بعث الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن دعاء ما سواه - لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة -. قال تعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلَّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء].
وقال تعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿واسْألْ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف].
وقال تعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ولا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].
فدين الحق دين الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسله كما يدل عليه قولنا: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
فهذان الأصلان:
١ - توحيد الرب بالعبادة، ٢ - الإيمان برسله.
[ ٢٤٥ ]
لابد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ذلك لأن دين الإسلام مبني على هذين الأصلين ومن خرج عن واحد منهما فلا عمل له ولا دين.
فلا إله إلا الله معناها أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا.
فإن الإله: هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وإكرامًا.
وهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله.
وأما شهادة أن محمدًا رسول الله فهي تعني ألا نعبد الله إلا بما شرعه على لسان رسول الله ﷺ فهو المبلِّغ عن الله طاعته وأمره ونهيه وتحليله وتحريمه، فهو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده.
وليس للرسول واسطة في إجابة الدعاء، وكشف البلاء، والهداية، والإغناء ونحو ذلك.
فالله تعالى هو المتفرد بذلك فهو سبحانه الذي يسمع ويرى ويعلم السر والنجوى وهو القادر على إنزال النعم وإزالة الضر من غير احتياج منه إلى أن يعرِّفه أحد أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم.
والأسباب التي بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها، فهو مسبب الأسباب التي يحصل بها ذلك ولهذا فرض سبحانه على المصلى أن يقول في صلاته ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة].
فالله سبحانه أجل وأعظم وأغني وأعلى من أن يفتقر إلى شيء، بل هو الأحد الصمد وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما
[ ٢٤٦ ]
سواه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا النبي ﷺ فذكر الغلول وعظم أمره قال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له ركاء، يقول يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك" الحديث (^١).
فهؤلاء الذين بلغهم أخبر أنهم إذا استغاثوا به يوم القيامة وسألوه الشفاعة يقول لهم لا أملك لكم من الله شيئا قد أبلغتكم (^٢).
فعلى المسلم أن يفرق لأن ما هو حق لله وحده وبين ما هو حق لرسله.
فالله أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاؤا به وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه.
وأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده لا نشرك به شيئا ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابًا.
وفرق بين حقه الذي يختص به الذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي.
وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عمومًا ولمحمد ﷺ خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصا، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فاصطفي من الملائكة جبريل لرسالته واصطفي من البشر محمدا ﷺ، وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقال تعالى
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب الغلول برقم (٣٠٧٣). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول (١٨٣١).
(٢) انظر: الرد على البكري (ص ٥٢ - ٥٤) بتصرف.
[ ٢٤٧ ]
﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء].
فالله أوجب علينا الإيمان بمحمد ﷺ خصوصا وبالملك الذي جاءه بالقرآن. وأمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم وبجميع ما أوتوا كما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة].
وقال تعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة].
وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء].
فالأنبياء وسائط بين الله ﷿ وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان وسيكون. وسائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم، مجملا وذلك بأن كل ما أخبروا به عن الله فهو حق وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم.
أما محمد ﷺ فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق وقد ختم الله به الأنبياء وآتاه من الفضائل ما فضله به على غيره وجعله سيد ولد آدم وخصائصه وفضائله كثيرة وعظيمة لا يسعها هذا الموضع.
وقد أوجب الله علينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به وأن نصدقه في كل ما أخبر به، كما سبق ذكر ذلك في الباب الأول من هذه الرسالة.
[ ٢٤٨ ]
وهو سبحانه مع هذا كله نهانا عن الشرك بهم والغلو فيهم، وميز بين حقه تعالى وحقهم.
فقال تعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ولا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].
فهذا بيانٌ أن اتخاذ الملائكة والنبيِّين أربابا كفر مع وجوب الإيمان بهم ما لم يحصل بعبادة الأوثان، فإن الأوثان تستحق الإهانة وأن تكسر كما كسر إبراهيم الأصنام وكما حرق موسى العجل ونسفه وكما كان نبينا ﷺ يكسر الأصنام ويهدم صوتها وقد قال تعالى: ﴿إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء] فإهانتها من تمام التوحيد والإيمان.
والملائكة والأنبياء بل الصالحون يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء. مع أنه يحرم الغلو فيهم والشرك بهم، فلهذا صار بعض الناس يزيد في التعظيم على ما يستحقونه فيصير شركا، وبعضهم يقصر عما يجب لهم من الحق فيصير فيه نوع من الكفر.
والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو القيام بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا.
والله تعالى يميز حقه من حق غيره ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "أن يعبدوه ولا شركوا به شيئا، أتدرى يا معاذ ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "أن لا يعذبهم" (^١). وقد قال تعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه في طاعة الله برقم (٦٥٠٠)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب في لقي الله بالإيمان … برقم (٣٠).
[ ٢٤٩ ]
كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ونَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أن الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص].
فالرسل كلهم نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم يبينون أن العبادة والتقوى حق لله وحده، وحق الرسل طاعتهم.
قال نوح ﵇ ﴿يا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح].
وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥، ٧٣، ٨٥].
وقال تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهُمْ أخُوهُمْ نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء].
وكذلك قال سائر الرسل هود وصالح وشعيب كل يقول ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦، ١٣١، ١٤٤، ١٦٣، ١٧٩].
وكذلك في رسالة محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور].
فجعل الطاعة لله والرسول. وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
وقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح].
فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، وتعزيره، نصره ومنعه.
والتسبيح بكرة وأصيلا لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله وحده والعبادة هي لله وحده.
[ ٢٥٠ ]
وقال تعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هُوَ إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ ولَهُ ما فِي السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ فأنكر سبحانه أن يتقى غيره كما أمر أن لا يرهب إلا إياه.
وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠].
وقال تعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة]. فقد أمر الله تعالى في غير موضع بأن يخشى ويخاف ولا يخشى ويخاف غيره.
وقال تعالى ﴿ولَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾.
ففي الإيتاء قال ﴿ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ كما قال: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
فما أعطاه الرسول للناس فهو حقهم بالقول والعمل كالفرائض التي قسمها الله وأعطى كل ذي حق حقه وكذلك من الفيء والصدقات ما أعطى فهو حقه، وما أباحه له فهو مباح، وما نهاه عنه فهو حرام عليه فلهذا قال تعالى ﴿ولَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ ولم يقل هنا ورسوله لأن الله تعالى وحده حسب عبده أي كافيه. لا يحتاج الرب في كفايته إلى أحد لا رسول ولا نبي، ولهذا لا تجئ هذه الكلمة إلا الله وحده كقوله: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران].
[ ٢٥١ ]
وقال تعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التوبة].
وقال تعالى ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال] إلى قوله ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال]؛ أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين كما قاله جمهور أهل العلم. ومن قال إن الله ومن اتبعك حسبك فقد غلط، ولم يجعل الله وحده حسبه بل جعله وبعض المخلوقين حسبه، وهذا مخالف لسائر آيات القرآن.
وقال تعالى ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فهو وحده كاف عبده، وقال تعالى ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
فلهذا قال تعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ ولم يقل ورسوله ثم قال ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ ولم يقل ورسوله بل جعل الرغبة إلى الله وحده كما قال ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾.
فالرغبة تتضمن التوكل وقد أمر أن لا نتوكل إلا عليه كقوله ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] وقوله ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل].
فالتوكل على الله وحده، والرغبة إليه وحده، والرهبة منه وحده.
ليس لمخلوق لا الملائكة ولا الأنبياء في هذا حق كما ليس لهم حق في العبادة ولا يجوز أن نعبد إلا الله وحده ولا نخشى ولا نتقى إلا الله وحده كما قال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
فإذا قال القائل لا يجوز التوكل إلا على الله وحده، ولا العبادة
[ ٢٥٢ ]
إلا لله وحده ولا يتقى ولا يخشى إلا الله وحده لا الملائك ولا الأنبياء ولا غيرهم كان هذا تحقيقا للتوحيد.
ولم يكن هذا سبًا لهم ولا تنقصًا بهم ولا عيبًا لهم وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية فنقص المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق. ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق.
والملائكة والأنبياء كلهم عباد الله يعبدونه كما قال تعالى ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء].
وقال تعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ولا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضى وهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ومَن يَقُلْ مِنهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾.
فإذا نفي عن مخلوق ملك أو نبي أو غيرهما ما كان من خصائص الربوبية وبين أنه عبد الله كان هذا حقا واجب القبول، وكان إثباته إطراء للمخلوق فإن دفعه عن ذلك كان عاصيا بل مشركا.
ولهذا قال النبي ﷺ "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله" (^١).
فالله تعالى قد وصفه بالعبودية حين أرسله، وحين تحدى، وحين أسرى به فقال تعالى ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩].
وقال تعالى ﴿وإنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣].
وقال تعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء].
وأهل الباطل يقولون لمن وصفهم بالعبودية إنه عابهم وسبهم ونحو ذلك.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٢٣٨).
[ ٢٥٣ ]
ولهذا لما سأل النجاشي (^١) جعفر بن أبي طالب (^٢) رضي لله عنه ما تقول في المسيح عيسى؟ فقال: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه رفع النجاشي عودًا وقال: ما زاد المسيح على ما قلت هذا العود فنخرت بطارقته (^٣). فقال: وإن نخرتم" (^٤).
فهم يجعلون قول الحق في المخلوق سبًا له، وهم يسبون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقول الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. أما تكذبه إياي أن يقول: إني لن أعيده كما بدأته، وأما شتمه إياي أن يقول: اتخذ الله ولدًا، وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن له كفوًا أحد" (^٥).
_________________
(١) أصحمة بن أبحر النجاشي - ملك الحبشة - واسمه بالعربية عطية والنجاشى لقب، أسلم على عهد النبي ﷺ ولم يهاجر إليه، وكان ردءا للمسلمين نافعا، وقصته مشهورة في المغازى في إحسانه للمسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام، توفي في عهد النبي ﷺ وصلى عليه صلاة الغائب. الإصابة (١/ ١١٧).
(٢) جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ وأحد السابقين للإسلام، هاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشى ومن تبعه على يديه، ثم قدم المدينة والنبي ﷺ بخيبر، واستشهد في مؤتة سنة ثمان من الهجرة. الإصابة (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٣) أي تكلمت، وكأنه كلام مع غضب ونفور. النهاية (٥/ ٣٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١ - ٢٠٣) (٥/ ٢٩٠ - ٢٩٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤ - ٢٧) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٥). وهو في سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٩ - ٢٩١).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ …﴾ (٣١٩٣) وكذلك في كتاب التفسير، تفسير سورة الإخلاص برقم (٤٩٧٤، ٤٩٧٥).
[ ٢٥٤ ]
فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء يسبونه، وقد كان معاذ بن جبل يقول عن النصارى: لا ترحموهم فقد سبوا الله سبة ما سبه إياها أحد من البشر. وهذا نظير ما ذكره الله تعالى عن المشركين بقوله ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلَّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ [الأنبياء].
فكانوا ينكرون على محمد ﵇ أن يذكر آلهتهم بما تستحقه وهم يكفرون بذكر الرحمن ولا ينكرون ذلك كما قال تعالى ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام].
وهكذا من فيه شبهه من اليهود والنصارى والمشركين تجده يغلو في بعض المخلوقين من المشايخ والأئمة والأنبياء وغيرهم وإذا ذكروا بما يستحقونه أنكر ذلك ونفر منه وعادى من فعل ذلك وهو وأصحابه يستخفون بعبادة الله وحده وبحقه وبحرماته وشعائره ولا ينكر ذلك. ويحلف أحدهم بالله ويكذب ويحلف بمن يعظمه ويصدق ولا يستجيز الكذب إذا حلف به. وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين وكذلك قد يعيبون من نهي عن شركهم كالحج إلى القبور التي يحجون إليها عادة وهم يستخفون بحرمة الحج إلى بيت الله ويجعلون الحج إلى القبور أفضل منه. وقد ينهون عن الحج اعتياضًا إلى القبور ويقولون هذا الحج الأكبر.
ويرون النهي عن الحج إلى قبور الأنبياء والصالحين إخلالا بحقهم ومعاداة لهم ونحو ذلك.
وهم لا يرون الشرك بالله ودعاء غيره واتخاذ عباده من دونه أولياء إخلالا بحقه ومعاداة له.
ومعلوم أن المشركين من أعظم أعداء الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ
[ ٢٥٥ ]
جِهادًا فِي سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وألْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أرْحامُكُمْ ولا أوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة] فأمر بالتأسي بإبراهيم ومن معه لما تبرءوا من المشركين وما يعبده المشركون، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده. فالمشرك والآمر بالشرك والراضي به معاد لله، ومن عادى الله فقد عادى أنبياءه وأولياءه.
وأما من أمر بما جاءت به الرسل فلم يعادهم ولم يعاندهم قال تعالى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون].
وهنا موضع يشكل على بعض الناس وذلك أنه قال ﷺ في الحديث الصحيح: "أصدق كلمة قد قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل (^١).
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطِل﴾ [الحج: ٦٢].
فالمراد بالباطل: ما لا ينفع، وكل ما سوى الله لا تنفع عبادته، وهذا يدخل فيه كل ما عبد من دون الله من الملائكة والأنبياء وهؤلاء قد سبقت لهم من الله الحسني فكيف يدخلون في الباطل؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب أيام الجاهلية برقم (٣٨٤١). وأخرجه في كتاب الشعر (٢٢٥٦).
[ ٢٥٦ ]
وكذلك قوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلَّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس].
فيقال: إن المراد عبادتهم والعمل لهم باطل، وقد يقال عن الشيء أنه لا شيء لانتفاء المقصود منه ليس بشيء وكما قال ﷺ عن الكهان لما سئل عنهم فقال: "ليسوا بشيء" فقالوا إنهم يحدثون أحيانًا الشيء يكون حقا، فقال رسول الله ﷺ: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرُّها في أذن وليه قرَّ الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة" (^١). فهم ليسوا بشيء: أي لا ينتفع بهم فيما يقصد منهم، وهو الاستخبار عن الأمور الغائبة لأنهم يكذبون كثيرًا فلا يدرى ما قالوه أهو صدق أم كذب. وهم مع ذلك موجودون يضلون ويضلون.
فقوله: "ليس بشيء" مثل قوله: "ألا كل شيء ما خلا الله باطل" وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطِل﴾ فهو من جهة كونه معبودًا باطل لا ينتفع به ولا يحصل لعابده مقصود العبادة وإن كان من جهة أخرى هو شمس وقمر ينتفع بضيائه ونوره وهو يسجد لله ويسبحه. وكذلك الملائكة والأنبياء إذا نفي عنهم كونهم آلهة معبودين وتبين أن عبادتهم عمل باطل لا ينتفع به، لم ينف ذلك ما يستحقونه من الإجلال والإكرام وعلو قدرهم عند الله تعالى.
والتبري من عبادتهم وكونهم معبودين، لا من موالاتهم والإيمان بهم وقولهم ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي ومن عبادتهم ومن كونهم معبودين كما قال الخليل ﵇: ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام] فهو بريء من كل شريك لله من جهة كونه جعل شريكا وندًا لله ولم يبرأ منه من جهات أخرى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كناب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان برقم (٢٢٢٨).
[ ٢٥٧ ]
فإبراهيم لم يبرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخرة لمنافع العباد وكونها تسجد لله وتسبحه وكونها من آياته العظيمة بل من جهة كونهاشركاء لله. أما الأوثان ونحوها فتعادى مطلقا. والشمس والقمر والملائكة والكواكب تعادى عبادتها وكونها آلهة معبودة فتبغض من هذه الجهات وتعادى، مع وجوب الإيمان بالملائكة وإذا قيل للنصارى نحن براء من شرككم ومما تعبدون من دون الله. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [المائدة] هذا بعد قوله: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾.
فالبراءة من كل معبود سوى الله كالبراءة من كل إله سوى الله، وذلك براءة من الشرك ومن كل ما سوى الله معبودا، وليس هو براءة من المسيح من جهة كونه رسولًا كريما وجيها عند الله، بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا من الحق. والمسيح والملائكة وغيرهم يتبرؤن ممن عبدوهم ويعادونهم ولا يوالونهم قال الله تعالى ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ].
وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان].
وقال تعالى ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ١٠٢] وقال تعالى ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ وهُوَ يُحْيِي المَوْتى وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى].
[ ٢٥٨ ]
وقال تعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤].
وهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم فمن أحبهم ووالاهم فهو موحد ومن جعلهم أندادًا أحبهم كما يحب الله ورسوله.
فالحب لله توحيد وإيمان. والحب للأنداد مع الله شرك وكفر.
وكذلك الشفاعة قال تعالى: ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]. وقال تعالى ﴿مَنْ ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فتبين أنه لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن أذن له حتى "إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعازا لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان" (^١) وصعقوا فلا يعلمون ما قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ].
فحينئذ يعلمون ما قضى به، فكيف يشفعون بدون إذنه؟
قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء] وقال تعالى ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر].
وأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد ﷺ وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أحاديث الشفاعة أن الناس يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ليشفع لهم يردهم إلى نوح ونوح إلى إبراهيم وإبراهيم إلى موسى وموسى إلى المسيح والمسيح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين فيقول اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ﷺ: "فيأتوني فأذهب إلى ربي فإذا رأيت ربي خررت ساجدا وأحمد ربي بمحامد يفتحها عليَّ لا أحسنها الآن وحينئذ فيقول الله تعالى "أي محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه واشفع تشفع" قال
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة سبأ، باب (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير) برقم (٤٨٠٠).
[ ٢٥٩ ]
"فأقول: أي رب أمتى فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة"، وكذلك ذكر في الثانية والثالثة (^١).
وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ﵁ قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ " الحديث إلى أن قال ﷺ: "أسعد الناس بشفاعتى من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" (^٢).
فقد بين أوجه الشفعاء أنه إذا أتى يبدأ بالسجود لله والحمد لله لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له فإن أذن له فحينئذ يشفع، فإذا شفع حد له حدًا فيدخلهم الجنة، وبين أن أولى الناس بشفاعته من كان أعظم إخلاصا وتوحيدًا لا من كان سائلا وطالبا منه أو من غيره. فالأمر كله لله وحده لا شريك له هو الذي يأذن في الشفاعة وهو الذي يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار قال تعالى ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص].
فالذين يخالفون شريعة الأنبياء ويغلون فيهم ويقولون إنهم يحبونهم ويوالونهم ويعظمونهم بذلك، فالأنبياء يتبرأون منهم، ومحمد ﷺ بريء من عمل يخالف أمره وسنته قال الله تعالى ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء].
ولا ينفع من عصى الرسول أن يقول قصدي تعظيمهم فإنه إنما أمر بطاعتهم ولم يأمر أن يعبد الله بالظن وما تهوى الأنفس، قال الله تعالى ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب، قول الله ﷿ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ برقم (٣٣٤٠). ومسلم في كتاب الأيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (١٩٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار برقم (٦٥٧٠).
[ ٢٦٠ ]
ما قُلْتُ لَهُمْ إلَّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة].
فقد أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به أن يعبدوا الله وحده وكذلك سائر الانبياء قال الله تعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلَّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء].
وهو سبحانه إنما يعبد بما شرع من الدين، لا يعبد بما شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك قال الله تعالى ﴿أمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] والدين الذي شرعه إما واجب أو مستحب فكل من عبد عبادة ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة كانت من الشرك والبدع، وكلما تدبر الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الرب وإخلاص العبادة له.
وبيَّن كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ومتابعتهم فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنا وظاهرًا ﷺ تسليما (^١).
فهذا هو صراط الله المستقيم قال تعالى ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام].
ولما أمرنا الله أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين. كان ذلك مما لحين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين (^٢). والمغضوب عليهم هم
_________________
(١) الرد على الأخنائي (٣٣٣ - ٣٨٨) بتصرف.
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٦٥).
[ ٢٦١ ]
اليهود والضالون هم النصارى (^١).
وقد افترق اليهود والنصارى في شأن الأنبياء، فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم كما أخبر الله عنهم بقوله ﴿أفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة]، والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا بالله تعالى قال تعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلَّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء].
فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن مشابهة اليهود وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله لا يجوز اتخاذهم أربابا إلا اك ك بهم والغلو فيهم يخرج عن مشابهة النصارى.
فإن اتخاذهم أربابا كفر قال الله تعالى ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران] والنصارى يشركون بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فمن غلا فيهم واتخذهم أربابا فهو كافر.
ومن كذب شيئا مما جاؤوا به أو سبهم أو عابهم أو عاداهم فهو كافر.
_________________
(١) كتاب الله يدل على ذلك فقد قال الله في حق اليهود ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]. وقال في النصارى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾. [المائدة].
[ ٢٦٢ ]
فلابد من رعاية هذا الأصل (^١).
وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود كما ترى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم وغير ذلك.
ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى كما ترى في منحرفة أهل العبادة من الغلو في الأنبياء والصالحين وغير ذلك (^٢).
والغلو في هذه الأمة وقع في طائفتين:
الطائفة الأولى: طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية.
الطائفة الثانية: طائفة من جهال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين (^٣).
فمن توهَّم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئا من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى.
وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل ﴿وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهُمْ وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ولأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [١٢]. والتعزير: النصر والتوقير والتأييد.
وقال تعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح] فهذا في حق الرسول، ثم قال في حق الله تعالى ﴿وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح].
_________________
(١) الرد على الأخنائي (٣٢٤ - ٣٢٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٦٥) بتصرف.
(٣) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ٩٢) والرد على البكري (ص ١٠٥، ١٠٦)
[ ٢٦٣ ]
وقال تعالى ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف].
وقال تعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعا.
وقال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب].
وقال تعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَاللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: ٢٤] فقد بين الله في كتابه حقوق الرسول من الطاعة له، ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، ونصره، وتحكيمه، والرضى بحكمه، والتسليم له واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، ورد ما يتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق.
وأخبر أن طاعته طاعته فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ومبايعته مبايعته فقال ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
وقرن بين اسمه واسمه في المحبة فقال ﴿أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وفي الأذى فقال ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وفي الطاعة والمعصية فقال ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]. وفي الرضا فقال ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
فهذا ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي.
[ ٢٦٤ ]
فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له كما قال ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ﴿وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥].
وقد جمع منهما في مواضع كقوله ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وقوله ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥].
والدعاء لله وحده سواء كان دعاء عبادة أو دعاء المسألة والاستعانة كما قال تعالى ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أحَدًا وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ [الجن].
وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا، بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره.
كما قال النبي ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (^١).
وقال ﷺ "من كان آخر كلامه لا إلى إلا الله دخل الجنة" (^٢).
وهو قلب الدين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له.
فالعبادة والإستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة …) برقم ٢٥، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله برقم (٢١).
(٢) وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الجنائز، باب في التلقين (٣١١٦) والإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٣٣) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٥١) وحسنه الحافظ ابن حجر رحمه لله في تخريج الأذكار - كما في الفتوحات الربانية (٤/ ١٠٩ - ١١٠) وذكر له شواهد.
[ ٢٦٥ ]
والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل، هذا لله وحده لا شريك له. فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره، بل أكبر الكبائر الإشراك بالله وأن تجعل له ندا وهو خلقك، والشرك أن تجعل لغيره شركا نصيبًا في عبادتك، وتوكلك، واستعانتك كما قال من قال ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣].
وأصناف العبادات: الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده.
ولا يجوز أن يتنفل عن طريق العبادة إلا لله وحده، لا الشمس ولا القمر ولا الملك ولا لنبي ولا صالح ولا قبر نبي ولا صالح، وهذا في جميع ملل الأنبياء وقد ذكر في شريعتنا حتى نهي أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات، ولهذا نهي النبي ﷺ معاذًا أن يسجد له وقال: "لو كنت آمرًا أن يُسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (^١).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٨١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى (٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨) من حديث معاذ (٦/ ٧٦) من حديث عائشة؛ وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥) ح ٢١٤٠ من حديث قيس بن سعد وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة (٤٦٥١٣) ح ١١٥٩ من حديث أبى هريرة وقال: وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن علي وأم سلمة وأنس وابن عمر. انتهي كلامه. وأخرجه ابن ماجه في السنن كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) ح ١٨٥٧ من حديث عائشة، و١٨٥٨ من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (ح ١٢٩٠) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
[ ٢٦٦ ]
وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة لا يتصدق إلا لله كما قال تعالى ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إلَّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل].
فلا يجوز فعل ذلك عن طريق الدين لا لملك ولا لشمس ولا لقمر ولا لنبي ولا لصالح، كما يفعل بعض السوال والمعظمين كرامة لفلان وفلان، يقسمون بأشياء إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما من الصالحين.
وكذلك الحج لا يحج إلا إلى بيت الله، فلا يطاف إلا به، ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، ولا يفعل ذلك بنبي ولا صالح ولا بقبر نبي ولا صالح، ولا بوثن.
وكذلك الصيام لا يصام إلا عبادة لله، فلا يصام لأجل الكواكب والشمس والقمر، ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك.
وهذا كله تفصيل الشهادتين: اللتين هما أصل الدين "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا عبده ورسوله".
والإله: من يستحق أن يألهه العباد ويدخل فيه حبه وخوفه.
فما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله.
وما كان من أمور الرسالة فهو حق الرسول (^١).
ونصوص القرآن والسنة مليئة بتقرير هذا الأمر ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٦٦، ٧٦) بتصرف يسير.
[ ٢٦٧ ]