ثُمَّ انْتَدَبْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ مُكَذِّبًا بِعَرْشِ اللهِ وَكُرْسِيِّهِ، مُطْنِبًا فِي التَّكْذِيبِ بِجَهْلِكَ، مُتَأَوِّلًا فِي تَكْذِيبِهِ بِخِلَافِ مَا تَعْقِلُهُ العُلَمَاءُ.
فَرَوَيْتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَعلمه».
قُلْتَ: فَمَعْنَى الكُرْسِيِّ: العِلْمُ، فَمَنْ ذَهَبَ فيه إِلَى غَيْرِ العِلْمِ أَكْذَبَهُ كِتَابُ الله تَعَالَى.
فَيُقَالُ لِهَذَا المَرِيسِيِّ: أَمَّا مَا رَوَيْتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرٍ الأَحْمَرِ، وَلَيْسَ جَعْفَرٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ، إِذْ قَدْ خَالَفَتْهُ الرُّوَاةُ الثِّقَاتُ المُتْقِنُونَ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ البَطِينُ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَير، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الكُرْسِيِّ خِلَافَ مَا ادَّعَيْتَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
(٨٩) حَدثنَاه يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، والعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا الله» (١).
فَأَقَرَّ المَرِيسِيُّ بِهَذَا الحَدِيثِ وَصَحَّحَهُ، وَزَعَمَ أَنَّ وَكِيعًا رَوَاهُ، إِلَّا أَنَّ تَفْسِيرَ القَدَمَيْنِ هَاهُنَا فِي دَعْوَاهُ: الثَّقَلَيْنِ قَالَ: يَضَعُ اللهُ عِلْمَهُ، وَقَضَاءَهُ لِلثَّقَلَيْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ.
فَهَلْ سَمِعَ سَامِعٌ مِنَ العَالَمِينَ بِمِثْلِ مَا ادَّعَى هَذَا المَرِيسِيُّ؟
وَيْلَكَ! عَمَّنْ أَخَذْتَهُ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْطَانٍ تَلَقَّنْتَهُ؟ فَإِنَّهُ مَا سَبَقَكَ إِلَيْهَا آدَمِيٌّ نَعْلَمُهُ.
_________________
(١) صحيح، تقدم تخريجه رقم (٨٣).
[ ١٥٢ ]
أَيَحْتَاجُ الرَّبُّ - ﷿ - أَنْ يَضَعَ مُحَاسَبَةَ العِبَادِ عَلَى كِتَابِ عِلْمِهِ، [٢٤/و] وَأَقْضِيَةٍ يَحْكُمُ بِمَا فِيهِ بَيْنَهُمْ؟ وَلَا أَرَاكَ مَعَ كَثْرَةِ جَهْلِكَ إِلَّا وَسَتَعْلَمُ أَنَّكَ احْتَجَجْتَ بِبَاطِلٍ، جَعَلْتَهُ أُغْلُوطَةً تُغَالِطُ بِهَا أَغْمَارَ النَّاسِ وَجُهَّالَهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «آتِي بَابَ الجَنَّةِ فَأَقْرَعُهُ فَيُفْتَحُ لِي، فَأَرَى رَبِّي وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَيَتَجَلَّى لِي فَأَخِرُّ سَاجِدًا» (١).
فَهَلْ يَجُوزُ لَكَ فِي تَأْوِيلِكَ أَنَّهُ يَأْتِي رَبَّهُ وَهُوَ عَلَى عِلْمِهِ؟ إِذْ ادَّعَيْتَ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الكُرْسِيَّ غَيْرُ العِلْمِ أَكْذَبَهُ القُرْآنُ بِمَا رَوَيْتَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَعَنْ نَفْسِهِ خِلَافَ مَا رَوَيْتَ فِيهِ.
فَكَيْفَ تَحِيدُ عَنْ هَذَا المَشْهُورِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى المَغْمُورِ عَنْهُ إِلَّا مِنْ ظِنَّةٍ وَرِيبَةٍ؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: مَنْ ذَهَبَ فِي الكُرْسِيِّ إِلَى غَيْرِ العِلْمِ أَكْذَبَهُ كِتَابُ الله.
وَيْلَكَ! وَأَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله تُكَذِّبُهُ؟ أَأُنزِلَ عَلَى غِيَاثٍ اليَهُودِيِّ فِي تَكْذِيبِهِ آيَةً لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -؟!
وَيْلَكَ! وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ المُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ إِلَّا وَقَدْ عَقِلَ أَمْرَ العَرْشِ وَالكُرْسِيِّ، وَآمَنَ بِهِمَا إِلَّا أَنْتَ وَرَهَطُكَ؟ وَلَيْسَ العَرْشُ وَالكُرْسِيُّ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُسْنَدَ فِي تَثْبِيتِهِمَا الآثَارُ وَيُؤَلَّفُ فِيهِمَا الأَخْبَارُ، لَوْلَا أُغْلُوطَاتُكَ هَذِه؛ لما أَن عِلْمَهُمَا وَالإِيمَانَ بِهِمَا خَلُصَ إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، إِلَّا إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ، طَهَّرَ الله مِنْكُمْ بِلَادَهُ، وَأَرَاحَ مِنْكُمْ عِبَادَهُ!
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عباس، أحمد (٢٥٤٦)، والطيالسي (٢٧١١)، وعبد بن حميد (٦٩٥)، وأبو يعلى (٢٣٢٨)، والمصنف في الرد على الجهمية (٩١)، وغيرهم، وأسانيدهم مدارها على علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
[ ١٥٣ ]
والعَجَبُ مِنْ اسْتِطَالَتِكَ بِجَهَالَتِكَ هَذِهِ، وَأُغْلُوطَاتِكَ؛ إِذْ تَقُولُ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالله وَبِكِتَابِهِ مِنْكَ: إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا تَفْسِيرَ مَا قُلْنَا، وَإِلَّا فَسَلُوا العلمَاءَ ولا تَعْجَلُوا.
وَيْلَكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ، قَدْ سألنا العُلَمَاءَ، وَجَالَسْنَا الفُقَهَاءَ، فَوَجَدْنَاهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِكَ، فَسَمِّ عَالِمًا مِمَّنْ مَضَى وَمِمَّنْ غَبَرَ يَحْتَجُّ بِمثْل هَذِه العَمَايَات، ويتَكَلَّم بها حتى نَعْرِفَهُ فَنَسْأَلَهُ، فَإِنَّا مَا رَأَيْنَا مُتَكَلِّمًا يَنْتَحِلُ الإِسْلَامَ أَظْهَرَ كُفْرًا، وَأَسْمَجَ كَلَامًا، وَأَقَلَّ إِصَابَةً فِي التَّأْوِيلِ مِنْكَ.
وَقَدْ عَرَضْنَا كَلَامَكَ عَلَى كَلَامِ مَنْ مَضَى، وَمَنْ غَبَرَ مِنَ العُلمَاءِ، فَمَا فَوَجَدنَا أَحَدًا عَلَى مَذْهَبِكَ، وَعَرَضْنَاهُ عَلَى لُغَاتِ العَرَبِ والعَجَمِ فَلَمْ يَحْتَمِلْ شَيْءٌ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ كَلَامِكَ. وَلَوْ كَانَ عِنْدَكَ مَنْ يَنْصَحُكَ لَحَجَرَ عَلَيْكَ الكَلَامَ فَضْلًا أَنْ يَفْتَخِرَ بِحُسْنِ الكَلَامِ.
وَسَنَذْكُرُ لَكَ آثَارًا مِمَّا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَصْحَابِهِ فِي الكُرْسِيِّ لِتَنْظُرَ فِي أَلْفَاظِهَا، هَلْ تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُغْلُوطَاتِكَ هَذِهِ؟
(٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، «أَنَّ جَعْفَرًا - ﵁ - جَاءَهَا إِذْ هُمْ بِالحَبَشَةِ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ فَتًى مُتْرَفًا مِنَ الحَبَشَةِ شَابًّا جَسِيمًا، مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ، فَطَرَحَ دَقِيقًا كَانَ مَعَهَا، فَنَسَفَتْهُ الرِّيحُ، فَقَالَتْ: أَكِلُكَ إِلَى يَوْمٍ يَجْلِسُ المَلِكُ عَلَى الكُرْسِيِّ فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ من الظَّالِم» (١).
_________________
(١) حسن، أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٤٦)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٤٤)، وأبو طاهر المخلِّص في المُخَلِّصِيَّات (٣/ ٢٩١)، وغيرهم، من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، به، وإسناده صحيح سوى الراوي عن أسماء بنت عميس، سعد بن معبد «التغلبي» كما = = ذكره البخاري في تاريخه، ووقع في إسناد أبي طاهر «الهاشمي»، وسعد هذا مجهول، لم أجد من ذكره سوى البخاري، فقال في تاريخه (٤/ ٦٥): «سعد بن معبد التغلبي، قاله لي إسحاق بن منصور، نا أبو أسامة، نا زكريا، عن أبي إسحاق» ا. هـ وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وقال: روى عن (بياض)، روى عنه (بياض)، سمعت أبي يقول ذلك. قلت وللحديث طريقان آخران. الطريق الأول: ما أخرجه ابن ماجه (٤٠١٠)، وابن حبان (٥٠٥٨)، وأبو يعلى (٢٠٠٣)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٤٣)، وغيرهم من طريق أبي الزبير عن جابر، بنحوه وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال لمهاجرة الحبشة لما رجعوا «ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة» فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله وقصوا عليه بنحو قصة جعفر إلا أنهم قالوا كانت تحمل قلة ماء. قلت وهذا إسناد صحيح، سوى ما فيه من عنعنة أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس الراوي عن جابر بن عبد الله، وأبو الزبير مدلس. الطريق الثاني: الحديث الذي يليه فانظره فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن إن شاء الله.
[ ١٥٤ ]
(٩١) حَدَّثَنَا يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ [٢٤/ظ]، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لما قدم جَعْفَرٌ من الحَبَشَةِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ بِالحَبَشَةِ»؟ قَالَ: رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ فِيهِ طَعَام، فجَاء فَارِسٌ فَأَذْرَاهُ، فَجَلَستْ تَجْمَعُهُ، ثُمَّ التَفَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: وَيْحَك! كَيفَ تَصْنَعُ لَوْ قَدْ وَضَعَ المَلِكُ كُرْسِيَّهُ، فَأَخَذَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: «مَا قَدَّسَ اللهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا غَيْرَ مُتَعْتَعٍ» (١).
_________________
(١) حسن، وقد اختلف على عطاء بن السائب في هذا الحديث، فرواه خالد بن عبد الله الواسطي، عنه، عن ابن بريدة، عن أبيه، به كما عند المصنف هنا. ورواه منصور بن أبي الأسود الكوفي، عنه، عن، محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، به. كما أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٢٣٤)، والبزار (١٠/ ٣٣٤)، والحربي في غريب الحديث (١/ ٢٥١)، وغيرهم من طرق عن منصور بن أبي الأسود، به. وقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عطاء بن السائب إلا منصور بن أبي الأسود، ولا نعلم له عن بريدة = = طريقا غير هذا الطريق». قلت: لا. ورواه عمرو بن أبي قيس الكوفي، عنه، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، به. كما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥٨٢)، من طريق عمر بن أبي قيس، به. قلت: وعطاء بن السائب كان قد اختلط بأخرة، وخالد بن عبد الله الراوي عنه هنا قد نص البخاري أنه روى عنه بعد الاختلاط، أما منصور بن أبي الأسود، وعمرو بن أبي قيس فلم ينص عليهما أحد، وهذا غير كاف في إثبات سماعهما منه قبل الاختلاط، لكن هناك أمر آخر أن الذين وصفوا عطاءًا بالاختلاط ذكروا أن الذين سمعوا منه في حال الاختلاط البصريون حين قدم عليهم في آخر حياته، ومنصور بن أبي الأسود، وعمرو بن أبي قيس، كلاهما كوفي، وقد اتفقا في روايتهما عنه كما ترى. وبما مر آنفا وبما ذكرناه فالحديث حسن إن شاء الله تعالى.
[ ١٥٥ ]
(٩٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُور أبنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الله مَوْلَى غَفْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَس بْن مَالِكٍ - ﵁ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْم الجُمُعَة مِنْ أَيَّامِ الآخِرَةِ هَبَطَ الرَّبُّ مِنْ عَرْشِهِ إِلَى كُرْسِيِّهِ، وَحَفَّ الكُرْسِيَّ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا النَّبِيُّونَ، وحَفَّ المَنَابِرَ بِكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الصديقون وَالشُّهَدَاء» (١).
_________________
(١) صحيح لغيره، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٧٥، ٩٣)، والدارقطني في رؤية الله (٧٦)، من طريق محمد بن شعيب، به، وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل عمر بن عبد الله مولى غفرة، ضعفه ابن معين، والنسائي، ثم إنه منقطع بينه وبين أنس، قال أبوحاتم الرازي عنه: لم يلق أنسًا. قلت: لكن تابعه: أبو عمران الجوني، أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٠٨٤)، عن أحمد بن زهير، عن محمد بن عثمان بن كرامة، عن خالد بن مخلد القطواني، عن عبد السلام بن حفص، عن أبي عمران الجوني، عن أنس، به ومن طريق الطبراني، أخرجه الضياء في المختارة (٢٢٩١)، وإسناد هذه المتابعة حسن؛ رجاله ثقات، غير خالد بن مخلد القطواني؛ وثقه العجلي، وابن شاهين، وقال ابن معين وابن عدي: ما به بأس. وتابعه أيضًا: علي بن الحكم البناني، أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٢٢٨)، عن شيبان بن فروخ، عن الصعق بن حزن، عن علي بن الحكم، عن أنس، به. وهذا إسناد حسن. = = هذا وقد أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٧٦)، والبزار في مسنده (٧٥٢٧)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩١)، والطبراني في الأوسط (٦٧١٧)، وفي الأحاديث الطوال (٣٥)، وغيرهم من طرق عن أنس - ﵁ -، ولا تخلو أسانيدها من مقال. فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح إن شاء الله تعالى. قال الذهبي في العلو (ص: ٣٣): بعد أن ذكر بعض طرقه: «وَهَذِهِ طُرُقٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا رزقنا الله وَإِيَّاكُم لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ!».
[ ١٥٦ ]
(٩٣) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ إِلَى المَاءِ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالعَرْشُ عَلَى المَاءِ، وَالله، فَوْقَ العَرْشِ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ» (١).
(٩٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، وَالعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا الله» (٢).
(٩٥) حَدَّثَنَا الحِمَّانِيُّ، ثَنَا الحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَن عَبْدِ اللهِ - ﵁ - قَالَ: «مَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ فِي الكُرْسِيِّ، إِلَّا بِمَنْزِلَةِ حَلقَةٍ بِأَرْض فَلاَة» (٣).
_________________
(١) حسن، أخرجه أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٣٣)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٤٢ - ٢٤٤)، والطبراني في الكبير (٨٩٨٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٨٨)، من طريق حماد بن سلمة، به. قلت: وإسناده حسن لأجل عاصم هو ابن أبي النجود صاحب القراءة، في حفظه شيء، لا ينزله عن مرتبة الحسن. وقال الذهبي في العلو: إسناده صحيح. هذا وقد كنت صححت هذا الحديث في كتابي التخريجات العلمية لكتاب الرد على الجهمية الذي هو في ذيل كتاب الرد على الجهمية بتحقيقي، ولكني أرى الآن أن الحديث حسن فقط.
(٢) صحيح، تقدم تخريجه برقم (٨٣).
(٣) منكر، وآفته الحكم بن ظهير، قال البخاري: منكر الحديث تركوه، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. ولم أقف على من أخرج هذا الحديث غير المصنف.
[ ١٥٧ ]
(٩٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، أبنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: ادْعُ اللهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ، فَعَظَّمَ الرَّبَ. فَقَالَ:
«إِنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَإِنَّهُ لَيَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَمَا يَفْضَلُ مِنْهُ إِلَّا قَدْرُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَمَدَّ أَصَابِعَهُ الأَرْبَعَ، وَإِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الجَدِيد إِذْا رَكِبَهُ مَنْ يُثْقِلُهُ» (١).
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (٤/ ٥٤٠)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٥٩٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٥٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٥٨٩)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤)، وغيرهم، من طرق عن إسرائيل بن أبي إسحاق، به. وأخرجه الطبري (٤/ ٥٤٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٤)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٤٨)، وابن بطة في الإبانة (٣/ ١٧٨)، وغيرهم، من طريق إسرائيل، عن، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر بن الخطاب، قال: أتت النبيَّ - ﷺ - امرأةٌ، فذكره. ورواه الضياء في المختارة (١٥٤)، من طريق شعبة عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ - نحوه. قلت: وقد اختلفوا فيه بين مصحح له، ومضعف. قال ابن الجوزي في العلل المتناهية: «هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - وإسناده مضطرب جدا وعبد الله بن خليفة ليس من الصحابة فيكون الحديث الأول مرسلا » ثم ذكر الاختلاف في ألفاظه. وقال الإمام الذهبي في العرش (٢/ ١٥٣): «هذا حديث محفوظ من حديث أبي إسحاق السبيعي إمام الكوفيين في وقته، سمع من غير واحد من الصحابة، وأخرجا حديثه في الصحيحين، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن خليفة من قدماء التابعين، لا نعلم حاله بجرح ولا تعديل، لكن هذا الحديث حدث به أبو إسحاق السبيعي مقرًا له كغيره من أحاديث الصفات، وحدث به كذلك سفيان الثوري، وحدث به أبو أحمد الزبيري، ويحي بن أبي بكير، ووكيع، عن إسرائيل. وأخرجه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب (السنة والرد على الجهمية) له، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله ابن خليفة، عن = = عمر - ﵁ -، ولفظه ﴿إذا جلس الرب على الكرسي، سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد﴾. ورواه أيضا عن أبيه، حدثنا وكيع بحديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﴿إذا جلس الرب على الكرسي﴾ فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع، فغضب وكيع، وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها. قلت -يعني الذهبي-: وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان فلا أدري أخرجه أم لا؟، فإن عنده أن العدل الحافظ إذا حدث عن رجل لم يعرف بجرح، فإن ذلك إسناد صحيح. فإذا كان هؤلاء الأئمة: أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم، الذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدجى قد تلقوا هذا الحديث بالقبول وحدثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره ونتحذلق عليهم؟، بل نؤمن به ونكل علمه إلى الله - ﷿ - قال الإمام أحمد: (لا نزيل عن ربنا صفة من صفاته لشناعة شنِّعت وإن نَبَت عن الأسماع) فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلف سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلوَن لهذا الحديث.» ا. هـ قلت: وقد آثرت أن أنقل كلام الإمام الذهبي على طوله، ولكن هذا كلام عزيز، وقاعدة جليلة ينبغي أن تراعى في الكلام على أحاديث الصفات، وما يتعلق بأمور العقيدة التي عمدتنا فيها أسلافنا الأوائل.
[ ١٥٨ ]
فَهَاكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ خُذْهَا مَشْهُورَةً مَأْثُورَةً فَصُرَّهَا، وَضَعْهَا بِجَنْبِ تَأْوِيلِكَ الَّذِي خَالَفْتَ فِيهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
ثُمَّ أَنْشَأْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ، وَاعِظًا لِمَنِ اتَّعَظَ قَبْلَكَ بِمَوَاعِظِ الله وَقَبِلَهَا عَنِ اللهِ وَصَدَّقَ فِيهَا رَسُولَ الله - ﷺ -، وَانْتَهَى فِيهَا إِلَى مَا أَمَرَ الله، فَانْزَجَرَ عَمَّا نَهَى اللهُ فَقُلْتَ لَهُمْ: لَا تَعْتَقِدُوا فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لِلهِ شَبَهًا أَوْ مِثْلًا، أَوْ عِدْلًا، أو يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ، وَانْفُوا عَنِ اللهِ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَصِفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، فَإِنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ للهِ شَبَهًا أوَعدْلًا؛ فَهُوَ كَافِرٌ.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ المُدَّعِي فِي الظَّاهِرِ لَما أَنْتَ لَهُ مُنْتَفِن (١) فِي البَاطِنِ:
_________________
(١) كذا بالأصل، وهو متجه، وهذا التنوين هو الغالي، ينظر شرح ابن عقيل (١/ ٢٠).
[ ١٥٩ ]
قَدْ قَرَأْنَا القُرْآنَ كَمَا قَرَأْتَ، وَعَقِلْنَا عَنِ الله أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَقَدْ نَفَيْنَا عَنِ الله مَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ، وَوَصَفْنَاهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، فَلَمْ نَعْدُهُ، وَأَبَيْتَ أَنْ تَصِفَهُ بِمَا [٢٥/و] وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَوَصَفْتَهُ بِخِلَافِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ.
أَخْبَرَنَا اللهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ ذُو سَمْعٍ وَبَصَرٍ، وَيَدَيْنِ، وَوَجْهٍ، وَنَفْسٍ، وَعِلْمٍ، وَكَلَامٍ، وَأَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَآمَنَّا بِجَمِيعِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ كَمَا وَصَفَهُ بِلَا كَيفَ، وَنَفَيْتَهَا أَنْتَ عَنْهُ كُلَّهَا أَجْمَعَ بِعَمَايَاتٍ مِنَ الحُجَجِ، وَتَكْيِيفٍ.
فَادَّعَيْتَ أَنَّ وَجْهَهُ: كُلُّهُ، وَأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِنَفْسٍ، وَأَنَّ سَمْعَهُ: إِدْرَاكُ الصَّوْتِ إِيَّاهُ، وَأَنَّ بَصَرَهُ: مُشَاهَدَةُ الأَلْوَان؛ كَالجِبَالِ وَالحِجَارَةِ وَالأَصْنَامِ الَّتِي تَنْظُرُ إِلَيْكِ بِعُيُونٍ لَا تُبْصِرُ، وَأَنَّ يَدَيْهِ: رِزْقَاهُ، مُوَسَّعُهُ وَمَقْتُورُهُ، وَأَنَّ عِلْمَهُ وَكَلَامَهُ: مَخْلُوقَانِ مُحْدَثَانِ. وَأَنَّ أَسْمَاءَهُ: مُسْتَعَارَةٌ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ، وَأَنَّ فَوْقَ عَرْشِهِ مِنْهُ مِثْلَ مَا هُو فيَ أَسْفَلِ سَافِلِينَ، وَأَنَّهُ فِي صِفَاتِهِ، كَقَوْل النَّاس فِي كَذَا، وكَقَوْل العرب فِي كَذَا، تَضْرِبُ لَهُ الأَمْثَالَ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ شَكْلِهَا، وَتَمْثِيلًا بِغَيْرِ مِثْلِهَا، فَأَيُّ تَكْيِيفٍ بأَوْحَشَ مِنْ هَذَا؛ إِذْ نَفَيْتَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَغَيْرَهَا عَنِ اللهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الأَمْثَالِ وَالضَّلَالَاتِ المُضِلَّاتِ؟
وَادَّعَيْتَ فِي تَأْوِيلِكَ أَنَّ مَعْبُودَكَ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ، أَبْكَمُ لَا يَتَكَلَّمُ، أَعْمَى لَا يُبْصِرُ، أَجْذَمُ لَا يَدَ لَهُ، مُقْعَدٌ لَا يَقُومُ وَلَا يَتَحَرَّكُ، جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ، مُضْمَحِلٌّ ذَاهِبٌ لَا يُوصَفُ بِحَدٍّ، وَلَا بِنَفْسٍ، وَلَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ فِي دَعْوَاكَ.
وَهَذَا خِلَافُ صِفَةِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَالحَمْدُ لله الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَتِهِ، وَطَبَعَ عَلَى قَلْبكَ بِجَهَالَتِهِ، ولَو قد قَرَأْتَ القُرْآنَ وَعَقِلْتَ عَنِ اللهِ مَعْنَاهُ؛ لَعَلِمْتَ يَقِينًا أَنَّهُ يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ بَيِّنَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ مِنْهُ مُوسَى فِي الدُّنْيَا الصَّوْتَ، وَالكَلَامَ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الحَوَاسِّ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
[ ١٦٠ ]
وَتُدْرَكُ مِنْهُ فِي المَعَادِ الرُّؤْيَةُ وَالكَلَامُ، وَالنَّظَرُ عَيَانًا، كَمَا قَالَ رَسُولِ الله - ﷺ - عَلَى رَغْمِكَ، وَإِنْ كَرِهْتَ، قَالَ الله تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فَهَلْ مِنْ حَوَاسٍّ أَعْظَمَ مِنَ الكَلَامِ وَالنَّظَرِ؟ غَيْرَ أَنَّكُمْ جَعَلْتُمُ الحَوَاسَّ كَلِمَةً أُغْلُوطَةً تُغَالِطُونَ بِهَا الصِّبْيَانَ وَالعُمْيَانَ؛ لِأَنَّ قَوْلَكُمْ: لَا تُدْرِكُهُ الحَوَاسُّ مَعْنَاهُ عِنْدَكُمْ: أَنَّهُ لَا شَيْءٌ؛ لِمَا قَدْ عَلِمْتُمْ وَجَمِيعُ العَالَمِينَ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَقع عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيءِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُدْرَكَ بِكُلِّ الحَوَاسِّ أَوْ بِبَعْضِهَا، وَأَنَّ لَا شَيْءَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَوَاسِّ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ، فَجَعَلْتُمُوهُ لَا شَيْءَ. وَقَدْ كَذَّبَكُم اللهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، فَجَعَلَ نَفْسَهُ أَعْظَمَ الأَشْيَاءِ، وَأَكْبَرَ الأَشْيَاءِ، وَخَالِقَ الأَشْيَاءِ.
فَإِنْ أَنْكَرْتَ مَا قُلْنَا، وَلم تَعْقِلْهُ بِقَلْبِكَ؛ فَسَمِّ مِنَ الأَشْيَاءِ شَيْئًا - صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا- يَقَعُ عليه اسْمُ الشَّيْءِ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَوَاسِّ الخَمْسِ، غَيْرَ مَا ادَّعَيْتُمْ عَلَى الأَكْبَرِ الأَكْبَرِ، وَالأَعْظَمِ الأَعْظَمِ، وَالأَوْجَدِ الأَوْجدِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَال. فَجَعَلْتُمُ الخَلْقَ الفَانِيَ مَوْجُودًا، وَالقَيِّمَ الدَّائِمَ البَاقِيَ غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَلَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. [٢٥/ظ]
وَادَّعَيْتُمْ عَلَى غَيْرِكُمْ مِمَّنْ لَا يُكَيِّفُ التَّكْيِيفَ، وَعَلى مَنْ لَا يُشَبِّهُ التَّشْبِيه، وَأَنْتُم دَائِبُونَ تُكَيِّفُونَ، وَتُشَبِّهُونَ بِأَقْبَحِ الأَشْيَاءِ. وَأَبْطَلِ الأَمْثَالِ، فَمَرَّةً تُكَيِّفُهُ فَتُشَبِّهُهُ بِأَعْمَى، وَمَرَّةً بِأَقْطَعَ، فَكَانَ وَعْظُكَ هَذَا لِهَؤُلَاءِ كَقَوْلِ القَائِلِ: كَلِمَةُ حَقٍ يُبْتَغَى بِهَا بَاطِل.
وَالعَجَبُ مِنْ إِعْجَابِكَ بِهَذِهِ المَقْلُوبَات مِنْ تَفَاسِيرِكَ، وَالمُحَالَاتِ مِنْ شَرْحِكَ وَتَعْبِيرِكَ، حَتَّى رَوَيْتَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: «لِلْحَدِيثِ جَهَابِذَةٌ؛
[ ١٦١ ]
كَجَهَابِذَةِ الوَرِقِ».
وَصَدَقْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ، وَمَا أَنْتَ وَالله مِنْهُمْ، لَا مِنْ رِجَالِهِ وَلَا مِنْ رُوَاتِهِ وَلَا مِنْ جَهَابِذَتِهِ، فَقَدْ وَجَدْنَا الزُّيُوفَ عِنْدَكَ جَائِزَةً نَقَّادَةً، وَالنَّقَادَةَ نَفَايَةً، فَكَيْفَ تَسْتَطِيلُ بِمَعْرِفَتِهَا، وَأَنْتَ المُنْسَلِخُ مِنْهَا؟
ثُمَّ ادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى هَاهُنَا السَّمَاعُ مِنْ بِشْرٍ. قَالَ: ثُمَّ ابْتَدَأْنَا بِعَوْنِ الله فِي حِكَايَاتِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ المُعْجَبِ بِضَلَالَاتِ هَذَيْنِ الضَّالَّيْنِ: فَرَغْتَ مِنْ كَلَامِ بِشْرٍ بِسَخَطِ الرَّحْمَنِ، وَابْتَدَأْتَ فِي كَلَامِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ بِعَوْنِ الشَّيْطَانِ. وَمِثْلُ فَرَاغِكَ مِنْ كَلَامِ بِشْرٍ، وَشُرُوعِكَ فِي كَلَام ابْن الثَّلْجِي؛ كَمِثْلِ المُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ، فَرَغْتَ مِنَ احْتِجَاجِ كَافِرٍ، إِلَى احْتِجَاجِ جَهْمِيٍّ خَاسِرٍ، فَعَلَى أَيِّ جَنْبَيْكَ وَقَعْتَ مِنْهُمَا لَمْ تَنْجَبِرْ، وَبِأَيِّهِمَا اسْتَعَنْتَ لَمْ تَظْفَرْ، وَبِأَيِّهِمَا اسْتَنْصَرْتَ لَمْ تُنْصَرْ، وَكَذَلِكَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ لِبَعْضِ أَهْلِ البِدَعِ إِذَا انْتَقَلُوا مِنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ: «إِنَّكُمْ لَا تَرْجِعُونَ عَنْ بِدْعَةٍ، إِلَّا تَعَلَّقْتُمْ بِأُخْرَى هِيَ أَضَرُّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا».
(٩٧) حَدَّثَنَاه عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. (١)
وَسَنَنْقُضُ عَلَى الثَّلْجِيِّ مِنْ ضَلَالَاتِهِ، كَمَا نَقَضْنَا مِنْ ضَلَالَاتِ المَرِيسِيِّ إِنْ شَاءَ الله، بعون الله وتوفيقه.
حكيت أَيهَا المعارض عَنِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَاظَرْتُ بِشْرًا المَرِيسِيَّ فِي العَرْشِ أَنَّ اللهَ فَوْقَهُ، قال فَقَالَ لِي بِشْرٌ: لَا أَقُولُ إنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ، كَمَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ.
_________________
(١) أخرجه الهروي في ذم الكلام (٩١٢)، من طريق المصنف، به.
[ ١٦٢ ]
فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الغَوِيِّ: أَوَّلُ غِوَايَتِكَ سُؤَالُكَ المَرِيسِيِّ عَنْ تَفْسِيرِ العَرْشِ، إِذْ عَقِلَ أَمْرَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ.
وَيْلَكَ! أَمَا وَجَدْتَ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ وَأَهْلِ العِلْمِ الَّذِينَ أَدْرَكْتَ أَجْوَدَ إِيمَانًا بِالعَرْشِ مِنْ بِشْرٍ وَأَحْسَنَ مَعْرِفَةً لَهُ حَتَّى تُنَاظِرَهُ فِيهِ مِنْ بَيْنِهِمْ؟ تَسْتَحْسِنُ تَفْسِيرَهُ وَتَرْوِيهِ لِأَهْلِ الغَفْلَةِ عَنْهُ، كيمَا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا، وَكَانَ أَكْفَرَ أَهْلِ زِمَانِهِ بِالعَرْشِ، وَأَشَدَهُّمْ لَهُ إِنْكَارًا مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الإِسْلَامَ، فَكْفِي بِهَذَا مِنْكَ دَلِيلًا وَظِنَّةً عَلَى الرِّيبَةِ أَنْ يَكُونَ المُخْتَارُ عِنْدَكَ من جَمِيع العُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ العَرْشِ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ المَريسِي.
أَو مَا سَمِعْتَ بِبِشْرٍ وَسُوءِ مَذْهَبِهِ، وَافْتِضَاحِهِ فِي بَلَدِهِ، وَأَهْلِ مِصْرِهِ، وَأَنْتَ لَهُ جَارٌ قَرِيبٌ؟ وَلَكِنْ يَعْتَبِرُ بِالإِمَامِ المَأْمُوم، والصَّاحِبُ بالصَّاحِبِ.
أَو لم يَكْفِكَ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ مَا قَصَّ الله فِي كِتَابِهِ مِنْ ذِكْرِ العَرْشِ وَتَفْسِيرِهِ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ الرَسُولِ - ﷺ - فَلَمْ تَقْنَعْ بِهِمَا حَتَّى اضْطُرِرْتَ إِلَى مُنَاظَرَةِ المَرِيسِيِّ؟ وَالمُنَاظَرَةُ فِي العَرْشِ رِيبَةٌ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ بِهِ قَدْ خَلُصَ إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا فِقْهَ لَهُمْ وَلَا عِلْمَ، وَكَيْفَ [٢٦/و] إِلَى مَنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ العِلْمِ؟
فَأَمَّا إِذ أَبَيْتَ إِلَّا مُنَاظَرَتَهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ:
أَيُّهَا المَرِيسِيُّ، لَا يُقَالُ: إِنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ، وَلَكِن مَلِكٌ كَرِيمٌ خَالِقٌ غَيْرُ مَخْلُوقَ عَلَى عَرْشٍ عَظِيمٍ مَخْلُوقٍ جَسِيمٍ عَلَى رَغْمِكَ وَأَنْتَ مَلُومٌ، فَمَنْ لمن يُؤْمِنْ أَنَّهُ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَجَحَدَ آيَاتِ اللهِ، وَرَدَّ أَخْبَارَ رَسُولِ الله - ﷺ -.
وَقَوْلُكَ: كَكَذَا عَلَى كَذَا، وَكَمَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ، تَشْبِيهٌ وَدِلْسَة، وَكُلْفَةٌ لَمْ نُكَلَّفْ ذَلِكَ فِي دِينِنَا، وَلَكِنْ نَقُولُ كَمَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾
[ ١٦٣ ]
[طه: ٥]، وَكَمَا قَالَ الرَّسُولُ المُصْطَفَى - ﷺ -: «إِنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ الأَعْلَى، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ العُلَى». وَتِلْكَ العُرْوَةُ الوُثْقَى، مَنِ انْتَهَى إِلَيْهَا اكْتَفَى، وَمَنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ اعْتَدَى.
ثُمَّ انْتَدَبَ المُعَارِضُ مُتَكَلِّمًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي العَرْشِ، مُتَأَوِّلًا فِي تَفْسِيرِهِ وَمَعْنَاهُ خِلَافَ مَا تَأَوَّلَهُ أَهْلُ العِلْمِ بِالله وَكتابه وآياته، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، لَيْسَ لَهُ تَأْوِيلٌ إِلَّا عَلَى أَوْجُهٍ نَصِفُهَا، وَنَكِلُ عِلْمَهَا إِلَى الله.
قَالَ بَعْضُهُمْ: العَرْشُ أَعْلَى الخَلْقِ، وَاللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَبِكُلِّ مَكَانٍ غَيْرَ مَحْوِيٍّ وَلَا مُلَازِقٍ، وَلَا مُمَازِجٍ، وَلَا بَائِنٍ بِاعْتِزَالٍ، وَبِفُرْجَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، لَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ عَلَى العَرْشِ؛ كَجِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: مَا تَرَكْتَ أَنْتَ وَإِمَامُكَ هَذَا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالعَرْشِ غَايَةً، وَلَا مِنَ الِافْتِرَاءِ عَلَى الله فِيهِ نِهَايَة.
أَوَّلُهُ أَنَّكَ قُلْتَ وَحَكَيْتَ أَنَّ العَرْشَ أَعْلَى الخَلْقِ. وَاللهُ مُكَذِّبُكَ فِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنَّ العَرْشَ أَعْلَى الخَلْقِ وَكَانَ العَرْشُ عَلَى المَاءِ قَبْلَ الخَلْقِ، إِذْ لَا أَرْضَ وَلَا سَمَاءَ، وَلَا خَلْقَ غَيْرُ العَرْش وَالمَاءِ؟ وَمِمَّا يَزِيدُكَ تَكْذِيبًا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧]. أَفَتَحْمِلُ المَلَائِكَةُ فِي دَعْوَاكَ أَعْلَى الخَلْقِ، أَوْ أَسْفَلَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الخَلْقِ؟ وَقَالَ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧] أَيَحْمِلُونَ يَوْمَئِذٍ أَعْلَى الخَلْقِ وَيَتْرُكُونَ أَسْفَلَهُ؟ أَمِ المَلَائِكَةُ تَحْمِلُ النَّاسَ يَوْم القِيَامَة وَالسَّمَاوَات؛ لِأَنَّهَا أعلا الخَلْقِ؟ فَهَلْ سَمِعَ سَامِعٌ بِمُحَالٍ مِنَ الحُجَجِ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا؟ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالعَرْشِ نَصًّا وَدَفْعِهِ رَأْسًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ يَكُنِ العَرْشُ فِي دَعْوَاهُ أَعْلَى الخَلْقِ؛ فَقَدْ بَطُلَ العَرْشُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى؛ لِأَنَّ
[ ١٦٤ ]
العَرْشَ غَيْرُ مَا سِوَاهُ مِنَ الخَلْقِ، إِذْ كَانَ مَخْلُوقًا عَلَى المَاءِ قَبْلَ الخَلْقِ، فَفِي أَيِّ كَلَامِ العَرَبِ، وَجَدْتَ هَذَا أَيُّهَا المُعَارِضُ: أَنَّ العَرْشَ أَعْلَى الخَلْقِ فَبَيِّنْهُ لَنَا، وَإِلَّا فَإِنَّكَ مِنَ المُبْطِلِينَ.
وَالله مُكَذِّبُكَ فِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون: ٨٦]، فَمَيَّزَ اللهُ بَيْنَ أَعْلَى الخَلْقِ وَبَيْنَ العَرْشِ العَظِيمِ، وَجَعَلَهُ غَيْرَ السَّمَاوَات السَّبع فَمَا دونهَا.
وَمِمَّا يَزِيدُكَ تَكْذِيبًا قَوْلُهُ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٥]، و﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وَأَيُّ مَجْدٍ وَكَرَمٍ لِأَعْلَى الخَلْقِ مَا لَيْسَ لِأَوْسَطِهِ وَأَسْفَلِهِ؟ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ تَأْوِيلَكَ هَذَا تَكْذِيبٌ بِالْعَرْشِ صُرَاحًا، وإِنْكَارُهُ نَصًّا.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ اللهَ غَيْرُ مَحْوِيٍّ وَلَا مُلَازِقٍ وَلَا مُمَازِجٍ، فَهُوَ كَمَا ادَّعَيْتَ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: غَيْرُ بَائِنٍ بِاعْتِزَالٍ، [٢٦/ظ] وَلَا بِفُرْجَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَقَدْ كَذَبْتَ فِيهِ وَضَلَلْتَ، عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، بَلْ هُوَ بِائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ بِفُرْجَةٍ بَيِّنَةٍ، وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الأَرْضِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا هُمْ عَامِلُونَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ كَمَا أَنْبَأَنَا الله تَعَالَى وَرَسُولُهُ، وَأَصْحَابُ رَسُولِهِ - ﷺ -.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: كَجِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ، فَإِنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ كَجِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ. لَكِنَّا نَقُولُ: رَبٌّ عَظِيمٌ، وَمَلِكٌ كَبِيرٌ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَإِلَهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَلَى عَرْشٍ مَخْلُوقٍ عَظِيمٍ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَة دون مَا سواهَا مِنَ الأَمَاكِنِ، مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ كَانَ كَافِرًا بِهِ وَبِعَرْشِهِ.
وَالأَنْوَارُ المَخْلُوقَةُ لَيْسَ مِنْهَا نُورٌ إِلَّا وَلَهُ ضَوْءٌ سَاطِعٌ، وَمَنْظَرٌ رائع فيكف النَّورُ الأَعْظَمُ خَالِقُ الأَنْوَارِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟!
وَزَعَمْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ أَنَّهُ بِمَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ،
[ ١٦٥ ]
وَلَكِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ. وَتَأَوَّلْتَ فِي ذَلِكَ بِمَا تَأَوَّلَ بِهِ جَهْمٌ قَبْلَكَ، فَقُلْتَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآيَة [المجادلة: ٧]، ثُمَّ رَوَيْتَ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَقَدْ رَفَعُوا الصَّوْتَ بِالتَّكْبِيرِ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّه أقربُ إِلَيْكُم مِنْ رُؤُوسِ رَوَاحِلِكُمْ» (١).
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضُ: هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ الرَّسُولُ - ﷺ -
مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى، وَأَقْرَبُ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ، وَأَقْرَبُ مِنْهَا، بِعِلْمٍ وَمَنْظَرٍ وَمَسْمَعٍ مِنْ فَوْقِ العَرْشِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، وَلَا يَحْجُبُهُمْ عنْهُ شَيْءٌ، عِلْمُهُ بِهِمْ مِنْ فَوْقِ العَرْشِ مُحِيطٌ. وَبَصَرُهُ فِيهِمْ نَافِذٌ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ فَوق عَرْشِهِ. وَالسَّمَاوَاتُ وَمَسَافَةُ مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الأَرْضِ، فَهُوَ كَذَلِكَ مَعَهُمْ، رَابِعُهُمْ وَخَامِسُهُمْ وَسَادِسُهُمْ، يَعْلَمُ مَا عَمِلُوا مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ بِمَا عَمِلُوا، كَذَلِكَ هُوَ مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى، لَا كَمَا ادَّعَيْتُم أَنَّهُ مَعَ كُلِّ بَائِلٍ وَمُحْدِثٍ، وَمُجَامِعٍ فِي كُنُفِهِمْ، وَحُشُوشِهِمْ، وَمَضَاجِعِهِمْ.
وَإِنَّمَا يُعْرَفُ فَضْلُ الرُّبُوبِيَّةِ وَعِظَمُ القُدْرَةِ بِأَنَّ الله تَعَالَى مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ وَبُعْدَ مَسَافَةِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَعْلَمُ مَا فِي الأَرْضِ، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَهُوَ مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الرعد: ٩]، وَلَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ بِجَنْبِ كُلِّ ذِي نَجْوَى؛ مَا كَانَ بِعَجَبٍ أَنْ يُنَبِّئَهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ.
فَلَوْ كُنَّا نَحن بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ مِنْهُمْ؛ لَنَبَّأْنَا كُلَّ عَامِلٍ مِنْهُمْ بِمَا عَمِلَ وَقَالَ، وَنَاجَى بِهِ أَصْحَابَهُ، فَمَا فَضْلُ عَلَّامِ الغُيُوبِ عَلَى المَخْلُوقِ-الَّذِي لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ
_________________
(١) صحيح، تقدم تخريجه برقم (٥٨).
[ ١٦٦ ]
فِي دَعْوَاكَ-؟
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الله لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ. فَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ مِمَّنْ يَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ، وَيَفْهَمُ شَيْئًا مِنَ العَرَبِيَّةِ؛ عَلِمْتَ أَنَّكَ كَاذِبٌ عَلَى الله فِي دَعْوَاكَ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، وَمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ. ذَكَرَ أَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ، وَالعَرْشُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَكَيْفَ مِنَ الرِّجَالِ؟!
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١]، [٢٧/و] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٣ - ٤] مِنَ الأَرْضِ السَّافِلَةِ. وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وَلَمْ يَقُلْ: يَنْزِلُ إِلَيْهِ تَحْتَ الأَرْضِ.
فَهَذِهِ الآيُ كُلُّهَا تُنْبِئُكَ عَنِ اللهِ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، وَأَنَّهُ عَلَى السَّمَاءِ دُونَ الأَرْضِ، وَأَنَّهُ عَلَى العَرْشِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ المَوَاضِعِ، قَدْ عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وَآمَنَ بِهِ، وَصَدَّقَ اللهَ بِمَا فِيهِ. فَلِمَ تَحْكُمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَيُّهَا العَبْدُ الضَّعِيفُ بِمَا هُوَ مُكَذِّبُكَ فِي كِتَابِهِ؟ وَيُكَذِّبُكَ الرَّسُولُ - ﷺ -.
أَو لم يَبْلُغْكَ حَدِيثُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: «أَيْنَ الله؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
فَهَذَا يُنْبِئُكَ أَنه فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْضِ، فَكَيْفَ تَتْرُكُ مَا قَالَ اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، وتَخْتَارُ عَلَيْهَما فِي ذَلِكَ قَوْلَ بِشْرٍ، وَالثَّلْجِيِّ، ونُظُرَائِهِمَا مِنَ الجَهْمِيَّةِ؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَحْوِيٍّ وَلَا مُحَاطٍ بِهِ، فَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَنَا وَفِي مَذْهَبِنَا؛
[ ١٦٧ ]
لما أَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ فِي هَوَاءِ الآخِرَةِ، حَيْثُ لَا خَلْقَ مَعَهُ هُنَاكَ غَيْرَهُ وَلَا فَوْقَهُ سَمَاءٌ.
وَفِي قِيَاسِ مَذْهَبِكَ وَمَذَاهِبِ أَصْحَابِكَ مَحْوِيٌّ مُحَاطٌ بِهِ، مُلَازِقٌ، ممَاس، قَدِ اعْتَرَفْتَ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُ؛ لِأَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالسَّمَاوَاتُ فَوْقَ بَعْضِهِ، وَأَنَّهُ فِي كُلِّ بَيْتٍ مُغْلَقٍ، وَفِي كُلِّ صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ، فَهُوَ فِي دَعْوَاكُمْ مُحَاطٌ بِهِ مُمَاسٌّ.
وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ إِلَّا وَذَلِكَ الشَّيْءُ مِمَّاس الأَمْكِنَةِ، قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الأَرْضُ -فِي دَعْوَاكُمْ- وَالسَّمَاءُ، وَحِيطَانُ البُيُوتِ، وَالأَغْلَاقُ وَالأَقْفَالُ.
وَنَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ نَصِفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ هُوَ عَلَى عَرْشِهِ، فَوْقَ جَمِيعِ الخَلَائِقِ فِي أَعْلَى مَكَانٍ وَأَطْهَرِ مَكَانٍ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١]، يَعْلَمُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، يُدَبَّرُ مِنْهُ الأَمرُ، يُعْرَجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ، كَمَا قَالَ، لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ وَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ حَائِطٌ، وَلَا سَقْفُ بَيْتٍ، وَلَا تُقِلُّهُ أَرْضٌ، وَلَا تُظِلُّهُ سَمَاءٌ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُبْتَلَى أَنَّهُ فِي كُلِّ حَجَرٍ وَزَاوِيَةٍ، وَفِي كُلِّ حُشٍّ وَكَنِيفٍ وَمِرْحَاضٍ، حَيْثُ مَقِيلَ الشَّيْطَانِ، ومَبِيتِهِم تَعَالَى اللهُ عَن وَصْفِكَ.
* * *
[ ١٦٨ ]
وَادَّعَى المُعَارِضُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الجَمَاعَةِ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عِلْمُ الله تَعَالَى مِنْ ذَاتِهِ. وَهُوَ فِي الأَرْضِ بَائِنٌ مِنْهُ.
فَإِنَّا لَا نَقُولُ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ، وَلَا نَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ ذَاتِهِ فِي الأَرْضِ مَنْزُوعٌ مُجَسَّمٌ بَائِنًا مِنْهُ. وَلَكنَّا نقُول: علمه وَكَلَامه مَعَهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ، غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ. فَهُوَ بِعِلْمِهِ الَّذِي كَانَ فِي نَفْسِهِ عَالِمٌ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ بِكُلِّ ذِي نَجْوَى، أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْهُ بِمَنْظَرٍ وَمَسْمَعٍ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ، لَا يَخْفَي عَلَيْهِ مِنْ جَسَدٍ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا قِيسَ خَرْدَلَةٍ مِنْ مُخٍ، أوعَظْمٍ، أَوْ عِرْقٍ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة: ٨٥] أَيْ: نَحْنُ نَعْلَمُ مِنْهُ مَا ظهر وَمَا بَطَنَ، [٢٧/ظ] ومَا غَيَّبَ (١) مِنْهُ الجُلُودُ، وَوَارَاهُ الجَوْفُ، وأَخْفَتْهُ الصُّدُورُ، وَأَنْتُم لاتُبْصِرُون، فَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ بِالعِلْمِ بِذَلِكَ، لَا بِأَنَّ عِلْمَهُ مَنْزُوعٌ مِنْهُ بَائِنٌ مُجَسَّمٌ فِي الأَرْضِ، كَمَا ادَّعَيْتَ بِجَهْلِكَ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يدَّعِي أَنَّ عِلْمَهُ فِي الأَرْضِ، لَا مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا مِنَ البَاطِلِ، وَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ لِحُجَّةِ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَتَوَجَّهُ لِحُجَّةِ نَفْسِهِ، وَلَا يَدْرِي مَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ؟
وَقَلَّ مَا رَأَيْتُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ مُتَكَلِّمًا فِي العَرْشِ أَكْثَرَ لَجَاجَةً فِي إِبْطَالِهِ وَإِدْخَالِ الحَشْوِ مِنَ الكَلَامِ وَالحُجَجِ الدَّاحِضَةِ فِيهِ مِنْ هَذَا المُعَارِضِ، وَكُلَّمَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَدْحَضَ لِحُجَّتِهِ وَأَكْشَفَ لِعَوْرَتِهِ.
فَأَقْصِرْ أَيُّهَا المُعَارِضُ، فَإِنَّ العَرْشَ لَا يُعَطَّلُ بِإِكْثَارِ حَشْوِكَ وَخُرَافَاتِ كَلَامِكَ، وَكَلَامِ المَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ، إِذْ عَقِلَ أَمْرَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَكَيْفَ الرِّجَالُ؟
_________________
(١) كذا بالأصل وفي «س»، ونسخ على «ع»: «غيبت».
[ ١٦٩ ]
وَيحَكَ! هَذَا المَذْهَب أَنْزَهُ لله مِنَ السُّوءِ، أَمْ مَذْهَبُ مَنْ يَقُولُ: فَهُوَ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَبَهَائِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوقَ سَمَاوَاتِهِ، وَفَوقَ جَمِيع الخَلَائِقِ فِي أَعْلَى مَكَانٍ، وَأَطْهَرِ مَكَانٍ، حَيْثُ لَا خَلْقَ هُنَاكَ مِنْ إِنْسٍ وَلَا جَانٍّ، فَتَكْفُرُ؟ أَيُّ الحزبين أَعْلَمُ بِاللهِ وَبِمَكَانِهِ، وَأَشَدُّ لَهُ تَعْظِيمًا وإجلالًا؟
وَأَمَّا مَا رَوَيْتَ عَنِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ مِنْهُ من حَديْثُ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، قَالَ: «ارْتَفَعَ ذِكْرُهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَى خَلْقِهِ»، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «اسْتَوَى لَهُ أَمْرُهُ وَقُدْرَتُهُ فَوقَ بَرِيَّتِهِ».
عَنِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جُوَيْبِرٍ، وعَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] قُلْتُ: ثُمَّ قَطَعَ الكَلَامَ فَقَالَ: «اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض»، يَنْفِي عَنِ الله الِاسْتِوَاءَ وَيَجْعَلُهُ لِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.
فَيُقَالُ لَك أَيهَا المعَارض: لَو قد سَمِعْتَ هَذَا مِنَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ مَا قَامَتْ لَكَ بِهِ حُجَّةٌ فِي قِيسِ تَمْرَةٍ. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا لَا تُسَاوِي بَعْرَةً، وَمَا يَحْتَجُّ بِهَا فِي تَكْذِيبِ العَرْشِ إِلَّا الفَجَرَةُ، وَأَوَّلُ مَا فِيهِ مِنَ الرِّيبَةِ أَنَّكَ تَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ المَأْبُونِ المُتَّهَمِ فِي دِينِ الله.
وَالثَّانِي أَنَّهُ عَنِ الكَلْبِيّ هُوَ بزعم ابن الثَّلْجِي، وَعَنْ جُوَيْبِرٍ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ وَجُوَيْبِرٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَان وَشعْبَة وَحَمَّاد بن زَيْدٍ؛ لَمْ يُكْتَرَثْ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَغْمُوزَانِ فِي الرِّوَايَةِ لَا تَقُومُ بِهِمَا الحُجَّةُ فِي أَدْنَى فَرِيضَةٍ، فَكَيْفَ فِي إِبْطَالِ العَرْشِ وَالتَّوْحِيدِ؟.
وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَرَاهُ إِلَّا مَكْذُوبًا عَلَى جُوَيْبِرٍ، وَالكَلْبِيِّ، وَلَكِنْ مَنْ يُرِيدُ أَنْ
[ ١٧٠ ]
يَعْدِلَ عَنِ المَحَجَّةِ يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِهِ بِمَا لَا تقوم بِهِ الحجَّة.
وَالعَجَبُ مِمَّنْ يَدْفَعُ مَا رَوَى الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَسَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، وَثَابِتٍ البُنَانِيِّ، مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَحَمَّاد بن زَيْدٍ، وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَعْلَامِ المُسْلِمِينَ، وَيَتَعَلَّقُ [٢٨/و]، بِرِوَايَةِ الثَّلْجِيِّ، وَالمَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الظِّنَّةِ فِي دِينِ الله؛ إِذَا وَجَدَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَدْنَى مُتَعَلِّقٍ يَدْخُلُ بِهَا دِلْسَةً عَلَى الجُهَّالِ.
وَسَنُبَيِّنُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا دُلِّسَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
ادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قَالَ: استولى، قال: وقَالَ بَعْضُهُمْ: اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، أَيْ هُوَ عَالٍ عَلَيْهِ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ: عَلَا الشَّيْءَ أَيْ مَلَكَهُ، وَصَارَ فِي سُلْطَانِهِ، كَمَا يُقَالُ: غَلَبَ فُلَانٌ عَلَى مَدِينَةِ كَذَا، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى أَمْرِهَا، يُرِيدُ اسْتَوْلَى وَلَا يُرِيدُ الجُلُوسَ. وَهَذِهِ تَأْوِيلَاتٌ مُحْتَمَلَةٌ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ العَامِهِ التَّائِهِ المَأْبُونِ، الَّذِي يَهْذِي وَلَا يَدْرِي: هَذِهِ تَأْوِيلَاتٌ مُحْتَمَلَةٌ لِمَعَانٍ هِيَ أَقْبَحُ الضَّلال، وأَفْحَشُ المُحَال، وَلَا يَتَأَوَّلُهَا مِنَ النَّاسِ إِلَّا الجُهَّالُ، وَكُلُّ رَاسِخٍ فِي الضَّلَالِ.
وَيحك! وَهل مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَسْتَوْلِ اللهُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَاكَ وَلَمْ يَعْلُهُ حَتَّى خَصَّ العَرْشَ بِهِ مِنْ بَيْنِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ؟ وَهَلْ نَعْرِفُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْض لَيْسَ اللهُ مَالِكَهُ، ولاهو فِي سُلْطَانِهِ، حَتَّى خَصَّ العَرْشَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ مِنْ بَين الأَشْيَاء، وهَلْ نَازَعَ اللهَ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدٌ، أو غَالَبَهُ على عَرْشِهِ فَيَغْلِبَهُ اللهُ ثُمَّ يَسْتَوي عَلَى مَا غَالَبَهُ عَلَيْهِ مُغَالَبَةً ومُنَازَعَةً، مَعَ
[ ١٧١ ]
أَنَّكَ قَدْ صَرَّحْتَ بِمَا قُلْنَا، إِذْ قِسْتهُ فِي عَرْشِهِ بِمُتَغَلِّبٍ غَلَبَ عَلَى مَدِينَةٍ فَاسْتَوَى عَلَيْهَا بِغَلَبَةٍ؟
فَفِي دَعْوَاكَ لَمْ يَأْمَنِ اللهُ أَنْ يُغْلَبَ؛ لِأَنَّ المُغَالِبَ المُسْتَوْلِيَ رُبَّمَا غَلَبَ، وَرُبَمَا غُلِبَ.
فَهَلْ سَمِعَ سَامِعٌ بِجَاهِلٍ أَجْهَلَ بِالله مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّ اللهَ اسْتَوْلَى عَلَى عَرْشِهِ مُغَالَبَةً، ثُمَّ يَقِيسُهُ فِي ذَلِكَ بِمُتَغَلِّبٍ فَيَقُولُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ: غَلَبَ عَلَى مَدِينَةٍ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَهْلِهَا؟ وَأَيْنَ مَا انْتَحَلْتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُشَبِّهَ اللهَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، أَوْ يَتَوَهَّمَ فِيهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الخَلْقِ، وَقد شَبَّهْتَه بِمُتَغَلِّب غَلَبَ عَلَى مَدِينَةٍ بِغَلَبَةٍ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا؟
لَو وَلَدَتْكَ أُمُّكَ أَصَمَّ أَخْرَسَ؛ كَانَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَأَوَّلَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي الله تَعَالَى وَفِي عَرْشِهِ.
فَأَقْصِرْ أَيُّهَا المَرْءُ الضَّعِيفُ. فَإِنَّكَ لَنْ تَدْفَعَ العَرْشَ وَالكُرْسِيَّ بِمِثْلِ هَذَا الحَشْوِ وَالخُرَافَاتِ وَالعَمَايَاتِ؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ بِهِمَا قَدْ خَلُصَ إِلَى كُلِّ مَنْ عَرَفَ الله: مِنْ عَالِمٍ أَوْ جَاهِلٍ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: قِيَاسُكَ الله بِمِقْيَاسِ العَرْشِ وَمِقْدَارِهِ ووَزنه من صغَر أَوْ كِبَرٍ، وَزَعَمْتَ كَالصِّبْيَانِ العِمْيَانِ إِنْ كَانَ الله أَكْبَرَ مِنَ العَرْشِ، أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ، أَوْ مِثْلَهُ فَإِنْ كَانَ الله أَصْغَرَ؛ فَقَدْ صَيَّرْتُمُ العَرْشَ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ العَرْشِ؛ فَقَدِ ادَّعَيْتُمْ فِيهِ فَضْلًا عَلَى العَرْشِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا ضَمَّ إِلَى العَرْشِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ؛ كَانَتْ أَكْبَرَ، مَعَ خُرَافَاتٍ تَكَلَّمَ بهَا وَتُرَّهَاتٍ تَلَعَّبَ بهَا، وضَلَالَاتٍ تَضِلُّ بِهَا.
لَوْ كَانَ مَنْ يعْمَلُ عَلَيْهِ لله؛ لَقَطَعَ ثَمَرَةَ لِسَانِهِ، وَالخَيْبَةُ لِقَوْمٍ هَذَا فَقِيهُهُمْ،
[ ١٧٢ ]
وَالمَنْظُورُ إِلَيْهِ، مَعَ هَذَا التَّمْيزِ كُلِّهِ، وَهَذَا البَصَر وَكُلِّ هَذِهِ الجَهَالَاتِ وَالضَّلَالَاتِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا البَقْبَاقِ النَّفَّاجِ: إِنَّ اللهَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ خَلْقٍ، وَلَمْ يَحْتَمِلْهُ العَرْشُ عِظَمًا وَلَا [٢٨/ظ] قُوَّةً، وَلَا حَمَلَةُ العَرْشِ احْتَمَلُوهُ بِقُوَّتِهِمْ، وَلَا اسْتَقَلُّوا بِعَرْشِهِ بِشِدَّةِ أَسْرِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ حَمَلُوهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وتَأْيِيِدِهِ لَوْلَا ذَلِك؛ مَا أَطَاقُوا حَمْلَهُ.
وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ حِينَ حَمَلُوا العَرْشَ وَفَوْقَهُ الجَبَّارُ فِي عِزَّتِهِ، وَبَهَائِهِ ضَعُفُوا عَنْ حَمْلِهِ وَاسْتَكَانُوا، وَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ، حَتَّى لُقِّنُوا «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» فَاسْتَقَلُّوا بِهِ بِقُدْرَةِ الله وَإِرَادَتِهِ.
لَوْلَا ذَلِكَ مَا اسْتَقَلَّ بِهِ العَرْشُ، وَلَا الحَمَلَةُ، وَلَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَلَا مَنْ فِيهِنَّ.
وَلَوْ قَدْ شَاءَ لَاسْتَقَرَّ عَلَى ظَهْرِ بَعُوضَةٍ فَاسْتَقَلَّتْ بِهِ بِقُدْرَتِهِ، وَلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ، فَكَيْفَ عَلَى عَرْشٍ عَظِيمٍ أَكْبَرَ مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرَضِينَ السَّبْعِ؟ وَكَيْفَ يُنْكَرُ أَيُّهَا النَّفَّاج أَنَّ عَرْشَهُ يُقِلُّهُ، أو العَرش أَكْبَرَ مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرَضِينَ السَّبْعِ؟ وَلَوْ كَانَ العَرْشُ فِي السَّمَاوَات وَالأَرضين مَا وَسِعَتْهُ، ولَكِنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
فَكَيْفَ تُنْكِرُ هَذَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ فِي الأَرْضِ، وَفِي جَمِيعِ أَمْكِنَتِهَا، وَالأَرْضُ دُونَ العَرْشِ فِي العَظَمَةِ وَالسَّعَةِ؟ فَكَيْفَ تُقِلُّهُ الأَرْضُ فِي دَعْوَاكَ وَلَا يُقِلُّهُ العَرْشُ الَّذِي أَعْظَمُ مِنْهَا وَأَوْسَعُ؟ وَأَدْخِلْ هَذَا القيَاس الَّذِي أَدْخَلْتَ عَلَيْنَا فِي عِظَمِ العَرْشِ وَصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ عَلَى نَفْسِكَ، وَعَلَى أَصْحَابِكَ فِي الأَرْضِ وَصِغَرِهِا، حَتَّى تَسْتَدِلَّ عَلَى جَهْلِكَ وَتَفْطِنَ لِمَا تُورِدُ عَلَيْكَ حَصَائِدُ لِسَانِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَحْتَجُّ بِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ رَاجِعٌ عَلَيْكَ وَآخِذٌ بِحَلْقِكَ.
[ ١٧٣ ]
(٩٨) وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ حِينَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء حَملَةَ عَرْشِهِ فَقَالُوا: رَبنَا لما خَلَقْتَنَا؟ فَقَالَ: خَلَقْتُكُمْ لِحَمْلِ عَرْشِي، قَالُوا: رَبَّنَا، وَمَنْ يَقْوَى عَلَى حَمْلِ عَرْشِكَ، وعَلَيْهِ عَظَمَتُكَ، وَجَلَالُكَ وَوَقَارُكَ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي خَلَقْتُكُمْ لِذَلِكَ، قَالُوا: رَبَّنَا وَمَنْ يَقْوَى عَلَى حَمْلِ عَرْشِكَ وَعَلِيهِ عَظَمَتُكَ، وجَلَالُكَ وَوَقَارُكَ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: خَلَقْتُكُمْ لِحَمْلِ عَرْشِي قَالَ: فَيَقُولُونَ ذَلِكَ مِرَارًا، قَالَ فَقَالَ: قُولُوا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله؛ فَيَحْمِلَكُمْ وَالعَرْشَ قُوَّةُ الله» (١).
أَفَلَا تَدْرِي أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ لَمْ يَحْمِلُوا العَرْشَ وَمَنْ عَلَيْهِ بِقُوَّتِهِمْ وَشِدَّةِ أَسْرِهِمْ إِلَّا بِقُوَّةِ الله وَتَأْيِيدِهِ؟.
وَقَدْ بَيَّنَّا لَكَ مَا جَهِلْتَ مِنْ أَمْرِ العَرْشِ بِشَوَاهِدِهِ مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى، وَشَوَاهِدِهِ مِنْ مَعْقُولِ الكَلَامِ، وَمِمَّا مَضَى عَلَيْهِ أَهْلُ الإِسْلَامِ، وَسَنَقُصُّ عَلَيْكَ فِيهِ من آثَارِ رَسُولِ الله - ﷺ -، المَأْثُورَة وَأَخْبَارِهِ المَشْهُورَة، مَا لَوْ عَرَضْتَهَا عَلَى قَلْبِكَ وَتَدَبَّرْتَ أَلْفَاظَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِيهَا؛ عَلِمْتَ -إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى- أَنَّ مَا تَأَوَّلْتَهُ فِي تَفْسِيرِ العَرْشِ بَاطِلٌ.
(٩٩) حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الأَنْطَاكِيُّ، أبنا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَان محرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵄ - قال: أَتَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - فَجَاءَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالُوا: أَتَيْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ، كَيْفَ كَانَ؟ قَالَ:
«كَانَ اللهُ لم يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، [٢٩/و] وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي
_________________
(١) لم أقف على تخريج له، غير أن الذهبي ذكره في العلو (٣٤٦)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٣٤٦)، وعزاه للمصنف.
[ ١٧٤ ]
الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (١).
فَهَذَا قَوْلُ رَسُولِ الله - ﷺ -، إِنَّ عَرْشَهُ كَانَ عَلَى المَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، الَّتِي هِيَ أَعْلَى الخَلْقِ، فَقَوْلُ رَسُولِ الله - ﷺ -؛ تَكْذِيبٌ لِدَعْوَاكَ، وَإِبْطَالٌ لِتَأْوِيلِكَ.
(١٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ:
«خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، وَقَضَى القَضِيَّةَ، وَأَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ، وَعَرْشُهُ على المَاء» (٢).
(١٠١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ العَبْدِيُّ، أبنا سُفْيَانُ الثَّوْريُّ، ثَنَا أَبُو هَاشم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس - ﵄ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَانَ على عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٩٠)، وأحمد (١٩٨٢٢، ١٩٨٧٦، ١٩٨٨٦، ١٩٩١٠)، والمصنف في الرد على الجهمية (١٣)، وابن حبان (٦١٤٠، ٦١٤٢)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٤)، والبيهقي في السنن الكبير (٩/ ٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٥٦٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٥٩)، وغيرهم، من طريق، جامع بن شداد، به.
(٢) هذا الحديث ضعيف جدًا؛ أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (١٩٠ إتحاف الخيرة)، والمصنف في الرد على الجهمية (١٤)، وأبو الشيخ في كتاب العظمة (٢/ ٥٨٩)،جميعًا من طريق بشر بن نمير، به. وبشر بن نمير قال الحافظ: متروك متهم (التقريب ٧٠٦). وقد تابع بشرًا؛ جعفرُ بن الزبير، أخرجه الطيالسي (١٢٢٦)، والطبراني في الكبير (٧٩٤٠)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٦٨)، جميعًا من طرق عن جعفر بن الزبير، وهذه متابعة لا يُفْرَح بها؛ فإن جعفرًا حاله كحال متابعه؛ متروك أيضًا كما قال الحافظ في التقريب (٩٣٩)، وللحديث طريق أخرى عند الطبراني في الأوسط (٧٦٣٢)؛ من حديث أبي عثمان النهدي عن أبي أمامة، وهو ضعيف أيضا؛ في إسناد الطبراني، سلم بن سالم البلخي، قال أحمد: ليس بذاك، وقال أبو زرعة: لا يكتب حديثه (الجرح والتعديل ٤/ ٢٦٦)، وشيخه عبد الرحمن؛ لا يعرف.
(٣) صحيح، رجاله ثقات. أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (١٦)، والطبري في التفسير= = (١٣/ ٣٢٦)، من طريق ابن مهدي، عن سفيان، به
[ ١٧٥ ]
فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ أَنَّ اللهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ مِنْ سَمَاءٍ أوَ أَرْضٍ.
وَادَّعَيْتَ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ أَنَّ العَرْشَ أَعْلَى الخَلْقِ تَكْذِيبًا لِرَسُولِ الله - ﷺ - وَلِأَصْحَابِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: «بَدْءُ الخَلْقِ العَرْش».
(١٠٢) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «بَدْءُ الخَلْقِ العَرْشُ وَالمَاءُ» (١).
(١٠٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ المنْهَال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] قَالَ: «عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: على مَتْنِ الرِّيح» (٢).
(١٠٤) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتبَة، وَجُبَيْر بنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«إِنَّ الله فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ فَوْقَ أَرْضِهِ مِثْل القُبَّةِ -وَأَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ -
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٩٠٥)، والطبري (١٠/ ٢٤٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨١٣)، من طريق أبي عوانة، به. ورجاله ثقات. وقع عند ابن أبي شيبة، «أبي كثير» بدل «أبي بشر»، وهو تحريف.
(٢) صحيح، رجاله ثقات. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٨٩)، والطبري في التفسير (١٢/ ٣٣٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦/ ٢٠٠٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٨٤)، والحاكم (٢/ ٣٦٧)، وصححه، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٩)، وغيرهم من طريق الأعمش، به.
[ ١٧٦ ]
بِيَدِهِ مِثْلَ القُبَّةِ- وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بالراكب» (١).
وَهَذَا أَيُّهَا المُعَارِضُ نَاقِضٌ لِتَأْوِيلِكَ: أَنَّ العَرْشَ إِنَّمَا هُوَ أَعْلَى الخَلْقِ، يَعْنِي السَّمَاوَاتِ فَمَا دُونَهَا مِنَ السُّقُوفِ وَالعُرُشِ وَأَعَالِي الخَلَائِقِ، وَرَسُولُ الله - ﷺ - يَقُول: إنه فَوْقَ السَّمَاوَاتِ العُلَى، فَكَفَى خَيْبَةً وخَسَارِةً بِرَجُل أَن يُضَادَّ قَوْلُهُ
_________________
(١) ضعيف الإسناد. أخرجه أبو داود (٤٧٢٦)، والمصنف في الرد على الجهمية (٢٤)، والطبراني في الكبير (١٥٤٧)، والبغوي في شرح السنة (٩٢)، والدارقطني في العلل (٣٣٢٠)، وابن خزيمة في التوحيد (١٤٧)، وغيرهم من حديث محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير، به. وهو المحفوظ، وهذا حديث ضعيف؛ جبير بن محمد مقبول إذا توبع، وإلا فهو لين، وقد تفرد به، ولم يتابعه عليه أحد. وابن إسحاق مدلس، وقد عنعن. قال الذهبي في العلو للعلي الغفار (١/ ٤٤): «هذا حديث غريب جدا فرد وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير، وعجائب فالله أعلم أقال النبي - ﷺ - هذا أم لا؟ والله - ﷿ - ﴿ليس كمثله شيء﴾ ﷻ وتقدست أسماؤه ولا إله غيره، والأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل؛ فذاك صفة للرحل وللعرش ومعاذ الله أن نعده صفة لله عزوجل ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت. وقولنا في هذه الأحاديث إننا نؤمن بما صح منها وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال واختلف العلماء في قبوله وتأويله؛ فإنا لا نتعرض له بتقرير، بل نرويه في الجملة ونبين حاله وهذا الحديث إنما سقناه لما فيه مما تواتر من علو الله تعالى فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب».اهـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٢٥٤): «وهذا الحديث قد يطعن فيه بعض المشتغلين بالحديث انتصارًا للجهمية، وإن كان لا يفقه حقيقة قولهم وما فيه من التعطيل أو استبشاعًا لما فيه من ذكر الأطيط، كما فعل أبو القاسم المؤرخ ويحتجون بأنه تفرد به محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن جبير ثم يقول بعضهم ولم يقل ابن إسحاق حدثني فيحتمل أن يكون منقطعًا وبعضهم يتعلل بكلام بعضهم في ابن إسحاق مع أن هذا الحديث وأمثاله وفيما يشبهه في اللفظ والمعنى لم يزل متداولًا بين أهل العلم خالفًا عن سالف ولم يزل سلف الأمة وأئمتها يروون ذلك رواية مصدق به راد به على من خالفه من الجهمية مُتَلَقين لذلك بالقبول حتى قد رواه الإمام أبوبكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه في التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بأحاديث الثقات إلخ».
[ ١٧٧ ]
قَوْلَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَيُكِذِّبَ دَعْوَاهُ.
(١٠٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسمِائَة عام وَبَيْنَ كُلِّ سَمَائَيْن مَسِيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالعَرْشُ عَلَى المَاءِ، وَالله فَوْقَ العَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» (١).
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ ابْن مَسْعُود كَيفَ مَيَّزَ
بَيْنَ العَرْشِ وَالكُرْسِيِّ، وَبَيْنَ السَّمَاوَاتِ فَمَا دُونَهَا الَّتِي هِيَ أَعْلَى الخَلَائِقِ فِي دَعْوَاكَ وَسَمَّيْتَهَا عَرْشًا دُونَ عَرْشِ الرَّحْمَن الذي هُوَ العَرْشُ عَلَى أَلْسُنِ العَالَمِينَ.
(١٠٦) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مِهْرَانَ -وَهُوَ المُكْتِبُ-، ثَنَا مُجَاهِدٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ [٢٩/ظ] بْنُ عُمَرَ: «خَلَقَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاء بِيَدِهِ: العَرْشَ، وَالقَلَمَ، وَعَدْن، وَآدَمَ، ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الخَلْقِ كُنْ فَكَانَ» (٢).
تَكْذِيبًا لِمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ إِذْ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ خُصُوصًا ثُمَّ قَالَ لِمَا هُوَ أَعْلَى الخَلَائِقِ عِنْدَكَ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، فإِذَا كَانَ العَرْشُ فِي دَعْوَاكَ ودعوى إِمَامِكَ: السَّمَاوَاتِ، فَمَا بَالُ حَمَلَةِ العَرْشِ وَمَا يُصْنَعُ بِهِمْ فِي رَفْعِ السَّمَاوَاتِ، وَقَدْ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢].
فَفِي مَعْرِفَةِ النَّاسِ لِحَمَلَةِ العَرْشِ، واسْتِفَاضَتِهِ فِيهِم وعَلَى أَلْسِنَتِهِم تَكْذِيبُ دَعْوَاكَ، وَدَعْوَى صَاحِبِكَ، ثُمَّ مَا رُوِيَ فِيهِمْ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَعَنْ أَصْحَابِهِ سَنَذْكُرُ مِنْهَا بَعْضَ مَا حَضَرَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
_________________
(١) حسن، تقدم تخريجه برقم (٩٢).
(٢) صحيح، تقدم تخريجه برقم (٣٧).
[ ١٧٨ ]
(١٠٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا الوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِب - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ بِالبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - السَّمَاوَاتِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ قَالَ:
«وَفَوْقَ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ مَا بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَلَى ظُهُورهمْ العَرْش، أَسْفَله، وَأَعلاهُ ما بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ اللهُ فَوقَ ذَلِك» (١).
(١٠٨) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- عَنْ الزُّبَيْر أَبِي عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الله الفِهْرِيِّ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، نُورُ السَّمَاوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ، وَإِنَّ مِقْدَارَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ عِنْدَهُ؛ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ بِالأَمْسِ أَوَّلَ النَّهَارِ، اليَوْمَ، فَيَنْظُرُ فِيهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، فَيَطَّلِعُ فِيهَا عَلَى مَا يَكْرَهُ، فَيُغْضِبَهُ ذَلِكَ، فَأَوَّلُ مَنْ يَعْلَمُ بِغَضَبِهِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، يَجِدُونَهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، فَيُسَبِّحُهُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وَسُرَادِقَاتُ العَرْشِ وَالمَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَسَائِرُ المَلَائِكَةِ» (٢).
_________________
(١) ضعيف؛ أخرجه أبو داود (٤٧٢٤)، والترمذي (٣٣٢٠)، وابن ماجه (١٩٣)، وأحمد (١٧٧٠)، والمصنف في الرد على الجهمية (٢٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥٤)، وغيرهم من حديث عبد الله بن عميرة الكوفي به، وهو مجهول لم يرو عنه غير سماك بن حرب كما ذكر ذلك مسلم في الوحدان، وقال الذهبي في الميزان (٢/ ٤٦٩): «فيه جهالة» وقال البزار في مسنده (٤/ ١٣٧): «لا نعلم روى عنه إلا سماك». وقال الترمذي عقبه: حسن غريب. وثمة انقطاع بينه وبين شيخه الأحنف بن قيس؛ حيث قال البخاري في التاريخ الكبير: «ولا نعلم له سماعًا من الأحنف».
(٢) أخرجه أبو داود في الزهد (١٦٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٥٩٠)، والطبراني= = في الكبير (٩/ ١٧٩)، وعنه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٤٧٧)، وغيرهم، من طريق حماد بن سلمة، به. وفيه الزبير أبو عبد السلام ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وقال روى عنه حماد بن سلمة مراسيل. وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه شيئا. وقال الدارقطني كما في الضعفاء لابن الجوزي: يروي عنه حماد بن سلمة يحدث عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن ابن مسعود بالمنكرات.
[ ١٧٩ ]
(١٠٩) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بن زيد، عَن يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «لِحَمَلَةِ العَرْشِ قُرُونٌ لَهَا كُعُوبٌ كَكُعُوبِ القَنَا، مابَيْنَ أَخْمَصِ أَحَدِهِمْ إِلَى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ كَعْبِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ مسيرَةُ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ رُكْبَتِهِ إِلَى أَرْنَبَتِهِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ أَرْنَبَتِهِ إِلَى تُرْقُوَتِهِ مَسيرَةُ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ تُرْقُوَتِهِ إِلَى مَوْضِعِ القُرْطِ خَمْسمِائَة عَام» (١).
(١١٠) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «حَمَلَةُ العَرْشِ؛ مِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الإِنْسَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ النِّسْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الأَسَدِ» (٢).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٦٩) مطولا، والطبري في التفسير (١٩/ ٢٦١)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨/ ٢٦٨٢)، والمصنف في الرد على الجهمية (٧٣)، جميعًا من طريق علي بن زيد بن جدعان، وقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. وشيخه يوسف بن مهران: لينه الحافظ. وقال الحاكم عقبه: «رواة هذا الحديث عن آخرهم محتج بهم غير علي بن زيد بن جدعان القرشي وهو وإن كان موقوفًا على ابن عباس فإنه عجيب بمرة».
(٢) إسناده صحيح، أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٠٦)، من قول هشام، وله شاهد من حديث ابن عباس بإسناد رجاله ثقات، خلا محمد بن إسحاق، وحديثه حسن، أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٠٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٤١٥)، وعنه = = عبد الله بن أحمد في السنة (١١٦٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٩)، وغيرهم.
[ ١٨٠ ]
(١١١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولي، [٣٠/و] [ثنا إسرائيل] (١) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الأَرْضَ السَّابِعَةَ، وَالعَرْشُ عَلَى مِنْكَبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ أَيْنَ أَنْتَ، أَوْ حَيْثُ تَكُونُ» (٢).
(١١٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الله الرَّقِّيُّ أَبُو الحَسَنِ السُّكَّريُّ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ - ﵁ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧]. قَالَ: «ثَمَانِيَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى صُورَةِ الأَوْعَالِ» (٣).
(١١٣) حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ مُوسَى البَغْدَادِيُّ، ثَنَا الهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّان بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: «حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، أَقْدَامُهُمْ فِي الأَرْض وَرُؤُوسُهُم قَدْ جَاوَزَتِ السَّمَاءَ، وَقُرُونُهُمْ مِثْلُ طُولِهِم عَلَيْهَا العَرْش» (٤).
_________________
(١) ما بين المعقوفين ليس في الأصل، ويغلب على ظني أنه سقط من الناسخ وليس الإسناد هكذا، وقد أثبته محقق «س»، دون أن يشير إلى شيء، وهو مثبت في جميع مصادر التخريج، بل إن الحديث حديثه كا أشار الدارقطني في العلل.
(٢) حسن، أخرجه أبو يعلى (٦٦١٩)، عن عمرو الناقد، والطبراني في الأوسط (٧٣٢٤)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٢٤)، من طريق الفضل بن سهل كلاهما عن، إسحاق بن منصور، به. وتابع إسحاق في روايته عن إسرائيل، عبيدُ الله بن موسى، كما أخرجه الحاكم (٤/ ٣٣٠) وصححه. وقد وقع في غير طريق الناقد، وفي رواية عبيد الله بن موسى عن إسرائيل: «أذن لي أن أحدث عن ديك ». والكلمتان قريبتان في الرسم.
(٣) ضعيف، تقدم تخريجه برقم (١٠٦).
(٤) إسناده صحيح، أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٧٩)، من طريق عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، به.
[ ١٨١ ]
(١١٤) حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الحَرَّانِيُّ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ رَجُلٍ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ فَقَالَ:
«إِنَّ الله رَفَعَنِي يَوْمَ القِيَامَةِ فِي أَعلَى غُرْفَةٍ من جَنَّاتِ النَّعِيمِ، لَيْسَ فَوْقِي إِلَّا حَمَلَةُ العَرْشِ» (١).
وَفِي العَرْشِ وَحَمَلَةِ العَرْشِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ اخْتَصَرْنَا مِنْهَا هَذِهِ الأَحَادِيثَ، لِيَعْلَمَ مَنْ نَظَرَ فِيهَا مُخَالَفَتَكُم رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ وَالتَّابِعِينَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُؤْمِنْ بِهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، فَقَدْ آمَنَ بِهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ وَأَطْيَبُ.
وَاعْلَمُوا يَقِينًا أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ أَلْزَمُ لَهُمْ وَأَصَحُّ عِنْدَ الله مِمَّا يَرْوِي المَرِيسِيُّ وَابْنُ الثَّلْجِيِّ، مِنْ خُرَافَاتِهِمْ وَتُرَّهَاتِهِمُ الَّتِي لَا تَنْقَاسُ فِي كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ وَلَا فِي شَيْءٍ من لُغَات العَرَب والعَجَمِ.
* * *
_________________
(١) إسناده ضعيف، ابن لهيعة قال الذهبي: العمل على تضعيف حديثه، ثم جهالة عين الراوي عن عبادة بن الصامت. وأبو صالح شيخ المصنف هو عبد الغفار بن داود بن مهران الحراني، وليس هوأبو صالح كاتب الليث كما زعن محقق «س». وقد أورد الحديث الذهبي في العلو (١٢٤)، وضعفه.
[ ١٨٢ ]
وَادَّعَيْتَ أَيْضًا عَلَى قَوْمٍ أَعْلَمَ بِالله وَبِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مِنْكَ وَمِنْ أَصْحَابِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عِلْمُ الله غَيْرُهُ، وَالعِلْمُ بِمَعْزِلٍ مِنْهُ، العَالِمُ فِي السَّمَاء وَالعِلْم فِي الأرض مِنْهُ بِمَعْزِلٍ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ البَاهِتِ: مِثْلُ هَذَا لَا يَتَفَوَّهُ بِهِ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَهُ عَلَى مَعْنًى لَا يَتَوَجَّهُ لَهُ أَمْثَالُكَ، يَقُولُونَ: العَالِمُ بِكَمَالِهِ وَبِجَمِيع عِلْمِهِ فَوقَ عَرْشه، وَعِلْمُهُ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ، يَعْلَمُ بِعِلْمِهِ الَّذِي فِي نَفْسِهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، عَلَى بُعْدِ مَسَافَةِ مَا بَيْنَهُنَّ، فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ عِلْمَهُ فِي الأَرْضِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، لَا عَلَى مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الزُّورِ، أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِلْمَ الله مَنْزُوعٌ مِنْهُ مُجَسَّمٌ فِي الأَرْضِ، إِذًا هُمْ فِي الجَهْلِ وَالضَّلَالِ مِثْلُكَ وَمِثْلُ أَئِمَّتِكَ المَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ.
وَادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلَامَ الله مِنْ صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ وَالكَلَامُ هُوَ الفِعْلُ بِزَعْمِكَ، وَزَعْمِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ مِنَ الذَّاتِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: أَمَّا مَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ مِنْ ذَلِكَ فَسَنُبَيِّنُهُ لَكَ، وَإِنْ جَهِلْتَ، غَيْرَ أَنَّكَ تَرَدَّدْتَ وَرَاوَغْتَ وَوَالَسْتَ وَدَالَسْتَ، تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، كَيْفَ تُصَرِّحُ بِالقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؟ فَلَمْ تَزَلْ عَنْكَ وَدُونَكَ تَلَجْلَجُ بِهَا فِي صَدْرِكَ، حَتَّى صَرَختَ [٣٠/ظ] بِهَا فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِعْلٌ، وَالفِعْلُ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ وَلَا شَكَّ فِيهِ.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ عَلَيْنَا أَنَّا نَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ الله مِنْ صِفَاتِهِ، فَإِنَّا نَقُولُ عَلَانِيَةً غَيْرَ سِرٍّ، وَهُوَ الحَقُّ المُبِينُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مَخْلُوقًا، وَكُلُّ كَلَامٍ صِفَةُ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ بِهِ، خَالِقٍ أَوْ مَخْلُوقٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ بِهِ مِنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ سَائِرُ الصِّفَاتِ، مِنَ اليَدِ وَالوَجْهِ وَالنَّفْسِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الصِّفَاتِ
[ ١٨٣ ]
الَّتِي إِذَا بَانَتْ مِنَ المَوْصُوفِ وَاسْتَبَانَ مَكَانُهَا مِنْهُ؛ قَامَ البَائِنُ مِنْهُ بِعَيْنِهِ فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ لِأَنَّكَ تَرَى المُتَكَلِّمَ مِنَ النَّاسِ يَتَكَلَّمُ نَهَارَهُ أَجْمَعَ، وَكَلَامُهُ يَخْرُجُ مِنْهُ وَصْفًا لَا يَنْقُصُ مِنْ كَلَامِهِ شَيْءٌ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ، كَأَنَّهُ مَتَى شَاءَ عَادَ فِي مِثْلِهِ مِنَ الكَلَامِ، وَلَا الكَلَامُ يَقُومُ بِعَيْنِهِ جِسْمًا يُرَى وَيُنْظَرُ إِلَيْهِ دُونَهُ وَيَنْشُرُ كَلامَهُ فِي الآفَاقِ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، فَيُنْسَبُ إِلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، كَمَا يُنْسَبُ اليَوْمَ أَشْعَارُ الشُّعَرَاءِ فَيُقَالُ: شِعْرُ لَبِيدٍ، والأَعْشَى، وَلَوْ قَطَعْتَ يَدَهُ لَاسْتَبَانَ مَوْضِعُ قَطْعِهِ مِنْهُ واسْتِبِانَ المَقْطُوعُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الكَلَامَ لَهُ حَالٌ خِلَافُ حَالِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الأُخَرِ، لَا يُقَاسُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُشَكُّ فِيهَا أَنَّهَا صِفَةُ المُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ خَرَجَ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: كَلَامُ اللهِ فِعْلُهُ، فَقَدْ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَادَّعَيْتَ أَنَّ أَفَاعِيلَ اللهِ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ، وَالكَلَامُ أَحَدُ أَفَاعِيلِهِ عِنْدَكَ، فَقُلْتَ فِيهِ قَوْلًا أَفْحَشَ مِمَّا قَالَ إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ.
زَعَمَ المريسيُّ أَنَّهُ مَجْعُولٌ، وكُلُّ مَجْعُولٍ مَخْلُوقٌ، وَزَعَمْتَ أَنْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مَفْعُولٌ، وَأَنْتُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِنْكُمَا الألفَاظُ فَإِنَّ المَعْنَى فِيهِ مِنْكُمَا مُتَّفِقٌ، كَمَا اتَّفَقَ القَوْلُ مِنْ إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ مَعَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المُشْرِكِ المَخْزُومِيِّ أَنْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، وَكَذَا الَّذِي قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٧]، فَزَعَمَ إِمَامُكَ أَنَّهُ مَجْعُولٌ، وَزَعَمْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ فَاتَّفَقَتِ المَعَانِي، وَاخْتَلَفَتِ الألفَاظُ مِنْكُمَا جَمِيعًا وَلَئِنْ كَانَ أَهْلُ الجَهْلِ مِنْ مُرَادِكُمْ فِي شكّ؛ إِن أَهْلَ العِلْمِ مِنْكُمْ لَعَلَى يَقِينٍ.
فَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللهِ لِمَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ أَنْ صَرَّحْتَ بِالمَخْلُوقِ بَعْدَ تَسَتُّرٍ وَانْقِبَاضٍ مِنْهُ، مَخَافَةَ الفَضِيحَةِ، حَتَّى صَرَّحْتَ بِهَا، فَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَذْهَبِكَ لِيَحْذَرُوا مِثْلَهَا مِنْ زَلَّاتِكَ، ويجتنبوا أَخَوَاتِهَا مِنْ سَقَطَاتِكَ، ثُمَّ صَرَّحْتَ بِهَا
[ ١٨٤ ]
ثَانِيَةً فِي آخِرِ كِتَابِكَ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ مَنْ قَالَ: القُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَدْ جَاءَ بِالكُفْرِ عَيَانًا.
أَو لم تَزْعُمْ أَيُّهَا المُعَارِضُ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ هَذَا: أَنَّ مَنْ قَالَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ كَافِرٌ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَافِر عِنْدَكَ، إِنَّ الَّذِي يَقُولُ: مَخْلُوق مُؤْمِنٌ مُوَفَّقٌ، مُصِيبٌ في دَعْوَاكَ فَلِمَ تَنْسبُهُ إلى البِدْعَةِ، وهو في دَعْوَاكَ مُوَفَّقٌ مُصِيبٌ، وَلَكِنَّكَ مَوَّهْتَ بِالأَوَّلِ؛ لِئَلَّا يَفْطِنَ الجُهَّالُ مِنْكَ الأُخْرَى، وَقَدْ صَرَّحْتَ وَأَوْضَحْتَ وَأَفْصَحْتَ بِهِ حَتَّى لَمْ تَدَعْ لِمُتَأَوِّلٍ عَلَيْكَ مَوْضِعَ شُبْهَة.
* * *
[ ١٨٥ ]
وَصَرَّحْتَ أَيْضًا بِمَذْهَبٍ كَبِيرٍ فَاحِشٍ مِنْ قَوْلِ الجَهْمِيَّةِ فَقُلْتَ: إِذَا قَالُوا لَنَا: أَيْنَ الله؟ فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِالأَيْنِيَّةِ بِحُلُولِ المَكَانِ، إِذا قِيلَ: أَيْنَ هُوَ؟ قِيلَ: عَلَى العَرْشِ وَفِي السَّمَاءِ.
فَيُقَالُ لَكَ، [٣١/و] أَيُّهَا المُعَارِضُ: مَا أَبْقَيْتَ غَايَةً فِي نَفْي اسْتِوَاءِ اللهِ عَلَى
العَرْشِ وَاسْتِوَائِهِ إِلَى السَّمَاءِ، إِذْ قُلْتَ: لَا نَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى العَرْشِ وَفِي السَّمَاءِ بِالأَيْنِيَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ إِلَهَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَإِنَّمَا يَعْبُدُ غَيْرَ الله، وَيَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ فِي الأَرْضِ، وَمَنْ قَصَدَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ فِي الأَرْضِ كَانَ كَعَابِدِ وَثَنٍ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى العَرْشِ، وَالأَوْثَانُ فِي الأَرْضِ، كَمَا قَالَ لِجِبْرِيلَ ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ٢٠ - ٢١]، فَفِي قَوْلِهِ «ثَمَّ» دَلِيلٌ عَلَى البَيْنُونَةِ وَالحَدِّ بِقَوْلِهِ: «ثَمَّ» لَا هَاهُنَا فِي الكُنفِ وَالمَرَاحِيضِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ.
وَإِنْ أَبَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنْ تُؤَيِّنَ اللهَ تَعَالَى وَتُقِرَّ بِهِ أَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، دُونَ مَا سِوَاهُ، فَلَا ضَيْرَ عَلَى مَنْ أَيَّنَهُ؛ إِذْ رَسُولُهُ وَنَبِيُّهُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ أَيَّنَهُ فَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: «أَيْنَ الله؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». وَكَذَلِكَ أَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَخَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ.
(١١٥) حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الرِّفَاعِيُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«لمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ قَالَ: اللهمَّ إِنَّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الأَرْض وَاحِد أَعْبُدُكَ» (١).
_________________
(١) ضعيف؛ أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٢٨)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة = = (٦٢٧٥)، والبزار (١٦/ ١٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩)،والخطيب في التاريخ (١٠/ ٣٤٦)، وغيرهم، من طريق أبي هاشم الرفاعي، به وهذا إسناد ضعيف لأجل أبي هشام الرفاعي واسمه محمد بن يزيد، ضعفه غير واحد، وقال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه، وكذلك شيخ شيخه أبو جعفر الرازي قال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال أبو زرعة شيخ يهم كثيرًا. قلت: وقد تفرد به كما قال البزار عقب روايته للحديث: «وَهَذَا الحديثُ لاَ نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ إلا أبو جعفر، ولا عن أبي جعفر إلا إسحاق، ولم نسمعه إلا من أبي هشام».
[ ١٨٦ ]
(١١٦) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ العَطَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ للْأمة السَّوْدَاء: «أَيْن اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (١).
فَمَا نَصْنَعُ بِقَوْلِكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ وَقَوْلِ إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ مَعَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنْ يُنْبَذَ فِي الحُشِّ.
وَالقُرْآنُ يُصَدِّقُ مَا قَالَا، وَيُحَقِّقُهُ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، إِذْ يَقُولُ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وَ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٣ - ٤]، و﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]،و﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ القُرْآنِ.
_________________
(١) صحيح، رجاله ثقات، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (١٨)، والطيالسي في مسنده (١٢٠١)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٩٩)، وأبو عوانة في مسنده (١٧٢٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٨٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦٥٢)؛ جميعا من طريق أبان بن يزيد العطار، به. وأخرجه مسلم (٥٣٧)، من حديث حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، به.
[ ١٨٧ ]
وَزَعَمْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّكَ لَا تَصِفُ اللهَ بِحُلُولٍ فِي الأَمَاكِنِ، فَلَوْ شَعرْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ، أَنَّكَ وَصَفْتَهُ بِأَقْبَحَ حُلُول فِي الأَمَاكِن أَفْحَش مِمَّا عِبْتَ عَلَى غَيْرِكَ؛ لِأَنَّا قد أَيَّنَّا لَهُ مَكَانًا وَاحِدًا: أَعْلَى مَكَانٍ، وَأْطَهَرَ مَكَانٍ وَأَشْرَفَ مَكَانٍ؛ عَرْشِهِ العَظِيمِ المُقَدَّسِ المَجِيدِ، فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ العُلْيَا، حَيْثُ لَيْسَ مَعَهُ هُنَاكَ إِنْسٌ، وَلَا جَانٌّ، وَلَا بِجَنْبِهِ حُشٌّ، وَلَا مِرْحَاضٌ، وَلَا شَيْطَانٌ.
وَزَعَمْتَ أَنْتَ وَالمُضِلُّونَ مِنْ زُعَمَائِكَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ حُشٍّ وَمِرْحَاضٍ، وَبِجَنْبِ كُلِّ إِنْسِيٍّ وَجَانٍّ، أَفَأَنْتُمْ تُشَبِّهُونَهُ بِالحُلُولِ فِي الأَمَاكِنِ، أَمْ نَحْنُ؟ هَذَا وَاضِحٌ بَيْنَ مَذْهَبِكُمْ وَدَعْوَاكُمْ، صَرَّحْتَ بِهَا أَيُّهَا المُعَارِضُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِكَ، وَلَكِنَّكَ تَقُولُ الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ، ثُمَّ تَنْقُضُهُ عَلَى نَفسِك وَأَنت لا تَشْعُرُ بِهِ حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقِكَ. والحَمد لله الَّذِي أَعَانَنَا عَلَيْكَ بِالنِّسْيَانِ، وكَثْرَةِ الهَذَيَان.
ثمَّ ذَهَبْتَ تُنْكِرُ النُّزُولَ، وَتَدْفَعُهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الأَبَاطِيلِ، وَالأَضَالِيلِ [٣١/ظ] مِنْ كَلَامِ المَرِيسِيِّ، وَابْنِ الثَّلْجِيِّ، وَنُظَرَائِهِمْ مِنَ الجَهْمِيَّةِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي غَيْرِ خَبَرٍ، كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُهُ، وَقَلَّ حَدِيثٌ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْقَضَ لِدَعْوَاكُم مِن [أَنَّ] الله فِي كُلِّ مَكَانٍ، مِنْ حَدِيثِ النُّزُولِ؛ لَما أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَان، فَكَيْفَ يَنْزِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مَنْ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟!
فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ المُعَارِضِ لِدَفْعِ حَدِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي النُّزُولِ؛ حِكَايَةٌ حَكَاهَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ لَعَلَّهَا مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ: نُزُولُهُ: أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَمَا أَشْبَهَهَا.
فَقُلْنَا لَهُ: أَيُّهَا المُعَارِضُ، أَمَّا لَفْظُ رَسُولِ الله - ﷺ - فَيَنْقُضُ مَا حَكَيْتَ عَنْ
[ ١٨٨ ]
أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَإِنْ قَالَهُ فَالحَدِيثُ يُكَذِّبُهُ وَيُبْطِلُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الحَدِيثِ: «إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ شَطْرُ اللَّيْلِ، نَزَلَ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأُجِيب؟ هَل من مُسْتَغْفِر أغفرُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ» وَقَدْ جِئْنَا بِالحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ (١).
فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا حَكَيْتَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَادَّعَيْتَهُ أَنْتَ أَيْضًا أَنَّهُ: أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ وَسُلْطَانُهُ، مَا كَانَ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ هَذَا وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى اسْتِغْفَارِهِ وَسُؤَالِهِ دُونَ الله، وَلَا المَلَائِكَة يَدعُوا النَّاسَ إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَإِلَى المَغْفِرَةِ مِنْهَا لَهُمْ، وَإِلَى إِعْطَاءِ السُّؤَّالِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى وَلِيَ ذَلِكَ، دُونَ من سِوَاهُ.
وَأُخْرَى؛ أَنَّ أَمْرَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَسُلْطَانَهُ دَائِبًا يُنَزَّلُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ لَا يَفْتُرُ، وَلَا يَنْقَطِعُ، فَمَا بَالُ ثُلُثِ اللَّيْلِ خُصَّ بِنُزُولِهِ وَرَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ مِنْ بَيْنِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ حَتَّى وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِذَلِكَ وَقْتًا آخَرَ، فَقَالَ: «إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ الفَجْرُ»، فَفِي دَعْوَاكَ تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ عَلَى النَّاسِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِذَا انْفَجَرَ الفَجْرُ رُفِعَتْ فِي دَعْوَاكَ.
هَذَا وَاللهِ تَفْسِيرٌ مُحَالٌ، وَتَأْوِيلُ ضَلَالٍ، يَشْهَدُ عَلَيْهِ ظَاهِرُ لَفْظِ الحَدِيثِ بِالإِبْطَالِ.
وَأَمَّا مَا رَوَيْتَ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ عَنِ المَرِيسِيِّ: أَنَّ اللهَ بِكُلِّ مَكَانٍ عَن ابْن عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: «لَا تَقُلْ: الله حَيْثُ كَانَ، فَإِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ».
وَعَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، مِثْلَهُ.
_________________
(١) تقدم برقم (٢٦، ٢٧).
[ ١٨٩ ]
فَتَأْوِيلُ هَذَا أَيُّهَا المُعَارِضُ عَلَى مَا فَسَّرْنَا: أَنَّهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ بِكُلِّ مَكَانٍ بِالعِلْمِ بِهِ، وَمَعَ كُلِّ صَاحِبِ نَجْوَى، وَأَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى، لَا عَلَى أَنَّ نَفْسَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مِمَّا بَيْنَ الخَلْقِ فِي الأَرْضِ وَالأَمْكِنَةِ، وَبِجَنْبِ كُلِّ مُصَلٍّ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ، فَهُوَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَعَ مَنْ بِالمَشْرِقِ، كَمَا هُوَ مَعَ مَنْ بِالمَغْرِبِ، وَمَعَ مَنْ فِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، كَمَا هُوَ مَعَ مَنْ هُوَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ خَلْقِهِ.
وَالعَجَبُ مِنْكَ وَمِنْ إِمَامِكَ المَرِيسِيِّ إِذْ يَحْتَجُّ فِي ضَلَالِهِ بِالتَّمْوِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنِ أَبِي البَخْتَرِيِّ وَيَدَعُ المَنْصُوصَ المُفَسَّرَ [٣٢/و] عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الرُّؤْيَةِ وَالعَرْشِ خِلَافَ مَا مَوَّهَ مِنْ كِتَابِ الله، وَرِوَايَةِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ - أَجْمَعِينَ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي النُّزُولِ، وَفِي أَنَّ الله تَعَالَى فِي السَّمَاءِ دون الأَرْض.
هذا إلى الِابْتِدَاعِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الِاتِّبَاعِ، وَإِلَى الجَهْلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى العَدْلِ، غَيْرَ أَنَّ المُصِيبَ يَتَعَلَّقُ مِنَ الآثَارِ بِكُلِّ وَاضِحٍ مَشْهُورٍ، وَالمُرِيبَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُتَشَابِهٍ مَغْمُورٍ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا النُّزُولِ، ثُمَّ قُلْتَ: وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: إِنَّ نُزُولَهُ، أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ كَمَا تَرَوْنَ أن القُرْآنَ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ شَافِعًا مُشَفَّعًا، وَمَاحِلًا مُصَدِّقًا، فَقَالُوا: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَوَابُهُ. فَإِنْ جَازَ لَهُمْ هَذَا التَّأْوِيلُ فِي القُرْآنِ جَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ نُزُولَهُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَقَدْ قِسْتَ بِغَيْرِ أَصْلٍ، وَلَا مِثَالٍ؛ لِأَنَّ العُلَمَاءَ قَدْ
[ ١٩٠ ]
عَلِمُوا أَنَّ القُرْآنَ كَلَامٌ. وَالكَلَامُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا قَائِمًا حَتَّى تُقِيمَهُ الأَلْسُن وَيَسْتَلِينَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى المَجِيءِ، وَالتَّحَرُّكِ، وَالنُّزُولِ بِغَيْرِ مُنَزِّلٍ وَلَا مُحَرِّكٍ، إِلَّا أَن يُؤْتَى بِهِ وَيُنْزَّلَ.
واللهُ تَعَالَى حَيٌّ قَيُّومٌ، مَلِكٌ عَظِيمٌ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فِي عِزِّهِ وبَهَائِهِ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ، وَيَنْزِلُ بِلَا مُنْزِلٍ، ويَرْتَفِعُ بِلَا رَافِعٍ، وَيفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِغَيْر اسْتِعَانَةٍ بِأحَدٍ، وَلَا حَاجَةَ فِيمَا يَفْعَلُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا يُقَاسُ الحَيُّ القَيُّومُ الفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ بِالكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمٌ حَتَّى تُقِيمَهُ الأَلْسُنُ، وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا إِرَادَةٌ، وَلَا يَسْتَبِينُ إِلَّا بِقِرَاءَةِ القُرَّاءِ.
أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ نُزُولُهُ: أَمْرَهُ وَرَحْمَتَهُ، فَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟ وَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي دَعْوَاكَ لَا يَنْزِلُ إِلَى الأَرْضِ حَيْثُ مُسْتَقَرُّ العِبَادِ، مِمَّنْ يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَيُجِيبَ وَيُعْطِيَ، فَمَا بَالُهَا تَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ لَا تَجُوزُهَا؟ وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ تَبْقَى عَلَى عِبَادِهِ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ إِلَى انْفِجَارِ الفَجْرِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ بِزَعْمِكَ؟
وَمَا بَالُهُ إِذْ الله بِزَعْمِكَ فِي الأَرْضِ، فَإِذَا اسْتَرْحَمَه عِبَادُهُ واسْتَغْفَرُوُه وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ، بَعَّدَ عَنْهُمْ رَحْمَتَهُ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا مَسِيرَةَ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَلَا يُغَشِّيهِمْ إِيَّاهَا وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الأَرْضِ بِزَعْمِكَ؟ إِذْ زَعَمْتَ أَنَّ نُزُولَهُ تَقْرِيبُ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ كَقَوْلِهِ الآخَرِ: «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا؛ تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا؛ تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعًا». فَقلت: هَذَا تَقَرُّبٌ بِالرَّحْمَةِ.
فَفِي دَعْوَاكَ فِي تَفْسِيرِ النُّزُولِ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ شِبْرًا تَبَاعَدَ هُوَ عَنْهُ مَسِيرَةَ مَا بَيْنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ العِبَادُ إِلَى الله اقْتِرَابًا تَبَاعَدَ هُوَ بِرَحْمَتِهِ عَنْهُمْ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ بِزَعْمِكَ.
[ ١٩١ ]
لَقَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا الجَاهِلُ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مُحَالٌ يَدْعُو إِلَى ضَلَالٍ، وَالحَدِيثُ نَفْسُهُ يُبْطِلُ هَذَا التَّفْسِيرَ وَيُكَذِّبُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ أَغْيَظُ حَدِيثٍ لِلْجَهْمِيَّةِ، وَأَنْقَضُ شَيْءٍ لِدَعْوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ أَنَّ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي الأَرْضِ، كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ، فَكَيْفَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَنْ هُوَ تَحْتَهَا فِي الأَرْضِ؟ وَجَمِيعُ الأَمَاكِنِ مِنْهَا، وَنَفْسُ [٣٢/ظ] الحَدِيثِ نَاقِضٌ لِدَعْوَاهُمْ، وَقَاطِعٌ لِحُجَجِهِم.
وَأُخْرَى، أَنَّهُ قَدْ عَقِلَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ وَرَأْيٍ أَنَّ القَوْلَ لَا يتَحَوَّلُ صُورَة
لَهَا لِسَانٌ وَفَمٌ، يَنْطِقُ وَيَشْفَعُ، فَحِينَ اتَّفَقَتِ المَعْرِفَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ فَيُصَوِّرُهُ اللهُ بِقُدْرَتِهِ صُورَةَ رَجُلٍ يُبَشِّرُ بِهِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ القُرْآنُ صُورَةً كَصُورَةِ الإِنْسَانِ لَمْ يَتَشَعَّبْ أَكْثَرَ مِنْ ألفِ ألفِ صُورَةٍ، فَيَأْتِيَ أَكثرُ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ شَافِعًا، وماحِلًا؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ الوَاحِدَةَ إِذَا هِيَ أَتَت وَاحِدًا زَالَتْ عَنْ غَيْرِهِ، فَهَذَا مَعْقُولٌ لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَهُولٍ.
وَهَذَا كَحَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنِ المِنْهَالِ، عَن زَاذَان، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ تَأْتِيهِ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ فِي صُورَة رجل فِي أَحْسَنَ هَيْئَةٍ، وَأَحْسَنَ لِبَاسٍ، وَأَطْيَبَ رِيحٍ فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ كَانَ، فَكَذَلِكَ تَرَانِي حَسَنًا، وَكَانَ طَيِّبًا، فَكَذَلِكَ تَرَانِي طَيِّبًا وَكَذَلِكَ العَمَلُ السَّيئ يَأْتِي صَاحِبَهُ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِك، ويُبَشِّره بِعَذَاب الله».
وَإِنَّمَا عَمَلُهُما الصَّلَاةُ، والزَّكاةُ، وَالصِّيَامُ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَعَمَلُ الآخَرِ الزِّنَا، وَالرِّبَا، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ المَعَاصِي قَدِ اضْمَحَلَّتْ وَذَهَبَتْ فِي الدُّنْيَا، فَيُصَوِّرُ اللهُ بِقُدْرَتِهِ لِلْمُؤْمِنِ وَالفَاجِرِ ثَوَابَهَا وَعِقَابَهَا يُبَشِّرُ بِهِمَا إِكْرَامًا لِلْمُؤْمِنِ وَحَسْرَةً عَلَى الكَافِرِ.
[ ١٩٢ ]
وَهَذَا المَعْنَى أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، قَدْ عَلِمْتُمُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ الله لَكِنْ تُغَالِطُونَ وَتُدَلِّسُونَ، وَعَلَيْكُمْ أَوْزَارُكُمْ وَأَوْزَارُ مَنْ تُضِلُّونَ.
ثُمَّ أَكَّدَ المُعَارِضُ دَعْوَاهُ فِي أَنَّ اللهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِقِيَاسٍ ضَلَّ بِهِ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل.
فَقَالَ: أَلا ترى أَن مَنْ صَعَدَ الجَبَلَ لَا يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ تَعَالى.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ المُدَّعِي مَا لَا عِلْمَ لَهُ: مَنْ أَنْبَأَكَ أَنَّ رَأْسَ الجَبَلِ لَيْسَ بِأَقْرَبَ إِلَى الله تَعَالَى مِنْ أَسْفَلِهِ؟ لِأَنَّهُ مَنْ آمَنَ بِأَنَّ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ رَأْسَ الجَبَلِ أَقْرَبُ إِلَى الله مِنْ أَسْفَلِهِ، وَأَنَّ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ أَقْرَبُ إِلَى عَرْشِ الله تَعَالَى مِنَ السَّادِسَةِ، وَالسَّادِسَةَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الخَامِسَةِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى الأَرْضِ.
كَذَلِكَ رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: «رَأْسُ المَنَارَةِ أَقْرَبُ إِلَى الله مِنْ أَسْفَلِهِ».
وَصَدَقَ ابْنُ المُبَارَكِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إِلَى السَّمَاءِ أَقْرَبُ؛ كَانَ إِلَى اللهِ أَقْرَب. وَقُرْبُ اللهِ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ أَقْصَاهُم وأَدْنَاهُم وَاحِد، لَا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَبَعْضُ الخَلْقِ أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ عَلَى نَحْوِ مَا فَسَّرْنَا مِنْ أَمْرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قُرْبُ المَلَائِكَةِ مِنَ الله، فَحَمَلَةُ العَرْشِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ المَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَالعَرْشُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَقُرْبُ الله إِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ.
هَذَا مَعْقُولٌ مَفْهُومٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ أَنَّ فَوْقَ العَرْشِ إِلَهًا؛ وَلِذَلِكَ سَمَّى المَلَائِكَةَ المُقَرَّبِون وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، [٣٣/و] فَلَوْ كَانَ اللهُ فِي
[ ١٩٣ ]
الأَرْضِ كَمَا ادَّعَتِ الجَهْمِيَّةُ مَا كَانَ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مَعْنًى، إِذْ كُلُّ الخَلْقِ عِنْدَهُ وَمَعَهُ فِي الأَرْضِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، وَمُطِيعُهُمْ وَعَاصِيهِمْ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الأَرْضِ مَنْ لَا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ. وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ، لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الآيَةِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ، وَلَا يَسْجُدُ لَهُ، وَيَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ.
فَأَيُّ منقبة إِذًا فِيهِ لِلْمَلَائِكَةِ؛ إِذْ كُلُّ الخَلْقِ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ فِي مَعْنَاهُمْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ فَسَّرَ المُعَارِضُ هَذَا المَذْهَب تَفْسِيرًا أَشْنَعَ من هَذا، دَفْعًا بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ فِي السَّمَاء. فَيُقَال: يُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ أَنْ يَكُونَ فِي السَّمَاء، على أَنَّهُ مُدَبِّرُهَا وَمُتْقِنُهَا، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هُوَ فِي صَلَاتِهِ وَعَمَلِهِ، وَتَدْبِيرِ مَعِيشَتِهِ، ولَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِهَا وَفِي جَوْفِهَا، وَفِي نَفْسِ المَعِيشَةِ بِالحَقِيقَةِ وَلَكِنْ بِالمَجَازِ عَلَى دَعْوَاهُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: قَدْ قُلْنَا لَكَ: إِنَّكَ تَهْذِي وَلَا تَدْرِي، تَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ تَنْقُضُهُ عَلَى نَفْسِكَ، أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنَّ الله تَعَالَى فِي السَّمَاءِ، وَفِي الأَرْضِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعِي هَاهُنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْهُ إِلَّا تَدْبِيرُهُ وَإِتْقَانُهُ، كَتَدْبِيرِ الرَّجُلِ فِي مَعِيشَتِهِ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا؟.
وَمَا أَوْلَاكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنْ تَعَضَّ عَلَى لِسَانِكَ، وَلَا تَحْتَجَّ بِشَيْءٍ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَقُودَهُ، أَوْ تَتَخَلَّصَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ حَتَّى تَنْقُضَهُ عَلَى نَفْسِكَ بِنَفْسِ كَلَامِكَ، وَلَوْ كَانَ لَكَ نَاصِحٌ؛ لَحَجَرَ عَلَيْكَ الكَلَامَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَيْكَ بَعْضُ النَّاسِ بِبَعْضِ النَّصرَةِ فِي العِلْمِ، مَا اشْتَغَلْنَا بِالرَّدِّ عَلَى مثلك؛ لِسَخَافَةِ كَلَامِكَ، وَرَثَاثَةِ حُجَجِكَ، وَلَكِنَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ جَهَالَتِكَ ضَرَرًا عَلَى الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُبَيِّنَ لَهُمْ عَوْرَةَ كَلَامِكَ، وَضَعْفَ احْتِجَاجِكَ؛ كَيْ يَحْذَرُوا مِثْلَهَا مِنْ
[ ١٩٤ ]
رَأْيِكَ، وَقَدْ فَضَحْنَاكَ فِي ذَلِكَ، وَلَوِ اسْتَقْصَيْنَا عَلَيْكَ فِي الِاحْتِجَاج، لَطَالَ به الكِتَابُ، غَيْرَ أَنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نُفَسِّرَ مِنْهَا قَلِيلًا يَدُلُّ عَلَى كَثِيرٍ. وَلَوْلَا أَنَّكَ بَدَأْتَنَا بِالخَوْضِ فِيهِ وَفِي إِذَاعَةِ كَلَامِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ، المُلْحِدِ فِي تَوْحِيدِ الله تَعَالَى، المُعَطِّلِ لِصِفَاتِ الله، المُفْتَري على الله؛ لم نَعْرِضْ لِشَيءٍ من هَذَا، ومَا أَشْبَهَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيَانٍ أَوْ بُرْهَانٍ، يَكُونُ بِبَلْدِةٍ يَنْتَشِرُ فِيهَا كَلَامُ المَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ ثمَّ لَا ينْقُضُه.
ثُمَّ عَادَ المُعَارِضُ إِلَى مَذْهَبِهِ الأَوَّلِ نَاقِضًا عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا تَأَوَّلَ فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى، فَاحْتَجَّ بِبَعْضِ كَلَامِ جَهْمٍ، وَالمَرِيسِيِّ، فَقَالَ: إِنْ قَالُوا لَكَ: أَيْنَ الله؟ فَالجَوَابُ لَهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمْ حُلُولًا فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَفِي مَكَانٍ يَعْقِلُهُ المَخْلُوقُونَ فَهُوَ المُتَعَالِي عَن ذَلِك؛ لِأَنَّهُ عَلَى العَرْشِ، وبِكُلِّ مَكَانٍ، ولا يُوصَفُ بِأَيْنَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: أَمَّا قَوْلُكَ: كَالمَخْلُوقِ، فَهَذِهِ كُلْفَةٌ مِنْكَ وَتَلْبِيسٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ. وَلَكِنَّهُ بِمَكَانٍ يَعْقِلُهُ المَخْلُوقُونَ المُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله، وَهُوَ عَلَى العَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، دُونَ مَا سِوَاهَا مِنَ الأَمْكِنَةِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَبِمَنْ هُوَ فِي [٣٣/ظ] كُلِّ مَكَانٍ، مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنْ بِالله، وَلَمْ يَدْرِ مَنْ يَعْبُدُ، وَمَنْ يُوَحِّدُ.
مَعَ أَنَّكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَقْرَرْتَ بِأَنَّكَ تَعْقِلُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّكَ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ سَمَاءٍ وَمِنْ أَرْضٍ.
وَأمَا اشْتِرَاطُكَ عَلَى مَنْ سَأَلَكَ: أَيْنَ الله؟ فَتَقُولُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ، لَمْ يشْتَرِط ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ عَلَى أَحَدٍ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الله؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حِين سَأَلَ الأَمَةَ السَّوْدَاء «أَيْنَ الله؟» لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -
[ ١٩٥ ]
كَمَا اشْتَرَطْتَ أَنْتَ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ حُلُولًا كَحُلُولِ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قَالَتْ: «فِي السَّمَاءِ»، فَاكَتْفَى مِنْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ لَهَا: كَيْفَ كَيْنُونَتُهُ فِي السَّمَاءِ، وَكَيْفَ حُلُولُهُ فِيهَا؟
وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَا يُوصَفُ بِأَيْنَ.
فَهَذَا أَصْلُ كَلَام جَهْمٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ اللهُ - ﷿ - وَرَسُولُهُ - ﷺ - وَالمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، فَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ العِبَادَ أَيْنَ اللهُ، وَأَيْنَ مَكَانُهُ، وَأَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي غَيْرِ حَدِيثٍ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ مَنْ فِي الأَرْضِ؛ لَمْ يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
(١١٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
«ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ؛ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ» (١).
فَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِأَيْنَ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ، لَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله - ﷺ - يَقُولُ لِلْجَارِيَةِ «أَيْنَ اللهُ» فَيُغَالِطُهَا فِي شَيْءٍ لَا يُؤَيَّنُ، وَحِينَ قَالَتْ: «هُوَ فِي السَّمَاءِ»، لَوْ قَدْ أَخْطَأَتْ فِيهِ لَرَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهَا وَعَلَّمَهَا، وَلَكِنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى إِيمَانِهَا بِمَعْرِفَتِهَا أَنَّ الله فِي السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ لَنَا عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ.
_________________
(١) أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٢٧)، والطيالسي (٣٣٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٠)، وأبو يعلى (٥٠٦٣)، والطبراني في الكبير (١٠٢٧٧)، والحاكم (٤/ ٢٧٧)، وغيرهم من طريق أبي إسحاق السبيعي، به. وهذا إسناد منقطع أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وفي الباب عن أبي هريرة، وغيره.
[ ١٩٦ ]
(١١٨) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ الشَّقِيقِيُّ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ المُبَارَكِ بِأَيِّ شَيْءٍ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: «بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى العَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ». قُلْتُ: بِحَدٍّ؟ قَالَ: بِحَدٍّ (١).
فَهَذَا القُرْآنُ يَنْطِقُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِأَيْنَ، وَهَذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَدْ وَصَفَهُ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ.
فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ -غَيْرَ المَرِيسِيِّ- أَنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ بِأَيْنَ؟ فَأَخْبِرْنَا بِهِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ المُفْتَرِي عَلَى الله، الجَاهِل بِهِ، وبِمَكَانِهِ.
ثمَّ نَقَضَّتَ عَلَى نَفْسِكَ دَعْوَاكَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى أَنَّهُ مُدَبِّرُهَا، كَمَا يَكُونُ الرَّجُلُ فِي عِمَارَةِ دَارِهِ خَارِجًا مِنْهَا، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا، فَتَرَكْتَ المَذْهَبَ الأَوَّلَ، ثُمَّ ادَّعَيْتَ أَخِيرًا فَقُلْتَ: هُوَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، تَحْتَجُّ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ تَنْسَاهُ، حَتَّى تَنْقُضَهُ عَلَى نَفْسِكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ؟!.
وَسَنَذْكُرُ فِي إِبْطَالِ حُجَجِكَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ أَخْبَارًا صَحِيحَةً يَسْتَدِلُّ بِهَا مَنْ وَفَّقَهُ الله تَعَالَى عَلَى إلحَادِكَ فِيهَا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
(١١٩) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ- عَنْ أَبِي قَابُوسَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - ﵁ - قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ [٣٤/و] السَّمَاءِ» (٢).
_________________
(١) صحيح، تقدم تخريجه برقم (٢٨).
(٢) صحيح؛ أخرجه أحمد (٦٤٩٤)، وأبو داود (٤٩٤٣)، والترمذي (١٩٢٤)، والمصنف في الرد على الجهمية (٢٢)، والحميدي (٥٩١)، والبيهقي (٩/ ٤١) وغيرهم، من طريق = = أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو، قال الذهبي في الميزان (١٠٥٢٢) لا يُعرف. وقال في الكاشف (٦٧٨٤): وُثِّق. وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقال الحافظ في التقريب: مقبول. قلت: وقد تابعه، حبان بن زيد الشرعبي، أخرجه أحمد (٦٥٤١)، وعبد بن حميد (٣٢٠ - منتخب)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١٠٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٠٥٢)، وغيرهم؛ من طريق الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، بمعناه. وهذا إسناد صحيح، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٩٧ ]
(١٢٠) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ المصْرِيّ، أَبَنَا اللَّيْثُ، عَنْ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا، أَوِ اشْتَكَى أَخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ، وَاغْفِرْ لَنَا حَوْبَنَا، وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ شِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ، وَرَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ عَلَى هَذَا الوَجَعِ» فَيَبْرَأَ (١).
أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا المُعَارِضُ رَسُولَ الله - ﷺ - كَيْفَ حَدَّهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْضِ بِقَوْلِهِ: «رَبُّنَا الَّذِي فِي السَّمَاء»، وَكَذَلِكَ رُويَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - ﵁ -.
(١٢١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ
_________________
(١) إسناده منكر؛ أخرجه أبو داود (٣٨٩٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٤٥)، والمصنف في الرد على الجهمية (٢٣)، والطبراني في الأوسط (٨٦٣٦)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٨٦)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٥)، جميعًا من حديث زيادة بن محمد، تفرد به، وقال البخاري منكر الحديث. تنبيه: كرر في الأصل إسناد هذا الحديث مع متن الحديث الذي قبله، وساقه كأنه حديث قائم بذاته، وأغلب الظن أنه انتقال نظر من الناسخ، والله تعالى أعلم.
[ ١٩٨ ]
الخَطَّابِ - ﵁ -: «وَيْلٌ لِدَيَّانِ الأَرْضِ مِنْ دَيَّانِ السَّمَاءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ» (١).
(١٢٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَن ابْن
شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِعُمَرَ - ﵁ -: «وَيْلٌ لِسُلْطَانِ الأَرْضِ مِنْ سُلْطَانِ السَّمَاءِ» قَالَ عُمَرُ: «إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ»، قَالَ كَعْبٌ: «إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ». فَكَبَّرَ عُمَرُ وَخَرَّ سَاجِدًا (٢).
فَفِي هَذَا بَيَانٌ بَيِّنٌ لِلْحَدِّ، وَأَنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْض؛ لِأَنه هُنَاكَ عَلَى العَرْشِ دُونَ مَا سواهُ من الأَمْكِنَة.
(١٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:
«إِنَّ الله فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وسَمَاوَاتُهُ فَوْقَ أَرْضِهِ مِثْلُ القُبَّةِ، وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ» (٣).
(١٢٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: لمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: «أَيُّهَا
_________________
(١) صحيح، رجاله ثقات، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٢٩٧)، وأحمد في الزهد (ص ١٥٥)، كلاهما عن وكيع، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (٤٤)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٠٠)، من طريق سعيد بن عبد العزيز، به.
(٢) صحيح، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٤١)، والخرائطي في فضيلة الشكر (٦٧)، من طريق عبد الله بن صالح ويحيى بن عبد الله بن بكير، كلاهما عن الليث، به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٨٩)، من طريق سعيد بن أبي هلال، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٣٩٣)، من طريق مالك، كلاهما سعيد ومالك، عن كعب، وكلا الطريقين مرسل، فكلاهما لم يدرك كعبًا.
(٣) تقدم تخريجه برقم (١٠٣).
[ ١٩٩ ]
النَّاسُ، إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ إِلَهَكُمُ الَّذِي تَعْبُدُونَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَإِنَّ إِلَهَكُمْ لَمْ يَمُتْ». ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. حَتَّى خَتَمَ الآيَةَ (١).
(١٢٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسيرَة خَمْسمِائَة عَام، وَبَين كُلِّ سَمَائين مسيرَة خَمْسمِائَة عَام، وَبَين السَّمَاء السَّابِعَة وَبَين الكُرْسِيّ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ إِلَى المَاءِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالعَرْشُ عَلَى المَاءِ وَالله فَوْقَ العَرْشِ [٣٤/ظ]، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» (٢).
(١٢٦) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا زُهَيْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ- ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عُثْمَانَ بْنُ خُثَيْمٍ، ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ حَدَّثهُ ذَكْوَانُ حَاجِبُ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ - وَهِيَ تَمُوتُ، فَقَالَ لَهَا: «كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله - ﷺ - يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، وَأَنْزَلَ الله بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، جَاءَ بِهَا الرُّوحُ الأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ الله يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللهِ، إِلَّا وَهِي تتلى فِيهِ آَنَاءَ الَّليْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» (٣).
_________________
(١) صحيح، رجاله ثقات. أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٣٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٨١٧٦)، والبزار (١٠٣، ٥٩٩١)، وقوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٤٩٩).
(٢) تقدم تخريجه برقم (٩٢).
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٥٣)، وأحمد (٢٤٩٦، ٣٢٦٢)، والمصنف في الرد على الجهمية (٣٦)، وأبو يعلى (٢٦٤٨)، والطبراني في الكبير (١٠٧٨٣)، والحاكم (٤/ ٩)، وغيرهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، به. والنفيلي: هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل.
[ ٢٠٠ ]
(١٢٧) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّاد، ثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أَبَنا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانيِّ قَالَ: ثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَ يَتْبَعُ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ وَيَسْمَعُ مِنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَهُ، فَلَقِيَ نَوْفًا، فَقَالَ نَوْفٌ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اللهَ قَالَ لمَلَائكَته: ادْعُوا لِي عبَادي، قَالُوا: يا ربُّ! فَكَيْفَ وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ دُونَهُمْ، وَالعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله؛ فَقَدْ اسْتَجَابُوا» (١).
(١٢٨) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل أَبُو سَلَمَةَ، ثَنَا أَبُو هِلَالٍ، ثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: قَالتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: يَا ربُّ أَنْتَ فِي السَّمَاءِ، وَنَحْنُ فِي الأَرْضِ، فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْرِفَ رِضَاكَ وَغَضَبَكَ؟ قَالَ: «إِذَا رَضِيتُ عَنْكُمُ؛ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ خِيَارَكُمْ، وَإِذَا غَضِبْتُ عَلَيْكُمُ؛ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ» (٢).
فَهَذَا رَسُولُ الله - ﷺ -، وَصَاحِبَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - ﵄ -، وَخِيَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَالتَّابِعِينَ، حَتَّى بَني إِسْرَائِيلَ، كُلُّهُمْ قَدْ قَالُوا بِخِلَافِ مَذْهَبِكَ فِي أَن الله فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَذَا بَابٌ طَوِيلٌ، وَالآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ يَكْفِي العَاقِل من ذكرنَا من ذَلِك.
* * *
_________________
(١) صحيح؛ رجاله ثقات، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٣٨) بأتم من ذلك، وابن ماجه (٨٠١)، وأحمد (٦٧٥٠، ٦٧٥٢، ٦٨٦٠)، وابن المبارك في الزهد (٧)، والرجل المبهم، هو أبو أيوب الأزدي واسمه يحيى بن مالك، كما جاء مصرحًا به في رواية ابن ماجه وأحمد، ونوف: هو نوف بن فضالة البِكَالي ابن امرأة كعب الأحبار.
(٢) إسناده حسن، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (٣٩)، وقال الذهبي في العلو (٣٣٦): «هذا ثابت عن قتادة».
[ ٢٠١ ]
ثُمَّ رَأَيْنَاكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ بَعْدَمَا فَرَغْتَ مِنْ إِظْهَارِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ مِنْ كَلَامِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِ، تَقَلَّدْتَ كَلَامَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ الَّذِي كَانَ يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ التَّجَهُّمِ بَعْدَمَا لَمْ تَدَعْ لِلْجَهْمِيَّةِ مِنْ كَبِيرِ حُجَّةٍ إِلَّا قُمْتَ بِهَا، وَأَظْهَرْتَهَا، وَزَيَّنْتَهَا فِي أَعْيُنِ الجُهَّالِ وَدَعَوْتَهُمْ إِلَيْهَا، وَبَعْدَمَا صَرَّحْتَ بِأَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِكَ هَذَا، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَهُوَ عِنْدَكَ كَافِرٌ، وَأَنَّ اللهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِزَعْمِكَ.
ثُمَّ أَنْشَأْتَ طَاعِنًا عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَسَطَّرْتَ فِيهِ الأَسَاطِيرَ، وَأَكْثَرْتَ مِنَ المَنَاكِيرِ، وغَلَطت فِي كَثِيرٍ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ فِي القُرْآنِ إِنَّهُ «مَخْلُوقٌ»، «غير مَخْلُوقٍ»: بِدْعَةٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ، فَحَكَمْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ عَلَى نَفْسِكَ بِالبِدْعَةِ، وَشَهِدْتَ بِهَا على نَفْسِكَ، لَما أَنَّكَ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ قَوْلُكَ: كَلَامُ الله غَيْرُ الله، وَهُوَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ، وَالأَفَاعِيلُ بِزَعْمِكَ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ، فَحَكَمْتَ على نَفْسِكَ بِمَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ.
فَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ فَقَدْ صَدَقْتَ. وَأَنْتَ، [٣٥/و] المُخَالِفُ لَهُمْ؛ لَما أَنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِيهِ الخَوْضَ، وَجَمَعْتَ عَلَى نَفْسِكَ كثيرًا مِنَ النَّقْضِ، فَمِثْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ كَرَاهِيَةِ الخَوْضِ فِيهِ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - لِلْخَوَارِجِ حِينَ قَالُوا:
«لَا حُكْمَ إِلَّا لله» فَقَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَى بِهَا بَاطِلٌ».
فَقَدْ خُضْتَ فِيهَا أَيُّهَا المُعَارِضُ بِأَقْبَحِ خَوْضٍ، وَضَرَبْتَ لَهُ أَمْثَالَ السُّوءِ، وَصَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ، كَمَا قَالَ إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ: مَجْعُولٌ، وَكُلُّ مَجْعُولٍ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
[ ٢٠٢ ]
وَيْحَكَ! إِنَّمَا كَرِهَ السَّلَفُ الخَوْضَ فِيهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَهْلُ البِدَعِ وَالضَّلَالِ وَأَغْمَارُ الجُهَّالِ مَا تَأَوَّلْتَ فِيهِ أَنْتَ وَإِمَامُكَ المَرِيسِيُّ.
فَحِينَ تَأَوَّلْتُمْ فِيهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ اللهُ، وَعَطَّلْتُمْ صِفَاتِ اللهِ؛ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عِنْدَهُ بَيَانٌ أَنْ يَنْقُضَ عَلَيْكُمْ دَعْوَاكُمْ فِيهِ.
وَلَمْ يَكْرَهِ السَّلَفُ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ؛ جَهَالَةً بِأَنَّ كَلَامَ الخَالِقِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا جَهَالَةً أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، حَتَّى لَوْ قَدِ ادَّعَى مُدَّعٍ فِي زَمَانِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ مَا كَانَ سَبيلُهُ عِنْدَهُمْ إِلَّا القَتْلَ، كَمَا هَمَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - ﵁ - بِصُبَيْغٍ أَنْ يَقْتُلَهُ؛ إِذْ تَعَمَّقَ فِي السُّؤَالِ عَنِ القُرْآنِ، فِيمَا كَانَ أَيْسَرَ مِنْ كَلَامِكُمْ هَذَا، فَلَمَّا لَمْ يَجْتَرِئْ كَافِرٌ أَوْ مُتَعَوِّذٌ بِالإِسْلَامِ أَنْ يُظْهِرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ فِي عَصْرِهِمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَكَلَّفُوا لِنَقْضِ كُفْرٍ لَمْ يَحْدُثْ بَين أَظْهُرِهِم فَيكون سَبَبًا لِإِظْهَارِهِ، إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ كَلِمَة كُفْرٍ تَكَلَّمَ بِهَا بَدْءًا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، مِنْهُمُ الوَحِيدُ، الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥].
وَمِنْهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ فَقَالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ﴾ [الأنفال: ٣١]، كَمَا قَالَ جَهْمٌ وَالمَرِيسِيُّ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ البَشَرِ مَخْلُوقٌ لَا شكّ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥] كَمَا قَالَ جَهْمٌ وَالمَرِيسِيُّ سَوَاءً لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَى: إِنْ هَذَا إِلَّا مَخْلُوقٌ، فَأنْكر عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: فَقَالَ لِلْوَحِيدِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ٢٦] لَمَّا قَالَ (١): ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، وَقَالَ لِلَّذِي قَالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ [الأنفال: ٣١]:
_________________
(١) قوله «لما قال»: ليست في الأصل، وأثبتته من «س»، «ع».
[ ٢٠٣ ]
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]، وَلنْ يَفْعَلُوا.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الكُفْرُ بَعْدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ دَارِسًا طَامِسًا، لما قَدْ طَمَسَهُ اللهُ بِتَنْزِيلِهِ، حَتَّى مَضَى النَّبِيُّ - ﷺ -، وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ بِالبَصْرَةِ، وَجَهْمٌ بِخُرَاسَانَ فَقَتَلَهُمَا الله بِشَرِّ قِتْلَةٍ، وَفَطِنَ النَّاسُ لِكُفْرِهِمَا، حَتَّى كَانَ سَبِيلُ مَنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فِي الإِسْلَامِ؛ القَتْلَ صَبْرًا، حَتَّى كَانُوا يُسَمُّونَهُمْ بِذَلِكَ الزَّنَادِقَةَ.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ طَامِسًا دَارِسًا حَتَّى دَرَجَ العُلَمَاءُ، وَقَلَّتِ الفُقَهَاءُ، وَنَشَأَ نَشْءٌ مِنْ أَبْنَاءِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِثْلُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ المَرِيسِيِّ، وَنُظَرَائِهِ فَخَاضُوا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَظْهَرُوا طَرَفًا مِنْهُ، وَجَانَبَهُمْ أَهْلُ الدِّينِ وَالوَرَعِ وَشَهِدُوا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، حَتَّى هَمَّ بِهِمْ وَبِعُقُوبَتِهِمْ قَاضِي القُضَاة يَوْمَئِذٍ أَبُو يُوسُفَ، حَتَّى فَرَّ [٣٥/ظ]، مِنْهُ المَرِيسِيُّ إِمَامُكَ وَلَحِقَ بِالبَصْرَةِ، بِزَعْمِكَ، وبِرِوَايَتِك عَنهُ، فَلم يَزَالُوا أَذِلَّةً مَقْمُوعِينَ، لَا يُقْبَلُ لَهُمْ قَوْلٌ، وَلَا يُلْتَفَتُ لَهُمْ إِلَى رَأْيٍ، حَتَّى رَكَنُوا إِلَى بَعْضِ السَّلَاطِينِ الَّذِينَ لَمْ يُجَالِسُوا العُلَمَاءَ، وَلَمْ يُزَاحِمُوا الفُقَهَاءَ؛ فَاخْتَدَعُوهُمْ بِهَذِهِ المِحْنَةِ المَلْعُونَةِ حَتَّى أَكْرَهُوا النَّاسَ عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ.
فَلَمْ تَزَلِ الجَهْمِيَّةُ سَنَوَاتٍ يَرْكَبُونَ فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِقُوَّةِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ المُحَادِّ لله وَلِرَسُولِهِ، حَتَّى اسْتُخْلِفَ المُتَوَكِّلُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- فَطَمَسَ اللهُ بِهِ آثَارَهُمْ، وَقَمَعَ بِهِ أنْصَارَهُمْ، حَتَّى اسْتَقَامَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ الأُولَى، وَالمِنْهَاجِ الأَوَّلِ.
وَاحْتَالَ رِجَالٌ مِمَّنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاعْتِقَادِ التَّجَهُّمِ حِيلَةً لِتَرْوِيجِ ضَلَالَتِهِمْ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الإِفْصَاحُ بِهِ؛ مَخَافَةَ القَتْلِ وَالفَضِيحَةِ وَالعُقُوبَةِ مِنَ
[ ٢٠٤ ]
الخَلِيفَةِ المُنكِرُ لذَلِك، فاسْتَتَرُوا بِالوَقْفِ مِنْ مَحْضِ التَّجَهُّمِ، إِذْ لم يكن يَجُوزُ مِنْ إِظْهَارِهِ مَعَ المُتَوَكِّلِ ما كان يَجُوزُ لَهُمْ مَعَ مَنْ قَبْلَهُ.
فَانْتَدَبُوا طَاعِنِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ التجهم ودَانَ بِأَنَّ كَلَامَ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَانْتَدَبَ هَؤُلَاءِ الوَاقِفَةُ مُنَافِحِينَ عَنِ الجَهْمِيَّةِ، مُحْتَجِّينَ لِمَذَاهِبِهِمْ بِالتَّمْوِيهِ وَالتَّدْلِيسِ، مُنْتَفِينَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ كَلَامِ الجَهْمِيَّةِ، مُتَابِعِينَ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ في البَاطِنِ، مُمَوِّهِينَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالسُّفَهَاءِ بِمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ أَيهَا المُعَارِضُ: أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ، وَأَبَا مُعَاوِيَةَ، وَبَعْضَ نُظَرَائِهِمْ كَرِهُوا الخَوْضَ فِي المَخْلُوقِ وَغَيْرِ المَخْلُوقِ.
فَقُلْنَا لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ (١): إِنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الخَوْضَ مِنْ هَؤُلَاءِ المَشَايِخِ -إِنْ صَحَّتْ عَنْهُم رِوَايَتُكَ- لمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُوضُ فِيهِ إِلَّا شِرْذِمَةٌ أَذِلَّةٌ سِرًّا بِمُنَاجَاةٍ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا العَامَّةُ مُتَمَسِّكُونَ مِنْهُمْ بالسُّنَن الأُولَى، والأَمْرِ الأَوَّلِ.
فَكَرِهَ القَوْمُ الخَوْضَ فِيهِ؛ إِذْ لم يَكُنْ يُخَاضُ فِيهَا عَلَانِيَةً، وَقَدْ أَصَابُوا فِي تَرْكِ الخَوْضِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يُعْلَنْ.
فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، وَدَعَوُا العَامَّةَ إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ، وَادَّعَوْا أَن كَلَامَ اللهِ مَخْلُوقٌ، أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَنْ غَبَرَ مِنَ العُلَمَاءِ وَبَقِيَ مِنَ الفُقَهَاءِ، فَكَذَّبُوهُمْ وَكَفَّرُوهُمْ وَحَذَّرُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ، وَفَسَّرُوا مُرَادَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
فَكَانَ هَذَا مِنَ الجَهْمِيَّةِ خَوْضًا فِيمَا نُهُوا عَنهُ، وَمن أَصْحَابنَا إِنْكَارًا لِلْكُفْرِ البَيِّن، وَمُنَافَحَةً عَنِ اللهِ - ﷿ - كَيْلَا يُسَبَّ وَتُعَطَّلَ صِفَاتُهُ، وَذَبًّا عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ
_________________
(١) كلمة «المعارض» ليست في الأصل، وأثبتتها من «س»، «ع».
[ ٢٠٥ ]
كَيْلَا يَضِلُّوا بِمِحْنَتِهِمْ هَذِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا ضِدَّهَا مِنَ الحُجَجِ الَّتِي تَنْقُضُ دَعْوَاهُمْ وَتُبْطِلُ حُجَجَهُمْ.
(١٢٩) فَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَى بْنَ يُونُسَ يَقُول: «لَا تُجَالِسُوا الجَهْمِيَّةَ، وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ، كَيْ يَعْرِفُوهُمْ فَيَحْذَرُوهُمْ» (١).
وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: «لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الجَهْمِيَّةِ».
فَحِينَ خَاضَتِ الجَهْمِيَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَأَظْهَرُوهُ وَادَّعَوْا أَنَّ كَلَامَ الله مَخْلُوقٌ، وأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوق، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤]، مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ.
(١٣٠) حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ (٢).
[٣٦/و] فَكَرِهَ ابْنُ المُبَارَكِ حِكَايَةَ كَلَامِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُعْلِنُوهُ. فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَعَابَهُمْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: «كُنَّا نَرَى السُّكُوتَ عَنْ هَذَا قَبْلَ أَن يَخُوضَ فِيهِ هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا أَظْهَرُوُه لم نَجِدْ بُدًّا مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِم».
ولَمْ يَقُلْ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ مَتَى مَا أَظْهَرَتِ الجَهْمِيَّةُ مِحْنَتَهُمْ وَأَذَاعُوا كُفْرَهُمْ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَيْهَا، فَأَمْسِكُوا عَنِ الإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَسْتَمِرَّ فِي النَّاسِ كُفْرُهُمْ، وَتَدْرُسَ سُنَنُ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ، وَلَكِنْ قَالُوا:
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (٢).
(٢) صحيح، وهذا إسناده ضعيف لأجل الحماني؛ متهم، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (١٩١)، وقد صح هذا المعنى عن ابن المبارك، وينظر السنة لعبد الله بن أحمد (١٩)، والثقات لابن حبان (٩/ ٦٥).
[ ٢٠٦ ]
أَمْسِكُوا عَنِ الخَوْضِ فِيهِ مَا لَمْ يُنَصِّبِ القَوْمُ الكُفْرَ إِمَامًا، فَإِذَا نَصَّبُوهُ إِمَامًا فَمَنْ يَعْقِلُ تَدْلِيسَهُمْ وَتَمْوِيهَهُمْ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ بِبَعْضِ مَنْ نَاقَضَهُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ وَضَلَالَهُمْ.
فَالمُبْتَدِعُ الضَّالُّ مِنَ الحِزْبَيْنِ مَنْ نَصَّبَ رَأْيَ جَهْمٍ إِمَامًا، وأَذَاعَهُ فِي
النَّاسِ بَدْءًا، وَالمُتَّبِعُ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَنَاقَضَهُ.
فَمَنْ أَجْرَى النَّاقِضَ لِلْبِدْعَةِ وَالرّاَدَّ لِلْكُفْرِ مَجْرَى مَنْ شَرَعَهَا؛ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ. وَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ وَيُقْبَلَ.
أَوَ طَمِعْتُمْ مَعْشَرَ الجَهْمِيَّةِ وَالوَاقِفَةِ أَنْ تُنَصِّبُوا الكُفْرَ للنَّاس إِمَامًا تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ. وَيَسْكُتُوا أَهْلُ السُّنَّةِ عَنِ الإِنْكَارِ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يَتَرَوَّجَ عَلَى النَّاسِ ضَلَالُكُمْ بِمَا حَكَيْتُمْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَأَبِي أُسَامَةَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ-إِنْ صَدَقَتْ دَعْوَاكُمْ- حَتَّى تَضْمَحِلَّ مَذَاهِبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَسْتَفِيضَ مَذَاهِبُ الجَهْمِيَّةِ فِي العَامَّةِ؟ لَقَدْ أَسَأْتُمْ بِأَهْلِ السُّنَّةِ الظَّنَّ، وَنَسَبْتُمُوهُمْ إِلَى العَجْزِ وَالوَهَنِ.
وَإِنْ يَكُ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو بَكْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ جَبُنُوا عَنِ الخَوْضِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ فِي عَصْرِهِمْ، فَقَدْ جَسَرَ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ؛ مِثْلَ ابْنِ المُبَارَكِ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا مَا ادَّعَيْتَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ، لَمْ يَقُمْ لَكَ بِهِ حُجَّةٌ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ نَسْمَعْهُ؛ لِأَنَّهُ المَعْرُوف فِي دِينِهِ، المَأْبُونُ فِي رِوَايَتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ بِذَلِكَ فَسَمِّ رَجُلًا صَالِحًا رَضِيَ بِالثَّلْجِيِّ فِي الفُتْيَا وَالرِّوَايَةِ إِمَامًا، أَوْ رَضِيَ بِهِ فِي السُّنَّةِ نِظَامًا، أَوْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا، أَوْ حَمِدَ لَهُ مَذْهَبًا. فَإِنْ كُنْتَ مُحْتَجًّا بِحَقٍّ فَعَلَيْكَ بِغَيْرِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِ، كَمَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَعْلَامِ النَّاسِ وَأَئِمَّتِهِمْ. وَلَكِنَّ الغَرِقَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ عُودٍ.
[ ٢٠٧ ]
وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَإِنْ صَحَّ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ الثَّلْجِيِّ، فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا مِنْ أَجِلَّةِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، فَيُنَصَّبُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُنَاقِضُ الجَهْمِيَّةَ، وَيَرُدُّ المُحْدَثَاتِ مِنْ كُفْرِهِمْ، وَيَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوق، فَبِجَهْدِ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُقِيمَ حَدِيثَهُ فِي العُلَمَاءِ حَتَّى يَتَفَرَّعَ لِلنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ العُلَمَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلَامَ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِأَبِي يُوسُفَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ كَلَامَ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا تَحْتَجُّ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ فِيمَا رَوَيْتَ عَنِ المَرِيِسيِّ من ضَلَالَاتِهِ، وَقَدْ رَوَيْتَ، [٣٦/ظ] عَنْ أَبِي يُوسُف أَنه هَمَّ بِعُقُوبَتِهِ وَأَخْذِهِ فِيهَا، حَتَّى فَرَّ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلَى البَصْرَةِ.
فَإِنْ كُنْتَ مُحْتَجًّا عَلَيْنَا بِأَبِي يُوسُفَ، فَهُوَ عَلَيْكَ أَحَجُّ، لَمَا أَنَّكَ بِهِ أَعْجَبُ وبِإِمَامَتِهِ أرْضَى مِمَّن يَزْعُمُ أَنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ أَنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَمْ يُؤْمِنْ بَعْدُ بِأَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِ الله؛ لِأَنَّهُ لَوْ آمَنَ بِأَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِ الله لَعَلِمَ يَقِينًا أَنَّ الكَلَامَ صِفَةُ المُتَكَلِّمِ، وَاللهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَإِنْ طَلَبْتُمْ مِنَّا فِيهِ آثَارًا مَأْثُورَةً مُسْنَدَةً مَنْصُوصَةً فِيهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ؛ فَقَدْ أَخْبَرْنَاكُم أَنَّهُ كُفْرٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي عَصْرِهِمْ، فَيُرْوَى عَنْهُمْ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ كُفْرٌ مَعْقُولٌ، تَكَلَّمَ بِهِ مُشْرِكُوا قُرَيْشٍ عِنْدَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، فَأَنْكَرَ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ طُمِسَ حَتَّى ظَهَرَ فِي العَصْرِ الَّذِي أَنْبَأْنَاكُمْ بِهِ، فِي عَصْرِ جَهْمٍ وَالجَعْدِ ثُمَّ المَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ، فَرَوَيْنَا لَكُمْ عَمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَخَالَفَهُمْ فِيهِ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، مِثْلِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَوَكِيعِ بْنِ الجَرَّاحِ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَالمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، وَبَقِيَّةَ بْنِ الوَلِيدِ، وَغَيْرِهِمْ.
[ ٢٠٨ ]
وَهَذَا كُفْرٌ مَعْقُولٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَثَرٍ وَلَا خَبَرٍ، كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى أَنَّ مُلْكَ اللهِ وَسُلْطَانَهُ، وَقُدْرَتَهُ، وَعِلْمَهُ، وَمَشِيئَتَهُ، وَإِرَادَتَهُ، وَوَجْهَهُ، وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَيْهِ، أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا مَخْلُوقٌ.
قِيلَ لَهُ: كَفَرْتَ وَكَذَبْتَ، بَلْ كُلُّهَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَإِنْ طَلَبْتَ مِنَّا فِي شَيْء مِنْها أَثَرًا مَنْصُوصًا بِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، قُلْنَا لَهُ: أَنْتَ مُرِيبٌ كَافِرٌ، وَمَنْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ حَتَّى يَطْلُبَ فِيهَا الآثَارَ؟! وَكَذَلِكَ كَلَامُ الله مِثْلُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ سَوَاءً، غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَا يَشْتَبه إِلَّا على مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ وَلَا عَقْلَ.
وَأُخْرَى: أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٍ لَا شَكَّ فِيهِ، فَاللهُ بِزَعْمِكُمْ كَانَ بِلَا كَلَامٍ، حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ كَلَامًا، ثُمَّ انْتَحَلَهُ اضْطِرَارًا إِلَى كَلَامِ غَيْرِهِ، فَتَمَّتْ بِهِ رُبُوبِيَّتُهُ، وَوَحْدَانِيَّتُهُ، وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ بِزَعْمِكُمْ. فَمَنْ يَحْتَاجُ فِي مِثْلِ هَذَا المَعْقُول إِلَى أَثَرٍ؟!
وَأُخْرَى: أَنَّ الكَلَامَ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا يُرَى ويُحَسُّ إِلَّا بِلِسَانِ مُتَكَّلِمٍ بِهِ، فَالكَلَامُ مِنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ صِفَتُهُمَا، فَالخَالِقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَالمَخْلُوقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ مَخْلُوقٌ، وَلَا شَكَّ فِيهِ.
فَلْينْظُر هَذَا الشَّاكُّ فِي القُرْآنِ، فَإِنْ كَان اللهُ المُتَكَلِّم بِهِ عِنْدَهُ، فَلَا يَشُكَّنَّ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَخْلُوقٍ مِنَ الكَلَامِ، وَلَمْ يُضْطَرَّ إِلَى شَيْء مَخْلُوق قَطُّ مِنَ الكَلَامِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ حَاجَة.
وَإِن ابْتَدَعَهُ مَخْلُوقٌ أَضَافَهُ إِلَى الله تَعَالَى. فَلَا يَشُكَّنَّ هَذَا الشَّاكُّ فِي صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ وَكَلَامِهِمْ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ كُلَّهَا، وَأَنَّ مُبْتَدِعَهَا وَالمُتَكَلِّمَ بِهَا مِنَ المَخْلُوقِينَ كَافِرٌ إِذْ يَقُولُ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، و﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢].
[ ٢٠٩ ]
قَائِلُ هَذَا القَوْلِ غَيْرَ الله كَافِرٌ، مِثْلُ فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ مَنْ قَالَ: القُرْآنُ هُوَ الله؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ غَيْرُ الله؛ فَقَدْ أَصَابَ، [٣٧/و] وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَقَدْ جَهِلَ وَكَفَرَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: لَمْ تَدَعْ مِنْ صَرِيحِ المَخْلُوقِ شَيْئًا، إِذْ زَعَمْتَ أَنَّ مَنْ قَالَ: القُرْآنُ غَيْرُ الله فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ قَالَ: غير مَخْلُوق فقد جَهِلَ.
لَمَا أَنَّ كُلَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ غَيْرُ الله، فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَهُّ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ
غَيْرَ اللهِ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَلَا يُقَالُ أَيُّهَا المُعَارِضُ: إِنَّ القُرْآنَ هُوَ اللهُ فَيَسْتَحِيل، وَلَا هُوَ غَيْرُ الله فَيُلْزِمَ القَائِلَ به أَنَّهُ مَخْلُوق، وَلَكِن يُقَال: كلَامًا للهِ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِهِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاته، وَأَنَّ اللهَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَا شَكَّ فِيهِ.
فَافْهَمْ وَمَا أَرَاكَ تَفْهَمُهُ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ الله، أَوْ غَيْرُ الله.
فَإِنْ قَالَ: رَجُلٌ: هُوَ الله، أَكْفَرْتَهُ. وَإِنْ قَالَ: غَيْرُ الله قُلْتَ لَهُ: أَقْرَرْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَصَوَّبْتَ مَذْهَبِي؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللهِ مَخْلُوقٌ.
فَيُقَالُ لَكَ: أَخْطَأْتَ الطَّرِيقَ، وَغَلِطْتَ فِي التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: القُرْآنُ هُوَ الله أَوْ غَيْرُ الله، كَمَا لَا يُقَالُ: عِلْمُ الله هُوَ الله، وَقُدْرَةُ الله هِيَ الله، وَكَذَلِكَ عِزَّتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُهُ وَقُدْرَتُهُ، لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْهَا: هُوَ الله بِعَيْنِهِ وَكَمَالِهِ، وَلَا غَيْرُ الله، وَلَكِنَّهَا صِفَاتٌ مِنْ صِفَاتِهِ، غَيْرُ مَخْلُوق وَكَذَلِكَ الكَلَامُ، فَافْهَمْ.
وَادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ عُلَمَائِهِ وَزُعَمَائِهِ قَالَ: إِن كَلَامَ اللهِ
مُضَافٌ إِلَيْهِ كَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ رُوحُ اللهِ، وَبَيْتُ الله، وَهَذَا مِنْ قَدِيمِ حُجَجِ
[ ٢١٠ ]
الجَهْمِيَّةِ، وَلَيْسَ من حُجَجِ الوَاقِفِيَّةِ.
فَلْيَكْشِفِ المُعَارِضُ عَنِ اسْمِ هَذَا العَالِمِ الَّذِي قَالَ، فَإِنَّهُ لَا يَكْشِفُهُ إِلَّا عَنْ جَهْمِيٍّ خَبِيثٍ.
وَإِنَّهُ لَا يُقَاسُ رُوحُ اللهِ، وَبَيْتُ اللهِ، وَعَبْدُ اللهِ، المُجَسَّمَاتُ المَخْلُوقَاتُ القَائِمَاتُ المُسْتَقِلَّاتُ بِأَنْفُسِهِنَّ اللَّائي كُنَّ بِكَلَامِ الله وَأَمْرِهِ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنَ الله، كَكَلَامِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا المَخْلُوقَ قَائِمٌ بِنَفسِهِ وعَيْنِهِ، وحِلْيَتِهِ وَجِسْمِهِ، لا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ اللهِ. وَأَنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ مِنْها لله صِفَةً.
وَالقُرْآنُ كَلَامُهُ الَّذِي مِنْهُ خَرَجَ وَبِهِ تَكَلَّمَ، لَمْ يَقُمْ بِنَفْسِهِ جِسْمًا غَيْرَ الله، قَائِمًا يُحِسُّ أَوْ يُحَسُّ حِينَ تُقِيمُهُ القَرَأَةُ (١) والأَلْسُنُ، فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ القَرَأَةُ خَفِيَ فَلَمْ يُحَسَّ مِنْهُ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ عَيْنٌ إِلَّا أَنْ يُبَيَّنَ بِكِتَابٍ يُكْتَبُ، فَبَيْنَ رُوحِ الله وَبَيْتِ الله وَعَبْدِ الله، وَالقُرْآنِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ كَلَامِ الله الخَارِجِ مِنْ ذَاتِهِ بَوْنٌ بَعِيدٌ.
فَكَيْفَ تَقَلَّدْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ كَلَامَ الوَاقِفَةِ بَدْءًا، ثُمَّ فَرَعْتَ مِنْهُ إِلَى أَفْحَشِ كَلَامِ الجَهْمِيَّةِ: أَنَّهُ كَعَبْدِ الله، وَبَيْتِ الله، ثُمَّ إِدْخَالِ الحُجَجِ عَلَى تَعْطِيل ما سِوَاهَا مِنَ الصِّفَاتِ؟ إِنَّمَا تَقُولُ الوَاقِفَةُ: إِنَّ القُرْآنَ كَلَامُ الله، وَلَا تَقُولُ: مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ثُمَّ تَعْرِضُونَ لِهَذِهِ الحُجَجِ الَّتِي عَرَضْتَ لَهَا وَاحْتَجَجْتَ بِهَا، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّكَ تُشِيرُ بِالوَقْفِ، مُنَافِحٌ عَنِ التَّجَهُّمِ، حَتَّى صَرَّحْتَ بِهِ فِي غَيْرِ مَكَانٍ مِنْ كِتَابِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَشْبِيهُكَ إِيَّاهُ بِبَيْتِ الله أَوْ عَبْدِ الله، وَبِقَوْلِكَ: إِنَّهُ غَيْرُ الله،
_________________
(١) وقع في «س»، «ع»: «القراءة»، والصواب ما أثبتته وهو الموافق لما في الأصل، «وقرأة» جمع قاريء، «ككتبة» جمع كاتب.
[ ٢١١ ]
وَإِنَّهُ مَفْعُولٌ، وَإِنَّ مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَكَ، لاكْتَفَيْنَا بهذَا دُونَ مَا سِوَاهُ.
ثُمَّ تَعَلَّقْتَ بَعْدَهُ بِالوُقُوفِ مُسْتَتِرًا بِهِ عَنِ التَّجَهُّمِ، تَتَقَدَّمُ إِلَى، [٣٧/ظ] هَؤُلَاءِ بِرِجْلٍ وَتَتَأَخَّرُ عَنْهُمْ بِأُخْرَى، فَمَرَّةً تَحْتَجُّ بِحُجَجِ الوَاقِفَةِ، وَمَرَّةً بِحُجَجِ الجَهْمِيَّةِ، كَأَنَّكَ تُلَاعِبُ الصِّبْيَانَ وَتُخَاطِبُهُمْ.
وَكَذَلِكَ تَأَوَّلْتَ فِي العَرْشِ كَمَا تَأَوَّلَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَكَنَيْتَ عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِكَ وَزُعَمَائِكَ وَلَمْ تُصَرِّحْ بِاسْمِهِ: أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، تُرِي مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ أَنَّ هَذَا الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ هَذَا التَّفْسِيرَ أَحَدُ العُلَمَاءِ، وَلَا يَدْرِي مَنْ حَوْلَكَ أَنَّهُ أَحَدُ السُّفَهَاءِ، وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ تَفْسِيرَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ، وَبَيَّنَّا لَكَ فِيهِ اسْتِحَالَةَ هَذَا المَذْهَبِ وَبُعْدَهُ مِنَ الحَقِّ وَالمَعْقُولِ.
فَاكْشِفْ عَنْ رَأْسِ هَذَا المُفَسِّرِ حَتَّى نَعْرِفَهُ، أَمِنَ العُلَمَاءِ هُوَ أَمْ مِنَ السُّفَهَاءِ؟ فَإِنَّكَ لَا تَأْثُرُهُ إِلَّا عَنِ المَرِيسِيِّ، أَوْ عَنْ مَنْ هُوَ أَخْبَثُ مِنْهُ.
وَالعَجَبُ مِنَ المَرِيسِيِّ صَاحِبِ هَذَا المَذْهَبِ، أَنَّهُ يَدَّعِي تَوْحِيدَ الله بِمِثْلِ هَذَا المَذْهَبِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَقَدْ عَطَّلَ جَمِيعَ صِفَات الوَاحِدِ الأَحَدِ، فَادَّعَى فِي قِيَاسِ مَذْهَبِهِ أَنَّ وَاجِدَهُ الَّذِي يُوَحِّدُهُ إِلَهٌ مُجَدَّعٌ، مَنْقُوصٌ، مُشَوَّهٌ، مُثَبَّجٌ (١) مَقْصُوصٌ، لَا تَتِمُّ وَحْدَانِيَّتُهُ إِلَّا بِمَخْلُوقٍ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ مَخْلُوقٍ: مِنَ الكَلَامِ وَالعِلْمِ وَالِاسْمِ.
_________________
(١) في «س»: كشبح، وفي «ع»: مشيج، والصواب ما أثبتته وهو الموافق لما في الأصل. قال في اللسان: «ورجلٌ مُثَبَّجٌ: مضطرِبُ الخَلْقِ مَعَ طُولٍ».
[ ٢١٢ ]
وَيْلَكَ! إِنَّمَا المُوَحِّدُ الصَّادِقُ فِي تَوْحِيدِهِ الَّذِي يُوَحِّدُ اللهَ بِكَمَالِهِ، وَبِجَمِيعِ صِفَاتِهِ فِي عِلْمِهِ وَكَلَامِهِ وَقَبْضِهِ وَبَسْطِهِ وَهُبُوطِهِ وَارْتِفَاعِهِ، الغَنِيَّ عَن جميع خَلْقِهِ بجَمِيعِ صِفَاتِهِ: مِنَ النَّفْسِ وَالوَجْهِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَاليَدَيْنِ وَالعِلْمِ وَالكَلَامِ، وَالقُدْرَةِ وَالمَشِيئَةِ وَالسُّلْطَانِ، القَابِضَ البَاسِطَ، المُعِزَّ المُذِلَّ، الحَيَّ القَيُّومَ، الفَعَّالَ لِمَا يَشَاءُ.
هَذَا إِلَى التَّوْحِيدِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا الَّذِي يُوَحِّدُ إِلَهًا مُخَدَّجًا مَنْقُوصًا مَقْصُوصًا، لَوْ كَانَ عَبْدًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يكن يُسَاوِي تَمْرَتَيْن؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُهُ إِلَهًا لِلْعَالَمِينَ؟ تَعَالَى اللهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ.
وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِ بِبَعْضِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ حُجَجِ الوَاقِفَةِ فَقَالُوا: أَتَقُولُونَ: يَا رَبُّ -القُرْآن- افْعَلْ بِنَا كَذَا، وَكَذَا؟ أَمْ يُصَلِّي أَحَدٌ لِلْقُرْآنِ كَمَا يُصَلِّي للهِ؟ يَعْنِي أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ.
فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ الحَائِرِ، الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ: إِنَّهُ لَا يُصَلَّى لِلْقُرْآنِ وَلَكِنْ يُصَلَّى بِهِ للهِ الوَاحِدِ، الَّذِي هَذَا القُرْآنُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ، لَا يُخَصُّ بِالصَّلَاةِ قُرْآنٌ وَلَا غَيْرُهُ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَعِزَّهُ وَجَلَالَهُ لَا يُصَلَّي لِشَيْءٍ مِنْهَا مَقْصُودًا بِالصَّلَاةِ إِلَيْهَا وَحْدَهَا، وَلَكِنْ يُصَلَّي لِلْوَاحِدِ الأَحَدِ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ: مِنَ العِلْمِ، وَالكَلَامِ، وَالمُلْكِ وَالقُدْرَة وَغَيرهَا، فَاعْقِلْهُ، وَأَنَّى لَكَ العَقْلُ مَعَ هَذَا الِاحْتِجَاجِ وَالخُرَافَاتِ؟!
أَرَأَيْتَكَ إِنْ عَرَّضْتَ بِالقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ لَما أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَا رَبَّ القُرْآنِ، فَجَعَلْتَهُ مَخْلُوقًا بِذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات:١٨٠]،أَفَتَحْكُمُ عَلَى عِزَّةِ الله بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ كَمَا حَكَمْتَ عَلَى القُرْآنِ؟
[ ٢١٣ ]
وَيْحَكَ! إِنَّمَا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يَقُولُ: ذِي العِزَّةِ. وَكَذَلِكَ ذُو الكَلَامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].
[٣٨/و] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِقَادِ هَذَا المُعَارِضِ رَأْيَ الجَهْمِيَّةِ لَا رَأْيَ الوَاقِفَةِ أَنَّ ذَبَّهُ وَمُنَافَحَتَهُ وَاحْتِجَاجَهُ عَنْ غَيْرِ الوَاقِفَةِ، وَأَنَّهُ أَظْهَرَ بِلِسَانِهِ الإِنْكَارَ عَلَى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: عَلَى مَنْ يَقُولُ: مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ، تَمْوِيهًا بِهِ وَدُنُوًّا بِهِ إِلَى العَامَّةِ، ثُمَّ لَمْ يُكْثِرِ الطَّعْنَ عَلَى مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ، كَمَا أَطْنَبَ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، حَتَّى جَاوَزَ فِيهِمُ الحَدَّ وَالمِقْدَارَ، فَنَسَبَهُمْ فِيهِ إِلَى الكُفْرِ البَيِّنِ وَالبِدْعَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالضَّلَالَةِ وَالجَهْلِ، وَقِلَّةِ العِلْمِ وَالتَّمْيِيز، وَسُوءِ الدِّيَانَةِ، وَسُوءِ مُرَاقَبَةِ الله، وَأَنَّهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: «غَيْرُ مَخْلُوقٍ» مُطِيعُونَ لِلشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ، مُقَدِّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ، نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بالكفْر أَنْ قَالُوا: القُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَلَمْ يَنْسِبْ مَنْ قَالَ: «مخْلُوقٌ» إِلَى جُزْءٍ مِنْ ألفِ جُزْءٍ مِمَّا نَسَبَ إِلَيْهِ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ شِدَّةِ طَعْنِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ رِوَايَاتِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ -وَلَمْ يَسْمَعْهُ بِزَعْمِهِ مِنَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ- أَنَّهُ لَا يُصَلِّي خَلْفَ من يَقُول القُرْآن مَخْلُوقٍ.
فَلَوْ سَمِعَ هَذَا المُعَارِضُ مِنْ أَبِي يُوسُفَ نَفْسِهِ لَمْ تَقُمْ لَهُ بِهِ حُجَّةٌ، وَجَرَّ إِلَى أَبِي يُوسُفَ بِهَا فَضِيحَةً.
فَاجْتِهَادُ هَذَا المُعَارِضِ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ يَقُولُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصَفْحِهِ عَمَّنْ يَقُولُ: مَخْلُوقٌ، فَهَذَا يَدُلُّ مِنْهُ عَلَى أَسْوَأ الرِّيبَةِ، وَأَقْبَحِ الظِّنَّةِ وَأَنَّ ألْبَهُ (١)، وَمَيْلَهُ إِلَى مَنْ يَصْفَحُ عَنْهُ.
_________________
(١) قال في اللسان: والأَلْبُ: مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الهَوى. وَيُقَالُ: أَلْبُ فُلانٍ معَ فُلانٍ أَي صَفْوُه مَعَه.
[ ٢١٤ ]
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ظِنَّتِهِ أَنَّ احْتِجَاجَهُ فِيهِ بِالمَقْذُوفِينَ المُتَّهَمِينَ فِي دِينِ الله تَعَالَى مِثْلِ المَرِيسِيِّ، والُّلؤْلُؤِيِّ، وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ.
فَأَيْنَ هُوَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ وَمَعْمَرٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَنُظَرَائِهِمْ؟
وَأَيْنَ هُوَ عَمَّنْ كَانَ فِي عَصْرِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ زَمَانِهِ، مِثْلِ ابْنِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنِيّ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَنُظَرَائِهِمْ إِنْ كَانَ مُتَّبِعًا مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ؟
وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي مَذْهَبِهِ حِكَايَةً وَلَا رِوَايَة، وَإِنَّمَا يتَعَلَّق بالمَغْمُورِين المَغْمُوزِين، إِذْ لم يُمْكنهُ التَّعْلُّق بِهَؤُلَاءِ المَشْهُورِينَ، كَيْمَا يُرَوِّجُ ضَلَالَهُ عَلَى النَّاسِ بِأَهْلِ الرِّيَبِ الَّذِينَ لَا قَبُولَ لَهُمْ وَلَا عَدَالَةَ عِنْدَ أَهْلِ الإِسْلَامِ.
ثُمَّ تَقَلَّدْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَفْحَشَ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ فِي نَفْيِ الكَلَامِ عَنِ الله تَعَالَى، لَمَا ادَّعَيْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ نَسَبَ الكَلَامَ إِلَى الجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ، فَشَبَّهْتَ اللهَ تعالى في كَلامِهِ بالجِبَالِ، والشَّجَرِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى الكَلَامِ وَلَا لَهَا أَسْمَاعٌ وَلَا أَبْصَارٌ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ يَجْعَلُونَ اللهَ الحَيَّ القَيُّومَ المُتَكَلِّمَ بالكلَام، السَّمِيعَ البَصِيرَ، القَابِضَ البَاسِطَ، كَالمَدَرِ والِحجِارَة، والجِبَالِ، والتِّلَالِ الصُّم البُكْمِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا كَلَامٌ وَلَا أَسْمَاعٌ وَلَا أَبْصَارٌ.
فَقَالَ: كَمَا يَجَوزُ عِنْدَنَا فِي المَجَازِ أَنْ يُنْسَبَ الكَلَامُ إِلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ الصُّمِّ، يَجُوزُ فِي المَجَازِ أَنْ يُنْسَبَ الكَلَامُ إِلَى الله تَعَالَى، من غير أَن يَقْدِرَ اللهُ عَلَى الكَلَامِ فِي دَعْوَاهُمْ، إِلَّا كَقُدْرَةِ الجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ أَشْبَهَ بِالكُفْرِ البَيِّنِ مِنْ هَذَا المَذْهَبِ؟، بَلْ هُوَ الكُفْرُ صُرَاحًا: أَنْ يَكُونَ مَنْزِلَةُ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى [٣٨/ظ] عِنْدهم، كَكَلام الجبَال، والشَجَرِ والحَجَرِ، وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ
[ ٢١٥ ]
وَالأَشْيَاءِ المَخْلُوقَةِ البَيِّنَةِ.
هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ لَهُ نِظَامٌ، وَلَا هُوَ عَنْ مَذَاهِبِ الإِسْلَامِ، وَلَا يَحْتَاجُ، إِلَى نَقِيضِهِ مِنَ الكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا نَقِيضُهَا مِنْ نَفْسِ كَلَامِ المُعَارِضِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ كَلَامَ الله، وَالقُرْآنَ مُضَافٌ إِلَى الله؛ كَبَيْتِ الله، وَكَرُوحِ الله، وكَعَبْدِ الله، أَوْ شَبَّهَهُ بِكَلَامِ الجِبَالِ وَالشَّجَرِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَخْلُوق اخْتَلَقَهُ فِي -دَعْوَاهُ- بَشَرٌ كَذَّابٌ، كَمَا قَالَ الوَحِيدُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] لما أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ لِنَفْسِهِ كَلَامَهُ يَدْعُو إِلَى اللهِ، وَإِلَى تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِهِ اللهُ عِنْدَكُمْ فَهُوَ كَلَامُ نَفْسِهِ بِحَقِيقَة مِنْهُ وَمِنْهُ خَرَجَ، وَلَا يَجْهَلُ ذُو عَقْلٍ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الله كَلَامٌ مَخْلُوقٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِهِ عِنْدَكُمْ غَيْرَ الله، ثُمَّ أَضَافَهُ كَذِبًا وَزُورًا وَبُهْتَانًا إِلَى الله، فَهَذَا المُتَكَلِّمُ بِهِ المُضِيفُ إِلَى الله كَذَّابٌ مُفْتَرٍ كَافِرٌ، بِالله إِذْ يَقُولُ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠]، أويقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، أَوْ يَقُولُ لِمُوسَى ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢].فَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ هَذَا، أَوْ قَالَهُ غَيْرُ الله؛ فَهُوَ كَافِرٌ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]، لَا يَسْتَحِقُّ قَائِلُ هَذَا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ قُرْآنًا يُضَافُ إِلَى الله وَيُقَامُ بِهِ دِينُ الله.
هذا أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ وَأَضْوَأُ مِنْهَا إِلَّا عِنْدَ كُلِّ مُدَلِّسٍ.
وَلَوْ لَمْ يُذِعْ هَذَا المُعَارِضُ هَذَا الكَلَامَ، وَلَمْ يَنْشُرْهُ فِي النَّاسِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمُنَاقَضَتِهِ وَإِدْخَالٍ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّا لَمْ نَقْصِدْ بِالنَّقْضِ إِلَيْهِ، وَلَكِن إِلَى ضُعَفَاءِ مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهَذَا المَذْهَبِ. سَمِعُوا بِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعُوا ضِدَّ كَلَامِهِ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاحْتِجَاجِهِمْ، فَيَضِلُّونَ بِهِ، إِذْ لَا يَهْتَدُونَ بِضِدِّهِ وَمَا يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ.
[ ٢١٦ ]
فَلَوْ أَنَّهُ أَلَّفَ لَهُمْ كُتُبًا فِي مَعَالِمِ دِينِهِمْ مِنْ نَحْوِ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا؛ كَانَ أَوْلَى بِهِ وَأَسْلَمَ لِدِينِهِ وَأَنْفَعَ لِمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ المُسْلِمِينَ.
غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّهُ اضطَمَرَ هَذَا الرَّأْيَ قَدِيمًا، وَكَانَ يَجِيشُ فِي صَدْرِهِ، ولَا يُمْكِنُهُ كَظْمُهُ حَتَّى هَمَّ بِإِظْهَارِهِ فِيمَا بَلَغَنِي مرَّة، فَأَنْكَرَهَا عَلَيْهِ عُلَمَاؤُهَا وفُقَهَاؤُهَا وَاسْتَتَابُوهُ مِنْهَا فَتَابَ، وَعَاهَدَهُمْ أَنْ لَا يَعُودَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ عِيلَ صَبْرُهُ بَعْدَ وَفَاةِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ حَتَّى عَرَّفَ بِمَا [في] صَدرَهُ فَافْتُضِحَ وَفَضَحَ أَئِمَّتَهُ، وَضَلَّ وَأَضَلَّ وَجَهِلَ فَلَمْ يَعْقِلْ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُعْجَبٌ بِالإِصَابَةِ غَافِلٌ عَمَّا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الإِثْمِ وَالعَارِ وَالنَّقْصِ مِنْ كِتَابِ الله وَآثَارِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَمَذَاهِبِ الصَّالِحِينَ، وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ، لَكَانَ أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَكَانَ يَسْتَتِرُ مِنَ الِافْتِضَاحِ بِهِ حَتَّى أَنْطَقَ اللهُ بِلِسَانِهُ وَصَرَّحَ بِالمَخْلُوقِ أَيْضًا فِي كَلَامٍ مُمَوَّهٍ عِنْدَ السُّفَهَاءِ، مَكْشُوفٍ عِنْدَ الفُقَهَاءِ.
فَادَّعَى أَيْضًا أَنَّ كَلَامَ الله يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ، وَأَنَّ أَفَاعِيلَهُ زَائِلَةٌ عَنْهُ. وَكُلُّ زَائِلٍ عَنِ الله مَخْلُوقٌ فِي دَعْوَاهُ.
فَلَمْ يَزَلْ يَعِيبُ عَنْ هَذَا القَوْلِ، [٣٩/و] وَيُلَجْلِجُ بِهِ فِي صَدره حَتَّى صَرَّحَ
بِهِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ بِالبِلَادِ مَنْ يَفْطِنُ لِمَذْهَبِهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ فِعْلُ اللهِ الزَّائِلُ عنه؛ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ: كَلَامُ الله؛ لِأَنَّ القَوْلَ غَيْرُ الفِعْلِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالمَفْعُولَاتُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لَا شَكَّ فِيهِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِالمَخْلُوقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بَعْدَمَا عَابَ مَنْ قَالَهُ، وَرَجَعَ عَيْبُهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.
أرأيتك أَيهَا المعَارض إِذْ ادَّعَيْتَ فِي بَعْضِ كَلَامِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُزَادُ على أَنْ يُقَالَ: كَلَامُ اللهِ ثُمَّ يَسْكُتُ عَمَّا وَرَاءَ
[ ٢١٧ ]
ذَلِكَ لَمَا أَنَّهُ لَمْ يُخَضْ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ، فَمَنْ خَاضَ فِيهِ كَانَ بِزَعْمِكَ مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ، فَكَيْفَ تَرَكْتَ فِيهِ قَوْلَ الله تَعَالَى وَمِنْهَاجَ السَّلَفِ، وَرَجَعْتَ عَنْ كَلَامِ الله فَجَعَلْتَهُ فِعْلًا لَهُ مَخْلُوقًا؟
أوَ مَا تَخْشَى عَلَى نَفْسِكَ مَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ؟ لقد ارْتَطَمْتَ فِيمَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ، وَصَرَّحْتَ بِالمَخْلُوقِ بَعْدَمَا نَسَبْتَ إِلَى البِدْعَةِ مَنْ قَالَهَا، وَبُؤْتَ بِمَا عِبْتَ عَلَى غَيْرِكَ مِنَ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ، وَتابَعْتَ جَهْمًا وَالمَرِيسِيَّ فِي دَعْوَاهُمَا، زَعَمَ هَذَانِ أَنَّهُ مَجْعُولٌ وَزَعَمْتَ أَنْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَكِلَا المَعْنَيَيْنِ سَوَاءٌ.
وَقَدْ كَانَ رَأْسُ حُجَجِ المَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَأَوْثَقُهَا فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى تَأَوَّلُوا فِيهَا عَلَى الله مِنْ كِتَابِهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ. فَقَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ١ - ٣] و﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
فَادَّعَوْا أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ: ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ إِلَّا وَذَلِكَ الشَّيْءُ مَخْلُوقٌ، فَضَلُّوا بِهَذَا التَّأْوِيل عَن سَوَاء السَّبِيلِ وَجَهِلُوا فِيهِ مَذَاهِبَ أَهْلِ الفِقْهِ وَالبَصَرِ بِالعَرَبِيَّةِ.
فَقُلْنَا لَهُمْ: مَا ذَنْبُنَا إِنْ كَانَ اللهُ سَلَبَ مِنْكُمْ مَعْرِفَةَ الكِتَابِ وَالعِلْمِ بِهِ وَبِمَعَانِيهِ، وَبِمَعْرِفَةِ لُغَاتِ العَرَبِ، حَتَّى ادَّعَيْتُمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُقَالُ: «جَعَلْناهُ» فَهُوَ خَلَقْنَاهُ.
أَرَأَيْتُمْ أَيُّهَا الجَهَلَةُ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، أَهُوَ خَلَقْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ؟ وَكَذَلِكَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]-لَا إِلَهَ إِلَّا الله- أَهُوَ خَلَقَهَا؟
[ ٢١٨ ]
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، و﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، أَهُوَ خَلَقَ (١) لَهُ مَخْرَجًا؟
أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] أَهُوَ خَلَقْنَا؟
أَمْ قَوْلُهُ: و﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢] أم قَوْله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ [الحشر: ١٠]، أم قَوْلُهُ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥] أَهُوَ فِي دَعْوَاكُمْ لَا تَخْلُقْنَا، بِعَدَما خَلْقِهِمْ مَرَّةً؟
أم قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤] أَيَقُولُ اخْلُقْ لي.
أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] أَيِ اخْلُقْنَا؟!
أَمْ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧]،أَيَجُوزُ أَنْ يُقَال: وخَالِقُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؟!
أَمْ قَوْلُهُ: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ [الشعراء: ٨٥] أَهُوَ اخْلُقْنِي، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؟.
أَمْ [٣٩/ظ] قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: جَعَلَكَ الله بِخَيْرٍ؟
وَكُلُّ مَا عَدَدْنَا مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ وَمَا يُشْبِهُهَا مِمَّا لَمْ يُعَدَّدْ، يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصْرِفَ جَعَلْنَا مِنْهَا إِلَى خَلَقْنَا. وأَشَدُّها اسْتِحَالَة: مَا ادَّعَيْتُم عَلَى الله تَعَالَى فِي
_________________
(١) في الأصل «جعل» والمثبت من «س»، ونسخ على «ع».
[ ٢١٩ ]
قَوْله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أَنَّهُ خَلَقْنَاهُ، فَلَمْ تَفْقَهُوا مَعْنَاهُ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِكُمْ بِالعَرَبِيَّةِ.
وَيْلكُمْ! إِنَّمَا الكَلَامُ لله بَدْءًا وَأَخِيرًا، وَهُوَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ كُلَّهَا، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ مِنْهَا: إِنْ شَاءَ تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ شَاءَ بِالعِبْرَانِيَّةِ وَإِن شَاءَ بالسُّرْيَانيَّة، فَقَالَ: جعلت هَذَا القُرْآنَ مِنْ كَلَامِي عَرَبِيًّا، وَجَعَلْتُ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيل مِنْ كَلَامِي عِبْرَانِيًّا؛ لَمَا أَنَّهُ أَرْسَلَ كُلَّ رَسُولٍ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ: فَجَعَلَ كَلَامَهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ لَهُ كَلَامًا لِكُلِّ قَوْمٍ بِلُغَاتِهِمْ فِي أَلْسِنَتِهِم.
فَقَوْلُهُ: «جَعَلْنَاهُ» صَرَفْنَاهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَة أُخْرَى لَيْسَ أَنَّا خَلَقْنَاهُ خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ فِي دَعْوَاكُمْ، فَهُوَ مَعَ تَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
يَقُولُ: تَسْتَنِيرُ بِهِ القُلُوبُ وَتَنْشَرِحُ لَهُ، لَا أَنَّهُ نُورٌ مَخْلُوقٌ، لَهُ ضَوْءٌ قَائِمٌ، يُرَى بِالأَعْيُنِ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالكَوَاكِبِ.
فَافْهَمْهُ، وَلَا أَرَاكَ تَفْهَمُهُ.
وَاحْتَجَّ المُعَارِضُ أَيْضًا لِتَحْقِيقِ قَوْلِهِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَجِيءُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِصَاحِبِهِ».
فَقَالَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: إِنْ قُلْتُمْ بِهَذَا الحَدِيثِ كَانَ نَقْضًا لِمَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَاءَى شَيْءٌ فِي صُورَةٍ، إِلَّا وَذَلِكَ المُتَرَائِي وَالمُتَكَلِّمُ فِي قِيَاسِ مَذْهَبِهِ مَخْلُوقٌ.
فَقَدْ فَسَّرْنَا هَذَا لِهَذَا المُعْجَبِ بِجَهَالَتِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا، أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ الله لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ، وَلَا جِسْمٌ، وَلَا يَتَحَوَّلُ صُورَةً أَبَدًا، لَهُ فَمٌ وَلِسَانٌ ينْطِقُ بِهِ ويَشْفَعُ، قد عَقِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ. فَلَمَّا كَانَ المَعْقُولُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ يُصَوِّرُهُ الله فِي أَعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، جَزَاءً لَهُمْ عَن القُرْآن الَّذِي قَرَءُوُه.
[ ٢٢٠ ]
وَاتَّبَعُوا مَا فِيهِ، لِيُبَشِّرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ وَنَفْسُ القُرْآنِ كَلَامٌ غَيْرُ مُجَسَّم فِي كُل أَحْوَاله، إِنَّمَا يُحَسُّ بِهِ إِذَا قُرِئَ، فَإِذا زَالَت عَنهُ القَرَأَةُ؛ لم يُوقَفْ لَهُ على جِسْمٍ وَلَا صُورَةٍ، إِلَّا أَنْ يُرْسَمَ بِكِتَابٍ. هَذَا مَعْقُولٌ لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَهُولٍ. قَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ -إِنْ شَاءَ الله- وَلَكِنَّكُمْ تُغَالِطُونَ، وَالعُلَمَاءُ بِمُغَالَطَتِكُمْ عَالمون وَلِضَلَالَتِكُمْ مُبْطِلُونَ. وَيَكْفِي العَاقِلَ أَقَلُّ مِمَّا بَيَّنَّا وشَرَحْنَا مِنْ مَذَاهِبِكُم، غَيْرَ أَنَّ فِي تَكْرِيرِ البَيَانِ شِفَاءٌ لما فِي الصُّدُور.
وَأما دَعْوَاكَ أَيهَا المعَارِضُ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مِنَ السَّلَفِ فِي القُرْآنِ قَوْلٌ وَلَا خَوْضٌ، أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٌ، فَسَنَقُصُّ عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ الله عَنْهُمْ مَا يُكَذِّبُ دَعْوَاكَ، وَسَنَحْكِيهِ لَكَ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُمْ أَعْلَى وَأَعْلَمَ مِمَّنْ حَكَيْتَ عَنْهُمْ مَذْهَبَكَ؛ نَحْوَ المَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِي، ونُظَرائِهِم.
(١٣١) حَدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا مَعْبَدٌ قَالَ عَليٌّ:-وَهُوَ ابْنُ رَاشِدٍ- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: القُرْآنُ خَالِقٌ هو، أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: «لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوق، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللهِ» (١).
(١٣٢) وَسَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيَّ يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَدْرَكْتُ، [٤٠/و] أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَمَنْ دُونَهُمْ مُنْذُ
_________________
(١) حسن، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٧٩)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٩٥)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٣٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٤٣)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣٩٧)، من طريق معبد بن راشد، به، وإسناده حسن، ومعبد بن راشد؛ قال الحافظ: مقبول. قلت: يعني حيث يتابع، وقد توبع، تابعه سويد بن سعيد كما عند البيهقي في الأسماء والصفات (٥٤٢)، ويحيى بن عبد الحميد الحماني كما عند اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤٠٢).
[ ٢٢١ ]
سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: «اللهُ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَالقُرْآنُ كَلَامُ الله، مِنْهُ خرجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ» (١).
(١٣٣) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ -مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ مَوْلَى خَالِدٍ القَسْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارك بِالمِصِّيصَةِ -وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ القُرْآنِ- قَالَ: «وَهُوَ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ» (٢).
(١٣٤) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ يَقُولُ: «القُرْآنُ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ» (٣).
(١٣٥) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن مَنْصُورٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ الجَزَرِيَّ يَقُولُ: «القُرْآنُ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ» (٤).
(١٣٦) حَدثنِي مُحَمَّد بن مَنْصُور، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ قَالَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ
_________________
(١) صحيح، أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (١٧٨) كذلك، ومن طريقه البيهقي في السنن (١٠/ ٢٠٥)، وأخرجه الخلال في السنة (١٨٦٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٨٦) كلاهما من طريق ابن راهويه، به، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣٨١)، من طريق الحكم بن محمد الآمُلي، عن سفيان بن عيينة، به.
(٢) أخرجه المصنف في الرد على الجهمية (١٨٠) كذلك، وإسناده صحيح إلى ابن المبارك، إن كان علي بن مضاء؛ هو علي بن محمد بن علي بن أبي المضاء المصيصي، وإلا فلم أقف له على ترجمة، والمذكور وثقه النسائي، ثم إني لم أجد من أخرج هذا القول بهذا الإسناد، وإلا فهو صحيح عن ابن المبارك من أوجه أخر، وينظر الأسماء والصفات للبيهقي (٥٤٩)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (٤٢٦)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١٤٤).
(٣) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٨٢)، وإسناده صحيح كسابقه، ولم أقف على من أخرجه بهذا الإسناد سوى المصنف.
(٤) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٨٣)، وإسناده صحيح كسابقه، ولم أقف على من أخرجه بهذا الإسناد سوى المصنف.
[ ٢٢٢ ]
بهْرَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ المُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ يَقُولُ: «القُرْآنُ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ» (١).
قَالَ هِشَامٌ: «وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ المُعَافَى» قَالَ عَلِيٌّ: «وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ هِشَامٌ»، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ: «وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ خَمْسِينَ مَرَّةً»، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ: «وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا»، قَالَ الصَّرَّامُ (٢): «وَأَنَا أَقُول كَمَا قَالُوا» قَالَ رُوَاةُ الصَّرَّامِ: «وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا»، وَقَالَ لَنَا إِسْحَاقُ (٣): «وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا».
فَكُلُّ هَؤُلَاءِ قد قَالُوا: «إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»، وَلَيْسُوا بِدُونِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَرهُوا الخَوْض فِيهِ فَيَقُولُوا: «هو غَيْرُ مَخْلُوق» مِثْل أبي أُسَامَةَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ- إِنْ صَدَقْتَ عَلَيْهِمْ دَعْوَاكَ-.
وَأَخَسُّهُمْ عِنْدَ النَّاسِ مَنْزِلَةً أَعْلَى مِنَ المَرِيسِيِّ، واللُّؤْلُؤِيِّ، وَابْنِ الثَّلْجِيِّ، وَنُظَرَائِهِمُ الَّذِينَ ادَّعَوْا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، حَتَّى لَقَدْ أَكْفَرَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ بِقَوْلِهِمْ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ بِهِ القَتْلَ، وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ بِذَلِكَ؛ إِلَّا وَأَنَّ قَوْلَهُمْ في ذلك كَانَ عِنْدَهُمْ كُفْرًا.
(١٣٧) حَدَّثَنِي يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - قَتَلَ زَنَادِقَةً، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللهُ
_________________
(١) إسناده صحيح، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٨٤)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥١٢)، عن محمد بن منصورالطوسي به، دون ذكر قول محمد بن منصور «خمسين مرة».
(٢) الصرام: هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الصرام راوي الكتاب عن أبي سعيد الدارمي، وراجع ترجمته في المقدمة.
(٣) هو أبو يعقوب إسحاق بن أبي إسحاق القراب الحافظ أحد رواة الكتاب، تراجع ترجمته في المقدمة.
[ ٢٢٣ ]
وَرَسُولُهُ» (١).
فَالجَهْمِيَّةُ عِنْدَنَا أَخْبَثُ الزَّنَادِقَةِ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ قَوْلِهِمْ إِلَى التَّعْطِيلِ كَمَذْهَبِ الزَّنَادِقَةِ سَوَاءٌ.
(١٣٨) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَعْمَرِيُّ البَغْدَادِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: خَطَبَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله القَسْرِيُّ بِوَاسِطَ يَوْمَ أَضْحَى فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْجِعُوا فَضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ! فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ؛ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا». ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ (٢).
_________________
(١) حسن، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٩٨)، ويحيى الحماني وإن كان تكلم فيه، لكن تابعه عليه خلاد بن أسلم، كما أخرجه البزار في مسنده (٥٧٠)، وخلاد وثقه الدارقطني والنسائي وغيرهما، وأبو بكر بن عياش أقل أحواله أنه صدوق، وباقي رجاله ثقات.
(٢) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦٤)، وفي خلق أفعال العباد (ص ١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، وفي الأسماء والصفات (٥٦٩)، وغيرهم؛ من طريق عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده، وعبد الرحمن مقبول وأبوه مجهول وجده صدوق يخطئ كما ذكر الحافظ ﵀؛ فهذا إسناد ضعيف. لكن للخبر طريق آخر فقد أخرجه ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» له -كما في كتاب العلو للعلي الغفار للذهبي (ص ١٣١) - قال: حدثنا عيسى بن أبي عمران الرملي، حدثنا أيوب بن سويد، عن السري بن يحيى قال: خطبنا خالد، فذكر القصة، وهذا إسناد رجاله ثقات، غير أيوب بن سويد، قال الحافظ: صدوق يخطئ. قلت: ولكنه إلى الضعف أقرب فالقصة إسنادها محتمل للتحسين إن شاء الله، لاسيما وقد رواها الأئمة في كتبهم، واحتجوا بها.
[ ٢٢٤ ]
(١٣٩) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ بنَ سَعْدٍ: مَا تَقُولُ فِي الزَّنَادِقَةِ تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُمْ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَبِمَ تَقُولُ ذَاك؟ قَالَ: كَانَ عَلَيْنَا وَالٍ بِالمَدِينَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ فَبَعَثَ إِلَى أبي (١)، فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَا يَهِيدَنَّكَ فَإِنَّهُ قَوْلُ اللهِ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قَالَ: السَّيْفُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] قَالَ: السَّيْفُ سُنَّةُ القَتْلِ (٢).
(١٤٠) وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: مَا تَرَى فِي قَتْلِ هَؤُلَاءِ [٤٠/ظ] الجَهْمِيَّةِ؟ قَالَ يُسْتَتَابُونَ، فَقُلْتُ: لَا، أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا، يُسْتَتَابُونَ وَتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ (٣).
(١٤١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر المصْرِيُّ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» (٤).
قَالَ مَالِكٌ: وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ - هَذَا -فِيمَا نَرَى وَالله أَعْلَمُ- أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ، وَأَشْبَاهِهِا، فَإِنَّ أُولَئِكَ يُقْتَلُونَ، وَلَا يُسْتَتَابُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ رَوِيَّتُهُم (٥)، وَأَنَّهُ قَدْ كَانُوا يُسِرُّونَ الكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ بِالإِسْلَامِ، فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ (٦).
_________________
(١) هو الإمام الثقة العابد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، المتوفى سنة ١٢٥ هـ.
(٢) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٢٠٣)، وإسناده أئمة.
(٣) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٢٠٤)، وإسناده أئمة.
(٤) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٢٠٥)، وهو مرسل، أخرجه مالك في الموطأ (١٤١٩)، وعنه الشافعي في مسنده (ص ٣٢١)، ومن طريق الشافعي البيهقي (٨/ ١٩٥).
(٥) كذا في الأصل، وفي الرد على الجهمية، والموطأ «توبتهم»، وما أثبتته متجه، ومعناه التردد في الفكر.
(٦) ذكره مالك في الموطأ عقب الحديث السابق.
[ ٢٢٥ ]
(١٤٢) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى البُوَيْطِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، فِي الزِّنْدِيقِ: «يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا رَجَعَ وَلَا يُقْتَلُ» (١).
(١٤٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُعْتَمِرِ السِّجِسْتَانِيُّ -وَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَهْلِ سِجِسْتَانَ وَأَصْدَقِهِمْ- عَنْ زُهَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ البَابِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ سَلَّامَ بن أبي مُطِيع يَقُول: «الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ» (٢).
(١٤٤) قَالَ: وَسَمِعْتُ زُهَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ يَقُولُ: سُئِلَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ -وَذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ عَنْ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ- فَقَالَ: «ذَاكَ كَافِرٌ» (٣).
(١٤٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، ثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾: مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ (٤).
(١٤٦) وَسَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الأَنْطَاكِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا يُكَفِّرُ الجَهْمِيَّةَ (٥).
(١٤٧) وَكَتَبَ إِليَّ عَلِيُّ بْنِ خَشْرَمٍ: أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ كَانَ لَا يَعُدُّ الجَهْمِيَّةَ فِي عِدَادِ المُسْلِمِينَ (٦).
(١٤٨) وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى يَقُولُ: «القُرْآنُ كَلَامُ الله مَنْ شَكَّ فِيهِ أَوْ
_________________
(١) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (٢٠٧).
(٢) صحيح، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٨٨)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٥١٧)، والخلال (١٧٠٠)، وغيرهم من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن زهيربن نعيم، به. وزهير وثقه عبد الله بن أحمد.
(٣) صحيح، وأخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٨٩).
(٤) تقدم تخريجه برقم (١٢٩).
(٥) حسن، أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٩٢)، والأنطاكي صدوق، وقد ورد هذا المعنى عن وكيع من غير ما طريق وينظر السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١١٥، ١١٦).
(٦) تقدم برقم (٤).
[ ٢٢٦ ]
زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَهُوَ كَافِرٌ» (١).
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْفَرُوهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَأَنْزَلَاهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاسْتحقَّ بِتَبْدِيلِهِ القَتْل.
(١٤٩) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَحَرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَمَا حَرَقْتُهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وَقَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ الله» (٢).
فَادَّعَى المُعَارِضُ أَنَّ مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ المَشْهُورِينَ فِي إِكْفَارِ الجَهْمِيَّةِ وَقَتْلِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَوْلِهِمْ: «القُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»، أَن هَذِه الرِّوَايَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا لَيْسَ أَثَرًا عِنْدَهُ؛ لَما أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: «الأَثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالصَّحَابَةِ، وَمَا بَعْدَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِأَثَرٍ».
فَيُقَالُ لِهَذَا المُعَارِضِ: فَكَيْفَ جَعَلْتَ أَنْتَ أَثَرًا مَا رَوَيْتَ فِي رَدِّ مَذْهَبِنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي أُسَامَةَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَالمَرِيسِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ، وَالثَّلْجِيِّ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا رَوَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَبَقِيَّةَ بن الوَلِيد، وَابْن المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، ونُظَرَائِهِم أثرًا عنْدك؛ فَأَبْعَدَ مِنَ الأَثَرِ مَا احْتَجَجْتَ فِي رَدِّهِ عَنِ المَرِيسِيِّ، وَالثَّلْجِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ
_________________
(١) أخرجه المصنف كذلك في الرد على الجهمية (١٩٤)، وتابع المصنف على معناه؛ محمودُ بنُ غيلان، كما أخرجه اللالكائي في شر أصول الاعتقاد (٤٤٧).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (٧/ ١٠٤)، والمصنف في الرد على الجهمية (١٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠٢)، وغيرهم من طرق عن أيوب، به.
[ ٢٢٧ ]
وَنُظَرَائِهِمْ.
فَكَيْفَ أَقَمْتَ أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ المُتَّهَمِينَ لِنَفْسِكَ أَثَرًا، وَلَا تُقِيمُ، [٤١/و] أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ المُتَمَيِّزِينَ لَنَا أَثَرًا؟ مَعَ أَنَّ أبا يُوسُفَ إِنْ قَالَ: «لَيْسَتْ أَقَاوِيلُ التَّابِعِينَ بِأَثَرٍ»؛ فَقَدْ أَخْطَأَ.
إِنَّمَا يُقَالُ: لَيْسَ اخْتِلَافُ التَّابِعِينَ سُنَّةً لَازِمَةً، كَسُنَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ. فَأَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ أَثَرًا، فَإِنَّهُ أَثَرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَقَاوِيلُهُمْ ألزَمُ لِلنَّاسِ مِنْ أَقَاوِيلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى التَّابِعِينَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة: ١٠٠] فَشهد بِاتِّبَاع الصَّحَابَةِ، وَاسْتِيجَابِ الرُّضْوَانِ مِنَ الله تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
وَاجْتَمَعَتِ الكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ أَنْ سَمَّوْهُمُ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَأْثُرُونَ عَنْهُمْ بِالأَسَانِيدِ كَمَا يَأْثُرُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَيَحْتَجُّونَ بِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَيَرَوْنَ آرَاءَهُمْ ألزَمَ لهم مِنْ آرَاءِ مَنْ بَعْدَهُمْ، لِلِاسْم الذِي اسْتَحَقُّوا مِنَ اللهِ تَعَالَى، ومِنْ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ الذِينَ سَمُّوهُم تَابِعِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
حَتَّى لَقَدْ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: «وَلَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ» فَقَالَ: «رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» (١).
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ عَن التَّابِعين أَثَرًا، فَبِئْسَ مَا أَثْنَى عَلَى زَعِيمِهِ وَإِمَامِهِ أَبِي حَنِيفَةَ، إِذْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ عَامَّةَ فُتْيَاهُ بِغَيْرِ أَثَرٍ؛ لِأَنَّ عِظَمَ مَا أَفْتَى وَأَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، مِمَّا رَوَاهُ عَن حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَقَدْ شَهِدَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِغَيْرِ أَثَرٍ، وَعَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَبِعَهُ فِي فُتْيَاهُ مِنْ
_________________
(١) أخرج هذا الكلام ابن سعد في الطبقات (٩/ ١٦٦)، بإسناد صحيح.
[ ٢٢٨ ]
غَيْرِ نَظَرٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا روى عَن التَّابِعين آَثَارٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَكُمْ، فَكَيْفَ سَمَّيْتَ رَأْيَ إِبْرَاهِيمَ: آثَارَ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَإِنَّمَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ.
كَذَبْتُمْ إِذًا فِيمَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَثَرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَكُمْ.
فَتَفَهَّمْ أَيُّهَا المُعَارِضُ ثُمَّ تَكَلَّمْ، وَلَا تَنْطِقَنَّ بِمَا لَا تَعْلَمُ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تُحْسِنُ فَتَعَلَّمْ، وَلَا تُرْسِلْ مِنْ رَأْسِكَ ما يَأْخُذُ مِنْكَ بِالكَظْمِ، فَيَنْقُضَ عَلَيْكَ وَتُطَلَّمَ (١) وَتُعَدَّ فِي عِدَادِ مَنْ لَا يَفْهَم.
* * *
_________________
(١) قال في لسان العرب (١٢/ ٣٦٩): «وأَصلُ الطَّلْمِ: الضرْبُ ببَسْطِ الكَفِّ».
[ ٢٢٩ ]