وَادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّ الله يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ من دَاع».
(٢٦) حدّثنَاهُ القَعْنَبِيُّ، وَابْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن الأَغَر، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«يَنْزِلُ رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخر فَيَقُول: من يدعني أستجيب لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (١).
(٢٧) حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الحَوْضِيُّ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رِفَاعَةَ الجُهَنِي: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ:
«إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ -أَوْ شَطْرُ اللَّيْلِ- يَنْزِلُ الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي، فَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَهُ؟ مَنْ يَدْعُنِي أَسْتَجِبْ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي أُعْطِهِ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الفجْر» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٧)، وأبو داود (١٣١٧)، وأحمد (١٠٣١٣)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢)، وفي الأسماء والصفات (٩٥٣)، جميعًا من طرق عن مالك، به، والحديث في الموطأ (٤٩٨).
(٢) صحيح، أخرجه أحمد (١٦٢١٥، ١٦٢١٧، ١٦٢١٨)، وابن حبان (٢١٢)، والطبراني في الكبير (٤٥٥٨)، وغيرهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير به. وقد صرح يحيى بن أبي كثير بالسماع؛ كما في إحدى روايات أحمد ورواية ابن حبان، والطبرانِي. فأمنا بذلك تدليسه.
[ ٦٩ ]
وَهَذا بَابٌ طَوِيلٌ قَدْ جَمَعْنَاهُ فِي الكِتَابِ الأَوَّلِ (١).
فَادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ اللهَ لَا يَنْزِلُ بِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَهُوَ عَلَى العَرْشِ بِكُلِّ مَكَانٍ، مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ؛ لِأَنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ، وَالقَيُّومُ -بِزَعْمِهِ- مَنْ لَا يَزُولُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ حُجَجِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ بَيَانٌ، وَلَا لِمَذْهَبِهِ بُرْهَانٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللهِ وَرَحْمَتَهُ يَنْزِلُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَوَقْتٍ وَأَوَانٍ، فَمَا بَالُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَحُدُّ لِنُزُولِهِ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ؟
وَيُوَقِّتُ مِنَ اللَّيْلِ شَطْرَهُ أَوِ الأَسْحَارَ؟ أَفَبِأَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ يَدْعُو العِبَادَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ؟ أَوْ يَقْدِرُ الأَمْرُ وَالرَّحْمَةُ أَنْ يَتَكَلَّمَا دُونَهُ؛ فَيَقُولَا: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَ؟! هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فأعفر لَهُ؟! هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَ؟!
فَإِنْ قَرَّرْتَ مَذْهَبَكَ لَزِمَكَ أَنْ تَدَّعِي أَن الرَّحْمَة وَالأَمْرَ اللَّذَيْنِ يَدْعُوَانِ إِلَى الإِجَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِكَلَامِهِمَا دُونَ الله. هَذَا مُحَالٌ عِنْدَ السُّفَهَاءِ، فَكَيْفَ عَنْدَ الفُقَهَاءِ؟! وَقَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَلَكِنْ تُكَابِرُونَ.
وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ يَنْزِلَانِ مِنْ عِنْدِهِ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَا يَمْكُثَانِ إِلَّا إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ يُرْفَعَانِ [٧/ظ]؛ لِأَنَّ رِفَاعَةَ يَرْوِيهِ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: «حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ».
وَقَدْ عَلِمْتُمْ -إِنْ شَاءَ الله- أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَبْطَلُ بَاطِلٍ، لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ.
* * *
_________________
(١) يشير ﵀ إلى «باب النزول» من كتابه «الرد على الجهمية» (ص ٧٦).
[ ٧٠ ]
وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ تَفْسِيرَ «القَيُّومِ» الَّذِي لَا يَزُولُ مِنْ مَكَانِهِ وَلَا يَتَحَرَّكُ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْكَ هَذَا التَّفْسِيرُ إِلَّا بِأَثَرٍ صَحِيحٍ، مَأْثُورٍ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَوِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ الحَيَّ القَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويَهْبِطُ ويَرْتَفِعُ إِذا شَاءَ، ويَقْبِضُ وَيَبْسُطُ، وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ؛ لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ التَّحَرُّكَ.
كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ، وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ (١).
_________________
(١) قد اعترض الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ - في طبعته، وتبعه بعض علمائنا المعاصرين- على المصنِّف لذكره هذه الصفات، كالحركة والهبوط والجلوس وغيرها مما لم يرد بها نص صريح، فقال: نتوقف عن وصف الله بها. قلت: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٨/ ٢١) -تحت عنوان فصل في قدرة الرب ﷿- وقد ذكر أن القدرة هي قدرته على الفعل، والفعل نوعان: لازم، ومتعد، وقد انقسم الناس في هذين النوعين ثلاثة أقوال فذكر منها اثنان ثم قال: «القول الثالث إثبات الفعلين: اللازم والمتعدي كما دل عليه القرآن فنقول: إنه كما أخبر عن نفسه: أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وهو قول السلف وأئمة السنة وهو قول من يقول: إنه تقوم به الصفات الاختيارية - كأصحاب أبي معاذ وزهير البابي وداود بن علي؛ والكرَّامية وغيرهم من الطوائف وإن كانت الكرامية يقولون بأن النزول والإتيان أفعال تقوم به - وهؤلاء يقولون: يقدر على أن يأتي ويجيء وينزل ويستوي ونحو ذلك من الأفعال كما أخبر عن نفسه وهذا هو الكمال. وقد صرح أئمة هذا القول بأنه «يتحرك» كما ذكر ذلك حرب الكرماني عن أهل السنة والجماعة وسمى منهم: أحمد بن حنبل؛ وسعيد بن منصور وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم. وكذلك ذكره عثمان بن سعيد الدارمي عن أهل السنة وجعل نفي الحركة عن الله ﷿ من أقوال الجهمية التي أنكرها السلف وقال: كل حي متحرك وما لا يتحرك فليس بحي وقال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب يتحرك. فقل: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء. وهؤلاء يقولون من جعل هذه الأفعال غير ممكنة ولا مقدورة له فقد جعله دون الجماد فإن الجماد وإن كان لا يتحرك بنفسه فهو يقبل الحركة في الجملة. وهؤلاء يقولون: إنه تعالى لا يقبل ذلك بوجه ولا تمكنه الحركة، والحركة والفعل صفة كمال؛ كالعلم والقدرة = = والإرادة. فالذين ينفون تلك الصفات سلبوه صفات الكمال إلخ».
[ ٧١ ]
وَمَنْ يَلْتَفِتُ إِلَى تَفْسِيرِكَ وَتَفْسِيرِ صَاحِبِكَ مَعَ تَفْسِير نَبِي الرَّحْمَة وَرَسُول رب العِزَّة؛ إِذَا فَسَّرَ نُزُولَهُ مَشْرُوحًا مَنْصُوصًا، وَوَقَّتَ لِنُزُولِهِ وَقْتًا مَخْصُوصًا، لم يَدَعْ لَكَ، وَلَا لِأَصْحَابِكَ فِيهِ لَبْسًا، وَلَا عَوِيصًا؟
ثُمَّ أَجْمَلَ المُعَارِضُ مَا يُنْكِرُ الجَهْمِيَّةُ مِنْ صِفَاتِ الله وَذَواتِهِ المُسَمَّاةِ فِي كِتَابِهِ وَفِي آثَارِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَعَدَّ مِنْهَا بِضْعًا وَثَلَاثِينَ صِفَةً، نسقًا وَاحِدًا، يَحْكُمُ عَلَيْهَا وَيُفَسِّرُهَا بِمَا حَكَمَ المَرِيسِيُّ وَفَسَّرَهَا، وَتَأَوَّلَهَا حَرْفًا حَرْفًا، خِلَافَ مَا عَنَى الله، وَخِلَافَ مَا تَأَوَّلَهَا الفُقَهَاءُ الصَّالِحُونَ، لَا يَعْتَمِدُ فِي أَكْثَرِهَا إِلَّا عَلَى المَرِيسِيِّ، فَبَدَأَ مِنْهَا بِالوَجْهِ، ثُمَّ بِالسَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَالغَضَبِ، وَالرِّضَا، وَالحُبِّ، وَالبُغْضِ، وَالفَرَحِ، وَالكُرْهِ، وَالضَّحِكِ، وَالعَجَبِ، وَالسَّخَطِ، وَالإِرَادَةِ، وَالمَشِيئَةِ، وَالأَصَابِعِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، و﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، و﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وَ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] و﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وَقَوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وَ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧]، و﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وَ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] وَقَوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وَ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] وَ
[ ٧٢ ]
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]،وَ﴿اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
عَمِدَ المُعَارِضُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالآيَاتِ فَنَسَّقَهَا، وَنَظَمَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، كَمَا نَظَمَهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ثُمَّ فَرَّقَهَا أَبْوَابًا فِي كِتَابِهِ، وَتَلَطَّفَ بِرَدِّهَا بِالتَّأْوِيلِ، كَتَلَطُّفِ الجَهْمِيَّةِ، مُعْتَمِدًا، فِيهَا عَلَى تَفَاسِيرِ الزَّائِغِ الجَهْمِيِّ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، مُسْتَتِرًا عِنْدَ الجُهَّالِ بِالتَّشْنِيعِ بِهَا عَلَى قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَيُصَدِّقُونَ الله وَرَسُولَهُ فِيهَا بِغَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا بِمِثَالٍ.
فَزَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ المُؤْمِنِينَ بِهَا يُكَيِّفُونَهَا وَيُشَبِّهُونَهَا بِذَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ العُلَمَاءَ بِزَعْمِهِ قَالُوا: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اجْتِهَادُ رَأْيٍ لِتُدْرَك كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ، أَوْ يُشَبَّهُ شَيْءٌ مِنْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا هُوَ فِي الخَلْقِ مَوْجُود.
قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ لما أَنَّ الله تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ [٨/و]، كَكَيْفِيَّتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُلْنَا لِهَذَا المُعَارِضِ المُدَلِّسِ بِالتَّشْنِيعِ.
أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَتَشْبِيهَهَا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الخَلْقِ خَطَأٌ. فَإِنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ خَطَأٌ كَمَا قُلْتَ، بَلْ هُوَ عِنْدَنَا كُفْرٌ وَنَحْنُ لِكَيْفِيَّتِهَا، وَتَشْبِيهِهَا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الخَلْقِ أَشَّدُ اتِّقَاءً (١) مِنْكُمْ، غَيْرَ أَنَّا كَمَا لَا نُشَبِّهُهَا، وَلَا نُكَيِّفُهَا، لَا نَكْفُرُ بِهَا، وَلَا نُكَذِّبُ، وَلَا نُبْطِلُهَا بِتَأْوِيلِ الضُّلَّالِ، كَمَا أَبْطَلَهَا إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ فِي أَمَاكِنَ مِنْ كِتَابِكَ، سَنُبَيِّنُهَا لِمَنْ غَفَلَ عَنْهَا مِمَّنْ حَوَالَيْكَ مِنَ الأَغْمَارِ إِنْ شَاءَ الله.
_________________
(١) في المطبوعتين «أنفًا» والمثبت من الأصل، وأربع نسخ على كتاب درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٥٤).
[ ٧٣ ]
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي تَكْيِيفِ صِفَاتِ الرَّبِّ، فَإِنَّا لَا نُجِيزُ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الفَرَائِضِ وَالأَحْكَامِ، الَّتِي نَرَاهَا بِأَعْيُنِنَا، وَتُسْمَعُ فِي آذَانِنَا، فَكَيْفَ فِي صِفَاتِ الله الَّتِي لَمْ تَرَهَا العُيُونُ، وَقَصُرَتْ عَنْهَا الظُّنُونُ؟ غَيْرَ أَنَّا لَا نَقُولُ فِيهَا كَمَا قَالَ إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلَّهَا لله كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ السَّمْعُ مِنْهُ غَيْرَ البَصَرِ، وَلَا الوَجْهُ مِنْهُ غَيْرَ اليَدِ، وَلَا اليَدُ مِنْهُ غَيْرَ النَّفْسِ، وَأَنَّ الرَّحْمَنَ لَيْسَ يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ، سَمْعًا مِنْ بَصَرٍ، وَلا بَصَرًا مِنْ سَمْعٍ، وَلَا وَجْهًا مِنْ يَدَيْنِ، وَلَا يَدَيْنِ مِنْ وَجْهٍ.
هُوَ -بِزَعْمِكُمْ- سَمْعٌ وَبَصَرٌ، وَوَجْهٌ، وَأَعْلَى وَأَسْفَلُ، وَيَدٌ وَنَفْسٌ، وَعِلْمٌ وَمَشِيئَةٌ، وَإِرَادَةٌ، مِثْلُ خَلْقِ الأَرَضِينَ، وَالسَّمَاءِ، والجبَال، وَالتِّلَالِ، وَالهَوَاءِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لِشَيْءٍ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالذَّوَاتِ، وَلَا يُوقَفُ لَهَا مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ، فَالله المُتَعَالِي عندنَا أَن يكون كَذَلِك.
فَقَدْ مَيَّزَ الله فِي كِتَابِهِ السَّمْعَ مِنَ البَصَرِ فَقَالَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] و﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٥]، وَقَالَ ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] فَفَرَّقَ بَيْنَ الكَلَامِ وَالنَّظَرِ دُونَ السَّمْعِ، فَقَالَ عِنْدَ السَّمْعِ وَالصَّوْتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١] وَ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وَلَمْ يَقُلْ: قَدْ رَأَى الله قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا.
وَقَالَ فِي مَوْضِعِ الرُّؤْيَةِ إنه ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩] وَقَالَ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وَلَمْ يَقُلْ: يَسْمَعُ اللهُ تَقَلُّبَكَ، وَيَسْمَعُ عَمَلَكَ، فَلَمْ يَذْكُرِ الرُّؤْيَةَ فِيمَا يُسْمَعُ، وَلَا السَّمَاعَ فِيمَا يُرَى. لِما أَنَّهُمَا عِنْدَهُ خِلَافُ مَا عِنْدَكُمْ.
[ ٧٤ ]
وَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٣ - ١٤]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]، وَلَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: عَلَى سَمْعِي.
فَكَمَا نَحْنُ لَا نُكَيِّفُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، لَا نُكَذِّبُ بِهَا كَتَكْذِيبِكُمْ، وَلَا نُفَسِّرُهَا؛ كَبَاطِلِ تَفْسِيرِكُم.
* * *
[ ٧٥ ]