إن مما لا ريب فيه أن حظ الصحابة من حبه ﷺ كان أتم وأوفر، ذلك أن المحبة ثمرة المعرفة، وهم بقدره ﷺ ومنزلته أعلم وأعرف من غيرهم فبالتالي كان حبهم له ﷺ أشد وأكبر.
وإن المتأمل لما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من كلام في هذا الخصوص يلمس صدق تلك المحبة وعظمها في نفوسهم.
فعن عمرو بن العاص (^١) ﵁ قال: "وما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه" (^٢).
وقد سئل علي بن أبي طالب ﵁: كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ؟، قال: "كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ" (^٣).
_________________
(١) هو عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي أسلم قبل الفتح، أحد دهاة العرب في الإسلام، وأحد القادة الفاتحين، فتح مصر وكان أميرا عليها، توفي سنة ٤٣ هـ. الإصابة (٣/ ٢ - ٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجره (١/ ٨).
(٣) الشفا (٢/ ٥٦٨).
[ ٧٦ ]
وقد سأل أبو سفيان بن حرب - وهو على الشرك حينذاك - زيد بن الدثنة (^١) ﵁ حينما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقلتوه - وكان قد أسر يوم الرجيع - (^٢) أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟، قال: "والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي".
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا (^٣).
وعن الشعبي قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ، فقال: لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت وبكى الأنصاري. فقال له رسول الله ﷺ: "ما أبكاك؟ "، قال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك.
فلم يخبره النبي ﷺ بشيء فأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء]، فقال له النبي ﷺ: "أبشر" (^٤)
_________________
(١) زيد بن الدثنة - بفتح الدال وكسر المثلثة بعدها نون - ابن معاوية الأنصاري البياضي، شهد بدرا وأُحدًا، وكان في غزوة بئر معونة فأسره المشركون وقتلته قريش بالتنعيم. الإصابة (١/ ٥٤٨).
(٢) الرجيع: - بفتح الراء وكسر الجيم - هو في الأصل اسم للروث، وسمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا: اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة بالقرب منه. فتح الباري (٧/ ٣٧٩).
(٣) البداية لابن كثير (٤/ ٦٥)، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٢٦) في أمر خبيب.
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (ص ١٣) بتحقيق محمد بن عبد الوهاب العقيل، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية. وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر. انظر (٢/ ١٨٢). والحديث له شاهد آخر من حديث عائشة مرفوعا بنحوه، أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٢٦). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧): "رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة، وله شاهد آخر من حديث ابن عباس مرفوعا بنحوه، أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٨٦) ح رقم (١٢٥٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧) وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. وله شاهد من طريق آخر عن سعيد بن جبير مرسلا. أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ١٦٣). وطرق هذا الحديث يقوي بعضها بعضا. والله أعلم.
[ ٧٧ ]
وقال سعد بن معاذ (^١) ﵁ للنبي ﷺ يوم بدر: "يا نبي الله ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كان الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك"، فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير (^٢).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد جاض (^٣) أهل المدينة جيضة وقالوا: قتل محمد، حتى كثرت الصوارخ (^٤) في ناحية
_________________
(١) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، سيد الأوس، صحابي جليل، شهد بدرا، ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرا ثم مات، وذلك سنة خمس من الهجرة. الإصابة (٢/ ٣٥).
(٢) أورده ابن هشام في السيرة (٢/ ١٩٢) وعزاه لابن إسحاق، وأورده ابن كثير في البداية (٣/ ٢٦٨).
(٣) يقال: جاض في القتال: إذا فر. وجاض عن الحق: عدل. وأصل الجيض: الميل عن الشيء، ويروى بالحاء والصاد المهملتين النهاية (١/ ٣٢٤).
(٤) جمع صارخ: وهو المصوت يعلمه بأمر حادث يستعين به عليه أو ينعي له ميتا. النهاية (٣/ ٢١).
[ ٧٨ ]
المدينة. فخرجت امرأة من الأنصار محرمة فاستقبلت (^١) بأبيها وابنها وزوجها وأخيها لا أدري أيهم استقبلت به أولا فلما مرت على أحدهم قالت: من هذا؟، قالوا: أبوك أخوك زوجك ابنك. تقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟، يقولون: أمامك حتى دفعت إلى رسول الله ﷺ فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب (^٢).
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نُعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك (^٣) جلل" (^٤).
ولقد حكَّم الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله ﷺ في أنفسهم وأموالهم فقالوا: "هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما شئت وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه، نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك" (^٥).
وما هذا الإيثار الذي تضمنته هذه الكلمات إلا تعبيرا عما تكنه نفوسهم من المحبة له ﷺ واسمع إلى قول قيس بن صرمة
_________________
(١) أي أخبرت بمقتل أبيها، وابنها، وزوجها، وأخيها.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
(٣) جلل؛ أي: هينة ويسيره، والكلمة من الأضداد تكون للحقير والعظيم النهاية (١/ ٢٨٩).
(٤) رواه ابن هشام في السيرة (٣/ ٤٣). وعنه أورده ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٧) وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٠٢) بنحوه.
(٥) روضة المحبين (ص ٢٧٧).
[ ٧٩ ]
الأنصاري (^١) إذ يقول:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقرت به النوى … وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
بذلنا له الأموال من حِلِّ مالنا … وأنفسنا عند الوغى والتأسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم … جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره … وأن رسول الله أصبح هاديا (^٢)
_________________
(١) قيس بن صرمة، وقيل صرمة بن قيس، وقيل قيس بن مالك بن صرمة وقيل غير ذلك، الأوسي الأنصاري، أدرك الإسلام شيخا كبيرا فأسلم، وقد قال هذه الأبيات حين قدم النبي ﷺ المدينة. الإصابة (٢/ ١٧٦ - ١٧٧)
(٢) روضة المحبين (ص ٢٧٧).
[ ٨٠ ]