وادَّعَى المُعَارِضُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَوْلَهُ: إِنَّ الأَثَرَ مَا رُوي عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَنْ أَصْحَابِهِ - ﵃ - أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَنْشَأَ طاعنًا على الآثَار.
وروى عَنْ أَبِي يُوسُفَ الآثَارَ تَصُدُّ النَّاسَ عَنْ طَلَبِهَا وَتُزَهِّدُهُمْ فِيهَا، بِتَأْوِيلِ ضَلَالٍ يُرَى مَنْ بَيْنِ ظَهْرَيْهِ أَنَّهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ ذَلِكَ مُصِيبٌ.
فَكَانَ مِمَّا تَأَوَّلَ فِي رَدِّهَا أَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «سَيَفْشُو الحَدِيثُ عَنِّي، فَمَا وَافَقَ مِنْهَا القُرْآنَ فَهُوَ [٤١/ظ] عَنِّي، وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عني».
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَقَدْ تَأَوَّلْتَ حَدِيثَ رَسُولِ الله - ﷺ - عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «سَيَفْشُو الحَدِيثُ عَنِّي» عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَتَدَاوَلُهُ الحُفَّاظُ مِنَ النَّاسِ وَالصَّادِقُ، وَالكَاذِبُ، وَالمُتْقِنُ، وَالمُغَفَّلُ، وَصَدَقَ رَسُولُ الله - ﷺ -. قَدْ تَبَيَّنَ مَا قَالَ فِي الرِّوَايَاتِ، وَلِذَلِكَ يَنْتَقِدُهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِهَا، فَيَسْتَعْمِلُونَ فِيهَا رِوَايَةَ الحُفَّاظِ المُتْقِنِينَ، وَيَدْفَعُونَ رِوَايَةَ الغُفَلَاءِ النَّاسِينَ، وَيُزِيِّفُونَ مِنْهَا مَا رَوَى الكذَّابون، وَلَيْسَ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ الِاخْتِيَارُ مِنْهَا، وَلَا كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِضَهَا عَلَى القُرْآنِ، فَيَعْرِفَ مَا وَافَقَهُ مِنْهَا مِمَّا خَالَفَهُ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الفُقَهَاءِ، العُلَمَاءِ الجَهَابِذَةِ النُّقَّادِ لَهَا، العَارِفِينَ بِطُرُقِهَا وَمَخَارِجِهَا، خِلَافَ المَرِيسِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ وَالثَّلْجِيِّ، وَنُظَرَائِهِمُ المُنْسَلِخِينَ مِنْهَا، وَمِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَمِمَّا يُصَدِّقُهَا مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى.
فَقَدْ أَخَذْنَا بِمَا قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَلَمْ نَقْبَلْ مِنْهَا إِلَّا مَا رَوَى الفُقَهَاءُ
[ ٢٣٠ ]
الحفَّاظ المُتْقِنُونَ، مِثْلُ: مَعْمَرٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَزَائِدَةَ، وَشَرِيكٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَنُظَرَائِهِمُ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِرِوَايَتِهَا وَمَعْرِفَتِهَا وَالتَّفَقُّهِ فِيهَا خِلَافَ تَفَقُّهِ المَرِيسِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، فَما تَدَاوَلَ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ وَنُظَرَاؤُهُمْ عَلَى القَبُولِ قَبِلْنَاه، وَمَا رَدُّوهُ رَدَدْنَاهُ، وَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ تَرَكْنَاهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ وَمَعَانِيهِ، وَأَبْصَرَ بِمَا وَافَقَهُ مِنْهَا مِمَّا خَالَفَهُ مِنَ المَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَاعْتَمَدْنَا عَلَى رِوَايَاتِهِمْ، وَقَبِلْنَا مَا قَبِلُوا، وَزَيَّفْنَا مِنْهَا مَا رَوَى الجَاهِلُونَ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا المُعَارِضِ، مِثْلِ المَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ، فَأَخَذْنَا نَحْنُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَدِيثِكَ الَّذِي رَوَيْتَهُ عَنه، وَتَرَكْتَهُ أَنْتَ لِأَنَّكَ احْتَجَجْتَ فِي رَدِّ مَا رَوَى هَؤُلَاءِ الأَعْلَامُ المَشْهُورُونَ، العَالِمُونَ مَا وَافَقَ مِنْهَا كِتَابَ الله مِمَّا خَالَفَهُ، بِأَقَاوِيلِ هَؤُلَاءِ الجَهَلَةِ المَغْمُورِينَ وَالشَّاهِدُ عَلَيْكَ بِمَا أَقُولُ كِتَابُكَ هَذَا الَّذِي ألَّفْتَه عَلَى نَفْسِكَ، لَا عَلَى غَيْرك.
وَاحْتَجَجْتَ أَيْضًا فِي رَدِّ آثَارِ رَسُولِ الله - ﷺ - الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا رَأْسُ الآثَارِ وَألزَمُهَا للنَّاس بكذب ادَّعَيْتَهُ، زَعَمْتَ أَنَّهُ صَحَّ عِنْدَكَ أَنَّهُ لَمْ تُكْتَبِ الآثَارُ، وَأَحَادِيثُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ - ﵁ -، فَكَثُرَتِ الأَحَادِيثُ وَكَثُرَ الطَّعْنُ عَلَى مَنْ رَوَاهَا.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: دَعْوَاكَ هَذِهِ كَذِبٌ، لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الصِّدْقِ، فَمِنْ أَيْنَ صَحَّ عِنْدَكَ أَنَّ الأَحَادِيثَ لم تَكُنْ تُكْتَب عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ؟ وَمَنْ أَنْبَأَكَ بِهَذَا؟ فَهَلُمَّ إِسْنَادَهُ، وَإِلَّا فَإِنَّكَ مِنَ المُسْرِفِينَ عَلَى نَفْسِكَ، القَائِلِينَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ، فَقَدْ صحَّ عِنْدَنَا أَنَّهَا كُتِبَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَالخُلَفَاء بَعْدَهُ.
كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -[٤٢/و] مِنْهَا صحيفَة، وَهُوَ أَحَدُ الخُلَفَاء مِنْ
[ ٢٣١ ]
رَسُولِ اللهِ فَقَرَنَهَا بِسَيْفِهِ، فِيهَا أَمْرُ الجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الإِبِلِ، وَفِيهَا «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَو آوى مُحدثا فعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَإِذَا فِيهَا «المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» وَإِذَا فِيهَا «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ».
رَوَاهُ الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَن عَليٍّ (١).
فَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَدْ جِئْنَاكَ بِهِ فِي خِلَافِ دَعْوَاكَ، فَعَمَّنْ رَوَيْتَ الحَدِيثَ الَّذِي ادَّعَيْتَ أَنَّهُ صَحَّ عِنْدَكَ؟ فَأَظْهِرْهُ حَتَّى نَعْرِفَهُ كَمَا عَرَفْنَا هَذَا.
(١٥٠) حَدَّثَنَا الحِمَّانِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَة، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْريِّ، عَن مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّة قَالَ: جَاءَتْ سُعَاةُ عُثْمَانَ إِلَى عَلِيٍّ يَشْكُونَهُ، فَقَالَ لِي: «خُذْ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ، فَإِنَّ فِيهَا سُنَنَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَاذْهَبْ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، وَأَتَيْتُ بِهَا عَلِيًّا وَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ضَعْهَا مَكَانَهَا» (٢).
فَهَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - وَهُوَ أَحَدُ الخُلَفَاءِ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَتَبَ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ - ﵁ - قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ.
فَمِنْ أَيْنَ صَحَّ عِنْدَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَب الحَدِيثُ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ، وأَسْنِدْهُ كَمَا أَسْنَدْنَا لَكَ، وَإِلَّا فَلِمَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٧٠، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠)، من طريق الأعمش، به.
(٢) أخرجه البخاري (٣١١١)، وعبد الرزاق في المصنف (٦٧٩٥)، وعنه أحمد (١١٩٦)، من طريق سفبان، به.
[ ٢٣٢ ]
تَدَّعِي مَا لَا تَعْقِلُهُ، وَلَا تَفْهَمُه؟ فَيَسْمَعُ بِهِ مِنْكَ سَامِعٌ مِنِ الجُهَّالِ يَحْسَبُ أَنَّكَ مُصِيبٌ فِي دَعْوَاكَ، وَأَنْتَ فِيهَا مُبْطِلٌ وَإِنَّمَا قَالَ عُثْمَانُ: «لَا حَاجَةَ لَنَا فِي الصَّحِيفَةِ» عَلَى مَعْنَى أَنَّا نُحْسِنُهَا وَنَعْرِفُ مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيفَةِ.
ثُمَّ كَتَبَ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، فَأكْثَرَ، واسْتَأْذَنَهُ فِي الكِتَابِ عَنهُ فَأَذِنَ لَهُ.
(١٥١) حَدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سمعتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - يَقُولُ: «مَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَأَنَا كُنْتُ لَا أَكْتُبُ» (١).
(١٥٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة - ﵁ - يَقُولُ: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - أَحْفَظَ لِحَدِيثِهِ إِلَّا عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كان يَكْتُبُ، وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْ يَكْتُبَ، فَكَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ، وَيَعِي بِقَلْبِهِ، وَكُنْتُ أَنَا أَعِي بِقَلْبِي» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٣)، عن ابن المديني، به. وأخرجه الدارمي أبو محمد (٥٠٠)، من طريق سفيان، به.
(٢) صحيح رجاله ثقات سوى عبد الرحمن بن سلمان، قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس وأخرجه من طريقه أيضا العقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٣٣)، في ترجمته، والخطيب في تقييد العلم (٨٣). قلت وللحديث طريق آخر أخرجه أحمد (٩٢٣١)، والطحاوي في معاني الآثار (٤/ ٣٥٥)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص ٣٦٩)، من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن مجاهد، عن مغيرة بن حكيم، به.
[ ٢٣٣ ]
وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - ﵁ - كِتَابَ الصَّدَقَاتِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
(١٥٣) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: أَخَذْتُ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَنَسٍ كِتَابًا، زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ لِأَنَسٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ رَسُولِ الله - ﷺ -، حِينَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، وَكَتَبَ لَهُ: «بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا فَرِيضَةُ [٤٢/ظ] الصَّدَقَةِ» وَسَاقَ أَبُو سَلمَة الحَدِيث بطوله (١).
(١٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الصَّدَقَاتِ نُسْخَةَ كِتَابِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - ﵁ -، أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا وَسَاقَهُ أَبُو صَالِحٍ بِطُولِهِ (٢).
(١٥٥) حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ بِكِتَابٍ، فِيهِ الفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ، والديَّات، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (٣).
(١٥٦) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الله ابْن أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: فِي
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٦٧)، عن موسى بن إسماعيل، به. والحديث رواه البخاري (١٤٥٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٧٠)، من طريق ابن المبارك، عن يونس -هو ابن يزيد الأيلي-، به.
(٣) ضعيف، أخرجه النسائي (٨/ ٥٧)، وأبو داود في المراسيل (ص ٢١٣)، من طريق الحكم بن موسى، به. قال أبو داود كلاما مفاده أن هذه الرواية خطأ، وهم فيها الحكم بن موسى فقال سليمان بن داود-يعني الخولاني- والصواب سليمان بن أرقم، والأخير هذا متروك، وإلى مثل هذا أشار النسائي في سننه.
[ ٢٣٤ ]
خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ وسَاق نعيم الحَدِيثَ بِطُولِهِ (١).
فَهَذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَالخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ - ﵃ -، قَدْ صَحَّ أَنَّهُ كُتِبَت الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ فِي عَصْرِهِمْ وَزَمَانِهِمْ، قَدْ أَسْنَدْنَا لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ إِلَيْهِمْ، فَمِنْ أَيْنَ صَحَّ عِنْدَكَ مَا ادَّعَيْتَ: أَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ؛ فَكَثُرَتِ الأَحَادِيثُ بَعْدَهُ وَكَثُرَ الطَّعْنُ عَلَى رُوَاتِهَا، وَمَنْ طَعَنَ عَلَى الثِّقَاتِ مِنْ رُوَاةِ الأَحَادِيثِ عِنْدَ مَقْتَلِ عُثْمَان؟!
وَأَمَّا أَهْلُ الظِّنَّة، وَالغَفْلَةِ فِيهَا فَلَمْ يَزَالُوا مَطْعُونين عَلَيْهِمْ، لَيْسَ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَنُظَرَائُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ أَنَّهُمْ المَطْعُونُونَ عَلَيْهِم فِيهَا.
حَتَّى ادَّعَيْتَ فِي ذَلِكَ كَذِبًا عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: «أَكْذَبُ
_________________
(١) إسناده صحيح، أخرجه عبد الرزاق (٦٧٩٣)، ومن طريقه ابن خزيمة (٢٢٦٩)، عن معمر، به. وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٣٩٥)، عن سفيان بن عبد الملك، وعلي بن الحسن، كلاهما عن ابن المبارك، به. وأخرجه مالك في الموطأ في كتاب العقول، باب ذكر العقول (١)، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه. ولم يذكر جده. قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٣٣٨): «لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد وقد روي مسندا من وجه صالح وهو كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتهاعن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة وقد روى معمر هذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وذكر ما ذكره مالك سواء في الديات وزاد في إسناده عن جده وروي هذا الحديث أيضا عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده بكماله وكتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وبالله التوفيق».
[ ٢٣٥ ]
المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ». وَهَذَا مَكْذُوبٌ عَلَى عُمَرَ.
فَإِنْ تَكُ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ؛ فَاكْشِفْ عَنْ رَأْسِ مَنْ رَوَاهُ، فَإِنَّكَ لَا تَكْشِفُ عَنْ ثِقَةٍ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَرْمِيَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - بِالكَذِبِ عَنْ غَيْر صِحَةٍ ولا ثَبْتٍ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «لَا تسبُّوا أَصْحَابِي» (١) و«أحفظوني فِي أَصْحَابِي» (٢) و«اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي» (٣) و«مَنْ سبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ» (٤).
فَأَيُّ سَبٍّ لِصَاحِبِ رَسُولِ الله - ﷺ - أَعْظَمُ مِنْ تَكْذِيبِهِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -؟! وَإِنَّهُ لَمِنْ أَصْدَقِ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَحْفَظِهِمْ عَنْهُ وَأَرْوَاهُمْ لِنَوَاسِخِ أَحَادِيثِهِ، وَالأَحْدَثِ فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِهِ: لِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوٍ من ثَلَاثِ سِنِينَ، بَعْدَمَا أَحْكَمَ الله لِرَسُولِهِ - ﷺ - أَكْثَرَ أَمْرِ الحُدُودِ وَالفَرَائِضِ وَالأَحْكَامِ.
وَكَيْفَ يَتَّهِمُهُ عُمَرُ بِالكَذِبِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الأَعْمَالِ النَّفِيسَةِ، وَيُوَلِّيهِ الوِلَايَاتِ؟ وَلَوْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ كَمَا ادَّعى المُعَارِضُ؛ لَمْ يَكُنْ بِالَّذِي يَأْتَمِنُهُ عَلَى أُمُورِ المُسْلِمِينَ، وَيُوَلِّيهِ أَعْمَالَهُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حَتَّى دَعَاهُ
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أخرجه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣٦٣)، والنسائي في الكبرى (٩١٨٢)، والحاكم (١/ ١٩٩) وابن بطة في الإبانة (١١٦)، وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.وإسناده صحيح.
(٣) رواه الترمذي (٣٨٦٢)، وغيره بإسناد ضعيف، وينظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للعلامة الألباني (٢٩٠١).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٩٥٩)، وابن الجعد (٢٠١٠)، وأحمد في فضائل الصحابة (١٠)، وغيرهم من حديث عطاء بن أبي رباح، مرسل، وإسناده صحيح. وقد روي موصولا بإسناد ضعيف.
[ ٢٣٦ ]
آخِر ذَلِكَ إِلَى العَمَلِ فَأبى عَلَيْهِ.
(١٥٧) حَدَّثَنَاه مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي [٤٣/و] هِلَالٍ الرَّاسِبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ عُمَرَ - ﵁ - (١).
ثُمَّ عَرَفَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِكَثْرَةِ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَثَبَّتُوهُ فِي ذَلِكَ، مِنْهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله، وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمَا.
وَرَوَى عَنهُ غير وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ آثَارًا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، مِنْهُمْ عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاس، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵄ -.
وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ عِدَادِ الكذَّابين -كَمَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِ- لَمْ يَكُونُوا يَسْتَحِلُّونَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ.
ثُمَّ قَدْ رَوَى عَنْهُ مِنْ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَبَصْرَةَ وَالكُوفَةِ وَالشَّامِ وَاليَمَنِ، عَدَدٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُرْوَةُ بن الزبير، وَعُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بن عتبَة، وَعَطَاء، وَطَاوُوسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلَانِيُّ مِنْ أَهْلِ الشَّام، وَمن لَا يُحصَونَ مِنْ هَذِهِ الكُورِ.
وَقَدْ رَوَوُا الكَثِيرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاحْتَجُّوا بِهِ، وَاسْتَعْمَلُوا رِوَايَتَهُ، وَلَوْ عَرَفُوا مِنْهُ مَا ادَّعَى المُعَارِضُ؛ مَا حَدَّثُوا المُسْلِمِينَ عَنْ أَكْذَبِ المُحَدِّثِينَ.
_________________
(١) صحيح، أخرجه عبد الرزاق (٢٠٦٥٩ - جامع معمر)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٨٠)، من طريق أيوب السختياني، وأبو عبيد في الأموال (٦٦٧)، من طريق ابن عون، والحاكم (٢/ ٣٧٨) من طريق هشام بن حسان، ثلاثتهم، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، بقصته مع عمر حين أبى عليه أبو هريرة أن يستعمله، - ﵄ -.
[ ٢٣٧ ]
فَاتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُعَارِضُ، وَاسْتَغْفِرْهُ مِمَّا ادَّعَيْتَ عَلَى صَاحِبِ رَسُولِ الله - ﷺ - المَعْرُوفِ بِخَلَافِ مَا رَمَيْتَهُ، وَلَو كَانَ لَكَ سُلْطَانٌ صَارِمٌ يَغْضَبُ لِأَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ -؛ لَأَوْجَعَ بَطْنَكَ وَظَهْرَكَ، وأثَّر فِي شَعْرِكَ وبَشَرِكَ، حَتَّى لَا تَعُودَ تَسُبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ الله - ﷺ -، ولا تَرْمِيهِم بِالكَذِبِ مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ.
(١٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو الأَصْبَغِ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الحَرَّانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلمَة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله - ﵁ - قَالَ: «وَالله مَا أَشُكُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - مَا لَمْ نَسْمَعْ؛ كُنَّا نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا عَنَاءٌ وَبُيُوتَاتٌ، وَكُنَّا إِنَّمَا نَأْتِي رسَوُلَ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَكَانَ مِسْكِينًا لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ، وَإِنَّمَا يَدُهُ مَعَ يد رَسُولِ الله - ﷺ -، يَأْكُلُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ، فَوَالله مَا نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَلَا نَجِدُ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - مَا لَمْ يَقُل» (١).
(١٥٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ العُمَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَة قال: «وَالله إِنَّا لَنِعْرِفُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَجْبُنُ وَيَجْتَرِئُ» (٢).
_________________
(١) حسن، أخرجه الترمذي (٣٨٣٧)، من طريق محمد بن سلمة، وأبو يعلى (٦٣٦)، والحاكم (٣/ ٥٨٥)، من طريق جرير بن حازم، كلاهما عن محمد بن إسحاق، به. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق، وقد رواه يونس بن بكير، وغيره عن محمد بن إسحاق». قلت: ورجاله ثقات خلا محمد بن إسحاق، وحديثه حسن إن شاء لله، وقد أمنا تدليسه، بتصريحه بالتحديث كما في رواية الحاكم.
(٢) إسناده صحيح، وقد أخرج نحوه أبو داود (١٢٦١)، وابن خزيمة (١١٢٠)، والحاكم (٣/ ٥٨٣)، وغيرهما في قصة.
[ ٢٣٨ ]
(١٦٠) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُحَدِّثُ فَقَالَ: «لَمْ يكن يَشْغَلنِي عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - غَرْسُ الوَدِيِّ، وَلَا سَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، إِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَكلَة يُطْعِمُنِيهَا أو كَلِمَةً يُعَلِّمُنِيهَا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْتَ ألزَمَنَا لِرَسُولِ الله - ﷺ -، وَأَعْلَمنَا بحَديثه» (١).
(١٦١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، [٤٣/ظ] عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَر المُزَكِّي، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْروٍ، عَن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ على الحَدِيث، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قِبَل نَفْسِهِ» (٢).
أَفَلَا يُراقِبُ امْرُؤٌ رَبَّهُ، فَيَكُفَّ لِسَانَهُ وَلَا يُكَذِّبَ رَجُلًا أَحْفَظَ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَيَرْمِيَهُ بَالكَذِبِ عنْ غَيْرِ ثَبْتٍ وَلَا صِحَّةٍ، وَكَيْفَ يَصِحُّ عِنْدَ هَذَا المُعَارِضِ كَذِبُهُ، وَقَدْ ثَبَّتَهُ مِثْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، وَعَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ؟، لَو عَضَّ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى حَجَرٍ، أَوْ عَلَى جَمْرَةٍ حَتَّى تحْرِقَ لِسَانَهُ، كَانَ خَيْرًا لَهُ مِمَّا تَأَوَّلَ عَلَى صَاحِبِ رَسُولِ الله - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح، أخرجه الترمذي (٣٨٣٦) وحسنه، وعبد الرزاق (٦٢٧٠)، وأحمد (٤٤٥٣)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص ٥٥٧)، من طريق هشيم، به. وأخرجه الطيالسي (٢٧٠٤)، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به. وأصل الحديث الذي دارت حوله القصة-حديث من صلى على جنازة فله قيراط- في الصحيحين.
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٧٠)، وأحمد (٨٨٥٨)،وغيرهم من طريق إسماعيل بن جعفر، به. وأخرجه البخاري في (٩٩)، من طريق عمرو بن أبي عمرو، به. وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة.
[ ٢٣٩ ]
وادَّعى المُعَارِضُ أيضًا أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصَّلْتِ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَيْتٌ يُسَمَّى بَيْتُ الحِكْمَةِ، فَمَنْ وَجَدَ حَدِيثًا ألقَاهُ فِيهِ ثُمَّ رُويَت بَعْدَهُ.
فَهَذِهِ حِكَايَةٌ لَمْ نَعْرِفْهَا وَلَمْ نَجِدْهَا فِي الرِّوَايَاتِ، فَلَا تَدْرِي عَمَّنْ رَوَاهَا أَبُو الصَّلْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ عَنْ ثِقَةٍ، فَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ مَعْرُوفًا بِقِلَّةِ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، ولو شاء لَأَكْثَرَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَّقِي ذَلِكَ وَيَتَقَدَّمُ إِلَى النَّاسِ يَنْهَاهُمْ عَنِ الإِكْثَارِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - حَتَّى إِن كَانَ لَيَقُولُ:
«اتَّقُوا مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، إِلَّا مَا كَانَ يُذْكَرُ مِنْهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ - ﵁ - كَانَ يُخوِّف النَّاسَ فِي اللهِ».
(١٦٢) حَدَّثَنَا ابْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ وَسَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ (١).
وَهَذَا طَعْنٌ كَثِيرٌ مِنَ المُعَارِضِ أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ أَحَادِيثَ النَّاسِ عَنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَيَجْعَلُهَا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَوِ استحلَّ مُعَاوِيَةُ هَذَا المَذْهَبَ؛ لَافْتَعَلَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَنَحَلَهَا رَسُولَ الله - ﷺ -، فَكَانَ يُقْبَلُ مِنْهُ، لِمَا أَنَّهُ عُرِفَ بِصُحْبَةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَمْ يَكُنْ يُنْحِلُهُ قَوْلَ غَيره مِنْ عَوَامِّ النَّاس.
ويَدُلُّك قِلَّةُ رِوَايَة مُعَاويةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وكَانَ كَاتِبُهُ- عَلَى تَكْذِيبِ مَا رَوَيْتَ عَنْ أبي الصَّلْت.
فَإنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَاكْشِفْ عَنْ إِسْنَادِهِ فَإِنَّكَ لا تُسْنِدُهُ إِلَى ثِقَةٍ.
وَكَذَلِكَ ادَّعَيْتَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاص، وكَانَ مِنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ - رِوَايةً عَنْهُ، مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَصَابَ يَوْمَ اليَرْمُوكِ زَامِلَتَيْنِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الكِتَابِ فَكَانَ يَرْوِيهَا لِلنَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وكَانَ يُقال لَهُ: أَلا
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠٣٧)، وأحمد (١٦٩١٠)، وغيرهما من حديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: سمعت معاوية، فذكره.
[ ٢٤٠ ]
تَحَدِّثُنَا عَن الزَّامِلَتَيْنِ.
وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! إِنْ كَانَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو أَصَابَ الزَّامِلَتَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الكِتَابِ يَوْمَ اليَرْمُوكِ، فَقَدْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ أَمِينًا عِنْدَ الأُمَّةِ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ - أن لَا يَجْعَلَ مَا وَجَدَ فِي الزَّامِلَتَيْنِ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَكِنْ كَانَ يَحْكِي عَنِ الزَّامِلَتَيْنِ مَا وَجَدَ فِيهِمَا، وَعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا سَمِعَ مِنْهُ، لَا يُحِيلُ ذَاكَ عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا عَلَى ذَاكَ، كَمَا [٤٤/و] تأوَّلتَ عَلَيْهِ بِجَهْلِكَ، وَاللهُ سَائِلُكَ عَنْهُ.
فَأَقْصِرْ أَيُّهَا الرَّجُلُ مِنْ طَعْنِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي الرِّوَايَاتِ فَإِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عِنْدَ الأُمَّةِ فِي مَوْضِعِ الجَرْحِ كَمَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ -وَلَيْسُوا كَذَلِكَ-؛ مَا كَانَتْ لَكَ حُجَّةٌ عَلَى أَلْفٍ سِوَاهُمْ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مِمَّنْ لَا تَجِدُ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا يَغِيظُكَ.
وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ الفُقَهَاءِ أَنَّ شَهَادَاتِ العُدُولِ إِذَا شَهِدَ مَعَهُمْ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ لَا يَسْقُطُ.
وَلَا يُجْعَلُ مَثَلُ السَّوْءِ بِأَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَكُلُّهُمْ بِحَمْدِ الله عُدُولٌ، يُؤْتَمَنُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَالمَجْرُوحُ مَنْ جَرَحَهُمْ، وَلَا يُزَيَّفُ مِائَةُ أَلْف حَدِيثٍ مَشْهُورَةً مَحْفُوظَةً مَأْثُورَةً عَنِ الثِّقَاتِ إِذْ وُجِدَ فِيهَا مِائَةُ حَدِيثٍ مُنْكَرَةً، وَلا يُجْرَحُ أَلْفُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الإِتْقَانِ وَالحِفْظِ فِي الرِّوَايَةِ، إِذْ وُجِدَ فِيهِمْ عِشْرُونَ رَجُلًا يُنْسَبُونَ إِلَى الغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ وَقِلَّةِ الإِتْقَانِ.
فَارْبَحِ العَنَاءَ فِيمَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ شِفَاءٌ، وَكَمَا لَا يُبَهْرَجُ مِائَةُ دِينَارٍ إِذَا وُجِدَ دِينَارَانِ زَائِفَانِ، وَلَا نَحْكُمُ عَلَى جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ بِالجَرْحِ إِذْ وُجِدَ فِيهِمْ مَجْرُوحَان، وَلَكِن نُزَيِّفُ الزَّائِفَ مِنْهَا وَنُرَوِّجُ المُنْتَقَدَةَ.
[ ٢٤١ ]
فَمَا تَصْنَعُ بِهَذِهِ العَمَايَاتِ وَالأُغْلُوطَاتِ الَّتِي لَا تُجْدِي عَلَيْكَ شَيْئًا؟
فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ طَلَبُ العِلْمِ وَالآثَارِ بِخُرَافَاتِكَ هَذِهِ، وَلَوْ كَانَ المَذْهَبُ فِيهِ مَا تَأَوَّلْتَ؛ لَحَرُمَ طَلَبُ العِلْمِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَكَانَ يَدُلُّ قَوْلُ رَسُولِ الله - ﷺ -: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»: أَنَّ تَرْكَهُ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: «تَضَعُ المَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًا بِمَا يطْلب»: أَنَّهَا تَضَعُهُمَا سَخَطًا بِمَا يَطْلُبُ، وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: «يَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ العِلْمِ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الحُوتُ فِي البَحْرِ»: أَنَّهَا تَلْعَنُهُ وَتَدْعُو عَلَيْهِ.
فَيَنْقَلِبُ فِي دَعْوَاكَ مَعَانِي الحَقِّ إِلَى البَاطِلِ، وَالمَعْرُوفِ إِلَى المُنْكَرِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمْ يَعْنِ بِطَلَبِ العِلْمِ عَمَايَاتِ أَصْحَابِ الكَلَامِ وَأَهْلِ المَقَايِيسِ، وَلَكِنْ عَنَى بِهِ مَا يُؤْثَرُ عَنْهُ.
أوَ لَيْسَ قَدِ ادَّعَيْتَ أَنَّ الزَّنَادِقَةَ قَدْ وَضَعُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ دَلَّسُوهَا عَلَى المُحَدِّثِينَ؟ فَدُونَكَ أَيُّهَا النَّاقِدُ البَصِيرُ الفَارِسُ النِّحْرِيرُ فَأَوْجِدْونَا مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَلِمَ تُهَجِّنُ العِلْمَ وَالدِّينَ فِي أَعْيُنِ الجُهَّالِ بِخُرَافَاتِكَ هَذِهِ؟ لِأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ دِينُ الله بَعْدَ القُرْآنِ، وَأَصْلُ كُلِّ فِقْهٍ، فَمَنْ طَعَنَ فِيهِ؛ فَإِنَّمَا يَطْعُنُ فِي دِينِ الله تَعَالَى.
أَو لم تَسْمَعْ قَوْلَ رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ جَعَلَ حَدِيثَهُ أَصْلَ الفَقْهِ؛ فَقَالَ:
«نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فرُبَّ حَامل فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ».
فَجَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَصْلَ الفَقْهِ كُلِّهِ بَعْدَ القُرْآنِ حَدِيثَهُ الَّذِي تَدْفَعُهُ أَنْتَ وَإِمَامُكَ المَرِيسِيُّ.
[ ٢٤٢ ]
(١٦٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَن ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ» (١).
فَمَا ظَنُّكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ إِذَا لَقِيتَ [٤٤/ظ] اللهَ تَعَالَى، وَقَدْ طَعَنْتَ فِي دِينِهِ، ثُمَّ لَمْ تَقْنَعْ بِجَرْحِ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي الرِّوَايَاتِ، حَتَّى تَعَرَّضْتَ فِي التَّابِعِينَ فَقُلْتَ: أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِغُلَامِهِ: «انْظُرْ أَلَّا تَكْذِبَ عَلَيَّ كَمَا كَذَبَ عِكْرِمَةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ»، تُوهِمُ مَنْ حَوَالَيْكَ مِنَ الجُهَّالِ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ هَذَا فِي مِثْلِ عِكْرِمَةَ، فَقَدْ بَطُلَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا، وَيُظَنُّ بِرُوَاتِهَا كُلِّهَا مَا ظَنَّ ابْنُ عُمَرَ بِعِكْرِمَةَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: إِنْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجَوِّزُ توَهُّمَ عَلَى عِكْرِمَةَ -فِي دَعْوَاكَ-، فَمَا لَكَ رَاحَةٌ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ مِمَّا يَغِيظُكَ مِمَّن لَا تَجِدُ السَّبِيلَ إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، مِثْلِ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ (٢) وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَنُظَرَائِهِمْ، وَالعَجَبُ مِنْكَ إِذْ تَطْعَنُ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا يُبْطِلُ دَعْوَاكَ، وَتَحْتَجُّ لِإِقَامَةِ دَعْوَاكَ بِرِوَايَةِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الخَوْلَانِيِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ الَّذِي لَا يُدْرَى منْ هُمْ، وَعَنِ الكَلْبِيِّ، عَن أبي صَالح، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الأَسَانِيدِ الَّتِي أَجْتمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى تَرْكِهَا.
_________________
(١) صحيح، أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح (١/ ١٤)، وأبو محمد الدارمي (٣٩٧)، من طؤيق هشام، به. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٠٤٧)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٧٨)، والخطيب في الجامع (١/ ١٢٩)، من طريق عبد الله بن عون. وأخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص ٤١٤)، من طريق الأوزاعي كلاهما عن ابن سيرين، به.
(٢) في الأصل «سعيد بن المسيب» وكتب فوق المسيب «جبير» وهو الصواب.
[ ٢٤٣ ]
فَكُلَّمَا وَافَقَ مِنْ ذَلِك رَأْيَكَ -وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا- صَارَ عِنْدَكَ فِي حَدِّ القَبُولِ، وَمَا خَالَفَ رَأْيَكَ مِنْهَا صَارَ مَتْرُوكًا عِنْدَكَ، وَإِنْ كَانَ عنْد الفُقَهَاء في حَدِّ القَبُولِ.
هَذَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وجَوْرٌ جَسِيمٌ.
وَادَّعَيْتَ أَيْضًا فِي دَفْعِ آثَارِ رَسُولِ الله - ﷺ - ضُحْكَةً لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَى مِثْلِهَا عَاقِلٌ مِنَ الأُمَّةِ، وَلَا جَاهِلٌ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا تَقُومُ الحُجَّةُ مِنَ الآثَارِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلا كُلَّ حَدِيثٍ لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ كَذِبٌ لَطُلِّقَت امْرَأَتُهُ (١).
ثُمَّ قُلْتَ: وَلَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِهَذِهِ اليَمِينِ عَلَى حَدِيثٍ لِرَسُولِ الله - ﷺ - صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَذِبٌ مَا طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ النَّاقِضُ عَلَى نَفْسِهِ: قَدْ أَبْطَلْتَ بِدَعْوَاكَ هَذِهِ جَمِيعَ الآثَارِ الَّتِي تُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، مَا احْتَجَجْتَ مِنْهَا لِضَلَالَتِكَ وَمَا لم تَحْتَجَّ، وَلَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يُلْتَفَتُ إِلَى تَأْوِيلِهِ، لَقَدْ سَنَنْتَ لِلنَّاسِ سُنَّةً، وَحَدَدْتَ لَهُمْ فِي الأَخْبَارِ حَدًّا لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِثْلَهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ قَبْلَكَ، وَلَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مُخْتَارٍ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي دَعْوَاكَ أَلَّا يَخْتَارَ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى يَبْدَأَ بِاليَمِينِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَيَحْلِفَ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ صِدْقٌ أَوْ كَذِبٌ البَتَّةَ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا طُلِّقَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ اسْتَعْمَلَهُ، وَإِنْ لَمْ تُطَلَّقْ تَرَكَهُ.
وَيْلَكَ! إِنَّ العُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا يَخْتَارُونَ هَذِه الآثَار وَيَسْتَعْمِلُونَهَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَصَحِّهَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَه البَتَّةَ، وَعَلَى أَضْعَفِهَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَقُلْهُ البَتَّةَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَأْلُونَ الجَهْدَ فِي الأَخْبَارِ الأَحْفَظِ منها، والأَمْثَل فَالْأَمْثَل مِنْ رُوَاتِهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَيَرَوْنَ أَنَّ
_________________
(١) في الأصل «لَمْ تُطَلَّقِ امْرَأَتُهُ». وكتب في الحاشية «صوابه طلقت امرأته».
[ ٢٤٤ ]
الأَيْمَانَ الَّتِي ألزَمْتَهُمْ فِيهَا بِطَلَاقِ نِسَائِهِمْ مَرْفُوعَةٌ عَنْهُمْ حَتَّى ابْتَدَعْتَهَا أَنْتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَكَ إِلَيْهَا مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ.
فَفِي دَعْوَاكَ يَجِبُ عَلَى القُضَاةِ وَالحُكَّامِ أَنْ لَا يَحْكُمُوا بِشَهَادَةِ العُدُولِ [٤٥/و] عِنْدَهُمْ إِلَّا بِشَيْءٍ يُمَكِّنُ القَاضِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّ الشَّاهِدَ بِهِ قَدْ صَدَقَ، أَوْ أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّهَا كَذِبٌ لَمْ تُطَلَّقِ امْرَأَتُهُ.
وَيْحَكَ! مَنْ سَبَقَكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي اتِّباع الرِّوَايَاتِ وَاخْتِيَارِ مَا يَجِبُ مِنْهَا؟ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى القَاضِي أَنْ يَفْحَصَ عَنِ الشُّهُودِ وَيَحْتَاطَ؛ فَمَنْ عُدِّلَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِ، -وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي شَهَادَتِهِ فِي عِلْمِ اللهِ بَعْدَمَا لَمْ يَطَّلِعِ القَاضِي مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ-، وتُرَد شَهَادَةُ المَجْرُوحِ -وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي شَهَادَتِهِ فِي عِلْمِ الله بَعْدَمَا لَمْ يَطَّلِعِ القَاضِي عَلَى صِدْقِهِ-، وَكَذَلِكَ المَذْهَبُ فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الآثَارِ وَقَبُولِهَا مِنْ رُوَاتِهَا، لَا مَا تَأَوَّلْتَ أَنْتَ فِيهَا مِنْ هَذِهِ السُّخْرِيَةِ بِنَفْسِكَ وَالضَّحِكِ.
وادَّعى المُعَارِضُ: أَنَّ مِنَ الأَحَاديِثِ الَّتِي تُروَى عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً مُسْتَشْنَعَةً جِدًّا، لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا، فألَّف مِنْهَا أَحَادِيثَ بَعْضُهَا مَوْضُوعَةٌ، وَبَعْضُهَا مَرْوِيَّةٌ تُرْوَى، وَتَوَقَّفَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى تَفْسِيرِهَا، يُوهِمُ مَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الأَغْمَارِ أَنَّ آثَارَ رَسُولِ الله - ﷺ - كُلَّهَا -مَا رُوِيَ مِنْهَا مِمَّا يَغِيظُ الجَهْمِيَّةَ فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ، وَالصِّفَاتِ الَّتِي رَوَاهَا العُلَمَاءُ المُتْقِنُونَ وَرَأَوْهَا حَقًّا-، سَبِيلُهَا سَبِيلُ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا، وَلَا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا بَعْدَمَا أقرَّ أَنَّهَا مُنْكَرَاتٌ مُسْتَشْنَعَةٌ، يُفَسِّرُهَا وَيَطْلُبُ لَهَا مَخَارِجَ يَدْعُو إِلَى صَوَابِ التَّأْوِيلِ فِي دَعْوَاهُ.
وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! وَمَا يَدْعُوكَ إِلَى تَفْسِيرِ أَحَادِيثَ زَعَمْتَ أَنَّهَا مُسْتَشْنَعَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا عِنْدَكَ، وَلَا يَجُوزُ التحدث بِهَا؟! فَلَوْ دَفَعْتَهَا بِعِلَلِهَا
[ ٢٤٥ ]
وَشَنَعِهَا عِنْدَكَ، كَانَ أَوْلَى بِكَ مِنْ أَنْ تَسْتَنْكِرَهَا وَتُكَذِّبَ بِهَا، ثُمَّ تُفَسِّرُهَا ثَانِيَةً كَالمُثْبِتِ لَهَا عَلَى وُجُوهٍ وَمَعَانٍ مِنَ المُحَالِ وَالضَّلَالِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَى مِثْلِهَا أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ.
فَادَّعَيْتَ أَنَّ مِنْ تِلْكَ المُنْكَرَاتِ؛ مَا رَوَى أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «خَلَقَ الله المَلَائِكَةَ مِنْ نُورِ الذِّرَاعَيْنِ وَالصَّدْرِ، قُلْتَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ شعر الذراعين، والصدر» (١).
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: إِذَا كَانَ هَذَا الحَدِيثُ عِنْدَكَ مِنَ المُنْكَرَاتِ الَّتِي تَتْرُكُ مِنْ أَجْلِهِ جُلَّ الرِّوَايَاتِ، فلِم فَسَّرْتَهُ كَأَنَّكَ تُثْبِتُهُ؟
فَقُلْتَ: تَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا مُحْتَمَلٌ عَلَى مَا يُقَالُ فِي أَسْمَاءِ النُّجُومِ الَّذِي يُسَمَّى مِنْهَا الذِّرَاعُ وَالجَبْهَةُ.
وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! اسْتَنْكَرْتَ الحَدِيثَ، وَتَفْسِيرُكَ أَنْكَرُ مِنْهُ!!
أَخَلَقَ الله المَلَائِكَةَ مِنْ نُورِ النُّجُومِ، وَشُعُورِهَا الَّتِي يُسمى الذِّرَاع وَالجَبْهَة، أَمْ لِلنُّجُومِ شُعُورٌ فَيُخْلَقُ مِنْهَا المَلَائِكَةُ؟ لَقَدْ أَغْرَبْتَ بِهَذَا التَّفْسِير عَلَى جَمِيعِ
_________________
(١) صحيح إلى عبد الله بن عمرو، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٠٨٤) من طريق أبي أسامة، وابن منده في الرد على الجهمية (٣٣)، من طريق ابن إسحاق، وفي (٣٤)، من طريق أبي خالد الأحمر، ثلاثتهم عن هشام، به. قلت: قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة عقب حديث (٤٥٨): «وعن عبد الله بن عمرو قال: خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر. قلت: فهذا كله من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها، لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق - ﷺ -». اهـ قلت: وقد يكون سمعه ابن عمرو من النبي - ﷺ -، ولو افترضنا أنه من الإسرائيليات، وكان فيه ما يُسْتَنْكَر، فهل الظن في مثل عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - أن يرويه دون أن يبين ما فيه من نكارة، وهل رواه وأذاعه إلا وهو يعلم أنه ثابت؟!
[ ٢٤٦ ]
المُفَسِّرِينَ، وَأَنْدَرْتَ، وَكِدْتَ أَنْ تَقْلِبَ العَرَبِيَّةَ ظَهْرَهَا لِبَطْنِهَا إِنْ جَازَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ المُسْتَحِيلَاتُ: أَنَّ الله خَلَقَ المَلَائِكَةَ مِنْ شُعُورِ النُّجُومِ الَّذي تُسَمِّي ذِرَاعًا.
وَاحْتَجَجْتَ فِي رَدِّ آثَارِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَكَرَاهِيَةِ طَلَبِهَا، وَالِاشْتِغَالِ بِجَمْعِهَا، بِحِكَايَةٍ حَكَيْتَهَا عَنْ سُفْيَانَ [٤٥/ظ] الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ عِدَدِ المَوْتِ».
وَبِقَوْلِ شُعْبَةَ: «إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ يَصُدُّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَعَن الصَّلَاة،
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟»، وَبِقَوْلِ ابْنِ المُبَارَكِ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي رِحْلَتِي فِي الحَدِيثِ».
فَتَوَهَّمْتَ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا طَعْنٌ فِي الآثَارِ وَكَرَاهِيَةٌ مِنْهُم لجمعها وَاسْتِعْمَالِهَا، وَقَدْ أَخْطَأْتَ الطَّرِيقَ وَغَلِطْتَ فِي التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الحِكَايَاتِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا هَذِهِ الآثَارَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا طَلَبَهُ أَفْضَلَ الأَعْمَالِ، وَلَكِنْ خَافُوا أَنْ يَكُونَ قَدْ خَالَطَ ذَلِكَ بَعْضُ الرِّيَاءِ وَالعُجْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ بِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُمْ إِذَا جَمَعُوهَا وَكَتَبُوهَا لَمْ يَقُومُوا بِالعَمَلِ بِهَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَيَصِيرُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا أَزْرَوْا فِيمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ بِأَنْفِسِهِمْ لَا بِالعِلْمِ وَالأَحَادِيثِ، كَمَا تَفْعُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ.
وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُمْ مِنْ سَيِّئِ الأَعْمَالِ -كَمَا ادَّعيت عَلَيْهِمْ- مَا صَنَّفُوهَا وَنَقَلُوهَا إِلَى الأَنَامِ، وَلَا دَعَوْهُمْ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا وَالأَخْذِ بِهَا، فَيُشْرِكُوهُمْ فِي إِثْم مَا وَقَعُوا فِيهِ، وَمَنْ يَظُنُّ ذَلِكَ بِهِمْ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُكَ بَعْدَ الَّذِي رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «حدِّثوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ» (١)، وَقَالَ: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَبَلَّغَهَا غَيْرَهُ» (٢)، وَقَوْلَهُ: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغَائِب» (٣)،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٤)، وغيره، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣٦)، وأحمد (١٣٣٥٠)، وغيرهما من حديث أنس بن مالك - ﵁ - بسند صحيح.
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٠٥)، ومسلم (١٦٧٩)، وغيرهما من حديث أبي بكرة - ﵁ -.
[ ٢٤٧ ]
وَقَوْلَهُ: «طَلْبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (١)، وَقَوْلَهُ: «مَا سَلَكَ رجلٌ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهَا عِلْمًا إِلَّا سهَّل اللهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» (٢)، وَقَوْلَهُ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ؛ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ» (٣).
وَهِيَ هَذِهِ الآثَارُ، وَهِيَ أُصُولُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ بَعْدَ القُرْآنِ، فَمَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي حضَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى طَلَبِهَا وَإِبْلَاغِهَا وَأَدَائِهَا إِلَى مَنْ يَسْمَعُهَا عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَا حكيت عَن سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَابْنِ المُبَارَكِ عَلَى خِلَافِ مَا تَأَوَّلْتَهُ.
وَيْحَكَ! إِنَّمَا قَالَ القَوْمُ هَذَا تَخَوُّفًا عَلَى أَنْفِسِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أُوتُوا مِنْهُ الكَثِيرَ فَلَمْ يُوَفَّقُوا لِاتِّبَاعِهِ كَمَا يَجِبُ، وَلَمْ يَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ العُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ؛ مِنَ السَّكِينَةِ وَالوَقَارِ وَالوَرَعِ وَالعِبَادَةِ، وَلَمْ يَتَأَدَّبُوا بِأَحْسَنِ آدَابِهِمْ.
فَقَدْ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: «طَلَبْنَا العِلْمَ فَأَصَبْنَا مِنْهُ شَيْئًا، فَطَلَبْنَا الأَدَبَ فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ مَاتُوا».
وَكَمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: «زَيَّنَ العِلْمَ حِلْمُ أَهْلِهِ».
وَكَمَا قَالَ ابْن سِيرِين: «ذهب العِلْمُ وَبَقِيَ مِنْهُ غُبَّرَاتٌ فِي أَوْعِيَةِ سُوءٍ».
وَكَانَ تَخَوُّفُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالحِكَايَاتِ الَّتِي حَكَيْتَهَا عَنْهُمْ، أنهم عَسَى أَنْ لَمْ يُرْزَقُوا هَذِهِ الآدَابَ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ العِلْمُ، حَتَّى يَخْلُصَ لِوَجْهِ الله تَعَالَى، فكَانَ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤)، وغيره بأسانيد لا تخلو من ضعف، وقال النووي أن معناه صحيح وإن كان إسناده ضعيف، وقال المزي، روي من طرق تبلغ رتبة الحسن.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٣٦٤٣)، وغيرهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥٣٥، ٢٥٣٦)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (١/ ٩٨)، وغيرهما من حديث صفوان بن عسال المرادي - ﵁ -.
[ ٢٤٨ ]
ذَلِكَ مِنْهُمْ إِعْظَامًا لِلْعِلْمِ وَإِجْلَالًا لَهُ، لَا اسْتِخْفَافًا بِهِ وَتَعْرِيضًا لِإِبْطَالِهِ، كَمَا فَعَلْتَ أَنْتَ.
(١٦٤) وَسَمِعْتُ الطَّيَالِيسِيَّ أَبَا الوَلِيدِ، أَنَّهُ سمع ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: «طَلَبْتُ هَذَا العِلْمَ يَوْمَ طَلَبْتُهُ لِغَيْرِ الله، فَأَعْقَبَنِي منه مَا تَرَوْنَ» (١).
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: يقول: لَمْ أَعْرِفْ لِنَفْسِي يَوْمَ طَلَبْتُهُ تِلْكَ النِّيَّةَ الخَالِصَةَ، فَأَعْقَبَنِي مِنْهُ أَنِّي اشْتَغَلْتُ بِتَحْدِيثِ النَّاسِ بِهِ، لَا بِالعَمَلِ بِهِ، وَالزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالعِبَادَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْال عَنْ شَيْءٍ». أَيْ: [٤٦/و] لِمَا أَنَّ الَّذِي سَألتُ عَنْهُ صَارَ عَلَيَّ حُجَّةً.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ أَيْضًا: «إِنَّا لَسْنَا بِفُقَهَاء، وَلَكنَّا رُوَاةُ الحَدِيثِ».
وَكَمَا قَالَ الحَسَنُ: «هَلْ رَأَيْتَ فقهيًا قَطُّ؟ إِنَّمَا الفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الآخِرَةِ، لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي، بِنَشْرِ حُكْمِ الله، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ حَمِدَ الله، وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ الله».
فَتَخَوَّفَ القَوْمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَدْ كَانُوا أَهْلَهُ، وَمَا زَادَهُمْ تَخَوُّفُهُمْ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ إِلَّا حُبًّا وعِظمًا، وَلِلْعِلْمِ تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا؛ إِذْ خَافُوا أَنْ لَا يَكُونُوا مِنْ صَالحِي أَوْعِيَتِهِ.
وَرَوَى المُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنِ الحَسَنِ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ فِيمَا مَضَى، وفِيمَا بَقِي مُؤمِنًا ازْدَادَ إحسانًا إِلَّا ازْدَادَ شَفَقَةً، وَلَا مَضَى مُنَافِقٌ وَلَا بَقِيَ ازْدَادَ إِسَاءَةً إِلَّا ازْدَادَ بِالله غِرَّةً».
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٧١)، من طريق أبي الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك.
[ ٢٤٩ ]
(١٦٥) حَدَّثَنَاه سَعْدَوَيْه، عَن المُبَارَكِ بنِ فَضَالَةَ، عَنِ الحَسَنِ (١).
وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِ الأَوَّلِ بِحَدِيثٍ مُسْتَنْكَرٍ تَعَجَّبَ الجُهَّالُ مِنْهُ، وَيُوهِمُهُمْ أَنَّ مَا رَوَى أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الصِّحَاحِ المَشْهُورَةِ مِمَّا يُنْقَضُ بِهَا عَلَى الجَهْمِيَّةِ فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الله تَعَالَى مُسْتَنْكَرٌ مَجْهُولٌ مَهْجُورٌ مِثْلُ هَذَا الحَدِيثِ.
فَزعم أَن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، رَوَى عَنْ أَبِي المُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ الله، مِمَّ رَبُّنَا؟ فَقَالَ: «مِنْ مَاءٍ مَرُورٍ، لَا مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ، خَلَقَ خَيْلًا فَأَجْرَاهَا، فَعَرَقَتْ فَخَلَقَ نَفسَهُ مِنْ ذَلِك العرَق» (٢).
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَوْ كَانَ لَكَ فَهْمٌ وَعَقْلٌ لَمْ تَكُنْ تُذِيعُ فِي النَّاسِ مِثْلَ هَذَا الحَدِيثِ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ عِنْد العَلمَاء، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ حَمَّادٍ إِلَّا كُلُّ مَقْرُوفٍ فِي دِينِهِ، فَيَظُنُّ بَعْضُ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْكَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا، فَيُضَلُّ بِهِ أَوْ يَضِلُّ، وَهَذَا الحَدِيثُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَلَمَةَ، وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ إِلَى المُعَارِضِ؟ وَمِمَّا يَسْتَنْكِرُ هَذَا الحَدِيثَ أَنَّهُ مُحَالُ المَعْنَى، بَلْ هُوَ كُفْرٌ لَا يَنْقَادُ وَلَا يَنْقَاسُ، فَكَيْفَ خَلَقَ الخَيْلَ الَّتِي عَرَقَتْ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ فِي دَعْوَاكَ؟.
وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! إِنَّا نُكَفِّرُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ الله مَخْلُوقٌ، فَكَيْفَ مَنْ قَالَ: نَفْسَهُ؟
لَا جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا! عَمَّا تُورِدُ عَلَى قُلُوبِ الجُهَّالِ، مِمَّا لَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَيْهِ، فَعَمَّنْ رَوَيْتَهُ؟ عَنْ حَمَّاد؟ وَمِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَسَمِّه لَنَا نَعْرِفْهُ، فَإِنَّا لَا نَعْرِفُ إِلَّا أَنَّ اللهَ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٧٩)، في آخر قصة مقتل عمر بن الخطاب - ﵁ -، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٧٦): إسناده حسن.
(٢) موضوع لعن الله من وضعه! كما قال الذهبي وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢٣١)، من طريق محمد بن شجاع الثلجي الكذاب الوضاع.
[ ٢٥٠ ]
الأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ كَانَ هَذَا العَرَقُ قَبْلَهُ، حَتَّى خَلَقَ مِنْهُ نَفسَه؟ وَهَذَا
الحَدِيثُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرِهِ؛ فَإِنَّ الشَّاهِدَ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ.
ثُمَّ لَمْ تَرْض بِمَا قُلْتَ وَرَوَيْتَ مِمَّا تُشَنِّعُهُ، حَتَّى ادَّعَيْتَ لَهُ تَفْسِيرًا عَنْ إِمَامِكَ الثَّلْجِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هَذَا الحَدِيثَ أنْ يَكُونَ الكُفَّارُ سَأَلُوا النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ الله - ﷿ - وَذَلِكَ أَنَّ كُبَرَاءَهُمْ وَأَحْبَارَهُمْ كَانُوا عِنْدَهُمْ كَالأَرْبَابِ، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الجَاهِلِ: وَيْلَكَ! يَخْلُقُ اللهُ أُولَئِكَ الأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ عَرَقِ الخَيْلِ الَّذِي أَجْرَى، وَفِي الحَدِيثِ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ لَا مِنْ أَرْضٍ ولَا مِنْ سَمَاءٍ، فَهَلْ شَكَّ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آَدَم أَنَّ اللهَ خَلَقَ [٤٦/ظ] آدَمَ مِنَ الأَرْضِ، وَذُرِّيَّتَهُ من نَسْله؟.
أَو لم يعْلَمْ -أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ- رَسُولُ الله - ﷺ - مِمَّا خَلَقَ اللهُ الأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله؟ أَو لم يَدْرِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، حَتَّى يَقُولَ: خَلَقَهُمُ اللهُ مِنْ عَرَقِ الخَيْلِ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ مِنْ أَرْضٍ وَلَا سَمَاءٍ؟ لَقَدْ ضَلَّ هَذَا الثَّلْجِيُّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَضَلَّ بِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَلَوْ فَسَّرَ هَذَا صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغِ الحِنْثَ؛ مَا زَادَ عَلَى هَذَا جَهْلًا وَاسْتِحَالَةً، هُوَ كُفْرٌ أَضَافَهُ هَذَا الثَّلْجِيُّ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -.
وَيْلَكَ! نَحْنُ نَدْفَعُ الحَدِيثَ وَنَسْتَنْكِرُهُ، وَأَنْتَ تَسْتَشْنِعُهُ، ثُمَّ تُثْبِتُهُ وَتُفَسِّرُهُ وَتَلْتَمِسُ لَهُ المَخَارِجَ، كَيْ تَصُونَهُ، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الحَدِيثُ مُنْكَرًا، فَتَفْسِيرُكَ لَهُ أَنْكَرُ.
وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا فِي دَفْعِ آثَارِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَتَقْلِيدِ رُوَاتِهَا مِنَ العُلَمَاءِ بِحِكَايَةٍ حَكَاهَا عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ المَرِيسِيِّ، كَانَ يَحْكِيهَا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ،
[ ٢٥١ ]
فَقَالَ مُعْجَبًا بِسُؤَالِهِ: سَأَلتُ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ عَن التَّقْلِيد فِي العِلْمِ، فَقَالَ: حَرَامٌ مُحَرَّمٌ لِلْعُلَمَاءِ، حَتَّى يَعْرِفَ هَذَا العَالِمُ أَصْلَهُ، وَمَعْرِفَتَهُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا التَّقْلِيدُ لِلْجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
وَافْتَخَرَ المُعَارِضُ بِسُؤَالِ بِشْرٍ عَنْ هَذَا كَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْهَا الحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْهَا جَهْمِيًّا جَاهِلًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، إِنْ أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ خَطَؤُهُ، وَإِنْ أَصَابَ لَمْ يُلْتَفَتْ لِإِصَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ المَأْبُونُ فِي دِينِ الله المُتَّهَمُ عَلَى كِتَابِ الله، الطَّاعِنُ في سُنَّةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَكَيْفَ تَسْتَفْتِي المَرِيسِيَّ، وَقَدْ رَوَيْتَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ هَمَّ بِأَخْذِهِ، وَتَنْكِيلِهِ فِي هَذِهِ الضَّلَالَاتِ، حَتَّى فَرَّ مِنْهُ إِلَى البَصْرَةِ؟
فَإِنْ يَكُنْ مَا قَالَ بِشْرٌ حَقًّا فَبُؤْسًا لَكَ ولأَصْحَابِكَ الَّذينَ قَلَّدْتُمْ دِينَكُمْ أَبَا حَنِيفَةَ، وَأَبَا يُوسُفَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ فِي أَكْثَرِ مَا تُفْتُونَ مِمَّا لَا تَقَعُونَ مِنْ أَكْثَرِهِ عَلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.
غَيْرَ أنَّا نَقُولُ: إِنَّ عَلَى العَالِمِ بِاخْتِلَافِ العُلَمَاءِ، أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَفْحَصَ عَنْ أَصْلِ المَسْأَلَةِ، حَتَّى يَعْقِلَهَا بِجَهْدِهِ مَا أَطَاقَ، فَإِذَا أَعْيَاهُ أَنْ يَعْقِلَهَا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَرَأْيُ مَنْ قَبْلَهَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ رَأْيِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: «أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنْ كُنْتُم لَابُدَّ فَاعِلِينَ، فَالأَمْوَاتَ، فَإِنَّ الحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ» (١).
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا: «مَنْ عُرِضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ، فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ الله، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ الله، فَفِي سُنَّةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ الله، فَفِيمَا
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٧٦٤)، وعنه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٦)، من طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود - ﵁ -.وإسناده صحيح.
[ ٢٥٢ ]
قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ قَبْلَهُ» (١).
فَأَبَاحَ ابْنُ مَسْعُودٍ التَّقْلِيدَ لِلْأَمْوَاتِ، وَقَضَاءِ الصَّالِحِينَ عَلَى التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ.
فمَنْ هَذَا المَرِيسِيُّ الضَّالُّ الَّذِي يَحْظُرُه عَلَى الأُمَّةِ؟ وَمن هو حَتَّى يُسْتَحَلَّ بِقَوْلِهِ شَيْءٌ أَوْ يُحَرَّمَ؟
وَقَالَ شُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ: «لَنْ نَضِلَّ مَا تَمَسَّكْنَا بِالأَثَرِ».
[٤٧/و] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «مَا الأَمْرُ إِلَّا الأَمْرُ الأَوَّلُ، لَوْ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ لم يَغْسِلُوا إِلَّا الظُفُرَ مَا جَاوَزْنَاهُ، كَفَى إِزْراءً عَلَى قَوْمٍ أَنْ تَتَخَالَفَ أَعْمَالُهُمْ».
فالِاقْتِدَاءُ بِالآثَارِ تَقْلِيدٌ! فَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ فِي دَعْوَى المَرِيسِيِّ أَنْ يَقْتَدِيَ الرَّجُلُ بِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الفُقَهَاءِ، فَمَا مَوْضِعُ الِاتِّبَاعِ الَّذِي قَالَه الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠]؟ وَمَا يَصْنَعُ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ، بَعْدَ أَنْ لَا يَسَعَ الرَّجُلُ اسْتِعْمَالَ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا مَا اسْتَنْبَطَهُ بِعَقْلِهِ فِي خِلَافِ الأَثَرِ؟
إِذًا بَطَلَتِ الآثَارُ وَذَهَبَتِ الأَخْبَارُ، وَحُرِّمَ طَلَبُ العِلْمِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَزِمَ النَّاسُ المَعْقُولَ، مِنْ كُفْرِ المَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالمُسْتَحِيلَاتِ مِنْ تَفَاسِيرِهِم، فَقَدْ عرضنَا كَلَامَهُم عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّة، فَأَخْطَئُوا فِي أَكْثَرِهَا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَلَمْ يُصِيبُوا السُّنَّةَ.
(١٦٦) حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بنُ صَالِحٍ المَصْرِيُّ، عَنِ الهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: مَا رَأْيُ امْرِئٍ فِي أَمْرٍ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَّا اتِّبَاعه، ولَوْ لم
_________________
(١) أخرجه النسائي (٨/ ٢٣٠)، وعبد الرزاق (١٥٢٩٥)، والدارمي أبو محمد (١٦٧)، والحاكم (٤/ ١٠٦)، وصححه ووافقه الذهبي، وغيرهم.
[ ٢٥٣ ]
يَكُنْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَقَالَ فِيهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَوْلَى فِيهِ بِالحَقِّ مِنَّا؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى أَثْنَى عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: بَلْ نَعْرِضُهَا عَلَى رَأْيِنَا فِي الكِتَابِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا صَدَّقْنَاهُ وَمَا خَالَفَهُ تَرَكْنَاهُ، وَتِلْكَ غَايَةُ كُلِّ مُحدِث فِي الإِسْلَامِ: رَدُّ مَا خَالَفَ رَأْيَهُ من السّنة» (١).
وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: لَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ، فَقَالَ الحَسَنُ: «رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِم» (٢).
وَكَيْفَ تَسْأَلُ أَيُّهَا المُعَارِضُ بِشْرًا عَنِ التَّقْلِيدِ، وَهُوَ لَا يُقَلِّدُ دِينَهُ قَائِلَ القُرْآنِ وَمُنْزِلَهُ، وَلَا الرَّسُولَ الَّذِي جَاءَ بِهِ، حَتَّى عَارَضَهُمَا فِي صِفَاتِ الله - ﷿ - وَكَلَامِهِ بِخِلَافِ مَا عَنَيَا، وَفَسَّرَ عَلَيْهِمَا بِرَأْيِهِ خِلَافَ مَا أَرَادَا؟
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: إِنِّي سَألتُ بِشْرًا المَرِيسِيَّ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]؟ فَقَالَ بِشْرٌ: كَوَّنَهُ كَمَا شَاءَ بِغَيْر «كُنْ».
أَو مَا وَجَدْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِيمَنْ رَأَيْتَ مِنَ المَشَايِخِ شَيْخًا أَرْشَدَ مِنْ بِشْرٍ وَأَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ مِنْ بِشْرٍ الَّذِي كَفَرَ بِرَبٍّ قَالَ قَوْلًا لِشَيْءٍ قَطُّ: كُنْ فَكَانَ؟، وَهَذَا المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ المَعْرُوف فِي كُلِّ مِصْرٍ: أَنَّ الله لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ قَطُّ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِهَا قَطُّ، فَسُؤَالُكَ بِشْرًا عَن هَذِه الآيَة من بين المَشَايِخِ؛ دَلِيلٌ مِنْكَ عَلَى الظِّنَّةِ وَالرَّيْبَةِ القَدِيمَةِ، وَأَنَّكَ لَمْ تَسْألْهُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ ضَمِيرٍ مُتَقَدِّمٍ، أَفَلَا سَألتَ عَنْهُ مَنْ أَدْرَكْتَ مِنَ المَشَايِخِ، مِثْلَ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ
_________________
(١) أخرجه الهروي في ذم الكلام (٣/ ١١)، من طريق المصنف، به.
(٢) أخرج هذا الكلام ابن سعد في الطبقات (٩/ ١٦٦)، بإسناد صحيح.
[ ٢٥٤ ]
أَهْلِ الدِّينِ وَالفَضْلِ وَالمَعْرِفَةِ بِالسُّنَّةِ؟!
ثُمَّ ادَّعَيْتَ أَنَّ بِشْرًا قَالَ: مَعْنَاهُ أَنْ يُكَوِّنَهُ حَتَّى يَكُونَ، أي مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ يَقُولُ لَهُ: «كُنْ»، وَلَكِنْ يُكَوِّنُهُ عَلَى مَا أَرَادَ.
ثُمَّ فَسَّرْتَ قَوْلَ بِشْرٍ هَذَا، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ الأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً مِنْ «كُنْ»، وَلَكِنَّ اللهَ كَوَّنَهَا عَلَى مَا أَرَادَ [٤٧/ظ] مِنْ غَيْرِ كَيْفِيَّةٍ، وَلِلْكَلَامِ وُجُوهٌ بِزَعْمِكَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: قَدِ افْتَرَيْتُمَا على الله جَمِيعًا فِيمَا تَأَوَّلْتُمَا مِنْ ذَلِكَ، وَجَحَدْتُمَا قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠] إِذِ ادَّعَيْتُمَا أَنَّ الأَشْيَاءَ لَا تَكُونُ بِقَوْلِهِ: «كُنْ» وَلَكِن يُكَوِّنَهُ بِإِرَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَوْلِ: «كُنْ».
وَهَذَا هُوَ الجُحُودُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى جَمَعَ فِيهِ القَوْلَ وَالإِرَادَةَ، فَقَالَ: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ فَسَبَقَتِ الإِرَادَةُ قَبْلَ «كُنْ»، ثُمَّ قَالَ: «كُنْ» فَكَانَ بِقَوْلِهِ وَإِرَادَتِهِ جَمِيعًا: فَكَيْفِيَّةُ هَذَا كَمَا قَالَ أَصْدَقُ الصَّادِقِينَ: إنَّهُ إِذَا قَالَ كُنْ فَكَانَ، لَا مَا تَأَوَّلَهُ أَكْذَبُ الكَاذِبِينَ.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهَا إِلَى تَفْسِير، وَلَا هِيَ من العَوِيِصِ الَّذِي يَجْهَلُهَا العَوَامُّ، فَكَيْفَ الخَاصُّ مِنَ العُلَمَاءِ؟
وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُشْكِلُ عَلَى رَجُلٍ رُزِقَ شَيْئًا مِنَ العَقْلِ وَالمَعْرِفَةِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ مِثْلَ المَرِيسِيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ رَبَّهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُ قَوْلَهُ؟
وَإِنَّمَا امْتَنَعَ المَرِيسِيُّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَنْ يُقِرُّوا بِهَذَا؛ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَتى مَا أقْرَرْنَا أَنَّ اللهَ قَالَ لِشَيْءٍ «كُنْ» -كَلَامًا مِنْهُ- لَزِمَنَا أَنْ نُقِرَّ بِالقُرْآنِ، والتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ أَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِهِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الله -فِي دَعْوَاهُمْ- لَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ
[ ٢٥٥ ]
وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا المُعَارِضِ بِسُؤَالِ بِشْرٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قَدِيمًا فِي شَبَابِهِ، وَقَدْ عَرَفَ مَذْهَبَ بِشْرٍ أَنَّهُ اضْطَمَرَ هَذَا الرَّأْيَ فِي أَوَّلِ دَهْرِهِ وَلَيْسَ بِرَأْيٍ اسْتَحْدَثَهُ حَدِيثًا.
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ اللهُ: إِنَّ رَحْمَتِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، وَغَضَبِي كَلَامٌ، إِنَّمَا قَوْلِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُون» (١).
ادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا فِي قَولِ الله تَعَالَى لِعِيسَى بن مَرْيَمَ: «رُوحُ الله وَكلِمَتُهُ» فَقَالَ: يَقُولُ أَهْلُ الجُرْأَةِ فِي مَعْنَى «كَلِمَتُهُ»: أَيْ بِكَلِمَتِهِ، وَإِنْ سُئِلوا عَنِ المَخْرَجِ مِنْهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلُوا عَلَى الله بِرَأْيِهِمْ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: أوَ يَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى تَفْسِيرٍ وَمَخْرَجٍ؟ قَد عَقِلَ
تَفْسِيرَهُ عَامَّةُ مَنْ آمَنَ بِالله: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: «كُنْ فَيَكُونُ»، وَمَتَى لَا يَقُولُ لَهُ: «كُنْ»؛ لَا يَكُونُ، فَإِذَا قَالَ: «كُنْ»؛ كَانَ، فَهَذَا المَخْرَجُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ بِإِرَادَتِهِ وَبِكَلِمَتِهِ، لَا أَنَّهُ نَفْسُ الكَلِمَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَلَكِنْ بِالكَلِمَةِ كَانَ، فَالكَلِمَةُ مِنَ الله «كُنْ» غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَالكَائِنُ بِهَا مَخْلُوقٌ.
وَقَوْلُ الله فِي عِيسَى «رُوحُ الله، وَكَلِمَتُهُ» فَبَيْنَ الرُّوحِ وَالكَلِمَةِ فَرْقٌ فِي المَعْنَى؛ لِأَنَّ الرُّوحَ الَّذِي نَفَخَ فِيهَا مَخْلُوقٌ امْتَزَجَ بِخَلْقِهِ، وَالكَلِمَةُ مِنَ الله غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لَمْ تَمْتَزِجْ بِعِيسَى، وَلَكِنْ كَانَ بِهَا، وَإِنْ كَرِهَ لِأَنَّهَا مِنَ الله أَمْرٌ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قُلْنَا، لَا عَلَى مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا مِنَ الكَذِبِ وَالأَبَاطِيلِ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٣٦٧)، وهناد في الزهد (٩٠٥)، والطبراني في الدعاء (١٥)، وغيرهم من حديث ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر، به مطولا، بلفظ «عطائي كلام، وعذابي كلام».وهذا إسناد ضعيف. وأصل الحديث في صحيح مسلم -حديث إني حرمت الظلم على نفسي- من حديث أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، ولكن دون ذكر موطن الشاهد.
[ ٢٥٦ ]
ثُمَّ عَادَ المُعَارِضُ أَيْضًا إِلَى إِنْكَارِ مَا عَنَى الله تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، فَادَّعَى: أَنَّ المَجِيءَ وَالِانْتِقَالَ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَانِ؛ صِفَةُ المَخْلُوقِ، وَالله يَأْتِي فِي ظُلُلٍ مِنَ الغَمِامِ، فَتَثْبُتُ الظُّلَلُ وَمَجِيئُهَا؛ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ.
فَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] يَعْنِي: يَأْتِيهِمْ أَمْرُهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ عَلَى إِضْمَارِ «أَمْرِهِ» كَمَا [٤٨/و] قَالَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] يُرِيدُ: أَهْلَ العِيرِ بِإِضْمَارِ «الأَهْلِ»، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، بِإِضْمَارِ «أَمْرِهِ»، وَكَذَلِكَ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ يُرِيدُ أَنَّ المَلَائِكَةَ هِيَ الصُّفُوفُ دونه جَايِئُونَ بأَمْرِهِ، فَفَسَّرُوا: «جَاءَ المَلَائِكَةُ صَفًّا صَفًّا، وَرَبُّكَ فِيهِمْ مُدَبِّرٌ مُحْكِمٌ»، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٣]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فَبَيَّن الأَمْرَ هَا هُنَا، وَأَضْمَرَهُ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ المُفْتَرِي عَلَى اللهِ: قَدْ فَسَّرْتَ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى خِلَافِ مَا عَنَى وَفَسَّرَهَا رَسُولُه - ﷺ -، وَعَلَى خِلَافِ مَا فَسَّرَهَا أَصْحَابُهُ.
قَدْ رَوَيْنَا تَفْسِيرَهَا عَنْهُمْ فِي صَدْرِ هذَا الكتاب بِأَسَانِيدِهَا المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، عَلَى خِلَافِ مَا فَسَّرْتَ وادَّعَيْتَ عَنْ هَؤُلَاءِ المُفَسِّرِينَ، فَمَنْ مُفَسِّرُوكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَحْكِي عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيهَا كَذَا، وَقَالَ آخَرُونَ فِيهَا كَذَا؟.
فَمَنْ هَؤُلَاءِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ؟ فَاكْشِفْ عَنْ رُؤُوسِهِم وسَمِّهم
بِأَسْمَائِهِمْ، فَإِنَّكَ لَا تَكْشِفُ إِلَّا عَنْ زِنْدِيقٍ أَوْ جَهْمِيٍّ، لَا يُؤْمِنُ بِالله وَلَا بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَلَا يُحْكَمُ لَكَ بِتَفْسِيرِ هَؤُلَاءِ المُعَنْعِنِينَ عَلَى تَفْسِيرِ هَؤُلَاءِ المَكْشُوفِينَ
[ ٢٥٧ ]
الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَالتَّابِعِينَ، أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفُونَ -مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَالتَّابِعِينَ- عِنْدَ الأُمَّةِ مِثْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابت، وأُبَيَّ بْن كَعْبٍ، وَنُظَرَائِهِمْ - ﵃ - وَمِنَ التَّابِعِينَ؛ مِثْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي صَالِحٍ الحَنَفِيِّ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِهِمْ، فَعَنْ أَيِّهِمْ تَحْكِي هَذِهِ التَّفَاسِيرَ الَّتِي تَرويهَا عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ؟ فإنَّا مَا وَجَدْنَاهُمْ مُخَالِفِينَ لِمَا ادَّعَيْتَ عَلَى الله فِي كِتَابِهِ، أَتَيْنَاكَ بِهَا عَنْهُمْ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ، مَنْصُوصَةً مُفَسَّرَةً، فَعَمَّنْ تَرْوِي هَذِهِ الضَّلَالَاتِ وَإِلَى مَنْ تُسْنِدُهَا؟ فَصَرِّحْ بِهِمْ كَمَا صَرَّحْتَ بِبِشْرٍ المَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ.
وَمَا نَرَاكَ صَرَّحْتَ بِبِشْرٍ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَكَنَيْتَ عَنْ هَؤُلَاءِ المُفَسِّرِينَ إِلَّا وَأَنَّهُمْ أَسْوَأُ مَنْزِلَةً عِنْدَ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَأَشَدُّ ظِنَّةً فِي الدِّينِ مِنْهُمَا، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَشَفْتَ عَنْهُمْ كَمَا كَشَفْتَ عَنْ بِشْرٍ، وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ أَمْرَ إِتْيَانِ الله وَمَجِيئِهِ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ لَمْ نُحِبَّ أَنْ نُعِيدَهُ هَاهُنَا فَيَطُولُ الكِتَابُ.
وَأَمَّا مَا ادَّعيت من انْتِقَال مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ أَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ المَخْلُوقِينَ، فَإِنَّا لَا نُكَيِّفُ مَجِيئَهُ وَإِتْيَانَهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ النَّاطِقُ مِنْ كِتَابِهِ، ثُمَّ مَا وَصَفَ رَسُولُهُ - ﷺ -.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي تَفْسِيرِهَا: أَنَّ السَّمَاءَ تَشَقَّقُ لِمَجِيئِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وتَتَنَزَّلُ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، وَهُوَ آتٍ، حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ دُونِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الكتاب، وَهُوَ مُكَذِّبٌ لِدَعْوَاكَ أَنَّهُ إِتْيَانُ المَلَائِكَةِ بِأَمْرِهِ، دُونَ مَجِيئِهِ، لَكِنَّهُ فِيهِمْ مُدَبِّر.
وَيْلَكَ! لَوْ كَانَتِ [٤٨/ظ] المَلَائِكَةُ هِيَ الَّتِي تَجِيءُ وَتَأْتِي دُونَهُ؛ مَا قَالَتِ
[ ٢٥٨ ]
المَلَائِكَةُ: «لَمْ يأتِ رَبُّنَا وَهُوَ آتٍ»، وَالمَلَائِكَةُ آتِيَةٌ نَازِلَةٌ، حِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ.
أَرَأَيْتُمْ دَعْوَاكُمْ أَنَّ الله فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، أَوَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ عَلَى العَرْشِ فَوْقَ المَاءِ؟ فَكَيْفَ صَارَ بَعْدُ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فِي دَعْوَاكُمْ، وَفِي دَعْوَانَا: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ دُونَ الأَرْضِ؟ فَكَمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ وَيَأْتِيَ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَمَا شَاءَ.
أَرَأَيْتَكَ إِذَا فَسَّرْتَ قَوْلَهُ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] فَزَعَمْتَ أَنَّ الله أَضْمَرَ فِي ذَلِكَ «أَمْرَهُ» كَمَا أَضْمَرَ فِي القرْيَة وَالعير «أَهلهَا»، أوَ لَسْتَ قَدِ ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ أَنْ لَا يُوصَفَ بِالضَّمِيرِ؛ فإنَّ الضَّمِيرَ يُنْفَى عَنِ الله تَعَالَى وَمَنْ وَصَفَ الله بِشَيْء وَهُوَ عَنْهُ مَنْفِيٌّ فَهُوَ الكَافِرُ عِنْدَكَ، فَكَيْفَ نَفَيْتَ عَنْهُ هَذَا الضَّمِير هُنَاكَ، وثَبَّتَّهُ لَهُ هَهُنَا؟ أَوَلَمْ تَخْشَ عَلَى نَفْسِكَ مَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ مِنَ الكُفْرِ؟ وَلَكِنَّكَ تَدَّعِي الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ حَتَّى تَدَّعِيَ بعدُ خِلَافَهُ، فَيُأْخَذَ بِحَلْقِكَ، غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ تَكَلَّمْتَ بِهِ بِالخرَافِ، وَأَنْتَ آمِنٌ مِنَ الجَوَابِ.
وَادَّعَيْتَ أَيْضًا أَنَّ الزَّنَادِقَةَ قَدْ وَضَعُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا مِنَ الحَدِيثِ رَوَّجُوهَا عَلَى رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَأَهْلِ الغَفْلَة مِنْهُم.
فيُقال لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ: مَا أَقَلَّ بَصَرَكَ بِأَهْلِ الحَدِيثِ وَجَهَابِذَتِهِ، وَلَوْ وَضَعَتِ الزَّنَادِقَةُ اثْنَيْ عَشَرَ ألفَ حَدِيثٍ مَا يرُوجُ لهُمْ عَلَى أَهْلِ البَصَرِ بِالحَدِيثِ مِنْهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَلَا تَقْدِيمُ كَلِمَةٍ، وَلَا تَأْخِيرُهَا، وَلَا تَبْدِيلُ إِسْنَادٍ مَكَانَ إِسْنَادٍ، وَلَوْ قَدْ صَحَّفُوا عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثٍ؛ لَاسْتَبَانَ ذَلِكَ عِنْدهم، وَرُدَّ فِي نُحُورِهِم.
وَيْلَكَ! هَؤُلَاءِ يَنْتَقِدُونَ عَلَى العُلَمَاءِ المَشْهُورِينَ تَقْدِيمَ رَجُلٍ مِنْ تَأْخِيرِهِ،
[ ٢٥٩ ]
وَتَقْدِيمَ كَلِمَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهَا، وَيُحْصُونَ عَلَيْهِمْ أَغَالِيطَهُمْ وَمُدَلَّسَاتِهِمْ، أَفَيَجُوزُ لِلزَّنَادِقَةِ عَلَيْهِمْ تَدْلِيسٌ؟ إِذْ هُمْ فِي الغَفْلَةِ مِثْلُ زُعَمَائِكَ هَؤُلَاءِ، ضَرْبُ المَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِ، إِذْ هُمْ دَلَّسُوا عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ الله لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَوَاسِّ» فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ فَهُوَ هَذَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْطِيلَ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، لِأَنَّ شَيْئًا لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَوَاسِّ فَهُوَ لَا شَيْءَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الزَّنَادِقَةِ، فَقَدْ رَوَّجُوهُ، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِكِتَابِ الله تَعَالَى، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، فَأَخْبَرَ أَنَّ مُوسَى أَدْرَكَهُ مِنْهُ الكَلَامُ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الحَوَاسِّ، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ يُدْرِكُونَ مِنْهُ بالحَوَاسِّ -النّظر إِلَيْهِ- وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وَالنَّظَرُ أَحَدُ الحَواسِّ، وَقَالَ: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِلْمُؤْمِنِينَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١) رَوَاهُ عَنْهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ.
فَهَلْ مِنْ حَوَاسَّ أَبْيَنَ مِنَ الكَلَامِ وَالنَّظَرِ؟ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ هَذَا مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ رَوَّجُوهُ عَلَى المَرِيسِيِّ وَتُرَوِّجُهُ أَنْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ عَلَى مَنْ حَوَالَيْكَ مِنَ الجُهَّالِ، وَمَا إِخَالُكَ إِلَّا وَسَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّنَادِقَةِ عَلَى أَهْلِ العَلْمِ بِالحَدِيثِ تَدْلِيسٌ، غَيْرَ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَهْجُرَ العِلْمَ وَأَهْلَهُ، وَتُزْرِي بِهِمْ مِنْ أَعْيُنِ مَنْ [٤٩/و]،حَوَالَيْكَ مِنَ السُّفَهَاءِ، بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكَايَاتِ؛ كَيْمَا يَرْتَابَ فِيهَا جَاهِلٌ فَيَرَاكَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ، فَدُونَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ فَأَوْجِدْنَا عَشَرَةَ أَحَادِيثَ دَلَّسُوهَا على أَهْلِ العِلْمِ، كَمَا أَوْجَدْنَاكَ مِمَّا دَلَّسُوا عَلَى إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ، أَوْ جَرِّبْ أَنْتَ فَدَلِّسْ عَلَيْهِمْ مِنْهَا عَشَرَةً، حَتَّى تَرَاهُمْ كَيْفَ يَرُدُّونَهَا فِي نَحْرِكَ.
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (٧).
[ ٢٦٠ ]
وَكَيْفَ دَلَّسَ الزَّنَادِقَةُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا، وَلَمْ يَبْلُغْ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألفَ حَدِيثٍ، بِغَيْرِ تَكْرَارٍ إِنْ شَاءَ الله؟ إِذًا رِوَايَاتُهُمْ كُلُّهَا مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ فِي دَعْوَاكَ.
وَرَوَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ عَنْ حَرِيز بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ شَبِيبٍ أَبِي رَوْحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ، وَأَجِدُ نَفَسَ رَبِّكُمْ مِنْ قِبَل اليَمَنِ» (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٠٩٧٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٧٦)، والطبراني في الشاميين (١٠٨٣)، من طريق حريز، به. قلت: رجاله ثقات، وشبيب بن نعيم أبو روح وثقه ابن حبان، وقال أبو داود: شيوخ حريز بن عثمان كلهم ثقات. وقد استنكر موضع الشاهد -ألا وهو قوله - ﷺ -: «وأجد نَفَس رَبِّكم مِنْ قِبَلِ اليَمَن» - بعضُ العلماء. والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنها ثابتة محفوظة، والدليل على ذلك من وجهين: الأول: أن الحديث معروف ومتداول بين السلف؛ فانظر إلى قول المصنف بعده «وهذا الحديث معروف». وقد ذكرنا قبل ذلك قول الذهبي، وابن تيمية رحمهما الله في قبول الروايات التي تتعلق بصفات الله - ﷻ - وإن كان إسنادها فيه مقال إذا كان السلف يتداولونها فيما بينهم ويحتجون بها في كتبهم. الثاني: أن لهذه الزيادة شواهد، فقد أخرج النسائي في الكبرى (١٠٧٠٥)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١١٩٦)، والحاكم (٢/ ٢٩٨)، من حديث أبي بن كعب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِنَّهَا مِنْ نَفَسِ الرَّحْمَنِ»، وإسناده إلى أبي بن كعب صحيح، رجاله ثقات، وصححه الحاكم، وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري. وأخرج البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٧٠)، والبزار (٩/ ١٥٠)، والطبراني في الكبير (٦٣٥٨)، وغيرهم من حديث سلمة بن نفيل السكوني - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: « وَقَالَ وَهُوَ مُوَلٍّ ظَهْرَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ هَهُنَا ». وهذا أيضا إسناده صحيح. قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه بهذه الألفاظ إلا سلمة بن نفيل، وهذا أحسن طريقا يروى في ذلك عن سلمة ورجاله رجال معروفون من أهل الشام مشهورون إلا إبراهيم بن سليمان الأفطس». قلت: وإبراهيم بن سليمان الأفطس نقل المصنف عن دحيم أنه قال: «ثقة ثقة».
[ ٢٦١ ]
فَقُلْتَ كَالمُنْكِرِ لِهَذَا -تَعَالَى اللهُ عَمَّا نَحَلَهُ المُبْطِلُونَ-: بِأَنَّ ذَلِكَ نَفَسٌ يَخْرُجُ مِنْ جَوْفٍ.
فَمِمَّنْ سَمِعْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ هَذَا نَفَسٌ يَخْرُجُ من جَوف الله تَعَالَى؟
وَهَذَا الحَدِيثُ مَعْرُوفٌ مَعْقُولُ المَعْنَى، جَهِلْتَ مَعْنَاهُ، فَصَرَفْتَهُ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ نَرَ أَحَدًا يَقُولُهُ، أَوْ يَذْهَبُ إِلَيْهِ، إِنَّمَا فَسَّرَهُ العُلَمَاءُ عَلَى الرَّوْحِ الَّذِي يَأْتِي بِهَا الرِّيحُ مِنْ نَحْوِ اليَمَنِ، لِأَنَّ مَهَبَّ الرِّيحِ مِنْ هُنَاكَ عِنْدِهِمْ، فأمَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ: هُوَ نَفَسٌ يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الرَّحْمَنِ، فَمَا سَمِعْنَا أَحَدًا يَقُولُهُ قَبْلَكَ، وَأَدْنَى مَا عَلَيْك فِيهِ الكَذِبِ أَنْ تَرْمِيَ قَوْمًا مُشَنِّعًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُثْبِتَهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الإِيمَانُ يَمَانٌ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ»: أَيْ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ قِبَلِ مَكَّة (١).
وادّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا أنَّ المُقْرِئَ، حَدَّثَ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنَ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَرَأَ ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ (٢).
وقَدْ عَرَفْنَا هَذَا مِنْ رِوَايَةِ المُقْرِئِ، وغَيْرِهِ كَمَا رَوَى المُعَارِضُ غَيْرَ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ بَعْضَ كَتَبَةِ الحَدِيثِ ثَبَّتُوا بِهِ بَصَرًا بِعَيْنٍ كَعَيْن، وسَمْعًا بِسَمْعٍ جَارِحًا مُرَكَّبًا.
فَيُقَالُ لَهذَا المُعَارِض أَمَّا دَعْوَاكَ عَلَيْهِم أَنَّهُم ثَبَّتُوا لَهُ سَمْعًا، وبَصَرًا؛ فَقَدْ صَدَقْتَ.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ كَعَيْنٍ، وكَسَمْعٍ فَإِنَّهُ كَذِبٌ ادَّعيتَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا كَصِفَاتِهِ صِفَةٌ.
_________________
(١) ينظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٣٩٧).
(٢) تقدم مسندا برقم (٥٧).
[ ٢٦٢ ]
وَأَمَّا دَعْوَاكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: جَارِحٌ مُرَكَّبٌ؛ فَهَذَا كُفْرٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلَكنَّا نُثْبِتُ لَهُ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالعَيْنَ بِلَا تَكْيِيفٍ، كَمَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَثْبَتَهُ لَهُ الرَّسُولُ - ﷺ -، وَهَذَا الَّذِي تُكَرِّرُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ جَارِحٌ وَعُضْوٌ وَمَا أَشْبَهَهُ، حَشْوٌ وَخُرَافَاتٌ، وَتَشْنِيعٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ.
وَقَدْ رَوَيْنَا آياتِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالعَيْنِ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ بِأَسَانِيدِهَا وَألفَاظِهَا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَنَقُولُ كَمَا قَالَ، وَنُعَيِّنُ بِهَا كَمَا عَيَّن، وَالتَّكْيِيفُ عَنَّا مَرْفُوعٌ، وَذِكْرُ الجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ تَكَلُّفٌ مِنْك، وتَشْنِيعٌ.
وَادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ رَوَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالَحٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْطَأَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -[٤٩/ظ]: «إِنَّكُمْ لَنْ تقرَّبوا إِلَى اللهِ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ». يَعْنِي القُرْآنَ (١).
فادَّعى المُعَارِضُ أَنَّ الثَّلْجِيَّ قَالَ فِي هَذَا -مِنْ كِتَابٍ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ الثَّلْجِيِّ- قَالَ: ذَهَبَتِ المُشَبِّهَةُ فِي هَذَا إِلَى مَا يَعْقِلُوا مِنَ الكَلَامِ مِنَ الجَوْفِ فَنَاقَضُوا إِذْ صَحَّحُوا أَنَّهُ الصَّمْدُ، وَالصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، فَاحْتَمَلَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ أَيْ مِنْ عِنْدِهِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ مِنْهُ، كَمَا يُقال: خَرَجَ لَنَا مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا مِنَ الخَيْرِ، وَخَرَجَ العَطَاءُ مِنْ قِبَلِهِ، لَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ.
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ وَلِإِمَامِهِ الثَّلْجِيِّ: قَدْ فَهِمْنَا مُرَادَكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ نَفْيَ الكَلَامِ عَنِ الله تَعَالَى، مُشَنِّعًا بِذِكْرِ الجَوْفِ، فَأَمَّا خُرُوجُهُ مِنَ الله فَلَا يَشُكُّ فِيهِ
_________________
(١) مرسل، أخرجه الترمذي (٢٩١٢)، وأبو داود في المراسيل (٥٣٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٠٩)، ومن طريقه ابن بطة في الإبانة (٥/ ٢٣٣)، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، به. والمحفوظ منه المرسل، وإلا فقد روي موصولا من حديث أبي ذر، مرفوعًا، ولكنه وهم من بعض الرواة.
[ ٢٦٣ ]
إِلَّا مَنْ أَنْكَرَ أنه كَلَامَهُ؛ لِأَنَّ الكَلَامَ يَخْرُجُ مِنَ المُتَكَلِّمِ لَا مَحَالَةَ، وَأَمَّا أَنْ نَصِفَهُ بِالجَوْفِ -كَمَا ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا زُورًا- فإنَّا نُجِلُّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ المُتَعَالِي عَنْهُ، لِأَنَّهُ الأَحُدُ الصَّمَدُ، كَمَا قَالَ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا كَخُرُوجِ عَطَاءِ الرَّجُلِ مِنْ قِبَلِهِ، فَقَدْ أقرَّ بِأَنَّهُ كَلَامُ غَيْرِهِ وَكَلَام غَيْرِهِ مَخْلُوقٌ. لَا يَجُوزُ أَنْ يُضاف إِلَيْهِ صِفَةٌ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّاسُ مِنَ الغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالشِّعْرِ كُلُّهُ كَلَامُ الله وَهَذَا مُحَالٌ يَدْعُو إِلَى الضَّلَالِ.
وَفِي هَذَا القِيَاسِ الَّذِي ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يُقال: قَول اليَهُود عُزَيْرٌ
ابْنُ الله، وَالنَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ الله ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَ الله عَنْهُمْ؛ كَانَ كَلَامَ الله، فَإِنْ كَانَ القُرْآنُ عِنْدَكُمْ كَلَامَ الله فَمِنْهُ خَرَجَ بِلَا شَكٍّ، وَالجَوْفُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فَلَيْسَ بِكَلَامِهِ، وَلَكِنْ كَلَامُ غَيْرِهِ فِي دَعْوَاكُمْ.
فَقُلْ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ يَرُدُّ هَذَا التَّفْسِيرَ عَلَى شَيْطَانِهِ الَّذِي ألقَاهُ عَلَى لِسَانِهِ، وَمَا يُصْنَعُ فِي هَذَا بِقَوْلِ الثَّلْجِيِّ مَعَ مَا يَرْوِيهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: اللهُ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَالقُرْآنُ كَلَامُ الله، مِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يِعُودُ».
(١٦٧) حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (١).
وَأَمَّا أَنْ يُقَاسَ الكَلَامُ مِنَ المُتَكَلِّمِ بِالخَيْرِ الَّذِي يَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ، وَالعَطَاءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقِيسُ بِهِ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُ الثَّلْجِيِّ؛ لِأَنَّ الخَلْقَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ الكَلَامَ يَخْرُجُ مِنَ المُتَكَلِّمِ بِلَا شَكٍّ، وَأَنَّ إِعْطَاءَ العَطاءِ، وبذلَ المَال لَا يَخْرُجُ مِنْ نَفْسِ المُعْطِي وَالبَاذِلِ، وَلَكِنْ مِنْ شَيْءٍ مَوْضُوعٍ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ، وَالكَلَامُ
_________________
(١) تقدم برقم (١٣١).
[ ٢٦٤ ]
غَيْرُ بَائِنٍ مِنَ المُتَكَلِّمِ، وَالمَالُ وَالعَطَاءُ بَائِنٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ المُتَكَلِّمَ مَتَى شَاءَ عَادَ فِي مِثْلِ كَلَامِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ قَبْلُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرُدَّ الكَلَامَ الخَارِجَ مِنْهُ إِلَى نَفْسِهِ ثَانِيَةً، وَلَعَلَّهُ لَا يَقْدِرُ على رد المَالِ وَالعَطَاءِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، ولا أَنْ يَعُودَ فِيهِ بِعَيْنِهِ، فَمَنْ قَاسَ هَذَا بِذَاكَ؛ فَقَدْ تَرَكَ القِيَاسَ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَهْلُ القِيَاسِ، وَالمَعْقُولَ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَهْلُ العَقْلِ.
* * *
[ ٢٦٥ ]
وَرَوَى المُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «الرُّكْنُ يَمِينُ الله فِي الأَرْضِ، يُصَافِحُ بِهِ خَلْقَهَ» (١)، فَرَوَى عَنْ هَذَا الثَّلْجِيِّ مِنْ غَيْرِ سَماع مِنْهُ أَنه قَالَ:
يَمِينُ الله: نِعْمَتُهُ وَبَرَكَتُهُ وَكَرَامَتُهُ، لَا يَمِينُ الأَيْدِي.
فيُقال لِهَذَا الثَّلْجِيِّ -الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَنْفِيَ عَن الله بِهَذِهِ الضَّلَالَاتِ يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ خَلَقَ بِهِمَا آدَمَ-[٥٠/و] وَيْلَكَ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ! إِنَّ تَفْسِيرَهُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ الحَجَرَ الأَسْوَدَ لَيْسَ بِيَدِ الله نَفْسِهِ، وَأَنَّ يَمِينَ الله مَعَهُ عَلَى العَرْشِ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ، وَلَكِنْ تَأْوِيلهُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كَأَنَّ الَّذِي يُصَافِحُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ وَيَسْتَلِمُهُ كَأَنَّمَا يُصَافِحُ الله، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
فَثَبَتَ لَهُ اليَدُ الَّتِي هِيَ اليَدُ عِنْدَ ذِكْرِ المُبَايَعَةِ، إِذْ سَمَّى اليَدَ مَعَ اليَدِ، وَاليَدُ مَعَهُ عَلَى العَرْشِ، وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ يَدِ السَّائِلِ». فَثَبَتَ بِهَذَا اليَدَ الَّتِي هِيَ اليَدُ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهَا المُتَصَدِّقُ فِي نفس يَدِ اللهِ.
وَكَذَلك تَأْوِيلُ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، إِنَّمَا هُوَ إِكْرَامٌ لِلْحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَتَعْظِيمٌ لَهُ وتَثْبِيتٌ لِيَدِ الرَّحْمَن وَيَمِينِهِ، لَا النِّعْمَةُ كَمَا ادَّعى الثَّلْجِيُّ الجَاهِلُ فِي تَأْوِيلِهِ، وَكَمَا يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ صَاحِبِ نَجْوَى مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، كَذَلِكَ يَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ.
وَكَذَلِكَ ادَّعَى الجَاهِلُ الثَّلْجِيُّ أَنَّ الله خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، قَالَ: بِنِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَخَصَّهُ بِمَا خصَّ مِنْ كَرَامَاتِهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ البَقْبَاقِ النَّفَّاجِ: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَعْقِلُ شَيْئًا مِنْ وُجُوهِ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨٩١٩)، والأزرقي في أخبار مكة (١/ ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٢٦)، وغيرهما من طرق عن ابن عباس، ولا يخلو طريق منها من مقال، ويشد بعضها بعضًا
[ ٢٦٦ ]
الكَلَامِ؛ لَعَلِمْتَ أَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ مُحَالٌ مِنْ كَلَامٍ لَيْسَ لَهُ نِظَامٌ.
وَيْلَكَ! وَأَيُّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِ الله مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ قِرْدٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ لَمْ يُنْعِمِ اللهُ عَلَيْهِ فِي خَلْقِهِ إِذْ خَلَقَهُ حَتَّى خَصَّ بِنِعْمَتِهِ آدَمَ، وَمَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الخَلَائِقِ، وَأَيُّ مَنْقَبَةٍ لِآدَمَ فِيهَا إِذْ كُلُّ هَؤُلَاءِ خُلِقُوا بِنِعْمَتِهِ كَمَا خُلِقَ آدَمُ؟
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الثَّلْجِيِّ الجَاهِلِ فِيمَا ادَّعَى فِي تَأْوِيلِ حَدِيث رَسُولِ الله - ﷺ -: «المُقْسِطُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهَ يَمِينٌ» (١).
فَادَّعَى الثَّلْجِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَأَوَّلَ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ تَأْوِيلِ الغُلُولِيِّينَ أَنَّهَا يَمِينُ الأَيْدِي، وَخَرَجَ مِنْ مَعْنَى اليَدَيْنِ إِلَى النِّعَمِ يَعْنِي بِالغُلُولِيِّينَ: أَهْلَ السُّنَّةِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ يَمِينَانِ، وَلَا يُوصَفُ أَحَدٌ بِيَمِينَيْنِ، وَلَكِنْ يَمِينٌ وَشِمَالٌ بَزَعْمِهِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَيْلَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! إِنَّمَا عَنَى رَسُولُ الله - ﷺ - بِاليَدَيْنِ [مَا قَد أُطْلِقَ عَلَى التِي في مُقَابَلَة اليَمِينِ بِالشِّمَال، ولَكِنْ تَأْويلَه وكِلْتَا يَدَيْه يَمِين: أَي مُنَزَّه عَن الضَّعْف كَما في أَيْدِينَا الشِّمَال مِنَ النَّقْص، وعَدَمِ البَطْش] (٢) فَقَالَ: «كِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ» إِجْلَالًا لله وَتَعْظِيمًا أَنْ يُوصَفَ بِالشِّمَالِ، [وَقَدْ وُصِفَتْ يَدَاهُ بالشِّمَالِ واليَسَارِ، وكَذَلِكَ لَو لَم يَجُزْ إِطْلَاق الشِّمَال واليَسَار، مَا أَطْلَقَ رسولُ اللهِ - ﷺ -] ولو لم يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: كِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَهَذَا قَدْ جَوَّزَهُ النَّاسُ فِي الخَلْقِ، فَكيف لَا يُجَوِّزُهُ الثَّلْجِيُّ فِي يَدَيِ الله أَنَّهُمَا جَمِيعًا يَمِينَانِ؟ وَقَدْ سُمِّيَ مِنَ النَّاسِ ذَا الشِّمَالَيْنِ؛ فَجَازَ فِي دَعْوَى الثَّلْجِيِّ أَيْضًا:
_________________
(١) صحيح، تقدم برقم (٣٠).
(٢) ما بين معقوفين ليس في الأصل وأثبته من «س».
[ ٢٦٧ ]
خَرَجَ ذُو الشِّمَالَيْنِ مِنْ مَعْنَى أَصْحَابِ الأَيْدِي.
ثُمَّ ادَّعى الجَاهِلُ أَنَّ هَذَا مِنَ النِّعَمِ وَالأَفْضَالِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
سَأَبْكِيكَ لِلدُّنْيَا وَلِلْعَيْنِ إِنَّنِي رَأَيْتُ يَدَ المَعْرُوفِ بَعْدَكَ شُلَّتِ
وَيْلَكَ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ!، أَتُعَلِّمُ بِوَجْه العَرَبيَّة ولُغَاتِ العَرَبِ وَأَشْعَارِهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بهَا مِنْك؟
هَذَا هَاهُنَا فِي المَعْرُوفِ جَائِزٌ فِي المَجَازِ، لَا يَسْتَحِيلُ، وَفِي يَدَيِ الله تَعَالَى [٥٠/ظ] اللَّتَيْنِ يَقُولُ: «خَلَقْتُ بِهِمَا آدَمَ» يَسْتَحِيلُ أَنْ يُصْرَفَ إِلَى غَيْرِ اليَدِ؛ لِأَنَّ المَعْرُوفَ لَيْسَ لَهُ يَدَانِ، يَقْبِضُ بِهِمَا وَيَبْسُطُ، وَيَخْلُقُ وَيَبْطِشُ، فَيُقَالُ: يَدُ المَعْرُوفِ مَثلًا، وَلَا يُقَالُ: فَعَلَ المَعْرُوفُ بِيَدَيْهِ كَذَا، وَخَلَقَ بِيَدَيْهِ كَذَا، وَكَتَبَ بِيَدَيْهِ كَذَا، كَمَا يُقَالُ: خَلَقَ اللهُ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، ذَاك فِي سِيَاقِ القَوْلِ بَيِّنٌ مَعْقُولٌ، وَهَذَا فِي سِيَاقِ القَوْلِ بَيِّنٌ مَعْقُولٌ، مَنْ صَرَفَ مِنْهُمَا شَيْئًا إِلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ المَعْقُولِ جَهِلَ وَلم يَعْقِلْ.
أَوَ لم يَكْفِكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ كَثْرَةُ مَا نَسَبْتَ إِلَى اللهِ، وَإِمَامُكَ المَرِيسِيُّ فِي نَفْيِ اليَدَيْنِ عَنْهُ بِهَذِهِ الأُغْلُوطَاتِ؟ وَمَا حَسَدتُما أَبَاكُمَا آدمَ فِي خِلْقَتِهِ بِيَدَيِ الرَّحْمَنِ ﵎ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ حَتَّى عُدْتَ لِأَقْبَحَ مِنْهَا فِي آخِرِ الكِتَابِ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ يَدَيِ اللهِ اللَّتَيْنِ خَلَقَ بِهِمَا آدَمَ: نِعْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ، فَامْتَنَّ عَلَى آدَمَ بِمَا رَكَّبَ فِيهِ.
وَيْحَكَ! وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ لم يَخْلُقْهُ بِقُدْرَتِهِ، حَتَّى يَمْتَنَّ عَلَى آدَمَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِنْ بَيْنِ الخَلَائِقِ؟ هَذَا مُحَالٌ لَا يَسْتَقِيمُ فِي تَأْوِيلٍ، بَلْ هُوَ أَبْطَلُ الأَبَاطِيلِ.
وَأَشَدُّ مِنْهُ اسْتِحَالَةً؛ مَا ادَّعَيْتَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ: «إِنَّ الله خَمَّرَ طِينَةَ
[ ٢٦٨ ]
آدَمَ، ثمَّ خَلَطَهَا (١) بِيَدِهِ فَخَرَجَ كُلُّ طَيِّبٍ بَيَمِينِهِ، وَكُلُّ خَبِيثٍ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَى يَدَيْهِ بِالأُخْرَى» (٢).
فَادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ لَهُ تَفْسِيرًا مِنْ قِبَلِكَ: أَنَّهُ لمَّا امْتَنَّ اللهُ عَلَى آدَمَ بِنِعْمَتِهِ، كَانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ مُخَالِطَةً لِقُدْرَتِهِ، وَقَالَ بيدَيْهِ: بِنَعْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، هَكَذَا.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: إِذَا خَلَطَ قُدْرَتَهُ بِنِعْمَتِهِ فَسَمَّاهَا يَدَيْهِ -فِي دَعْوَاكَ-، فَمَا بَالُ هَذِهِ المِنَّةِ وُضِعَتْ عَلَى آدَمَ مِنْ بَيْنِ الخَلَائِقِ، وَكُلُّ الخَلْقِ فِي نِعْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إِذْ كُلًا خُلِقَ فِي دَعْوَاكَ بِنِعْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا بِيَدَيْهِ؟، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَخْلِطَ القُدْرَةَ بِالنِّعْمَةِ، وَالقُدْرَةُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَالنِّعْمَةُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ؟ هَذَا كَلَامٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ عَاقِلٍ، وَمَا يُوَفَّقُ لِمِثْلِهِ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ.
ثُمَّ رَوَيْتَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ كَذِبًا أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].قَالَ: «نِعَمُ الله».
فَعَمَّنْ رَوَيْتَ هَذَا عَنِ الحَسَنِ؟ فَاكْشِفْ عَنْ رَأْسِهِ، فَإِنَّكَ لَا تَكْشِفُ عَنْ ثِقَةٍ.
وَقَدْ أَكْثَرْنَا النَّقْضَ عَلَيْكَ وَعَلَى إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ فِي تَفْسِيرِ اليَدِ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا، غَيْرَ أَنَّكَ أَعَدْتَهَ فِي آخِرِ الكِتَابِ؛ فَأَعَدْنَاهَا.
* * *
_________________
(١) في الأصل «خلقها»، والمثبت من «س»، وهو الموافق للسياق.
(٢) صحيح موقوف تقدم تخريجه برقم (٤٥).
[ ٢٦٩ ]
ثُمَّ لمَّا فَرَغْتَ مِنْ إِنْكَارِ اليَدَيْنِ وَنَفْيِهَا عَنِ الله ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، أَقْبَلْتَ قِبَل وَجْهِ الله ﵎ لِتَنْفِيَهُ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذِهِ العَمَايَاتِ، كَمَا نَفَيْتَ عَنْهُ اليَدَيْنِ، فَزَعَمْتَ أَنَّ وَكِيعًا، رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: «أَنَّ العَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أَقْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَلَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ، أَوْ يُحَدِثُ حَدثَ سُوءٍ» (١).
ثُمَّ قُلْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ: إِنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّ الله يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِنِعْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمَا أَوْجَبَ لِلْمُصَلِّي مِنَ الثَّوَابِ كَمَا قُلْتُمْ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وَكَقَوْلِه: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠]، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، أَيْ يَبْقَى اللهُ وَحْدَهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَللهِ وَجْهٌ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ [٥١/و] كُنْتَ تُرِيدُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾،
_________________
(١) صحيح، أخرجه عبد الرزاق (١٦٨٩) عن الثوري، وأخرجه ابن أبي شيبة (٧٥٢٤) عن وكيع، وغيرهما، كلاهما عن الأعمش، به. وأخرجه ابن ماجه (١٠٢٣)، وابن أبي شيبة (٧٥٢٥)، كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش. وأخرجه البزار (٢٨٨٩)، من طريق عمران القطان، كلاهما (ابن عياش، والقطان)، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن حذيفة، مرفوعًا. قال البزار عقب رواية الحديث: «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عاصم، عن أبي وائل مرفوعا إلا عمران القطان، ورواه غيره موقوفا». قلت: وليس كذلك، فقد تابعه أبو بكر بن عياش كما ترى. وظاهر الرواية يدل على أن ثمة اختلاف على أبي وائل فيها، فإن الأعمش رواه موقوفا من قول حذيفة، وعاصم بن أبي النجود رواها مرفوعة. وقلت: ولا أجد اختلافًا؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذلك من قول حذيفة لأنه أمر غيبي، فرواية الأعمش، التي ظاهرها الوقف، فإن لها حكم الرفع؛ إذ لا يتثنى لحذيفة أن يقول ذلك من قبل نفسه، والله تعالى أعلم.
[ ٢٧٠ ]
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فَقَوْلُهُ الحَقُّ، وَإِنْ أَرَدْتَ عُضْوًا كَمَا تَرَى مِنَ الوجوهِ، فَهُوَ الخَالِقُ هَذِهِ الوُجُوهَ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا وَجْهُ الشَّيْءِ وَوَجْهُ الأَمْرِ، وَيَقُولُ: هَذَا وَجْهُ الثَّوْبِ وَوَجْهُ الحَائِطِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾: مَا تَوَجَّهُ بِهِ إِلَى رَبِّكَ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: ثَمَّ قِبْلَةُ النَّاسِ يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿ثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ : ثَمَّ قِبْلَةُ الله.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَمْ تَدَعْ غَايَةً فِي إِنْكَارِ وَجْهِ الله ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، وَالجُحُودِ بِهِ وَبِآيَاتِهِ الَّتِي تَنْطِقُ بِالوَجْهِ، حَتَّى ادَّعَيْتَ أَنَّ وَجْهَ الله الَّذِي وَصَفَهُ بِالجَلَالِ وَالإِكْرَامِ مَخْلُوقٌ، لِأَنَّكَ ادَّعَيْتَ أَنَّهَا أَعْمَالٌ مَخْلُوقَةٌ، يُوَجَّهُ بِهَا إِلَيْهِ، وَنِعَمٌ وَإِحْسَانٌ، وَالأَعْمَالُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا، فَوَجْهُ رَبِّكَ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ فِي دَعْوَاكَ مَخْلُوقٌ.
فَزَعَمْتَ أَيْضًا أَنَّهَا قِبْلَةُ الله، وَالقِبْلَةُ أَيْضًا مَخْلُوقَةٌ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ ذِكْرِ وَجْهِهِ: وَجْهٌ مَخْلُوقٌ، لَيْسَ لله مِنْهَا وَجْهٌ مَعَهُ، وَلَا هُوَ ذُو وَجْهٍ فِي دَعْوَاكَ.
وَكِتَابُ الله المُكَذِّبُ لَكَ فِي دَعْوَاكَ، وَهُوَ مَا تلوت أَيُّهَا المُعَارِضُ مِنْ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي كُلُّهَا نَاقِضَةٌ لِمَذْهَبِكَ، وَآخِذَةٌ بِحَلْقِكَ، أَوَ تَأْثُرُ تَفْسِيرَكَ هَذَا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - بِأَثَرٍ مَأْثُورٍ مَنْصُوصٍ مَشْهُورٍ؟ وَلَنْ تَفْعَلَهُ أَبَدًا، لِمَا قد رُوِيَ عَنهُ خِلَافه وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الله».
أَفَيَجُوزُ أَنْ يُتَأوَّلَ هَذَا: أَنَّهُ قَالَ: الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى الكَعْبَةِ، أَوْ إِلَى أَعْمَالِ المَخْلُوقِينَ؟ وَكَانَ يَدْعُو: «اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ» فَيَجُوزُ فِي تَأْوِيلِكَ أَنْ يَقُولَ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لذَّة النَّظَرِ إِلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ أَعْمَالِ
[ ٢٧١ ]
خَلْقِكَ، أَمْ إِلَى القبْلَة؟
وَيْلَكُمْ! مَا سَبَقَكُمْ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الفِرْيَةِ عَلَى الله إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ، وَلَا فِرْعَوْنُ مِنَ الفَرَاعِنَةِ، وَلَا شَيْطَانٌ.
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؛ دَعْوَاكَ أَنَّ وَجْهَ اللهِ؛ كَوَجْهِ الثَّوْبِ، وَالحَائِطِ، وَالمَيِّتِ الَّذِي لَا يُوقَفُ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ وَلَا ظَهْرٍ، مَا تَرَكْتُمْ مِنَ الكُفْرِ بِوَجْهِ الله غَايَةً، وَلَوْ قَدْ تَكَلَّمَ بِهَذَا رَجُلٌ بِالمَغْرِبِ؛ لَوَجَبَ عَلَى أَهْلِ الشَّرْقِ أَنْ يَغْزُوهُ، حَتَّى يَقْتُلُوهُ؛ غَضَبًا لله، وَإِجْلَالًا لِوَجْهِهِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ.
أَرَأَيْتَكَ أَيُّهَا الجَاهِلُ، إِنْ كَانَ وَجْهُ الله عِنْدَكَ قِبْلَتَهُ، وَالأَعْمَالَ الَّتِي ابْتُغِيَ بِهَا وَجْهُهُ، وَكَوَجْهِ الثَّوْبِ، وَالحَائِطِ، أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْقِبْلَةِ وَلأَعْمَالِ العِبَادِ: ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ؟ فَقَدْ عَلِمَ المُؤْمِنُونَ مِنْ خَلْقِ الله أَنَّهُ لَا يُقَدَّسُ وَجْهٌ بِذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ غَيْرَ وَجْهِ الله.
وَأَمَّا تَكْرِيرُكَ وَتَهْوِيلُكَ عَلَيْنَا بالأَعْضَاءِ والجَوَارِحِ، وَهَذَا مَا يَقُولُهُ مُسلمٌ، غَيْرَ أنَّا نقُول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] أَنَّهُ عَنَى بِهِ الوَجْهَ الَّذِي هُوَ الوَجْهُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ لَا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، وَلَا القِبْلَةَ، وَلَا مَا حَكَيْتَ مِنَ الخُرَافَاتِ كَاللَّاعِبِ بِوَجْهِ الله - ﷿ -، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] [يَقُولُ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَ] (١) نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ الوُجُوهِ، وَأَجْمَلُ الوُجُوهِ، وَأَنْوَرُ الوُجُوهِ، المَوْصُوفُ بِذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، [٥١/ظ] الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَةَ غَيْرُ وَجْهِهِ، وَأَنَّ الوَجْهَ مِنْهُ غَيْرُ اليَدَيْنِ، وَاليَدَيْنِ مِنْهُ غَيْرِ الوَجْهِ عَلَى رَغْمِ الزَّنَادِقَةِ والجَهْمِيَّةِ.
_________________
(١) ما بين معقوفين ليس في الأصل، وأثبتته من «س».
[ ٢٧٢ ]
وَسَنَذْكُرُ فِي ذِكْرِ الوَجْهِ آيَاتٍ وَآثَارًا مُسْنَدَةً، لِيَعْرِضَهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالله عَلَى تَفْسِيرِكَ، هَلْ يَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْهَا شَيْءٌ مِنْهُ؟ فَإِنْ كُنْتَ لَا تُؤْمِنُ بِهَا؛ فَخَيْرٌ مِنْكَ وَأَطْيَبُ مِنْ عِبَادِ الله المُؤْمِنِينَ مَنْ قَدْ آمَنَ بِهَا وَأَيْقَنَ.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ٢٠]، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩].
فَالخَيْبَةُ لِمَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الآيَاتِ كُلِّهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَجْهِ الله نَفْسِهِ، وَأَنَّهَا وُجُوهٌ مَخْلُوقَةٌ.
وَمِمَّا يُوَافِقُهُ مِنْ صِحَاحِ أَحَادِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ -
(١٦٨) مَا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أبي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ الله - ﷺ - بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ:
«إِنَّ الله لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ من خلقه» (١).
أَفَيَسْتَقِيمُ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنْ يُتَأوَّلَ هَذَا: أَنَّهُ أَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ
_________________
(١) صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح، وأخرجه مسلم (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٥، ١٩٦)، وأحمد (١٩٥٨٧، ١٩٦٣٢)، والمصنف في الرد على الجهمية (٤٧)، وابن حبان (٢٦٦)، وأبو يعلى (٧٢٦٢)، والطيالسي (٤٩٣)، وغيرهم، من طرق عن عمرو بن مرة، به. وفي بعض طرقه «حجابه النار».
[ ٢٧٣ ]
الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَوَجْهُ القِبْلَةِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ؟ مَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ فِي بُطُولِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ، أَمْ قَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ - الَّذِي:
(١٦٩) حَدَّثَنَاهُ سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله - ﵄ - قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» (١).
أَفَيَجُوزُ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنْ يُتَأَوَّلَ هَذَا: أَعُوذُ بِثَوَابِكَ، والأَعْمَالِ الَّتِي ابْتُغِيَ بِهَا وَجْهُكَ، وَبِوَجْهِ القِبْلَةِ؟ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَاذَ بِوَجْهِ شَيْءٍ غَيْرَ وَجْهِ الله تَعَالَى، وَبِكَلِمَاتِهِ، لَا يُسْتَعَاذُ بِوَجْهِ مَخْلُوقٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ:
(١٧٠) مَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَدْعُو: «اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ» (٢).
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري (٤٦٢٨)،عن عارم أبي النعمان، وفي (٧٤٠٦)، عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، به. وأخرجه البخاري (٧٣١٣)، عن علي بن المديني، والترمذي (٣٠٦٥)، عن ابن أبي عمر، وأحمد (١٤٣١٦)، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، به. وأخرجه ابن أبي عاصم (٣٠٠)، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، به. وأخرجه غير هؤلاء أيضا من طرق عن عمرو بن دينار، به.
(٢) صحيح، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٩٥، ١٠٤)، والنسائي (٣/ ٥٤)، وفي الكبرى (١٢٢٨)، وابن حبان (١٩٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٢٩، ٤٢٥)، والبزار (١٣٩٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢٧٩)، وغيرهم، من طريق حماد بن زيد، به = = وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، غير أن عطاء بن السائب كان قد اختلط في بأخرة، لكن حماد بن زيد ممن روى عنه قبل الاختلاط، كما ذكر يحيى بن سعيد القطان، وغيره. وقد روي من وجه آخر عن عمار فأخرج أحمد (١٨٣٢٤، ١٨٣٢٥)، من طريق شريك القاضي، عن أبي هاشم يحيى بن دينار، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، عن عمار، بنحوه. وأخرج النسائي (٣/ ٥٥)، وابن أبي شيبة (٢٩٨٣٦)، وعنه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٦٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٦)، وفي السنة (١٢٨)، وغيرهم، أيضا من طريق شريك إلا أنهم جعلوه عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن عمار، به.
[ ٢٧٤ ]
أَفَيَجُوزُ لَكَ أَنْ تَقُولَ فِي هَذَا: لذَّةُ النَّظَرِ إِلَى قِبْلَتِكَ، وَإِلَى الأَعْمَالِ الَّتِي ابْتُغِيَ بِهَا وَجْهُكَ؟
وَمِنْ ذَلِكَ:
(١٧١) مَا حَدَّثَنَا يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ: الزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ تَعَالَى (١).
أَفَيَجُوزُ أَنْ يُتَأوَّلَ هَذَا: أَنَّهُ النَّظَرُ إِلَى الأَعْمَالِ الَّتِي ابْتُغِيَ بِهَا وَجْهُ الله
_________________
(١) ضعيف، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٩٧)، والدارقطني في رؤية الله (٢٢١)، والطبري في التفسير (١٥/ ٦٨). وهذا إسناد ضعيف لجهالة سعيد بن نمران، كما قال الحافظ في لسان الميزان، والسبيعي مدلس وقد عنعن. وقد أخرج هذا الأثر من رواية أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر، دون ذكر ابن نمران: إسحاق بن راهويه في مسنده (١٤٢٤)، والطبري في التفسير (١٥/ ٦٣)، وهناد في الزهد (١٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٧٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٧١)، وغيرهم وهو ضعيف أيضًا؛ فرواية عامر بن سعد هو البجلي عن أبي بكر مرسلة، وعامر مقبول، ولم يتابعه أحد، وقد أعل الدارقطني الرواية الأولى بتلك الرواية المرسلة وقال وهي المحفوظة، كما في العلل (٧٣).
[ ٢٧٥ ]
أوَ إِلَى وَجْهِ القِبْلَةِ؟ وَكَذَلِكَ قَالَهُ رَسُولِ الله - ﷺ -: ﴿أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الله تَعَالَى».
(١٧٢) حَدَّثَنَاه مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرُهُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْب - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (١). [٥٢/و]
(١٧٣) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ الحَنَّاطِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -:
«أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ إِذَا بَلَغَ النَّعِيمُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَظَنُّوا أَنْ لَا نَعِيمَ أَفْضَلَ مِنْهُ، تَجَلَّى لَهُمُ الرَّبُّ، فَنَظَرُوا إِلَى وَجه الرَّحْمَن، فَنَسَوْا كُلَّ نَعِيمٍ عَايَنُوهُ؛ حِينَ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ» (٢).
أَفَيَجُوزُ أَنْ تتأوَّل هَذَا أَنَّهُ يَتَجَلَّى لِأَهْلِ الجَنَّةِ، فَنَظَرُوا إِلَى وَجْهِ قِبْلَتِهِ، وَإِلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؟ كَأَنَّ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ القِبْلَةِ -فِي دَعْوَاكَ- آثَرُ عِنْدَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ نَعِيمِ الجَنَّةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ:
(١٧٤) مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ رَجَاء البَصْرِيّ، عَن المَسْعُودِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله
_________________
(١) صحيح، أخرجه مسلم (١٨١)، والمصنف في الرد على الجهمية (٨٢)، والترمذي (٢٥٥٢)، وأحمد (٢٣٩٢٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٧٠)، والبزار (٢٠٨٧)، والطبراني في الأوسط (٧٥٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦/ ١٩٤٥)، وغيرهم من طرق، عن حماد بن سلمة، به، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
(٢) ضعيف، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٩٦)، وعبد بن حميد (٨٥١ - منتخب)،وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٤٢)، والدارقطني في الرؤية (١٩٣)، من طريق أبي شهاب الحناط، به وهذا إسناد ضعيف ومنقطع؛ فإن حماد بن جعفر إن كان هو البصري، فهو لين الحديث، كما قال الحافظ، وقال ابن عدي: منكر الحديث، فضلا عن الانقطاع فإنه لم يسمع من ابن عمر، وإن كان غيره؛ فهو مجهول، والله تعالى أعلم.
[ ٢٧٦ ]
بْنِ المُخَارِقِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا قَالَ: الحَمْدُ للهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَتَبَارَكَ اللهُ، حطَّ عَلَيْهِنَّ مَلَكٌ فَضَمَّهُنَّ تَحْتَ جَنَاحِهِ فَصَعَدَ بِهِنَّ، لَا يمرُّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ المَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفرُوا لِقَائِلِهِنَّ حَتَّى يُحَيَّا بِهِنَّ وَجْهُ الرَّحْمَنِ، وَقَرَأَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] (١).
أَفَيَجُوزُ لَكَ أَنْ تَتَأَوَّلَ هَذَا المَلَك يَصْعَدُ بِهنَّ حَتَّى يُحَيا وَجْهُ القِبْلَةِ فِي السَّمَاءِ وَالقِبْلَةِ فِي الأَرْضِ؟ قَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ وَعَلِمَ كُلُّ ذِي فَهْمٍ أَنَّ هَذِهِ تَفَاسِيرُ مَقْلُوبَةٌ، وَمَغَالِيطُ لَا يَسْتَقِيمُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي القِيَاسِ، فَكَيْفَ فِي الأَثَرِ؟ وَلَا يهدي شَيْء مِنْهَا إلى هُدًى، وَلَا يُرْشِدُ إِلَى تُقًى.
وَمِنْ ذَلِكَ:
(١٧٥) مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَن مُسْلِم بنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ -:
_________________
(١) صحيح، أخرجه الطبراني (٩١٤٤)، من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، والحاكم (٢/ ٤٦١)، وصححه، من طريق إسحاق بن سليمان، كلاهما عن المسعودي، به. وهذ اإسناد صحيح، والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، وكان قد اختلط قبل موته بسنتين، ولا يضرنا اختلاطه هاهنا لأن الراوي عنه عبد الله بن رجاء وأبو نعيم والأول بصري والثاني كوفي وقد قال الإمام أحمد: «إنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد». وشيخه عبد الله بن مخارق: وثقه ابن حبان، وقال ابن معين: مشهور. وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه شيئًا. قلت: وللأثر طريق آخر عن ابن مسعود فقد أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٦٨)، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن ابن مسعود، به. قلت: وإسناده صحيح.
[ ٢٧٧ ]
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قَالَ: «الحُسْنَى الجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ» (١).
(١٧٦) وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ (٢).
(١٧٧) وَعَنْ جَرِيرٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ (٣).
(١٧٨) وَحَدَّثَنَاهُ الحِمَّانِيُّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَن أَبِي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ (٤).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٩٨)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (١٤٢٤)، وهناد في الزهد (١٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٧٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٤٦)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٥٢)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٨٣)، والدارقطني في الرؤية (٢٢٤)، وغيرهم، من طريق أبي إسحاق السبيعي، به. وإسناده لا بأس به، لولا عنعنة أبي إسحاق السبيعي، وهو مدلس.
(٢) ضعيف جدًا، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٠٠)، والدارقطني في الرؤية (٢٤٤)، وفيه جويبر بن سعيد متروك الحديث، والضحاك هو ابن مزاحم. والإسناد معطوف على الذي قبله، أي: عن ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، به.
(٣) أيضا معطوف على الذي قبله، به. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٩٧٣)، ومن طريقه الدارقطني في الرؤية (٢٢١)، وفيه ليث بن أبي سليم: ضعفوه.
(٤) ضعيف جدًا، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٠٢) إسحاق في مسنده (١٤٢٥)، ونعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (٤١٩)، وهناد في الزهد (١٦٩)، والطبري (١٥/ ٦٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٨٦)، والدارقطني في الرؤية (٥٤)، من حديث أبي بكر الهذلي، به. وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ لأجل أبي بكر الهذلي، قال الذهبي: واه، وقال الحافظ: متروك الحديث. قلت: وقد توبع؛ تابعه أبان بن أبي عياش، كما عند اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٨٢)، والدارقطني في الرؤية (٥٣)، ولكن أبان بن أبي عياش، متروك الحديث هو الآخر، فلم تغن عنا متابعته شيئًا، والله تعالى أعلم. وقد تحرف في الأصل نسبة أبي موسى الأشعري إلى الأشجعي، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما في مصادر التخريج.
[ ٢٧٨ ]
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كُلُّهُمْ قَالُوا: «الزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الله تَعَالَى»، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِلَى وَجْهِ الكَعْبَةِ، وَوُجُوهِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، كَمَا ادَّعَيْتَ.
وَعَلَى تَصْدِيقِ هَذِهِ الآثَارِ وَالإِيمَانِ بِهَا؛ أَدْرَكْنَا أَهْلَ الفِقْهِ وَالعِلْمِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَا رَوَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: «أنَّ العَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ» (١) فَادَّعَيْتَ أَنَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِنِعْمَتِهِ وَثَوَابِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: وَجْهُ الله فِي المَجَازِ، كَمَا يُقَالُ: وَجْهُ الحَائِطِ، وَوَجْهُ الثَّوْبِ.
وَيْلَكَ! فَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، مُحَالٌ فِي الكَلَامِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقال لِشَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الوُجُوهِ: أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى إِنْسَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا وَالمُقْبِلُ بِوَجْهِهِ مِنْ ذَوِي الوُجُوهِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لِلثَّوْبِ وَجْهٌ، وَللحَائِطِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَقْبَلَ الثَّوْبُ بِوَجْهِهِ عَلَى المُشْتَرِي، وَأَقْبَلَ الحَائِطُ بِوَجْهِهِ عَلَى فُلَانٍ، لَا يُقَالُ: أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا مَنْ لَهُ القُدْرَةُ عَلَى الإِقْبَالِ.
وَكُلُّ قَادِرٍ عَلَى الإِقْبَالِ ذُو وَجْهٍ، هَذَا مَعْقُولٌ [٥٢/ظ] مَفْهُومٌ فِي كَلَامِ العَرَبِ، فَإِنْ جَهِلْتَهُ، فَسَمِّ شَيْئًا مِنَ الأَشْيَاءِ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الأَوْجُهِ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى فُلَانٍ؛ فَإِنَّكَ لَا تَأْتِي بِهِ، فَافْهَمْ، وَمَا أَرَاكَ وَلَا إِمَامَكَ تَفْهَمَانِ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَلَوْلَا كَثْرَةُ مَنْ يَسْتَنْكِرُ الحَقَّ، وَيَسْتَحْسِنُ البَاطِلَ؛ مَا اشْتَغَلْنَا كُلَّ هَذَا الِاشْتِغَالِ بِتَثْبِيتِ وَجْهِ الله ذِي الجلَال وَالإِكْرَام، ولو لم يَكُنْ فِيهِ إِلَّا اجْتِمَاعُ الكَلِمَةِ مِنَ العَالِمِينَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِ الله العَظِيمِ» و«أَعُوذُ بِوَجْهِكَ يَا رَبِّ»،
_________________
(١) تقدم تخريجه في أول هذا الفصل.
[ ٢٧٩ ]
و«جَاهَدْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله» و«أَعْتَقْتُ لِوَجْهِ الله»، لَكَانَ كَافِيًا مِمَّا ذَكَرْنَا؛ إِذْ عَقِلَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَالبَرُّ وَالفَاجِرُ، وَالعَرَبِيُّ وَالعَجَمِيُّ، غَيْرَ هَذِهِ العِصَابَةِ الزَّائِغَةِ المُلْحِدَةِ فِي أَسْمَاءِ الله، المُعَطِّلَةِ لِوَجْهِ اللهِ، وَلِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، - ﷿ - وَجْهُهُ، وتقدَّست أَسْمَاؤُهُ.
لَقَدْ سَبَبْتُمُ اللهَ بِأَقْبَحِ مَا سبَّه اليَهُودُ: ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: يَدُ اللهِ مَخْلُوقَةٌ لمَّا ادَّعيتم أَنَّهَا نِعْمَتُهُ وَرِزْقُهُ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ وَالأَرْزَاقَ مَخْلُوقَةٌ كُلُّهَا.
ثُمَّ زِدْتُمْ عَلَى اليَهُودِ، فَادَّعَيْتُمْ أَن وَجْهَ اللهِ مَخْلُوقٌ؛ إِذ ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ وَجْهُ القِبْلَةِ وَوُجُوهُ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَكَوَجْهِ الثَّوْبِ وَالحَائِطِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ، فَادَّعَيْتُمْ أَنَّ عِلْمَهُ وَكَلَامَهُ وَأَسْمَاءَهُ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، كَمَا هِيَ لكم، فَمَا بَقِي إِلَّا أَنْ تَقُولُوا: هُوَ بِكَمَالِهِ مَخْلُوقٌ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّكُمْ سَبَبْتُمُ الله بِأَقْبَحِ مَا سبَّته اليَهُودُ.
* * *
[ ٢٨٠ ]
وَرَوَى المُعَارِضُ عَنْ شَاذَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي فِي جَنَّةِ عَدْنٍ شَاب جَعْد فِي ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ» (١).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٩٤٧)، من طريق أسود بن عامر شاذان، به، وفيه «حلة خضراء» بدل «ثوبين» وأخرجه الخطيب (١٣/ ٥٥)، من طريق حماد، به، وفيه «حلة حمراء» بدل «ثويبن أخضرين» وأخرجه أحمد (٢٥٨٠)، وعنه ابنه عبد الله في السنة (١١١٦)، عن أسود بن عامر، به إلا أن لفظه هكذا «رأيت ربي ﵎»، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١١٦٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٣٣، ٤٤٠)، والآجري في الشريعة (١٠٣٣)، والدارقطني في الرؤية (٢٦٤، ٢٦٧)، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة، به أيضا بلفظ «رأيت ربي ﵎»، أو نحوه دون ذكر الصفة الواردة ها هنا. وقد استنكرها بعض الأئمة، على رأسهم المصنف. وزعم البعض أن الإمام أحمد والإمام أبا زرعة الرازي قد صححا هذه الرواية، وليس ما يدل على تصحيحهما، وإنما الذي يظهر أنهما صححا أصل الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وإليك هذه الحكاية التي رواها الخلال في العلل كما في المنتخب من علله للمقدسي (ص ٢٨٣): «أخبرنا المروذي، قال: قرئ على أبي عبد الله: شاذان: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: إنَّ محمدًا رأى ربه. قلت: إنهم يقولون: ما رواه غير شاذان؟.فقال: بلى؛ قد كتبته، عن عفان. وقُرئ على أبي عبد الله: عفان: ثنا عبد الصمد بن كيسان: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيتُ ربي». قلت: إنهم يقولون: إن قتادة لم يسمع من عكرمة. قال: هذا لا يَدْري الذي قال! وغضب، وأخرج إليَّ كتابه فيه أحاديث مما سمع قتادة من عكرمة، فإذا ستة أحاديث: «سمعت عكرمة». وقال أبو عبد الله: قد ذهب من يحسن هذا، وعجب من قومٍ يتكلمون بغير علمٍ، وعجب من قول من قال: لم يسمع، وقال: سبحان الله! فهو قدِم إلى البصرة فاجتمع عليه الخلقُ.» أ. هـ. قلت: فظاهر هنا الذي صححه الإمام أحمد. وممن استنكر هذه الرواية الإمام الذهبي فقال في السير (١٠/ ١١٣) بعد رواية هذا الخبر: «وهو خبر منكر نسأل الله السلامة في الدين فلا هو على شرط البخاري، ولا مسلم، ورواته - وإن كانوا غير متهمين - فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان، فأول الخبر: قال: = = (رأيت ربي)، وما قيد الرؤية بالنوم، وبعض من يقول: إن النبي - ﷺ - رأى ربه ليلة المعراج يحتج بظاهر الحديث. والذي دل عليه الدليل عدم الرؤية مع إمكانها، فنقف عن هذه المسألة، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فإثبات ذلك أو نفيه صعب، والوقوف سبيل السلامة، والله أعلم. وإذا ثبت شيء قلنا به، ولا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا - ﷺ - في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول: الله ورسوله أعلم، بلى نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة، إذ رؤية الله في الآخرة ثبت بنصوص متوافرة.». قلت: رحم الله الذهبي، فلا يعدل بالسلامة شيء.
[ ٢٨١ ]
وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى العُلَمَاءِ نَشْرُهُ وَإِذَاعَتُهُ فِي أَيْدِي الصِّبْيَانِ، فَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا عِنْدَ المُعَارِضِ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِرُهُ مَرَّةً ثُمَّ يُثْبِتُهُ أُخْرَى، فَيُفَسِّرُهُ تَفْسِيرًا أَنْكَرَ مِنَ الحَدِيثِ؟ وَالله أَعْلَمُ بِهَذَا الحَدِيثِ وَبِعِلَّتِهِ، غَيْرَ أَنِّي اسْتَنْكَرْتُهُ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ الله - ﷺ -: «هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: نُورٌ أنَّى أَرَاهُ؟» (١).
وَيُعَارِضُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ - ﵂ -: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ، وَتَلَتْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]» (٢).
فَهَذَا هُوَ الوَجْهُ عِنْدَنَا فِيهِ، وَالتَّأْوِيلُ، وَالله أَعْلَمُ، لَا مَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ: أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، كَقَوْلِ النَّاسِ: أَتَيْنَاكَ رَبَّنَا شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِتَغْفِرَ لَنَا ذُنُوبَنَا.
وَهَذَا تَفْسِيرٌ مُحَالٌ لَا يُشْبِهُ مَا شَبَّهْتَ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِكَ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُهُ شَابًّا جَعْدًا فِي ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ»، وَيَقُولُ أُولَئِكَ: أَتَيْنَاكَ شُعْثًا غُبْرًا، أَيْ قَصَدْنَا إِلَيْكَ نَرْجُو عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ، وَلَمْ يَقُولُوا: أَتَيْنَاكَ فَرَأَيْنَاكَ شَابًّا جَعْدًا فِي ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ لِتَغْفِرَ لَنَا، هَؤُلَاءِ قَصَدُوا قَصْدَ الثَّوَاب وَالمَغْفِرَة، وَلَمْ يَصِفُوا الَّذِي
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٨)، وغيره من حديث أبي ذر - ﵁ -.
(٢) متفق عليه وسيأتي مسندًا برقم (١٨٣).
[ ٢٨٢ ]
قَصَدُوا إِلَيْهِ بِمَا فِي حَدِيثِكَ مِنَ الحِلْيَةِ وَالكُسْوَةِ والمُعَايَنَة، فَلَفْظُ هَذَا الحَدِيثِ بِخَلَافِ [٥٣/و] مَا فَسَّرْتَ، وَتَفْسِيرُكَ أَنْكَرُ مِنْ نَفْسِ الحَدِيثِ، فَافْهَمْ وَأَقْصِرْ عَنْ شِبْهِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الحَدِيثِ، فَإِنَّ الخَطَأَ فِيهِ كُفْرٌ، وَرَأْيُ الصَّوَابِ مَرْفُوعًا عَنْكَ.
وَمِنَ الأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَهَا العُلَمَاءُ وَرَوَوْهَا وَلَمْ يُفَسِّرهَا، وَمَنْ فَسَّرَهَا بِرَأْيِهِ اتَّهَمُوهُ.
(١٧٩) فَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَنَّ وَكِيعًا سُئل عَنْ حَدِيثِ عبد الله ابْن عَمْرٍو: «الجَنَّةُ مَطْوِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ بِقُرُونِ الشَّمْس» (١)؟ فَقَالَ وَكِيعٌ: هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، قَدْ رُوِيَ فَهُوَ يُرْوَى، فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ تَفْسِيرِهِ لَمْ نُفَسِّرْ لَهُمْ، وَنَتَّهِمُ مَنْ يُنْكِرُهُ ويُنَازِعُ فِيهِ، والجَهْمِيَّةُ تُنْكِرُهُ.
فَلَوِ اقْتَدَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ المُشْكِلَةِ المَعَانِي بَوَكِيعٍ؛ كَانَ أَسْلَمَ لَكَ مِنْ أَنْ تُنْكِرَهُ مَرَّةً، ثُمْ تُثْبِتَهُ أُخْرَى، ثُمَّ تُفَسِّرَهُ تَفْسِيرًا لَا يَنْقَاسُ فِي أَثَرٍ، وَلَا قِيَاسٍ عَنْ ضَرْبِ المَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ وَنُظُرَائِهِمْ، ثُمَّ لَا حَاجَةَ لِمَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ مِنَ النَّاسِ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، ثُمَّ فَسَّرْتَهُ تَفْسِيرًا أَوْحَشَ من الأول، فَقُلْتَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الحَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي فِي جَنَّةِ عَدْنٍ شَابًّا جَعْدًا» أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى شَابًّا فِي الجَنَّةِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الله وَافَاهُ رَسُولُهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ فَقَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي».
فَقَدِ ادَّعَى المُعَارِضُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - كُفْرًا عَظِيمًا أَنَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ فَرَأَى
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٩٧٤)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٠٧)، وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.
[ ٢٨٣ ]
شَابًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ الله فَقَالَ: رَأَيْتُ رَبِّي.
ثُمَّ بَعْدَمَا فسَّر هَذِهِ التَّفَاسِيرَ المَقْلُوبَةَ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي وَضَعَتْهَا الزَّنَادِقَةُ فَدَسُّوهَا فِي كُتُبِ المُحَدِّثِينَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ الأَحْمَقِ، الَّذِي تَتَلعَّبُ بِهِ الشَّيَاطِينُ: وَأَيُّ زِنْدِيقٍ اسْتَمْكَنَ مِنْ كُتُبِ المُحَدِّثِينَ مِثْل حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَسُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكٍ، وَوَكِيعٍ، وَنُظَرَائِهِمْ فَيَدُسُّوا مَنَاكِيرَ الحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمْ؟ وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ أَصْحَابَ حِفْظٍ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ كَانُوا لَا يَكَادُونَ يُطْلِعُونَ عَلَى كُتُبِهِمْ أَهْلَ الثِّقَةِ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ الزَّنَادِقَةُ؟
وَأَيُّ زِنْدِيقٍ كَانَ يَجْتَرِئُ عَلَى أَنْ يَتَرَاءَى لِأَمْثَالِهِمْ وَيُزَاحِمَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ؟، فَكَيْفَ يَفْتَعِلُونَ عَلَيْهِمُ الأَحَادِيثَ وَيَدُسُّوهَا فِي كُتُبِهِمْ؟
أَرَأَيْتَكَ أَيُّهَا الجَاهِلُ إِنْ كَانَ الحَدِيثُ عِنْدَكَ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ؛ فلِمَ تَلْتَمِسُ لَهُ الوَجْهَ وَالمَخَارِجَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالتَّفْسِيرِ، كَأَنَّكَ تُصَوِّبُهُ وَتُثْبِتُهُ؟ أَفَلَا قُلْتَ أَوَّلًا: إِنَّ هَذَا مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَة فَتَسْتَريحَ وتُريحَ العَنَاء وَالِاشْتِغَالَ بِتَفْسِيرِهِ، وَلَا تَدَّعِيَ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ فَرَأَى شَابًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ الله تَعَالَى فَقَالَ: هَذَا رَبِّي، غَيْرَ أَنَّكَ خَلَطْتَ عَلَى نَفْسِكَ؛ فَوَقَعْتَ فِي تَشْوِيشٍ وَتَخْلِيطٍ لَا تَجِدُ لِنَفْسِكَ مَفْزَعًا إِلَّا بِهَذِهِ التَّخَالِيطِ، وَلَنْ يُجْدِيَ عَنْكَ شَيْئًا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ، وَكُلَّمَا أَكْثَرْتَ مِنْ هَذَا وَشَبَهِهِ؛ ازْدَدْتَ بِهِ [٥٣/ظ] فَضِيحَةً؛ لِأَنَّ أَحْسَنَ حُجَجِ البَاطِلِ تَرْكُهُ وَالرُّجُوعُ عَنْهُ.
وَرَوَى المُعَارِضُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الله بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ،
عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ -، أَن النبي - ﷺ - قَالَ:
«أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ فَقُلْتُ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَبِّ فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ فِي صَدْرِي،
[ ٢٨٤ ]
فَتَجَلَّى لِي مَا بَين السَّمَاء وَالأَرْض» (١).
فَادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ: أَتَانِي رَبِّي مِنْ خَلْقِهِ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ فَأَتَتْنِي تِلْكَ الصُّورَةُ، وَهِيَ غَيْرُ اللهِ، وَاللهُ فِيهَا مُدَبِّر، وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٤٧٠)، والروياني في مسنده (٦٥٦)، والطبراني في الدعاء (١٤١٧)، وابن منده في الرد على الجهمية (٧٣)، والبغوي في شرح السنة (٤/ ٣٨)، جميعا من طرق عن عبد الله بن صالح، به. وتابعه عبد الله بن وهب، كما أخرج ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٥٤٣)، والدارقطني في الرؤية (٢٥٣)، من طريق ابن وهب، عن معاوية بن صالح، به. قلت: وفيه انقطاع فإن أبا سلام الحبشي واسمه ممطور لم يسمع من ثوبان كما ذكر ابن المديني وابن معين وأحمد. والراوي عنه أبو يزيد الشامي اسمه غيلان بن أنس قال الحافظ: مقبول. وقد روي هذا الحديث من أوجه مختلفة، وقد اختلف العلماء فيه من بين مصحح له ومضعف. فقد صححه الترمذي (٣٢٣٥) من حديث أبي سلام هذا ولكن عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل. وقال سألت البخاري عنه فقال: هذا حديث حسن صحيح. وأما الدارقطني فبعد أن تكلم على طرق حديث معاذ هذا في العلل (٦/ ٥٧)، قال: «ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة». وكذلك قال محمد بن نصر المروزي كما في مختصر قيام الليل للمقريزي (ص ٥٦): «قال: وفي الباب عن ثوبان - ﵁ -، وابن عباس - ﵁ -، ومعاذ بن جبل، وأبي أمامة - ﵄ -، قال محمد بن نصر ﵀: هذا حديث قد اضطربت الرواة في إسناده على ما بينا، وليس يثبت إسناده عند أهل المعرفة بالحديث». قال البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٧٨٠) بعد روايته لحديث معاذ: «وقد روي من أوجه أخر كلها ضعيف، وأحسن طريق فيه رواية جهضم بن عبد الله ثم رواية موسى بن خلف، وفيهما ما دل على أن ذلك كان في النوم». قلت: وهذا الذي ذكره البيهقي هو ما ذهب إليه المصنف أيضًا وهو الراجح والله أعلم، وللحافظ العلامة أبي الفرج ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ رسالة قيمة في الكلام على هذا الحديث، وقد سماها «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى».
[ ٢٨٥ ]
كَتِفَيَّ؛ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ فِي صَدْرِي، يَعْنِي تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ خَلْقِهِ، وَالأَنَامِلُ لِتِلْكَ الصُّورَةِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الله، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُ للهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: كَمْ تَدْحَضُ فِي قَوْلِكَ، وَتَرْتَطِمُ فِيمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، أَرَأَيْتَكَ إِذَا ادَّعيتَ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ صُورَةً مِنْ خَلْقِ الله سِوَى الله أَتَتْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ تَدْرِي يَا مُحَمَّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ أَفَتَتَأَوَّلُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ أَجَابَ صُورَةَ غَيْرِ الله: «لَا يَا رَبِّ لَا أَدْرِي» فَدَعَاهَا رَبًّا، دُونَ الله، أَمْ أَتَتْهُ صُورَةٌ مَخْلُوقَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَتَانِي رَبِّي»؟ إِنَّ هَذَا لَكُفْرٌ عَظِيمٌ ادَّعَيْتَهُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، وَأَيَّةُ صُورَةٍ تَضَعُ أَنَامِلَهَا وَكَفَّهَا فِي كَتِفِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ فَيَتَجَلَّى لَهُ بِذَلِكَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ غَيْرُ الله؟
فَفِي دَعْوَاكَ ادَّعَيْتَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ أَقَرَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِصُورَةٍ مَخْلُوقَةٍ غَيْرِ الله؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِكَ أَنَّ الصُّورَةَ قَالَتْ لَهُ: «هَلْ تَدْرِي يَا مُحَمَّدُ» فَقَالَ لَهَا: «يَا رَبِّ»، وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صُورَةٌ مَخْلُوقَةٌ تَضَعُ أَنَامِلَهَا فِي كَتِفِ نَبِيٍّ مِثْلِ مُحَمَّدٍ، فَيَتَجَلَّى لَهُ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أُمُورٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ تِلْكَ الصُّورَةُ كَفَّهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟
وَيْحَكَ! لَا يُمْكِنُ هَذَا جِبْرِيل، وَلَا مِيكَائِيل، وَلَا إِسْرَافِيلُ، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا غَيْرُ الله، فَكَمْ تَجْلِبُ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الجَهْلِ وَالخَطَإِ، وَتَتَقَلَّدُ مِنْ تَفَاسِيرِ الأَحَادِيثِ الصَّعْبَةِ، مَا لَمْ يَرْزُقْكَ الله مَعْرِفَتَهَا، وَلَا تَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَجُرَّكَ ذَلِكَ إِلَى الكُفْرِ كَالَّذِي تَأَوَّلْتَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -: أَنَّ صُورَةً مَخْلُوقَةً كَلَّمَتْهُ فَأَجَابَهَا مُحَمَّدٌ: «يَا رَبِّ»، أَمِ الله صُورَةٌ لَمْ يَعْرِفْهَا، فَقَالَ: «أَتَانِي رَبِّي» لِمَا أَنَّ الله فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مُدَبِّرٌ؟
فَفِي دَعْوَاكَ يَجُوزُ لَكَ كُلَّمَا رَأَيْتَ كَلْبًا أَوْ حِمَارًا أَوْ خِنْزِيرًا قُلْتَ: هَذَا رَبِّي لِمَا أَنَّ الله مُدَبِّرٌ فِي صُوَرِهِمْ فِي دَعْوَاكَ، وَجَازَ لِفِرْعَوْنَ فِي دَعْوَاكَ أَنْ يَقُولَ: ﴿أَنَا
[ ٢٨٦ ]
رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]؛ لِمَا أَنَّ الله مُدَبِّرٌ فِي صُورَتِهِ بِزَعْمِكَ، وَهَذَا أَبْطَلُ بَاطِلٍ، لَا يَنْجَعُ إِلَّا فِي أَجْهَلِ جَاهِلٍ.
وَيْلَكَ! إِنَّ تَأْوِيلَ هَذَا الحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ؛ لِمَا أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرٍّ «أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ» (١)، وَقَالَ رَسُولِ الله - ﷺ -: «لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا» (٢)، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى الله الفِرْيَةَ»، وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ الله تَعَالَى: [٥٤/و] ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يَعْنُونَ أَبْصَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الرُّؤْيَةُ كَانَتْ فِي المَنَامِ، وَفِي المَنَام يُمْكِنُ رُؤْيَة الله تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَال وَفِي كل صُورَة.
رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبِلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَا شَاءَ الله مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي، فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» (٣).
فَحِينَ وُجِدَ هَذَا لِمُعَاذٍ كَذَلِكَ صُرِفَتِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا إِلَى مَا قَالَ
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (٧٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٨٦٤)، والمصنف في الرد على الجهمية (٨٩)، والنسائي في الكبرى (٧٧١٦)، والطبراني في الشاميين (١١٥٧)، والبزار (٢٦٨١)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٥٧، ٢٢١)، وغيرهم، من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، وسنده حسن. وأخرجه البخاري (٣٣٣٧، ٧١٢٧)، ومسلم (٢٩٣١)، وأبو داود (٤٧٥٩)، والترمذي (٢٢٣٥)، وأحمد (٦٣٦٥)، والمصنف في الرد على الجهمية (٩٤)، وغيرهم، من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - وفيه «لن يرى أحدكم ربه حتى يموت».
(٣) أخرجه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٢٢١٠٩)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٤٠)، والحاكم (١/ ٧٠٢)، وغيرهم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد مضى الكلام عليه قبل قليل.
[ ٢٨٧ ]
مُعَاذٌ، فَهَذَا تَأْوِيلُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، لَا مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ مِنَ الجُنُونِ وَالخُرَافَاتِ، فَزَعَمْتَ أَنَّ الله بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - صُورَةً فِي اليَقَظَةِ كَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا رَبِّ»، غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ لَوْ دَرَيْتَ أَنَّهُ يُخْرِجُكَ تَأْوِيلُكَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ؛ لَأَمْسَكْتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ عَلَى حَدِّ الحِوَارِ آمِنًا مِنَ الجَوَابِ غَارًّا أَنْ يُنْتَقَدَ عَلَيْكَ.
وَقَدْ رَوَى المُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: «بَيْنَمَا عَبْدُ الله يُمَجِّدُ رَبَّهُ إِذْ قَالَ مِعْضَدٌ: نِعْمَ المَرْءُ رَبُّنَا فَقَالَ عَبْدُ الله: إِنِّي أُجِلُّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» (١).
فَادَّعَى المُعَارِضُ فِي تَفْسِيرِهِ تَخْلِيطًا مِنَ الكَلَامِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: الشَّخْصُ فِي قَوْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الله إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهَ، فَأَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَعْنِي الشَّيْءَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ شَخْصًا، وَالله لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ شَيْءٌ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا المُعَارِضُ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ؛ فَهَذَا مَحْضُ الزَّنْدَقَة؛ لِأَنَّ الله أَكْبَرُ الأَشْيَاءِ، وَأَعْظَمُ الأَشْيَاءِ وَخَالِقُ الأَشْيَاءِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -.
(١٨٠) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ أَبِي عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الله الفِهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٢).
وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نُورٍ مَخْلُوقٍ إِلَّا وَلَهُ مَرْأًى وَمَنْظَرٌ، فَكَيْفَ النُّور الأَعْظَم خَالقُ الأَنْوَار.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦٤٠)، من طريق الأعمش، به.
(٢) تقدم تخريجه برقم (١٠٧).
[ ٢٨٨ ]
وَذَكَرَ المُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «يَقُولُ دَاوُدُ يَوْمَ القِيَامَةِ: ادْنِنِي، فَيُقَالُ لَهُ: ادْنُهْ، فَيَدْنُوَ حَتَّى يَمَسَّ رُكْبَتَهُ» (١).
فَادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ تَأْوِيلَهُ: أَنَّهُ يُدْنِيهِ إِلَى خَلْقٍ من خَلْقِهِ، ذِي رُكْبَةٍ حَتَّى تمَسَّ رُكْبَةُ دَاوُدَ رُكْبَةَ ذَلِكَ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أيضًا أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ.
فَلَوْ كَانَ لِهَذَا المُعَارِضِ مَنْ يَقْطَعُ لِسَانَهُ كَانَ قَدْ نَصَحَهُ!
وَيْلَكَ! أَيُّ زِنْدِيقٍ تَرْوِي عَنْهُ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ وَلَا تُسَمِّهِ؟ وَأَيُّ دَرَكٍ لِدَاوُدَ إِذَا اسْتَغْفَرَ اللهَ لِذَنْبِهِ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ وَاسْتَعَاذَ بِهِ فِي أَنْ يُدْنِيَهُ إِلَى خَلْقٍ سِوَاهُ، فَيَمَسَّ رُكْبَتَهُ، وَمَا يُجْزِئُ عَنْ دَاوُدَ رُكْبَةُ ذَلِكَ المَخْلُوقِ الَّذِي إِذَا مَسَّ دَاوُدُ النَّبِيُّ رُكْبَتَهُ غَفَرَ ذَنْبَهُ، وَآمَنَ رَوْعَتَهُ، إِنَّ ذَلِكَ خَلْقٌ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّهِ أَكْرَمُ مِنْ دَاوُدَ، وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ فِي دَعْوَاكَ، إِذْ جَعَلَهُ مَفْزَعًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَمُعَوَّلًا عَلَيْهِ فِي ذُنُوبِهِمْ، يَحْكُمُ عَلَى الله فِي مَغْفِرَتِهِ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ يَوْمَ القِيَامَة دون الله!!
ولابُدَّ لِمِثْلِ هَذَا الخَلْقِ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لَهُ مِنَ الله اسْمٌ فِي المَلَائِكَةِ أَوْ فِي النَّبِيِّينَ، فَمَا اسْمُهُ أَيُّهَا الجَاهِلُ؟ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَذَا شَيْطَانٌ أَوْ مُدْمِنُ خَمْرٍ سَكْرَانَ، مَا زَادَ عَلَيْكَ جَهْلًا [٥٤/ظ] فَكيف إِنْسَان!
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: إِنَّهُ يتقرَّب إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ لَا بِالدُّنُو مِنْهُ، أوَ لم تَعْلَمْ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ جَزَاءٍ لِلْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى الله فِي الدُّنْيَا؟ فَكَيْفَ رَفَعَ الله العَمَلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ وَأَوْجَبَهُ عَلَى دَاوُدَ؟
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١١٦٢)، (١١٨١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٧٤)، وابن أبي الدنيا في التوبة (٣٨)، من طريق سفيان، عن حميد، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ [ص: ٢٥].دون ذكر الركبة.
[ ٢٨٩ ]
قُلْتَ: وَكَذَلِكَ مَا رَوَى المَسْعُودِيُّ، عَنِ المِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله: «أَنَّ الرَّب يَبْدُو لِأَهْلِ الجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ، فَيَكُونُونَ مِنْهُ فِي القُرْبِ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا» (١).
فَادَّعَيْتَ أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ هَذَا مِنَ القُرْبِ: أَنَّهُ يَبْدُو لَهُمْ بِظُهُور الدلالات، وَبَذْلِ الكَرَامَاتِ لِأَوْلِيَائِهِ، فَيَظْهَرُ بِمَا فَعَلَ، ودِلَالَاتُهُ وَعَلَامَاتُهُ لَا هُوَ بِنَفْسِهِ.
فَيُقَالُ لَكَ: أَيُّهَا المُعَارِضُ، بِئْسَمَا أَثْبَتَّ عَلَى أَوْلِيَاءِ الله أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الله بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَبرِسَالَاتِ نَبِيِّهِ، وَمَا أَنْزَلَ فِي كُتُبِهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ مَقَامِهِمْ حَتَّى يَعْرِفُوهُ بِهَا فِي الآخِرَةِ؛ إِذْ مَاتُوا كُفَّارًا فِي دَعْوَاكَ، جُهَّالًا بِالله وَبِدِلَالَاتِهِ، فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ فِي دَعْوَاكَ؛ لَمْ يَكُونُوا إِذًا أَوْلِيَاء الله؛ إِذ لَمْ يَمُوتُوا عَلَى حَقِيقَةِ مَعْرِفَةِ الله تَعَالَى وَلَا اسْتَحَقُّوا الكَرَامَاتِ مِنَ اللهِ، وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلًا فِي دَعْوَاكَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُمْ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ، بَلْ يَحْتَجِبُ عَنهُم؛ إِذْ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَرِسَالَاتِ نَبِيِّهِ، إِلَّا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ نَفْسً (٢) إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ؛ إِذْ كُلُّ كَافِرٍ ومُنَافِقٍ يَعْرِفُهُ يَوْمَئِذٍ بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ، فَمَا فَضْلُ المُؤْمِنِ عِنْدَكَ فِي هَذَا عَلَى الكَافِرِ؟
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ١٣١)، عن المسعودي، ومن طريقه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٧٦)، والدارقطني في الرؤية (١٦٥)، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٩٣) من طرق أبي داود الطيالسي، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٨)، من طريق أبي نعيم، كلاهما عن المسعودي، به. وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه فإن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه.
(٢) الجادة «نفسًا» والمثبت من الأصل؛ جائز على لغة ربيعة التى حكاها ابن مالك في «كتابه شواهد التوضيح» (ص ٤٩)، ومفادها جواز الإضراب عن إثبات الألف المبدلة من تنوين النصب.
[ ٢٩٠ ]
ثُمَّ فَسَّرْتَ قَوْلَ عَبْدِ الله: «أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي القُرْبِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الجُمُعَةِ»: أَنَّ ذَلِكَ تَقَرُّبٌ إِلَيْهِ بِالعَمَلِ الصَّالَحِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا».
وَيْلَكَ أَيُّهَا الحَيْرَانُ! إِنَّمَا قَالَ الله: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا» فِي الدُّنْيَا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لَا فِي الآخِرَةِ يَوْمَ تُرْفَعُ الأَعْمَالُ منِ العِبَادِ.
لَقَدْ تقلَّدت أَيُّهَا المُعَارِضُ مِنْ تَفَاسِيرِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَشْيَاءَ لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَى مِثْلِهَا فَصِيحٌ، وَلَا أَعْجَمِيٌّ، وَلَوْ قَدْ عِشْتَ سِنِينَ؛ لَقَلَبْتَ العَرَبِيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
ثُمَّ قُلْتَ: هَذَا كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي النَّجْوَى: «إِنَّهُ يَدْنُو المُؤْمِنُ مِنْ ربِّه حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك اليَوْم» (١).
قُلْتَ: فَتَفْسِيرُ «كَنَفِهِ»: نِعْمَتُهُ وَسَتْرُهُ وَعَافِيَتُهُ، فَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ عَلَى السَّتْرِ مَعَ القُرْبِ وَالدُّنُوِّ وَالمُنَاجَاةِ الَّتِي قَالَهَا النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَنْتَ لِجَمِيعِهَا مُنْكِرٌ، وَعَلَى مَنْ آمن بهَا مُغْتَاظ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وغيرهما من حديث ابن عمر - ﵄ -.
[ ٢٩١ ]
ثُمَّ طَعَنَ المُعَارِضُ فِي الحُجُبِ الَّتِي احْتَجَبَ الله تَعَالَى بِهَا عَنْ خَلْقِهِ، فَقَالَ: رَوَى وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُبَيْدٍ المُكْتِب، عَن مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «احْتَجَبَ الله مِنْ خَلْقِهِ بِأَرْبَعٍ: بِنَارٍ وَنُورٍ وَظُلْمَةٍ وَنُورٍ».
فَفَسَّرَهُ المُعَارِضُ تَفْسِيرًا يُضْحَكُ مِنْهُ، فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الحُجُبُ آيَاتٍ يَعْرِفُونَهَا، وَدَلَائِلَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ الوَاحِدُ المَعْرُوفُ، إِذْ عرَّفَهُم بِدِلَالَاتِهِ، فَهِيَ آيَاتٌ لَوْ [٥٥/و] قَدْ ظَهَرَتْ لِلْخَلْقِ لَكَانَتْ مَعْرِفَتُهُمْ كَالعِيَانِ بِهَا.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: عَمَّنْ رَوَيْتَ هَذَا التَّفْسِيرَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْطَانٍ تَلَقَّنْتَهُ؟ وَمَنِ ادَّعى قَبْلَكَ أَنَّ حُجُبَ الله آيَاتُهُ الَّتِي احْتَجَبَ بِهَا؟ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]؟ أَمَعْنَاهُ عِنْدَكَ: مِنْ وَرَاءِ الدِّلَالَاتِ وَالعَلَامَاتِ؟ أَمْ قَوْلِهِ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]؛ أَهُوَ عِنْدَكَ: أَنْ لَا يَرَوْا يَوْمَئِذٍ آيَاتِهِ وَدَلَائِلَهُ؟ وَلَا يَعْرِفُوا يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ الوَاحِدُ المَعْرُوفُ بِالوَحْدَانِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي دَعْوَاكَ عَنْهُ مَحْجُوبٌ؛ لِمَا أَنَّ كُلًّا يَرَى يَوْمَئِذٍ دِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَآيَاتِهِ، وَكُلٌّ يَعْرِفُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ، فَمَا مَوْضِعُ الحِجَابِ يَوْمَئِذٍ؟ وَكَيْفَ صَارَتْ تِلْكَ الدِّلَالَاتُ والعَلامَاتُ مِنْ نَارٍ، وَنُورٍ، وَظُلْمَةٍ؟ وَمَا يَصْنَعُ بِذِكْرِ النَّارِ وَالظُّلْمَةِ هَا هُنَا فِي الدِّلَالَاتِ؟
قُلْتَ: وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّ الله لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، حِجَابُهُ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ» (١).
_________________
(١) تقدم برقم (١٦٧).
[ ٢٩٢ ]
ثُمَّ قُلْتَ: فَتَأْوِيلُ الحِجَابِ فِي هَذَا الحَدِيث مِثْلُهُ فِي الحَدِيثِ الأوَّل: هِيَ الدِّلَالَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَعَلَى أَنَّ الدِّلَالَاتِ كَشْفٌ عَنِ الشَّيْءِ، لَا حِجَابٌ وَغِطَاءٌ.
ثُمَّ قُلْتَ: فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: «لَوْكَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ»، لَوْ كَشَفَ تِلْكَ النَّارَ؛ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ذَلِكَ العِلْمَ الدَّالَّ عَلَيْهِ.
قُلْتَ: وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ «سُبُحَاتُ وَجْهِهِ»، سُبُحَاتُ وَجْهِ ذَلِكَ العِلْمِ، وَذَلِكَ العِلْمُ وَجْهٌ يُتَوَجَّهُ بِرُؤْيَتِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الله، كَقَوْلِهِ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قُلْتَ: قِبْلَةُ الله.
فيُقال لِهَذَا المُعَارِضِ: نَرَاكَ قَدْ كَثُرَتْ لَجَاجَتُكَ فِي رَدِّ هَذَا الحَدِيثِ، إِنْكَارًا مِنْكَ لِوَجْهِ الله تَعَالَى؛ إِذْ تَجْعَلُ مَا أَخْبَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - بلسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ مَعْقُولٍ فِي سِيَاقِ اللَّفْظِ، أَنَّهُ وَجْهُ الله نَفْسُهُ، فَجَعَلْتَهُ أَنْتَ وَجْهَ العِلْمِ، وَوَجْهَ القِبْلَةِ، وَإِذْ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «حِجَابُ اللهِ النَّار، لَوْ كَشَفَهَا عَن وَجهه لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْركهُ بَصَرُهُ» فَإِن لَمْ تَتَحَوَّلِ العَرَبِيَّةُ عَنْ مَعْقُولِهَا؛ إنَّه لَوَجْهٌ حَقًّا كَمَا أَخْبَرَ رَسُولِ الله - ﷺ -، ولو كانت سُبُحَاتُ وُجُوهِ الأَعْلَامِ لَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: حِجَابُهُ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتِ النَّارُ سُبُحَاتِ وُجُوهِ الخَلْقِ كُلِّهَا، وَمَا بَالُ تِلْكَ النَّارِ تَحْرِقُ مِنَ العِلْمِ سُبُحَاتِهِ، وَتَتْرُكُ سَائِرَهُ؟!
وَإِنَّمَا تَفْسِيرُ السُّبُحَاتِ: الجَلَالُ، وَالنُّورُ فَأَيُّ نُورٍ لِوَجْهِ الخَلْقِ حَتَّى تَحْرِقَهَا النَّارُ مِنْهُمْ؟ وَمَا لِلنَّارِ تَحْرِقُ مِنْهُمْ سُبُحَاتِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَكْشِفَهَا اللهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَلَا تَحْرِقُهَا قَبْلَ الكَشْفِ؟ فَلَوْ قَدْ أَرْسَلَ الله مِنْهَا حِجَابًا وَاحِدًا لَأَحْرَقَتِ الدُّنْيَا كُلَّهَا، فَكَيْفَ سُبُحَاتُ وُجُوهِ الخَلْقِ؟
وَيْحَكَ! إِنَّ هَذَا بيِّن، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، إِنَّمَا نَقُولُ: احْتَجَبَ الله بِهَذِهِ
[ ٢٩٣ ]
النَّارِ عَنْ خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطَانِهِ، لَوْ قَدْ كَشَفَهَا؛ لَأَحْرَقَ نُورُ الرَّبِّ وَجَلَاؤُهُ كُلَّ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ، وَبَصَرُهُ مُدْرِكٌ كُلَّ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يُصِيبُ [٥٥/ظ] مَا يَشَاءُ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّا يَشَاءُ، كَمَا أَنَّهُ حِينَ تَجَلَّى لِذَلِكَ الجَبَلِ خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ الجِبَالِ، وَلَوْ قَدْ تَجَلَّى لِجَمِيعِ جِبَالِ الأَرْضِ؛ لَصَارَتْ كُلُّهَا دَكًّا، كَمَا صَارَ جَبَلُ موسى، وَلَوْ قَدْ تَجَلَّى لِمُوسَى كَمَا تَجَلَّى لِلْجَبَلِ؛ جَعَلَهُ دَكًّا، وَإِنَّمَا خرَّ مُوسَى صَعِقًا مِمَّا هَالَهُ مِنَ الجَبَلِ مِمَّا رَأَى مِنْ صَوْتِهِ حِينَ دُكَّ فَصَارَ فِي الأَرْضِ.
(١٨١) وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَن وُهَيْبِ، عَن خَالِد الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ والقمر، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا حَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ» (١).
وَإِنَّمَا كَانْتَ تَحْرِقُ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ لَوْ كَشَفَهَا كُلَّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا؛ لأنَّ اللهَ
_________________
(١) ضعيف، أخرجه النسائي (١٤٨٥)، وابن ماجه (١٢٦٢)، وأحمد (١٨٣٦٥)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٨٩)، وغيرهم من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، به. وهذا إسناد منقطع؛ أبو قلابة الجرمي عبد الله بن زيد، لم يسمع من النعمان بن بشير. وأخرجه أحمد (١٨٣٥١)، والبيهقي (٣/ ٣٣٣) من طريق أبي قلابة، عن رجل، عن النعمان بن بشير. وقد رواه النسائي (١٤٨٦)، وفي الكبرى (١٨٨٥)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٠٧٨)، وغيرهما من طريق قتادة، عن أبي قلابة، عن قبيصة الهلالي، به. وقتادة لم يسمع من أبي قلابة. كما ذكر ذلك يحيى بن معين. وأخرجه أبو داود (١١٨٥)، والنسائي (١٤٨٦)، وأحمد (٢٠٦٠٧)، وغيرهم، من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن قبيصة، به ولكن دون ذكر قوله (ولكن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له). قلت: وفي كل هذه الطرق لم يصرح أبو قلابة بالتحديث، وقد عرف بالتدليس وإن كان يسيرا، لكنا نعتبره هاهنا لا سيما وهذا الاضطراب الواضح في هذه الرواية.
[ ٢٩٤ ]
كَتَبَ الفَنَاءَ عَلَيْهَا، وَرَكَّبَ مَا رَكَّبَ مِنْ جَوَارِحِ الخَلْقِ لِلْفَنَاءِ، فَلَا يَحْتَمِلُ نُورَ البَقَاءِ فَتُحْرَقَ بِهِ أَوْ تُدَكَّ، كَمَا دكَّ الجَبَلُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ؛ رُكِّبَتِ الأَبْصَارُ وَالجَوَارِحُ لِلْبَقَاءِ، فَاحْتَمَلَتِ النّظر إِلَى وَجهه، وَإِلَى سُبْحَاتِهِ وَنُورِ وَجْهِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحْرِقَ أَحَدًا، كَمَا لَوْ أَنَّ أَجْسَمَ رَجُلٍ وَأَعْظَمَهُ وَأَكْمَلَهُ لَوْ أُلقِيَ فِي الدُّنْيَا فِي تَنُّورٍ مَسْجُورٍ لَصَارَ رَمَادًا فِي سَاعَةٍ، فَهُوَ يَحْتَرِقُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ألفَ عَامٍ وَأَكْثَرَ، وَنَارُهَا أَشَدُّ حَرًّا مِنْ نَارِ الدُّنْيَا سَبْعِينَ ضِعفًا، لَا يَصِيرُ مِنْهَا رَمَادًا، وَلَا يَمُوتُ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]؛ لِأَنَّ أَجْسَامَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ تُرَكَّبُ يَوْمَئِذٍ لِلْبَقَاءِ، فَاحْتَمَلَتْ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ مَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَمِلُ جُزْءًا مِنْ ألفِ جُزْءٍ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا.
وَكَذَلِكَ أَوْلِيَاءُ اللهِ تَحْتَمِلُ أَبْصَارُهُمُ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَوْ قَدْ أَدْرَكَهُمْ شَيْءٌ مِنْ سُبُحَاتِ وَجْهِهِ فِي الدُّنْيَا لَاحْتَرَقُوا، كَمَا قَالَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلم تَحْتَمِلْهَا أَبْصَارُهُمْ، فَهَذَا تَأْوِيلُ حَدِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ - الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ ألفَاظُهُ، لَا مَا تأوَّلتَ لَهُ مِنَ التَّفْسِيرِ المَقْلُوبِ، الَّذِي لَا يَنْقَاسُ لِلَفْظِ الحَدِيثِ إِلَّا أَنْ تَقْلِبَ لَفْظَهُ كَمَا قَلَبْتَ تَفْسِيرَهُ، فَارْبَحِ العَنَاءَ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ ألفَاظِهِ تَشْهَدُ عَلَيْكَ بِالتَّكْذِيبِ بِالتَّوْحِيدِ.
وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ فِي القُرْآنِ وَفِي الرِّوَايَاتِ مِنْ أَمْرِ الحُجُبِ؛ لِيَعْرِضَهَا عَاقِلٌ عَلَى قَلْبِهِ، هَلْ يَنْقَاسُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ؟
أَوَّلُ ذَلِكَ مَا رَوْيَتَهُ أَيُّهَا المُعَارِضُ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -:
(١٨٢) حَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ الله - ﷺ - بِأَرْبَعٍ فَقَالَ: «إِنَّ الله لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ
[ ٢٩٥ ]
عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حجابه النُّور، لو كشفها لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْركهُ بَصَره» (١).
(١٨٣) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ بِشْرٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - يَقُولُ [٥٦/و]: قَالَ رَسُولِ الله - ﷺ -:
«إِنَّ الله لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» (٢).
(١٨٤) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَبنَا هُشَيْم، عَن دَاوُدَ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «مَنْ زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأَى ربَّه فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى الله الفِرْيَةَ، ثُمَّ تَلَتْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]» (٣).
أَفَيَجُوزُ أَنْ يتأوَّل هَذَا أَنَّ الله لَمْ يُكَلِّمْ بَشَرًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ الآيَاتِ وَالعَلَامَاتِ؟
_________________
(١) صحيح، تقدم برقم (١٦٧).
(٢) حسن، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٥٢، ١٣٩)، والترمذي (٣٠١٠) وقال حسن غريب، وابن ماجه (١٩٠)، والحاكم (٣/ ٢٠٤) وصححه، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٦)، وفي السنة (٦٠٢)، وغيرهم، من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير، به. وموسى صدوق كما ذكر الحافظ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال «كان ممن يخطئ»، فحديثه حسن إن شاء الله تعالى، لاسيما وقد رواه عنه غير واحد من كبار أهل الحديث كما ذكر الترمذي ﵀، وسيأتي الحديث بتمامه رقم (١٣٩).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦١٢، ٧٣٨٠، ٧٥٣١)، ومسلم (١٧٧)، وغيرهما من طريق الشعبي، به. وقد أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٥٣)، وإسناد المصنف فيه هشيم بن بشير وكان مدلسًا، لكنه توبع من جمع من الثقات.
[ ٢٩٦ ]
(١٨٥) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَبنا سُفْيَانُ، عَن عُبَيْدٍ المُكْتِب، عَن مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «احْتَجَبَ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ بِأَرْبَعٍ: بِنَارٍ وَظُلْمَةٍ، وَنُورٍ وَظُلْمَةٍ» (١).
أَفَيَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ عَلَى الله فِي هَذَا الحَدِيثِ بِأَرْبَعِ عَلَامَاتٍ وَأَرْبَعِ دَلَائِلَ وَنَارٍ وَظُلْمَةٍ وَنُورٍ وَظُلْمَةٍ؟
(١٨٦) وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَأَلَ جِبْرِيلَ:
«هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ، لَوْ دَنَوْتُ مِنْ أَدْنَاهَا حِجَابًا؛ لَاحْتَرَقْتُ» (٢).
أَفَيَجُوزُ أَنْ يُتَأوَّلَ عَلَى جِبْرِيلَ أَنْ يَقُولَ: بَيْنِي وَبَيْنَ الله سَبْعِينَ عَلَامَةً وَدلَالَةً مِنْ نُورٍ، لَوْ دَنَوْتُ مِنْ أَدْنَاهَا لَاحْتَرَقْتُ؟ أَمْ يَجُوزُ أَنْ يُتَأوَّلَ عَلَى جِبْرِيلَ أَنَّهُ لَا يَسْتَدِلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ الوَاحِدِ لِمَا رَأَى وَشَاهَدَ من آيَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ إِلَّا بِهَذِهِ الأَرْبَعَةِ الحُجُبِ الَّتِي ادَّعَيْتَ أَنَّهَا دَلَائِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ الوَاحِدِ المَعْرُوفِ؟ أَوَلَمْ يكتفِ جِبْرِيلُ بِمَا رَأَى وَعَايَنَ مِنَ الدِّلَالَاتِ وَالعَلَامَاتِ عَلَى مَعْرِفَةِ الله، وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُسُلِهِ، حَتَّى يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِالحُجُبِ الَّتِي ادَّعَيْتَ أَنَّهَا آيَاتُهُ وَعَلَامَاتُهُ؟
_________________
(١) صحيح، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٥٥)، من طريق أبي إسحاق الفزاري، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٠)،والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٩٩)، من طريق يزيد بن هارون، وابن أبي زمنين في السنة (٤٢)، من طريق وكيع بن الجراح، وأبو الشيخ في العظمة (٢٦٨)، وابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٠١)، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، أربعتهم عن سفيان الثوري، به.
(٢) مرسل، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٥٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٧٧)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش (٧٧)، وابن أبي زمنين في السنة (٤٠)، وله شاهد موصول من حديث أنس عند الطبراني في الأوسط (٦٤٠٧)، إلا أنه ضعيف.
[ ٢٩٧ ]
وَلَوْ قَدْ رُزِقْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ شَيْئًا مِنَ العَقْلِ؛ عَلِمْتَ أنَّ مَا تَدَّعِي زُورٌ وَبَاطِلٌ، وَلَكِنْ قَالَ رَسُولِ الله - ﷺ -: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (١).
(١٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ المُثَنَّى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
«احْتَجَبَ رَبُّنَا - ﷿ - عَنْ خَلْقِهِ بَأَرْبَعٍ: بِنَارٍ وَظُلْمَةٍ، ثُمَّ بِنُورٍ وَظُلْمَةٍ، مِنْ فَوْقِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَالبَحْرُ الأَعْلَى فَوْقَ ذَلِك، كُلُّهُ تَحتَ العَرْشِ» (٢).
(١٨٨) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حُبَابَةَ بِنْتِ عَجْلَانَ الخُزَاعِيَّةِ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ حَفْصٍ، عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ جَرِيرٍ، عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ وَدَّاعٍ الخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَقُولُ:
«دُعَاءُ الوَالِدَةِ يُفْضِي إِلَى الحِجَابِ» (٣).
وَيْحَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ! قَدْ عَلِمَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ أَنَّ ألفَاظَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ادَّعيت مِنْ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ المَقْلُوبَةِ، وَأَنَّ للهِ أَكْثَرَ مِنْ ألفِ آيَةٍ وَعَلَامَةٍ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٨٣، ٣٤٨٤)، وأبو داود (٤٧٩٧)، وغيرهما من أبي مسعود البدري - ﵁ -.
(٢) ضعيف، أخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة (٢/ ٦٨٢)، من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، به. وفيه المثنى بن الصباح، ضعفه غير واحد من أهل العلم، وقال النسائي: متروك. وقد صح الحديث من رواية عبد الله عمر بن الخطاب، موقوفا، كما تقدم، وله حكم الرفع.
(٣) ضعيف، أخرجه ابن ماجه (٣٨٦٣)، والطبراني (٢٥/ ١٦٣)، وعنه أبو نعيم في المعرفة (٦/ ٣٤٨٦)، من طريق موسى بن إسماعيل، به. وهذا إسناد ضعيف لجهالة، حبابة، وأمها، وصفية.
[ ٢٩٨ ]
فَكَيْفَ لَمْ يَحْتَجِبْ مِنْهَا إِلَّا بِأَرْبَعٍ، جَعَلَهَا دَلَالَةً وَعَلَامَةً عَلَى مَعْرِفَتِهِ؟ وَسَائِرُهَا لَا تَدُلُّ فِي دَعْوَاكَ؟. [٥٦/ظ]
* * *
[ ٢٩٩ ]