وهي أسطورة من أساطير الصوفية، نسجها خيالهم المريض، وأوهامهم الفاسدة، فهي كذبة ليس لها رصيد من الواقع، بل هي مناقضة تمامًا لما أخبر به الله تعالى وقرره في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
أما عن فحوى هذه الأسطورة فيقول قائلهم: "اعلم أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها … ثم انبخست منه ﷺ عيون الأرواح فهو الجنس العالي على جميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات" (^١).
ويقول آخر: "اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسماوات وأراضين وجنات وحجبا وما فوقها وما تحتها إذا اجتمعت كلها وجدت بعضا من نور النبي، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت وتساقطت" (^٢).
وفي هذا يقول شاعرهم:
أنشاك نورًا ساطعًا قبل الورى … فردًا لفرد، والبرية في عدم
_________________
(١) الأنوار المحمدية (ص ٩).
(٢) هذه هي الصوفية (ص ٨٧).
[ ٢٨٩ ]
ثم استمد جميع مخلوقاته … من نورك السامي، فيا عظم الكرم
فلذا إليك الخلق تفزع كلهم … في هذه الدنيا، وفي اليوم الأهم
وإذا دعتهم كربة فرجتها … حتى سوى العقلاء في ذاك انتظم (^١)
وهذا الزعم الباطل تضمن ثلاث دعاوى كلها كذب وافتراء.
الدعوى الأولى: دعوى أن النبي ﷺ خلق من نور رب العالمين.
الدعوى الثانية: أنه وجد قبل خلق آدم.
الدعوى الثالثة: أن الأشياء خلقت منه.
وكل دعوى من هذه الدعاوى هي أكذب من أختها، وقد قال بها جميعًا بعض الغلاة المنتسبين إلى الإسلام مضاهاة لقول النصارى في عيسى، ويروون في ذلك أحاديث، وكلها كذب، فمن هؤلاء الغلاة من يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال إني كلي بشر فقد كفر، ومن قال لست ببشر فقد كفر" وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم بالحديث (^٢).
ومنهم من يروى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول حملة
_________________
(١) الأبيات لأحمد بن عبد المنعم الحلواني من قصيدته المستجيرة (نقلا عن كتاب هذه الصوفية) (ص ٨٧).
(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١) (بتصرف).
[ ٢٩٠ ]
العرش، ومن الثاني: الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأراضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربع أجزاء فخلق من الأول أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله" (^١).
وهذا الحديث باطل قال عنه السيوطي: "ليس له إسناد يعتمد عليه" (^٢).
ولا يخفي على من له أدني معرفة بنصوص القرآن والسنة ما في هذا الخبر المكذوب من المخالفات والمغالطات، ولا يشك طالب علم في وضعه واختلاقه. وكذلك مما يرونه "كنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا مما لا أصل له لا من نقل ولا من عقل فإن أحدًا من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد.
ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي ﷺ كان حينئذ موجودًا وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة مثل حديث فيه" أنه كان نورًا حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور" (^٣).
ومن العجيب أن كثيرا من الناس صاروا يتناقلون مثل هذه الأخبار المفتراة حتى أصبحت عندهم عقيدة راسخة في قلوبهم.
ومما يبين كذب هذه الدعاوى ويظهر زيفها مخالفتها لنصوص الكتاب والسنة.
_________________
(١) الأنوار المحمدية (ص ١٣).
(٢) الحاوي للفتاوى (١/ ٣٢٥).
(٣) الرد على البكري (ص ٨ - ٩).
[ ٢٩١ ]
فقد أخبرنا ﷿ عن أصل ما خلق منه الإنس والجن فقال تعالى ﴿خَلَقَ الأِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كالفَخّارِ وخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن].
والنبي ﷺ بشر خلق مما خلق منه باقي البشر فلا ميزة له في هذا الشأن عن باقي البشر قال تعالى ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء] وقال تعالى ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف].
والآيات في هذا الشأن، وفي شأن خلق السموات والأرض وكذا الأحاديث الثابتة كثيرة وكلها تخالف هذا الخبر المذكور وتبين زيفه وبطلانه (^١).