لما كانت محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين كما أن التصديق أصل كل قول من أقوال الإيمان (^١).
ولما كانت هذه المحبة من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. ولما كانت هذه المحبة هي إحدى الحقوق الواجبة للنبي ﷺ على أمته، فقد جعل الله هذه المحبة فوق محبة الإنسان لنفسه وأهله وماله والناس أجمعين. كما نص على ذلك في كتابه الله العزيز:
أولا: قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة].
فالآية نصَّت على وجوب محبة الله ورسوله وأن تلك المحبة يجب أن تكون مقدمة على كل محبوب، ولا خلاف في ذلك بين الأمة (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨، ٤٩).
(٢) تفسير القرطبي (٨/ ٩٥) بتصرف.
[ ٦٣ ]
قال القاضي عياض: "كفى بهذه الآية حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على لزوم محبته، ووجوب فرضها، واستحقاقه لها ﷺ إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله" (^١).
والمتأمل لهذه الآية يجد أن الأمر فيها لم يقتصر على وجود أصل المحبة لله ورسوله، بل لابد مع ذلك أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وهذه المحبة لله تقتضي تحقيق العبودية له لأن العبادة هي الغاية التي خلق الله لها العباد من جهة أمره ومحبته ورضاه كما قال تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات] وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب، وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته وكمال الذل لله ونهايته فالحب الخالي عن الذل والذل الخالي عن الحب لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله، وهي وإن كانت منفعتها للعبد والله غني عنها فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها (^٢).
وأما محبة الرسول فتقتضي تحقيق المتابعة له ﷺ وموافقته في حب المحبوبات وبغض المكروهات. ومحبته ﷺ متفرعة عن محبة الله تعالى وتابعة لها. فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا
_________________
(١) الشفا (٢/ ٥٦٣).
(٢) التحفة العراقية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ١٢، ١٣) مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية (بتصرف يسير).
[ ٦٤ ]
يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة.
فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها "أهل الأهواء" (^١).
والذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك، ولكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب، ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث حمار (^٢) الذي كان يشرب الخمر، وكان النبي ﷺ يقيم عليه الحد فلما كثر ذلك منه لعنه رجل، فقال النبي ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (^٣) وفيه دلالة على أنا منهيون عن لعنة أحد بعينه، وإن كان مذنبا، إذا كان يحب الله ورسوله (^٤).
ثانيا: ومن الآيات التي يستدل بها على وجوب محبة النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فالآية دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين، وهذه الأولوية تتضمن أمورًا:
_________________
(١) جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٣٦٦) بتصرف يسير.
(٢) هذا لقبه، واسمه: النعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري، وقيل إن القصة وقعت لابنه عبد الله. فتح الباري (١٢/ ٧٧)، والإصابة (٣/ ٥٤٠، ٥٤١).
(٣) أخرجه في كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة. انظر: فتح الباري (١٢/ ٧٥).
(٤) كتاب قاعدة في المحبة لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢، ٧٣) بتحقيق محمد رشاد سالم.
[ ٦٥ ]
منها: أن يكون النبي ﷺ إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا يجب أن يكون الرسول أولى به منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان.
ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره، وإيثاره على ما سواه.
ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها.
ومن العجب أن يدعي حصول هذه الأولوية والمحبة التامة من كان سعيه واجتهاده ونصيبه في الاشتغال بأقوال غيره وتقريرها والغضب والمحبة لها والرضا بها والتحاكم إليها، وعرض ما قاله الرسول عليها، فإن وافقها قبله، وإن خالفها التمس وجوه الحيل وبالغ في رده ليًّا وإعراضًا (^١).
ولذلك فإنه ينبغي على كل مسلم أن يعلم أن محبة النبي ﷺ ليست مجرد دعوى تتحقق بتلفظ اللسان فقط - كما يظن كثير من الناس - بل لابد لهذه الدعوى من البرهان الذي يثبت صدقها، وبرهان المحبة تحقيق الأولوية في شتى صورها وأشكالها فبحسب ذلك التحقيق تتحدد درجة المحبة وتتعين. وليعلم أنه لا يتم للعبد مقام الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أجل إليه من نفسه فضلا عن ابنه وأبيه. فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله فكيف بمحبته سبحانه؟
_________________
(١) الرسالة التبوكية (ص ٢٩، ٣٠) بتصرف يسير.
[ ٦٦ ]
ثالثا: ومما يستدل به كذلك على وجوب محبة النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الآية قد تضمنت وجوب محبة النبي ﷺ لأنه مما يدخل في محبة الله محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ فمن أجل ذلك وجبت علينا محبته. ومن المعلوم أن أصل حب أهل الإيمان هو حب الله، ومن أحب الله أحب من يحبه الله، وكل ما يحب سواه فمحبته تكون تبعا لمحبة الله، إذ ليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى.
فالرسول ﷺ إنما يُحَب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويُتبع لأجل الله، وكذا الأنبياء والصالحون وسائر الأعمال الصالحة تحب جميعا لأنها مما يحب الله.
وبهذا يعلم تعين محبة النبي ﷺ ووجوبها ولزومها.
هذا وقد جاء ذكر محبة الرسول مقترنًا بمحبة الله في قوله تعالى: ﴿أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وكذلك في قوله ﷺ: "ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما .. ".
وفي مواطن أخرى متعددة من السُّنَّة كما سيأتي.
وهذا الاقتران يدلل على مدى الصلة الوثيقة بين محبة الله ومحبة رسوله ﷺ، وإن كانت محبة الرسول داخلة ضمن محبة الله تعالى أصلا، لكن إفرادها بالذكر مع أنها ضمن محبة الله فيه إشارة إلى عظم قدرها وإشعار بأهميتها ومكانتها.
رابعًا: ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران].
ففي هذه الآية إشارة ضمنية إلى وجوب محبة النبي ﷺ، لأن الله
[ ٦٧ ]
﵎ قد جعل برهان محبته تعالى ودليل صدقها هو اتباع النبي ﷺ، وهذا الاتباع لا يتحقق ولا يكون إلا بعد الإيمان بالنبي ﷺ، والإيمان به لابد فيه من تحقق شروطه التي منها محبة النبي ﷺ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده" (^١).
فمحبته ﷺ شرط في الإيمان الذي لا يتحقق الاتباع إلا بوجوده. ومن جهة أخرى فإن محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات، واتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه. وهو سبحانه أعظم شيء بغضًا لمن لم يتبع رسوله. فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة، وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
فتأمل هذا التلازم بين محبة الله تعالى ومحبة نبيه ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب حب الرسول ﷺ من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ٥٨) ح ١٤.
[ ٦٨ ]