٢٨ - أُقِرُّ بِأَنَّ اللهَ ﷻ تَعَالَى عَنِ التَّشْبِيهِ (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) التشبيه هو التسوية بين المشبه، والمشبه به في أكثر الصفات، والتمثيل: التسوية في كل الصفات، وكان الأولى بالناظم التعبير بنفي التمثيل لا التشبيه لوجوه، قال الشيخ العثيمين - ﵀ - في شرح السفارينية (ص/٨٦): [قوله: (ولا تشبيه): يعني: أنهم لا يشبهون الله بخلقه، ومراد المؤلف بالتشبيه (التمثيل) ولهذا لو عبّر به لكان أولى من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الذي جاء به القرآن والسنة نفي التمثيل لا نفي التشبيه، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ الوجه الثاني: أن نفي التشبيه فيه إجمال؛ لأنه إن أراد نفي التشبيه من كل وجه فهذا غلط، وإن أراد نفي التشبيه في كل الصفات فهذا هو التمثيل فنفي التشبيه من كل وجه من الوجوه هذا خطأ، لأن هناك تشابه واشتراك في بعض المعاني، فمثلًا: الحياة، يتصف بها الخالق ويتصف بها المخلوق، فبينهما تشابه من حيث أصل الصفة وهي الحياة، ولولا هذا التشابه المشترك بين صفات الله وصفات المخلوق ما عرفنا معاني صفات الله، فلا بد أن يكون هناك اشتراك وتشابه من بعض الوجوه؟ لله علم وللمخلوق علم بين علم الله وعلم المخلوق تشابه من حيث أصل المعنى، المخلوق يدرك ما يعلمه والخالق ﷿ كذلك، فهناك اشتراك في أصل المعنى، للمخلوق بصر وللخالق بصر، البصر للخالق والمخلوق مشتركان في أصل الرؤية، فبينهما تشابه من هذا الوجه، لكنهما لا يتماثلان، لأن المماثلة: (التساوي من كل وجه)، والمشابهة: (الاشتراك ولو في بعض الوجوه). الوجه الثالث: أن نفي التشبيه صار عند كثير من الناس يساوي نفي الصفات مطلقًا. وذلك عند من يقول: كل من اثبت لله صفة فهو مشبه، فإذا قلنا: (من غير تشبيه): صار معنى هذا الكلام عندهم أي من غير إثبات صفة، فيوهم هذا بأن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب أهل التعطيل، لأنهم يرون أن معنى (نفي التشبيه) يعني نفي الصفات، حيث يزعمون أن كل من أثبت لله صفة فهو مشبِّه].
[ ٣٠ ]
. . . . . . . . . . وَالْوَصْفِ (١) وَالْحَصْرِ (٢)
٢٩ - سَمِيعٌ بَصِيرٌ لَّيْسَ شَيءٌ كَمِثْلِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرآَنِ إِنْ كَنْتَ مَنْ تَدْرِي
٣٠ - فَسُبْحَانَهُ مِنْ مَالِكٍ مُتَكَبِّرٍ تَفَرَّدَ دُونَ الْخَلْقِ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ
٣١ - وَيَنْزِلُ لَا تَكْيِيفَ لِي فِي نُزُولِهِ (٣) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مذهب أهل السنة والجماعة: أننا نصف الله ﷿ بما وصف به نفسه في كتابه، أو وصفه به نبيه - ﷺ - في السنة الثابتة، لا نتجاوز القرآن والسنة، كما قال الإمام أحمد - ﵀ - وأيضًا من مذهب أهل السنة، مع إثبات هذه الصفات لله ﷿: إثبات كيف لها، ولكنه مجهول بالنسبة لنا (تفويض الكيف). وهذا الكلام مبسوط في محله من كتب العقيدة.
(٢) قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ فذاته - ﷾ - غير محصورة في مكان، بل هو - ﷾ - مستوٍ على عرشه بائن من خلقه. وكما أن ذاته سبحانه غير محصورة في مكان فإننا لا نستطيع أن نحيط بها أو ندركها. وكذلك أسمائه، وصفاته، لا نستطيع أيضًا أن نحيط بها من حيث الكيفية والكُنْهْ التي هي عليه، وكذلك لا نستطيع أن نحصر عددها؛ لأن من الأسماء ما أستأثر الله بعلمه، وكل اسم يدل على الذات، والصفة عن طريق المطابقة، والتضمن، واللزوم.
(٣) القول في النزول، وسائر الصفات كقول الإمام مالك - ﵀ - في الاستواء: [الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة] والكلام في الكيف، والسؤال عنه محرم؛ لأنه يجر إلى التأويل وتكذيب ظاهر القرآن والسنة، فلا يقال: كيف ينزل؟ هل يخلو من عرشه؟ هل ينتقل؟ وهل يحل في السماء؟ وكل هذه الأسئلة وأشباهها باطلة وقد جرت أقوام إلى تكذيب القرآن، والسنة، فقالوا: لا ينزل؛ هروبًا من لوازم الإجابة على هذه الأسئلة المحرمة، وقالوا: بل تنزل الرحمة، أو ينزل أمره تعالى، أو ينزل ملك، وكل هذا تعطيل لظاهر القرآن والسنة بلا قرينة صحيحة، إلا شبهًا في عقولهم الفاسدة، مبدؤها السؤال عن الكيف، وما أحسن قال علماؤنا: إذا قال لك الجهمى: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو ذلك، فقل له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنّه الباري تعالى غير معلوم للبشر. فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته.
[ ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . تَعَالَى سَمَاءَ الدُّنْيَا يَقُولُ أَلَا سَائِلًا (١) سِتْرِي
٣٢ - وَذَلِكَ إِذْ يَبْقَى مِنَ اللَّيْلِ ثُلْثُهُ كَذَلِكَ حَتَّى يُفْصَلَ اللَّيْلُ بِالْفَجْرِ (٢)
٣٣ - وَرَبِّي كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (٣) أَمَّا كَيْفَ ذَاكَ فَلَا أَدْرِي
٣٤ - وَمَذْهَبُنَا لَا كَيْفَ لَا مِثْل لَا لِمَا (٤) بِالْإِقْرَارِ والْإِمْرَارِ مِنْ غَيْرِ مَا فَسْرِ (٥)
_________________
(١) بالأصل: سلوا، وفي الهامش تصحيحها إلى: ألا سائلًا.
(٢) روى البخاري (١/ ٣٨٤) (١٠٩٤)، ومسلم (١/ ٥٢١) (٧٥٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).
(٣) ووصفه تعالى بالاستواء على العرش قد ورد في القرآن في سبع مواضع، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه/٥)، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ [(الأعراف/٥٤)، (يونس/٣)، (الرعد/٢)، (الفرقان/٥٩)، (السجدة/٤)، (الحديد/٤)].
(٤) لعله يقصد أنه لا يسأل لماذا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء:٢٣).
(٥) أي: تفسير وبيان، قال الجوهري في الصحاح مادة (فسر): [الفَسْرُ: البيانُ. وقد فَسَرْتُ الشيءَ أفْسِرُهُ فَسْرًا. والتَفْسير مثله.] ويحمل على النهي عن تفسيرها كتفسير المبتدعة من الجهمية، وأتباعهم من الفلاسفة وأهل الكلام، فحذر عن مثل تلك التفسيرات المخالفة لدين الإسلام. وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ٥٠ - ٥١). وأرى أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى بطلان نسبة مذهب تفويض المعنى في الصفات للسلف، وذلك لأن حقيقة هذا المذهب الباطل نسبة الجهل إلى الأنبياء، والمرسلين - ﵈ - وأنهم كانوا يجهلون معاني نصوص صفات الله تعالى، وأنهم كانوا يخاطبوننا بما لم يكونوا يعرفوا معناه، وفيه أيضًا تكذيب للقرآن، واستطالة للفلاسفة. وعليه: فنسبة هذا المذهب إلى السلف خطأ، فالسلف يفوضون في الكيف، لا المعنى، فظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار المعنى، وأقوال السلف في إثبات معاني نصوص الصفات على سبيل الإجمال، أو التفصيل متواترة، ولمزيد بيان انظر " درء تعارض العقل والنقل " لتقي الدين بن تيمية (١/ ١١٥) وما بعدها، وكتاب: " موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة عرضًا ونقدًا " لسليمان بن صالح بن عبدالعزيز الغصن (٢/ ٨٢٧: ٩١٥)، وكتاب: "مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات (عرض ونقد) " لأحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي، ورسالة: " تحفة الإخوان في صفات الرحمن" لمحمد بن محمد بن عبد العليم، الفصل الأول، وغيرها من المراجع.
[ ٣٢ ]