التوسل في اللغة: التقرب.
والوسيلة: هي ما يتقرب به إلى الشيء (^١) وتطلق على غير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لفظ الوسيلة" و"التوسل" فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه.
فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه.
وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك.
ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه.
فإن كثيرًا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب.
فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].
وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ولا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء].
فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.
فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب
_________________
(١) لسان العرب (١١/ ٧٢٤) مادة "وسل".
[ ٣٠٢ ]
ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا.
فالواجب والمستحب: هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول.
فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك.
والثاني: لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ: "سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة" (^١).
وقوله "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وبعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" (^٢).
فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة، وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد. وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال: "إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا" (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه برقم (٣٨٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الدعاء عند الأذان برقم (٦١٤)
(٣) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة برقم (٦١)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٦٤٣).
[ ٣٠٣ ]
وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته "والتوسل به" في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون ويسألون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح. وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به ثلاث معان.
يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد معنى ثالث لم ترد به السنة. فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء.
فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام والدين وهو التوسل بالإيمان به وطاعته وهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به، ولا ينكره أحد من المسلمين.
وهو المراد بقوله تعالى ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ أي القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله طاعته قال تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. ومن هذا قول عمر بن الخطاب: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" (^١). أي بدعائه وشفاعته.
فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا حديث (١٠١٠) وكتاب فضائل الصحابة باب ذكر العباس بن عبد المطلب ﵃ حديث (٣٧١٥).
[ ٣٠٤ ]
في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائمًا.
وأما المعنى الثالث الذي لم ترد به سنة فهو: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم.
وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عمن ليس قول حجة (^١).
وليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها في الأحاديث - لا في الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره - وإنما يوجد في الكتب التى عرف أن فيها كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي يختلقها الكذابون (^٢).
والأحاديث التي تروى في هذا الباب - وهو السؤال بنفس المخلوقين - هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها (^٣).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (^٤) عددا من الأحاديث والآثار التي استدل بها من أجاز التوسل بالذوات وبين ضعف حججهم وقال: "ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ يعتمد عليه في مسألة شرعية، باتفاق أهل المعرفة
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٧٩، ٨٠) بتصرف يسير.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٦٠).
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١٦٤).
(٤) انظر (ص ١٦٤ إلى ٢٣٠).
[ ٣٠٥ ]
بحديثه، بل المروى في ذلك إنما يعرفه أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات، إما تعمدًا من واضعه وإما غلطًا منه" (^١).
ويتضح من النقول السابقة أن التوسل ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التوسل الشرعي الذي دلت عليه النصوص الشرعية.
القسم الثاني: التوسل البدعي الذي لم يثبت به نص شرعي.
والتوسل الشرعي الذي جاءت به النصوص على نوعين:
النوع الأول: التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، أو بتعبير آخر التقرب إلى الله بطاعته.
النوع الثاني: التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.
فالتوسل الشرعي في النوع الأول: "هي الوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه قال تعالى ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] وهي التقرب إلى الله بطاعته وهذا النوع يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله، وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي ﷺ وطاعته.
وهذا النوع من التوسل فرض على كل أحد (^٢)، ويكون مراد التوسل به أحد أمرين:
١ - أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وسيأتي بيان ذلك.
٢ - التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول ﷺ هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة (^٣).
_________________
(١) قاعدة جليلة (ص ١٨٠).
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٩).
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٤٠، ٢٤١).
[ ٣٠٦ ]
والأعمال التي يتوسل ويتقرب بها إلى الله أنواع منها: