قال صاحب لسان العرب: "المحبة: اسم للحب" (^١).
ويرى ابن القيم أن مادة كلمة "حب" تدور في اللغة على خمسة أشياء:
أحدها: الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها "حبب الأسنان".
الثاني: العلو والظهور، ومنه "حبب الماء وحبابه" وهو ما يعلوه عند المطر الشديد، وحبب الكأس منه.
الثالث: اللزوم والثبات، ومنه: "حبَّ البعير وأحب، إذا برك ولم يقم.
_________________
(١) (١/ ٢٩٠).
[ ٣٥ ]
قال الشاعر:
حلت عليه بالفلاة ضربًا … ضرب بعير السوء إذ أحبَّا
الرابع: اللب، ومنه: حبة القلب، للبُّه وداخله.
ومنه: الحبة لواحدة الحبوب، إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه.
الخامس: الحفظ والإمساك، ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضًا.
ثم قال ﵀: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة:
١ - فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب.
٢ - وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد.
٣ - وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه.
٤ - ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده، وهو قلبه.
٥ - ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه.
فاجتمعت فيها المعاني الخمسة (^١).
ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: "الحاء" التي هي من أقصى الحلق.
و"الباء" الشفوية التي هي نهايته.
_________________
(١) زاد ابن القيم في كتابه روضة المحبين (ص ١٧، ١٨) على هذه المعاني الخمسة ما يلي: "وقيل: بل هي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سمي القرط حبا لقلقه في الأذن واضطرابه. وقيل بل هي مأخوذة من الحب الذي هو إناء واسع فيمتلئ به بحيث لا يسع لغيره، وكذلك قلب المحب ليس فيه سعة لغير محبوبه، وقيل: مأخوذة من الحب وهو الخشبات الأربع التي يستقر عليها ما يوضع من جرة أو غيرها فسمي الحب بذلك لأن المحب يتحمل لأجل محبوبه الأثقال، كما تتحمل الخشبات ثقل ما يوضع عليها.
[ ٣٦ ]
فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.
وقالوا في فعلها: حَبْهُ وأحَبَّهُ.
ثم اقتصروا على اسم الفاعل من "أحب" فقالوا: "مُحِبٌّ" ولم يقولوا "حاب". واقتصروا على اسم المفعول من "حب" فقالوا: "محبوب" ولم يقولوا "مُحَب" إلا قليلا كما قال الشاعر:
ولقد نزلت فلا تظني غيره … مني بمنزلة المُحَب المكرم (^١)
وأعطوا "الحب" حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها، مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها.
وأعطوا "الحِب" وهو المحبوب: حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب، وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم …
فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات (^٢).