوقِينَ، حَتَّى عَلَّمَهُمُ اللهُ مِنْ عِنْده، وَكَانَ بَدْءُ عِلْمِهَا مِنْهُ فَقَالَ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣]. وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا وَحَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ».
(١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
«للهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعين اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِد، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ؛ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَهُوَ وِتْرٌ، يُحِبُّ الوِتْرَ» (٢).
_________________
(١) صحيح، رجاله ثقات، والحديث أخرجه أبو داود (١٦٩٤)، والترمذي (١٩٠٧)، وأحمد (١٦٨٦)، والحميدي (٦٥)، وأبو يعلى (٨٤٠)، وغيرهم، جميعا من طريق سفيان بن عيينة، به.
(٢) أخرجه البخاري (٦٤١٠) عن علي بن المديني، به، ومسلم (٢٦٧٧)، من طريقين عن أبي هريرة، به.
[ ٥٥ ]
(١٥) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا الوَلِيدُ بن مُسلم، ثَنَا خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَج، عَن قَتَادَة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: «لِلهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أحصاها كُلَّهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (١).
قَالَ هِشَامٌ: وَحَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: كُلُّهَا فِي القُرْآن: «هُوَ الله الذي لَا إِلَه إلا هُوَ الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، المَلِكُ القُدُّوسُ، السَّلَامُ، المُؤْمِنُ، المُهَيْمِنُ، العَزِيزُ، الجَبَّارُ، المُتَكَبِّرُ، الخَالِقُ، البَارِئُ، المُصَوِّرُ، الغَفَّارُ، القَهَّارُ، الوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الفَتَّاحُ، العَلِيمُ، القَابِضُ، البَاسِطُ، الخَافِضُ، الرَّافِعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، اللَّطِيفُ، الخَبِيرُ، الحَلِيمُ، العَظِيمُ، الغَفُورُ، الشَّكُورُ، العَلِيُّ، الكَبِيرُ، الحَفِيظُ، الحَسِيبُ، الجَلِيلُ، الكَرِيمُ، المُحْصِي، الرَّقِيبُ، المُجِيبُ، الوَاسِعُ، الحَكِيمُ، الوَدُودُ، المَجِيدُ، البَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الحَقُّ، الوَكِيلُ، القَوِيُّ، المَتِينُ، الوَلِيُّ، الحَمِيدُ، المُبْدِئُ، المُعِيدُ، المُحْيِي، المُمِيتُ، الحَيُّ، القَيُّومُ، المَاجِدُ، الوَاجدُ، الأَحَدُ، الصَّمَدُ، القَادِرُ،
_________________
(١) صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف؛ فيه الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي وهو مع إمامته كان يدلس تدليس التسوية، وقد ذكره الحافظ في المرتبة الرابعة من طبقات المدلسين، ومثل الوليد نحتاج منه أن يصرح بالسماع في جميع طبقات الإسناد ولم يفعل هنا، ثم شيخه خليد بن دعلج؛ ضعفه أحمد ويحيى، وقال الدارقطني متروك، ثم شيخه قتادة وهو ابن دعامة السدوسي مدلس أيضا ولم يصرح بالسماع. قلت: لكن صح الحديث -والحمد لله- من طريق ابن سيرين، فقد أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٧٧) من طريق أيوب السختياني، عن ابن سيرين، والطبري في التفسير (١٠/ ٥٩٦)، بإسناد صحيح من طريق هشام ابن حسان، عنه، به، وابن أبي حاتم في التفسير (٥/ ١٦٢٢)، بإسناد صحيح من طريق ابن عون، عنه، به. وقد تابع ابن سيرين في روايته عن أبي هريرة، الأعرج عبد الرحمن بن هرمز؛ كما أخرجه البخاري (٢٧٣٦)، وأبو رافع نفيع الصائغ المدني؛ كما عند الترمذي (٣٥٠٦)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -».
[ ٥٦ ]
المُقْتَدِرُ، المُقَدِّمُ، المُؤَخِّرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظَّاهِرُ، البَاطِنُ، الوَالِي، المُتَعَالِي، البَرُّ، التَّوَّابُ، المُنْتَقِمُ، العَفوُّ، الرَّؤُوفُ، مَالِكُ المُلْكِ، ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، المُقْسِطُ، الجَامِعُ، المُعْطِي، المَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الهَادِي، البَدِيعُ، الغَنِيُّ، البَاقِي، الوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ» (١).
_________________
(١) قد رجح المصنف -﵀- هنا أن إحصاء الأسماء موقوف على الوليد بن مسلم، ولم يروه مرفوعا كما هو ظاهر من صنيعه، وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث من جهة ذكر الأسماء فيه، هل هي مرفوعة إلى النبي - ﷺ -، أو هي مدرجة من كلام الوليد، والراجح الثاني والله تعالى أعلم. قال الحافظ في فتح الباري (١١/ ٢١٥): «واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة فمشى كثير منهم على الأول واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم لأن كثيرا من هذه الأسماء كذلك وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه ونقله عبد العزيز النخشبي عن كثير من العلماء». قلت: وقد أخرج الحديث مرفوعا الترمذي (٢٥٠٧)، وابن حبان (٨٠٨)، والحاكم (١/ ٦٢)، والبيهقي في السنن (١٠٤٨)، وفي الشعب (١٠١)، وابن منده في التوحيد (٣٦١)، وغيرهم، من طرق عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رفعه. وصفوان بن صالح يدلس تدليس التسوية كما نقل الحافظ عن أبي زرعة الدمشقي، ولم يصرح بالسماع في جميع طبقات الإسناد، فهذا إسناد ضعيف، ثم هو أيضا معلول بعدم إخراج الأئمة له، وقد أخرجوه من حديث أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب، به دون سرد الأسماء. وللحديث طريق أخرى عن أبي هريرة، أخرجه ابن ماجه (٣٨٦١).قلت: لكن إسنادها منكر فهو من رواية عبد الملك بن محمد الصنعاني الدمشقي، عن زهير العنبري، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعا. وعبد الملك لينه الحافظ، قلت: ثم هو دمشقي ورواية الشاميين عن زهير بن محمد العنبري فيها نكارة كما ذكر أبو حاتم الرازي وغيره. فجملة القول: أنه ليس هناك حديث صحيح ثابت في رفع سرد الأسماء إلى النبي - ﷺ -، والراجح أنها مدرجة من بعض الرواة. وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥١٦): «وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّ = = سَرْدَ الْأَسْمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُدْرَجٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ، أَيْ: أنهم جمعوها من القرآن كما ورد عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَأَبِي زَيْدٍ اللُّغَوِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». قلت: ولعل المصنف -﵀- عدل عن رواية المرفوع لترجيحه الإدراج، والله أعلم.
[ ٥٧ ]
فَهَذِهِ كُلُّهَا، أَسْمَاءُ اللهِ، لَمْ تَزَلْ لَهُ كَمَا لم يَزَلْ، بِأَيِّهَا دَعْوَتَ فَإِنَّمَا تَدْعُو اللهَ نَفْسَهُ.
وَفِي أَسْمَاءِ اللهِ حُجَجٌ وَآثَارٌ أكثر مِمَّا ذَكَرْنَا، تَرَكْنَاهَا؛ مَخَافَة التطَّوِيل، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ [٥/و] بَيَانٌ بَيِّنٌ، وَدِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِلحَادِ هَؤُلَاءِ المُلْحِدِينَ فِي أَسْمَائِهِ، المُبْتَدِعِينَ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، قَاتَلَهُمُ اللهُ! أَنَّى يَخْرُصُونَ، وَعَزَّ رَبُّنَا وَجَلَّ عَمَّا غَمَصُوهُ، وَتَبَارَكَ وَتَعَالَى عَمَّا تَنَقَّصُوهُ، وَهُوَ المُنْتَقِمُ مِنْهُمْ فِيمَا افْتَرَضُوهُ.
وَأَيُّ تَأْوِيلٍ أَوْحَشَ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ أَنَّ الله كَانَ وَلَا اسْمَ لَهُ؟!
مَا مُدَّعِي هَذَا بِمُؤْمِنٍ، وَلَنْ يَدْخُلَ الإِيمَانُ قَلْبَ رَجُلٍ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ إِلَهًا وَاحِدًا، بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ، وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ، لَمْ يَحْدُثْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، كَمَا لَمْ تَزَلْ وَحْدَانِيَّتُهُ ﵎.
* * *
[ ٥٨ ]