إِنَّ الأحاديثَ والآثارَ التي ذَكَرها المصنفُ هنا في هذا الكتاب، إنما ذكرها للاحتجاج بها على خُصُومِهِ مِنْ أعداء السُنة، ولَنْ يذكر الدارميُّ حديثًا -وهو من هو في علوم الحديث رواية ودراية، وهو تلميذ إمام هذا الشأن،
[ ١٠ ]
يحيى بن معين- إلَّا وهو مقبول عنده صالحٌ للاحتجاج، وإلا لما ذكره، ولكن قد أحكم على بعض الأسانيد التي احتج بها بالضعف، أو النكارة، وذلك بحسب ما تقتضيه قواعد علوم الحديث، ويبقى احتجاج هذا الإمام لها، واحتجاج غيره من أئمة السلف، ولذلك قال الإمامُ الذهبي تعليقًا على حديث مروي في الصفات وهو مروي هنا برقم (٩٥)، قد أَعَلَّهُ بعض العلماء على طريقة المحدثين، ألا وهو حديث الأطيط، فقال: في كتاب العرش (٢/ ١٥٣): «هذا حديث محفوظ من حديث أبي إسحاق السبيعي إمام الكوفيين في وقته، سمع من غير واحد من الصحابة، وأخرجا حديثه في الصحيحين، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن خليفة من قدماء التابعين، لا نعلم حاله بجرح ولا تعديل، لكن هذا الحديث حدث به أبو إسحاق السبيعي مقرًا له كغيره من أحاديث الصفات، وحدث به كذلك سفيان الثوري، وحدث به أبو أحمد الزبيري، ويحي بن أبي بكير، ووكيع، عن إسرائيل. وأخرجه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب (السنة والرد على الجهمية) له، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله ابن خليفة، عن عمر - ﵁ -، ولفظه ﴿إذا جلس الرب على الكرسي، سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد﴾. ورواه أيضا عن أبيه، حدثنا وكيع بحديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﴿إذا جلس الرب على الكرسي﴾ فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع، فغضب وكيع، وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها.
قلت -يعني الذهبي-: وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان فلا
[ ١١ ]
أدري أخرجه أم لا؟، فإن عنده أن العدل الحافظ إذا حدث عن رجل لم يعرف بجرح، فإن ذلك إسناد صحيح. فإذا كان هؤلاء الأئمة: أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم، الذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدجى قد تلقوا هذا الحديث بالقبول وحدثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره ونتحذلق عليهم؟، بل نؤمن به ونكل علمه إلى الله - ﷿ - قال الإمام أحمد: (لا نزيل عن ربنا صفة من صفاته لشناعة شنِّعت وإن نَبَت عن الأسماع) فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلف سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلوَن لهذا الحديث.» ا. هـ
فهذه قاعدة مهمة، بحيث لا يتطرق إلى أحد من الأغمار أن يَطْعَنَ على مثل هذا الإمام بأنه يروي أحاديث لا تصح في إثبات صفات الله ﵎، ولابن تيمية كلام يشبه كلام الذهبي تجده في موضعه من هذا الكتاب، فكن على ذكر.
وأخيرًا، ذَيَّلْتُ الكتاب بمجموعة من الفهارس الفنية ليسهل الرجوع إلى الفائدة.
وفي ختام كلمتي أود أن أتقدم بالشكر، والدعاء لكل من أعانني في إخراج هذا الكتاب، وأخص منهم أخي الفاضل الأستاذ هشام بن إبراهيم الجوجري، فقد بذل معي جهدًا في مرحلة المقابلة، فجزاه الله خيرًا.
وإنه لمن نافلة القول أن أقول: إني لا أُسَلِّمُ نفسي عن خطإ أو زَلَل، ولا أَعْصِمُ قولي عن وَهَمٍ وخَطَل، فالفَاضِل مَنْ تُعدُّ سَقَطَاتُهُ، وتُحْصَى غَلَطَاتُهُ إلا
[ ١٢ ]
بتوفيق الله وعصمته، والسالم من ذلك كتاب الله المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢].
واللهَ تَعَالى أسأل أَنْ يجعلَ عملي هذا خالصًا لوجهه، وأن يجعل تحقيقي وعنايتي لكتابٍ ذَبَّ عن صِفَاتِهِ، وتوحيده، زادًا ليومِ العَرْضِ عليه، وأَنْ يوفقني لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقني حبه، وأن يمتعني بالستر والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠ - ٤١]
والحمدُ لله أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا.
وكَتبهُ راجي عفو ربه الكريم
أبو عاصم الشَّوَامِي محمد بن محمود بن إبراهيم
في الثامن من شهرذي القعدة
سَنَةَ اثْنَين وثَلاثِينَ وأَرْبَعْمائَة وأَلف
من هجرة النبي - ﷺ -
[ ١٣ ]