ومن علامات محبته ﷺ محبة رؤيته والشوق إلى لقائه وتمني ذلك ولو كان ذلك مقابل بذل المال والأهل. وهذه العلامة نص عليها قوله ﷺ: "من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله" (^١). فهو ﷺ وصف أهل هذه العلامة من أمته التي ستأتي من بعده بأنهم من أشد الناس محبة له ﷺ، وهذه الأمنية قدرها حق قدرها أهل الإيمان الذين ترسخت في قلوبهم محبة النبي ﷺ حتى إنهم من شدة محبتهم له ﷺ أن جالت في خواطرهم وأحاسيسهم هذه الأمنية العظيمة حتى إن الواحد منهم لا يبالي أن يدفع ثمنا لهذه الأمنية العزيزة على نفسه ما عنده من الأهل والمال ليرى النبي ﷺ، ولسان حالهم ومقالهم يقول مع ذلك كله ما أعظم الأمنية وما أرخص الثمن.
فهذه علامة من علامات محبته يتصف بها أهل الإيمان الصادق الراسخ الذين آمنوا بوجوب تقديم محبة رسول الله ﷺ على محبة الولد والوالد والناس أجمعين بل على كل أمر من أمور الدنيا ومظاهرها فيا لها من نفوس سمت وسما بها إيمانها لمثل هذا المطلب وهذه الأمنية العزيزة على قلب كل مؤمن عرف قدر النبي ﷺ وحقه وعظيم منزلته.
فجدير بهذه النفوس أن تنال شهادة النبي ﷺ لها بأنها أشد القلوب محبة له.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله (٨/ ١٤٥).
[ ٩١ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد في يده ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لأن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله" (^١).
ولقد كانت هذه السمة وهي الشوق إلى لقاء النبي ﷺ ورؤيته موجودة في الصحابة رضوان الله عليهم ويشهد لذلك ما جاء في حديث الأشعريين أنهم عند قدومهم إلى المدينة كانوا يرتجزون فيقولون:
غدا نلقى الأحبة محمد وحزبه (^٢)
وروي أن بلالا ﵁ لما حضرته الوفاة، نادت امرأته واحزناه. فقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمد وحزبه (^٣).
وقد روي مثل ذلك عن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ﵃ أجمعين (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب فضل النظر إلى النبي ﷺ وتمنيه (٧/ ٩٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ١٠٥، ١٥٥) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٥١).
(٣) الشفا (٢/ ٥٦٩).
(٤) المصدر السابق (٢/ ٥٦٩، ٥٧٣).
[ ٩٢ ]