اختصت هذه الأمة بخصائص وفضائل، فلقد أكرم الله هذه الأمة بنعم جليلة ومنح عظيمة، هي في أصلها إكرام من الله تعالى لنبيه ﷺ، ولو لم تتبعه لما أُعطيت هذه الكرامات وتلك الميزات.
فلقد جعل الله تعالى هذه الأمة خير الأمم، واصطفاها من جميع الخلق لتكون أمة لنبيه محمد ﷺ، واجتباها لتكون الأمة الوسط الشاهدة على جميع الأمم السابقة.
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة].
وقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وعن معاوية بن حيدة القشيري (^١) ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ قال: "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" وفي لفظ "أنتم أفخرها وأكرمها
_________________
(١) معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري، له وفادة وصحبة، وقال البخاري: سمع النبي ﷺ، وتوفي بخرسان. الإصابة (٣/ ٤١٢).
[ ١٤٧ ]
على الله ﷿" (^١).
وروى الإمام أحمد نحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁ (^٢).
ومن فضل الله على هذه الأمة أنهم مع كونهم أقل عملا ممن قبلهم، فهم أكثر أجرا كما جاء في الحديث الصحيح.
فعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور" (^٣).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والمراد من هذا التشبيه بالعمال
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٤٦، ٤٤٧، ٤٤٨) (٥/ ٣ - ٥) والترمذي في سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة آل عمران (٥/ ٢٢٦) (ح ٣٥٠١) وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن ماجة في السنن كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ انظر (٢/ ١٤٣٣) والحاكم في المستدرك (٤/ ٨٤) وصححه ووافقه الذهبي. والدارمي في السنن (٢/ ٢٢١) (ح ٢٧٦٣)، وحسنه الألباني في المشكاة (٦٢٨٥).
(٢) المسند (٣/ ٦١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإجارة باب الإجارة من العصر إلى الليل. انظر فتح الباري (٤/ ٤٤٧، ٤٤٨) (ح ٢٢٧١).
[ ١٤٨ ]
تفاوت أجورهم، وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته، بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى.
وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها، وهؤلاء أصحاب محمد ﷺ أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه من تمر، وهذا رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الأنبياء قبله حتى على نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين.
فهذه الأمة إنما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد].
ومما أكرمت به هذه الأمة كذلك أنهم مع كونهم آخر الأم زمانا فهم الأولون يوم القيامة.
فعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أتوا الكتاب من قبلنا" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإجارة باب الإجارة من العصر إلى الليل. انظر: فتح الباري (٤/ ٤٤٧، ٤٤٨) (ح ٢٢٧١).
[ ١٤٩ ]
فهذه الأمة هم أول من يقضى لهم يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح " … نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق" (^١).
ومما خص الله تعالى به هذه الأمة يوم القيامة أنها تكون مع نبيها ﷺ أول من يجتاز الصراط من الأم، كما في الحديث الطويل عن أبي هريرة؟ عن النبي ﷺ وفيه " … ويُضرب الصراط بين ظَهْرَي جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز" (^٢).
وكذلك فإن هذه الأمة هم أول من يدخل الجنة من الأمم فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة" (^٣).
ومما خص الله به هذه الأمة أن جعل الزمرة الأولى منها - وهي التي تدخل الجنة من غير حساب ولا عذاب - تدخل الجنة من الباب الأيمن من أبواب الجنة.
فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ حديث الشفاعة الطويل وفيه "فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لاحساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب … " (^٤) الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة واللفظ له. انظر: فتح الباري (٢/ ٣٥٤) (ح ٨٧٦) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/ ٦).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/ ٧).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية. انظر (١/ ١١٣)
(٤) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/ ٦).
[ ١٥٠ ]
فهذه الخصائص والفضائل وغيرها كثير إنما هي شواهد وبراهين على تفضيل الله تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ، وعلى ما له من منزلة عظيمة ودرجة رفيعة عنده ﵎.
ومن هذه الخصائص يعلم المسلم عظيم قد نبينا ﷺ ورفعة مكانته عند الله ﷿، ومما لا شك فيه أن هذا العلم وهذه المعرفة ستثمر بإذن الله في القلب المؤمن بالله ورسوله، فيزداد تعظيما وتوقيرا للنبي ﷺ، وحرصا على اتباعه واقتفاء أثره والسير على سنته.
فحري بالمسلم الذي تتوق نفسه وتتطلع لأن يكون في عداد أمة المصطفى الذين يقودهم ﷺ إلى الجنة بعد أن يجتاز بهم الصراط، أن يحقق الأمور التي يستحق بها هذا الفضل العظيم والمرتبة العالية.
فبالإيمان والاتباع والمحبة والتعظيم والبعد عما يضاد هذه الأمور يستحق الإنسان أن يكون من أمة محمد ﷺ.
أما من لم يتبع ويسلك سبيل النبي ﷺ بل غير بدل فهو محروم من هذا الفضل وذاك الشرف الذي تحدثت عنه تلك النصوص.
فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا فرطكم على الحوض وليختلجن رجال دوني فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم غيروا وبدلوا فيقول النبي ﷺ سحقا سحقا لمن غير وبدل" (^١).
* * *
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٢٧ - ١٢٩).
[ ١٥١ ]