لقد أرسل الله ﷾ نبيه ورسوله محمدا ﷺ إلى الثقلين الإنس والجن، على حين فترة من الرسل، فهدى به لأقوم طريق وأوضح سبيل، وبعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين عباد أوثان، وعباد صلبان، وعباد نيران، وعباد كواكب، ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحيران لا يعرف ربا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يهل بعضهم بعضا من استحسن شيئا دعا إليه وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضح قدم مشرق بنور الرسالة، "وقد نظر الله سبحانه إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على آثار دين صحيح" (^١) فأغاث الله به البلاد والعباد وكشف به تلك الظلم وأحيا به الخليقة بعد الموت.
فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين.
ففرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي،
_________________
(١) هذه العبارة جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٨/ ١٥٩) ولفظها في مسلم "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب … " الحديث.
[ ١٩٦ ]
وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله.
فعرف الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب قال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت].
وعرَّف الأمة الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنا إلا أمرهم به، ولا قبيحا إلا نهى عنه كما قال ﷺ: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم" (^١).
وقال أبو ذر ﵁: "لقد تركنا محمدا وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما" (^٢).
وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه ولم يدع بابا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه ولا مشكلا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فهو الرحمة المهداة
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٦/ ١٨).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب الاستطابة برقم (٢٦٢).
[ ١٩٧ ]
للعالمين قال تعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء] فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء.
ولقد جبله الله على مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنها خير أخلاق، فإنه ﷺ كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثا وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احتمالا، وأعظمهم عفوا ومغفرة، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو أنه قال في صفة رسول الله ﷺ في التوراة "محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء وأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، حتى يقولوا لا إله إلا الله" (^١).
وأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لهم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدهم تواضعا، وأعظمهم إيثارا على نفسه، وأشد الخلق ذبا عن أصحابه وحماية لهم ودفاعا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهي عنه، وأوصل الخلق لرحمه.
وكان أجود الناس صدرا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم ير قبله ولا بعده مثله ﷺ.
وقد خصه الله بصفتين خص بهما أهل الصدق والإخلاص وهما
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق. برقم (٢١٢٥).
[ ١٩٨ ]
الإجلال والمحبة، فقد ألقى عليه هيبة منه ومحبة، فكان كل من يراه يهابه ويجله ويملأ قلبه تعظيما وإجلالا، وإن كان عدوا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المجل المعظم المحبوب المكرم، وهذا غاية كمال المحبة أن تقرن بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة - كما يكون الظالم القادر - نقص أيضا، والكمال أن تجتمع المحبة والود والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها (^١).
ولقد جمع الله تعالى لنبينا ﷺ من الصفات والخصائص ما لم يجمعه لبشر وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ورعايته والقيام بحقوقه، وامتثال ما قرره في مفهومه ومنطوقه، والصلاة عليه والتسليم ونشر شريعته بالعلم والتعليم، وجعل الطرق مسدودة عن جنته، إلا من سلك طريقه واعترف بمحبته، وشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، فيا سعد من وفق لذلك ويا ويح من قصر عن هذه المسالك (^٢).
وما هذه المحبة والمهابة التي جعلها الله لنبيه ﷺ إلا تبع لمحبته سبحانه وإجلاله.
ذلك لأن كل محبة وتعظيم للبشر إنما هي تبع لمحبة الله وتعظيمه فمحبة الرسول وتعظيمه إنما هي من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فأمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه ويبجلونه لإجلال الله له فهي من موجبات محبة الله وتعظيمه، ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب ولا أجل في صدره من رسول الله ﷺ في صدر أصحابه ﵃.
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٨٩، ٩٤) بتصرف.
(٢) القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع للسخاوي (ص ١١) (بتصرف).
[ ١٩٩ ]
فإذا كان هذا شأن النبي ﷺ، وهذه مكانته التي بوأه الله إياها، فحرى بهذه الأمة أن تعرف له قدره وتعظم من شأنه وذلك بموجب ما شرعه الله وأمر به، فذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به.
وهذا التعظيم والتوقير الواجب له ﷺ على كل فرد من أفراد هذه الأمة محله القلب واللسان والجوارح.
أما تعظيم القلب: فهو ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، والتي من لوازمها الإكثار من ذكره الذي هو سبب لدوام محبته ﷺ وزيادتها وتضاعفها.
وكذلك فإن من تعظيم القلب استشعاره لهيبة النبي ﷺ وجلالة قدره وعظيم شأنه، واستحضاره لمحاسنه ومكانته ومنزلته، والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكرا لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفا به ومذعنا له.
فالقلب ملك الأعضاء وهي له جند وتبع، فمتى ما كان تعظيم النبي ﷺ مستقرا في القلب مسطورا فيه على تعاقب الأحوال فإن آثار ذلك ستظهر على الجوارح حتما لا محالة، وحينئذ سترى اللسان يجري بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وترى باقي الجوارح ممتثلة لما جاء به ومتبعة لشرعه وأوامره، ومؤدية لما له من الحق والتكريم.
أما تعظيم اللسان: فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ربه وأثنى على نفسه من غير غلو ولا تقصير. ومن أعظم ذلك الصلاة والسلام عليه ﷺ، فقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يصلوا على النبي ﷺ فقال تعال: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وهذا من تعظيمه ﷺ وتوقيره.
قال الحليمي: "معنى الصلاة على النبي علمًا تعظيمه، فمعنى قولنا: "اللهم صل على محمد" عظم محمدا، والمراد تعظيمه في الدنيا
[ ٢٠٠ ]
بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أدعوا ربكم بالصلاة عليه" (^١).
فالصلاة منا عليه ﷺ تتضمن ثناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله (^٢) وإرادة من الله تعالى أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا (^٣) وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الفصل الثالث من هذا الباب بإذن الله تعالى.
ومن تعظيم اللسان كذلك أن نتأدب عند ذكره بألسنتنا وذلك بأن نقرن ذكر اسمه بلفظ النبوة أو الرسالة مع الرسالة والسلام عليه ﷺ.
قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فأمر سبحانه أن لا يدعى رسوله بما يدعو الناس بعضهم بعضا بل يقال: يا رسول الله يا نبي الله ولا يقال يا محمد وقد كان الصحابة لا يخاطبونه إلا بـ "يا رسول الله، يا نبي الله".
وإذا كان هذا في حياته فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ذكره من جنس ما يذكر به غيره، بل يجب أن يقرن ذكره بالنبوة أو الرسالة وأن يدعى له بأشرف دعاء وهو الصلاة عليه ﷺ (^٤). فهذا من التعظيم الواجب له ﷺ وفي الحديث: "رغم أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصل عليّ" (^٥).
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٣٤) (بتصرف يسير).
(٢) جلاء الأفهام (ص ٧٨).
(٣) جلاء الأفهام (ص ٧٩).
(٤) جلاء الأفهام (ص ٨٠) (بتصرف).
(٥) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب قول رسول الله ﷺ: "رغم أنف رجل" (٥/ ٥٥٠) (ح ٣٥٤٥) وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٨٧). وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨ - ٩ - ١٠) (ح ١٥ - ١٦ - ١٧ - ١٨ - ١٩)، وقال الألباني في تعليقه عليه: "حديث صحيح بشواهده". وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩).
[ ٢٠١ ]
وفي الحديث الآخر "البخيل من ذُكرت عنده فلم يصل عليّ" (^١).
ومن تعظيم اللسان تعداد فضائله وخصائصه ومعجزاته ودلائل نبوته وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها وتذكيرهم بمكانته ومنزلته وحقوقه، وذكر صفاته وأخلاقه وخلاله، وما كان من أمر دعوته وسيرته وغزواته والتمدح بذلك شعرًا ونثرًا، بشرط أن يكون ذلك في حدود ما أمر به الشارع الكريم، مع الابتعاد عن مظاهر الغلو والإطراء المحظور.
وأما وتعظيم الجوارح له ﷺ: فهو العمل بشريعته، والتأسي بسنته، والأخذ بأوامره ظاهرا وباطنا، والتمسك بها والحرص عليها، وتحكيم ما جاء به في الأمور كلها، والرضا بحكمه والتسليم له، والسعي في إظهار دينه، ونصر ما جاء به، وتبليغ رسالته للناس ودعوتهم للإيمان به والذب عن سنته والدفاع عنها وتعلمها وتعليمها وخدمتها، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، وجهاد من خالفه.
والاجتناب عما نهي عنه وزجر، والبعد عن معصيته ومخالفته والحذر من ذلك، والتوبة والاستغفار عما وقع فيه الزلل والتقصير.
فالله ﷾ هو الذي جعل لنبيه ﷺ هذه المنزلة في حياة المسلمين، فقد أوجب علينا طاعته وحرم علينا معصيته وجعله الآمر الناهي والسيد المطاع الذي لا يرد له أمر، ولا يخالف له رأي فمن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة الرسول، فليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه. قال تعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: "رغم أنف رجل" (٣٥٤٦)، والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٠١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ١٧٧).
[ ٢٠٢ ]
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وقال تعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران].
وقال تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء].
وقال تعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور].
فهذه الآيات وغيرها تبيِّن عظم أمر اتباع النبي ﷺ في حياة المؤمنين، وأنه هو البرهان العملي على صدق الإيمان والمحبة والتعظيم لله تعالى ولنبيه ﷺ فالطاعة والاتباع هما سمة المؤمنين الصادقين وسبيلهم الدائم، ذلك لأن الإيمان هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علما، والتصديق به عقدا والإقرار به نطقا، والإنقياد له محبة وخضوعا، والعمل به ظاهرا وباطنا وتنفيذه والدعوة إليه حسب الإمكان.
وكماله الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده معبوده.
والطريق إليه تجريد متابعة رسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى غير الله" (^١).
وبالجملة فإن التعظيم النافع هو تصديق النبي ﷺ فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهي عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع.
_________________
(١) منزلة السُّنَّة في التشريع الإسلامي (ص ٤ - ٥) وعزاه لابن القيم ولم أقف عليه في كتبه.
[ ٢٠٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا به عن الله وطاعتهم فيما أمروا به ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم" (^١) فالاتباع هو المحك الذي يميز من خلاله مدى صدق مدعي التعظيم في دعواه تلك. إذ كيف يعقل أو يتخيل أن يدعي شخص تعظيم النبي وتوقيره وهو لا يلتزم بما جاء به من أمر أو نهي، ولا يقيم وزنا ولا اعتبارا لما جاء به.
ولقد جعل الله الإتباع هو برهان محبته سبحانه حيث قال: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران].
وجعله كذلك شرطا للإيمان الذي يعد تعظيم النبي ﷺ جزءا منه، قال تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء].
فالاتباع صفة من صفات أهل الإيمان كما قال تعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور]، وقال تعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ﴾ [الحجرات: ٣٦].
فهل الموقر لرسول الله ﷺ إلا من تمسَّك بسُنَّته واعتصم بها وسار على نهجه واقتفى أثره.
فأتباع كل نبي ومحبُّوه ومعظِّموه هم الذين أخذوا بسنته واقتدوا بأمره كما جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما
_________________
(١) كتاب الرد على الأخنائي (ص ٢٤، ٢٥).
[ ٢٠٤ ]
لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (^١).
فالنبي ﷺ بيَّن لنا صفة أتباع الأنبياء بأنهم هم الذين عظموا أمرهم وأخذوا بسنتهم وعملوا بأوامرهم.
وأما من عداهم فهم ليسوا بأتباع لهم وإنما هم أناس يستحقون المجاهدة ويستفاد من قوله ﷺ: "يقولون ما لا يفعلون"؟ أن مجرد الدعوى القولية المجردة عن الفعل الذي أمر به الشارع لا تغني صاحبها شيئا.
ويستفاد من قوله "ويفعلون ما لا يؤمرون" أن الأفعال المبتدعة التي لم يأمر بها الشارع هي كذلك لا تنفع صاحبها ولا تغني عنه من الله شيئا.
وهذا الوصف ينطق تماما على أصحاب البدع المقيمين للموالد وغيرها من البدع، زاعمين أنهم ما فعلوا تلك الأمور إلا محبة للرسول ﷺ وتعظيما لشأنه، فهم فعلوا ما لم يؤمروا به، وأفعالهم وأحوالهم لا تطابق أقوالهم، ولو بحثنا عن وصف نصف به هؤلاء لم نجد أبلغ من هذا الوصف "يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون".
وليتهم قاموا بما أوجب الله عليهم وشرعه لهم على لسان رسوله ﷺ لكان خيرا لهم وأجدى. ولكنهم أناس أوقعوا أنفسهم في محاذير متعددة منها:
١ - أنهم فعلوا ما لم يؤمروا به وهم معترفون بأن تلك الموالد
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان برقم (٤٩).
[ ٢٠٥ ]
والأمور التي تفعل فيها لم يشرعها الله في كتابه ولم يشرعها رسوله ﷺ ولم يفعلها أحد من أصحابه رضوان الله عليهم.
٢ - أنهم خالفوا أمر الرسول ﷺ حيث أمرهم بالاتباع وترك الابتداع فقد
قال ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (^١) والله تعالى يقول: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
٣ - أنهم رغبوا عن سنن المصطفى ورضوا بما أملته عليهم أهواؤهم ورسول الله ﷺ يقول: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" (^٢).
فالإحداث في شريعته ﷺ يعد رغبة عن سنته وهذا ما دلت عليه القصة الواردة في الحديث السابق.
٤ - أنهم بفعلهم للمولد وغيره من البدع لم يعظموا الرسول ﷺ إنما اتهموه بأنه لم يدلهم على هذا الخير الذي جاؤوا به، وفي هذا يقول الإمام مالك: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا".
والأمر الذي ينبغي معرفته أن النصوص قد دلت على أنه بقدر ما يكون المرء متبعا لسنة المصطفى ﷺ ومتمسكا بها بقدر ما يكون معظما وموقرا له والعكس بالعكس.
"هذا وإن كثيرا من الناس يعظمون الرسول ويعتقدون أنه من أفضل الناس، ولكن يقولون إنه لا يجب عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اطلحوا على جور برقم (٢٦٩٧)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة برقم (١٧١٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح برقم (٥٦٣) واللفظ له، ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه … برقم (١٤٠٠).
[ ٢٠٦ ]
إلى الله تغنيهم عنه. وقد يقولون إن طريقهم أفضل من طريقه كما يعتقد كثير من اليهود والنصارى أنه كان مبعوثا إلى الأميين لا إليهم فهم يعظمونه ظاهرا وباطنا لكن يقولون لا يجب علينا اتباعه وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
وكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة، وأنه كان صاحب قوة قدسية، وقد يفضلونه على جميع الخلق، ومع هذا لا يقرون بما جاء به ولا يوجبون على أنفسهم اتباعه ظاهرا وباطنا، ويقولون هو رسول إلى العامة أو إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية كما يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام" (^١).
فمثل هذا الصنف لا ينفعه هذا التعظيم لافتقاره للاتباع الذي هو لب التعظيم وجوهره.
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ٣٧).
[ ٢٠٧ ]