الغلو في الشرع: هو مجاوزة حدود ما شرع الله سواء كان ذلك التجاوز في جانب الاعتقاد أو القول أو العمل.
وقد جاء ذكر لفظ الغلو في القرآن الكريم في موضعين وكان الخطاب فيهما للنصارى باعتبارهم أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف وأما الموضعان:
فأحدهما: في قوله تعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلَّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء].
وللوضع الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة].
قال ابن جرير الطري:
"يعني جل ثناؤه بقوله ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾: يا أهل الإنجيل من النصارى ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ يقول: "لا تتجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، ولا تقولوا في عيسى غير الحق فإن قيلكم في عيسى إنه ابن الله قول منكم على الله غير الحق، لأن الله لم يتخذ ولدًا، فيكون عيسى أو غيره من خلقه ابنا ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلَّا الحَقَّ﴾.
[ ٢٢٩ ]
وأصل الغلو في كل شيء: مجاوزة حدِّه الذي حده، ويقال منه في الدين قد غلا فهو يغلو غلوا" (^١).
وقال في تفسير آية المائدة: وهذا خطاب من الله تعالى ذكره، لنبيِّه محمد ﷺ، يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ يعني بالكتاب الإنجيل ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ يقول لا تفرطوا في القول فيما تدينون به في أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل فتقولوا فيه: هو الله أو هو ابنه، ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يقول لا تتبعوا أيضا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه كما قالوا وتبهتوا أمه كما يبهتونها بالفرية … " (^٢).
وقال ابن كثير في تفسيره للآية الواردة في سورة النساء:
"ينهي تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صحيحا أو كذبا ولهذا قال الله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] (^٣).
وقال عند تفسير آية سورة المائدة: أي لا تتجاوزوا الحد في إتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح وهو نبي من
_________________
(١) تفسير الطبري (٦/ ٣٤).
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٣١٦).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٥٨٩).
[ ٢٣٠ ]
الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما … " (^١).
والمتأمل للنصوص القرآنية يجد أن النصارى لم يكتفوا بالغلو في المسيح ورفعه إلى درجة الألوهية بل غلوا أيضا في حق أحبارهم ورهبانهم فأعطوهم حق التشريع والطاعة المطلقة والإتباع حتى فيما يخالف شرع الله وأحكامه. فكان الأحبار والرهبان يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله ويقررون شرائع وأحكامًا ما أنزل الله بها من سلطان فتلقى النصارى ذلك كله بالقبول والطاعة.
قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة] فهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، ولهذا قال تعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ أي الذي إذا حرم شيئا فهو الحرام وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ ﴿لا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة] أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأنداد والأولاد لا إله إلا هو ولا رب سواه" (^٢).
ولم يقتصر غلو النصارى عند الحد، بل قدسوهم أمواتًا كما قدسوهم أحياءً فأقاموا على قبورهم الأضرحة وقدموا لهم القرابين فكان ذلك سببا في لعنهم قال ﷺ "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٨٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤٩).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور برقم (١٣٣٠)، ومسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور … برقم (٥٢٩).
[ ٢٣١ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصارى أشد غلوا في ذلك من اليهود كما في الصحيحين: " أن النبي ﷺ ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة ﵄ كنيسة بأرض الحبشة، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها. فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنو على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (^١).
والنصارى كثيرا ما يعظمون آثار القديسين منهم، فلا يستبعد أنهم ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه.
فالذين يعظمون القبور والمشاهد لهم شبه شديد بالنصارى (^٢).
فالنصارى أمة ضلت وهلكت وكان سبب ضلالها وهلاكها غلوها وقد تجلى غلوها في عدة أمور منها:
١ - غلوهم في نبي الله عيسى ورفعه إلى مكانة الألوهية.
٢ - غلوهم في رهبانهم وصالحيهم وذلك بإعطائهم حق التشريع في التحليل والتحريم، والعكوف على قبورهم وتقديسها بعد موتهم.
٣ - ابتداعهم الرهبانية.
والله ﷾ بذكره لأحوالهم في كتابه العزيز يحذرنا من الوقوع فيما وقعوا فيه، وفي هذا دعوة للاعتبار بالأم السابقة ومعرفة سبب هلاكها وضرورة اجتنابه قال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْباب﴾ والغلو عند النصارى هدم أصلَي الدين: ١ - التوحيد، ٢ - الإتباع.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور برقم (١٣٤١)، ومسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور … برقم (٥٢٨) واللفظ للبخاري.
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦٠، ٤٦١).
[ ٢٣٢ ]
فهم هدموا الأصل الأول بجعلهم عيسى في مقام الألوهية. وهدموا الأصل الثاني بأن جعلوا لرهبانهم حق التشريع والتحليل والتحريم.
فانظر كيف كان الغلو سببًا لهدم الدين.
فإن المسيح قال لهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُم﴾ [المائدة: ٧٢] وقال ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فلو امتثلوا أمره كانوا مطعين لرسول الله موحدين لله، ونالوا بذلك السعادة من الله في الدنيا والآخرة، ولكنهم غلوا فيه واتخذوه وأمه إلهين من دون الله، يستغيثون به وبغيره من الأنبياء والصالحين ويطلبون منهم ويشركون بهم، وكذبوا بالرسول الذي بشر به، وحرفوا التوراة التي صدق بها وظنوا في ذلك أنهم معظمون للمسيح وكان هذا من جهلهم وضلالهم، فإنهم لو أطاعوه فيما دعاهم إليه لكان له مثل أجورهم، وكانت طاعتهم له والإقرار بعبوديته وبما بشر به فيه له ولهم من الأجر ما لا يحصيه إلا الله،
ففوتوا هذا الأجر والثواب عليهم وعليه وله ولهم فيه الخير المستطاب واعتاضوا عن ذلك بما ضرهم في الدنيا والآخرة.
وإذا بين لهم قدر المسيح فقيل لهم: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥].
قالوا: إن هذا تنقُّص بالمسيح، وسبٌّ له واستخفاف بدرجته وسوء أدب معه، بل قالوا هذا كفر وجحد لحقه، وسلب لصفات الكمال الثابتة له.
وهذا في الحقيقة إنما هو نقص لما في نفوسهم من الغلو فيه لا نقص لنفس المسيح الموجود في نفس الأمر.
[ ٢٣٣ ]
وفي ذلك من الحمد له والمدح وإعظامه والإيمان به وإعطائه الدرجة العلية ما ليس في الغلو فيه.
لأن في تقرير كمال عبوديته التي هي كمال الخلوق، وهذا هو الكمال فأما الغلو فيه إلى حد الربوبية فذاك خيال باطل لا كمال حاصل وفي إثبات العبودية له، إيمان به وموافقة لخبره وأمره، فيحصل له بذلك من الخير والرحمة ما لا يحصل له بالغلو فيه، الذي هو كذب فيه مكذوب عليه ومعصية له وإشراك بالله، وليس في ذلك ما ينفعه ولا ما يرفعه بل في ذلك ضرر على المشركين المفترين" (^١).
ولم يقتصر الغلو على النصارى وحدهم بل كان واقعًا في الأمم قبلهم فالغلو كان أول خطوات الإنحراف عن الدين القويم والوقوع في الشرك.
فقد روى الطبري بسنده عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" (^٢).
فكان مبدأ الشرك في قوم نوح، وكان سببه غلوهم في الصالحين فقد روى البخاري في كتاب التفسير من صحيحه باب قوله تعالى ﴿ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ عن ابن عباس أنه قال: "أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت" (^٣).
فالغلو في الصالحين هو الطامة الكبرى والبلية العظمى التي جنحت بالبشرية عن جادة الحق والصواب إلى ظلمات الشرك والضلال باتخاذ أنداد لله من خلقه واعتقاد أنها تملك شيئا من خصائص الإلهية.
_________________
(١) الرد على البكري (ص ١٠٤ - ١٠٥).
(٢) تفسير الطبري (٢٩/ ٩٩).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٦٦٧).
[ ٢٣٤ ]
قال الإمام ابن القيم: "ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في الخلوق وإعطائه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه.
وهذا التشبيه الواقع في الأمم هو الذي أبطله الله سبحانه وبحث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله" (^١).
ولهذا نهي الشارع الحكيم عن الغلو بشتى صوره وأشكاله وحذر منه وذلك لما له من آثار سيئة على الدين ولما فيه من منافاة لعقيدة التوحيد وهدم لأصليّ الدين: التوحيد، والإتباع.
ولقد حذر النبي ﷺ أمته من الغلو في الدين وأخبر أنه سببا لهلاك من قبلنا
من الأمم.
فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقوله "إياكم والغلو في الدين عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال" (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢١٥، ٣٤٧). والنسائي في السنن (٥/ ٨١٠٢) كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى. وابن ماجه في سننه، أبواب المناسك، باب قدر حصى الرمي (٢/ ١٨٣) ح ٣٠٦٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث عوف بن أبي جميلة عن زيادة بن حصين عن أبي العالية عنه وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٠٦). وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٢٧٨) ح ١٢٨٣ وقال في تخريج السنة لابن أبي عاصم (١/ ٤٦) إسناده صحيح. وقد صححه ابن خزيمة والحاكم (١/ ٤٦٦) والذهبي والنووي وابن تيمية.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٥٦).
[ ٢٣٥ ]
وسبب قول النبي ﷺ لهذه العبارة أن النبي ﷺ قال لابن عباس غداة العقبة وهو على ناقته "القط لي حصى"، فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: أيها الناس إياكم والغلو في الدين … " الحديث.
فسبب ورود الحديث ينبهنا إلى أمر هام جدا وهو أن الغلو قد يبدأ بشيء صغير ثم تتسع دائرته فتهلك بذلك أمم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه فالغلو فيه: مثل رمي الحجارة ونحو ذلك، بناء على أنه بالغ في الحصى الصغار، ثم علل ذلك بأن ما أهلك من كان قبلنا إلا الغلو في الدين كما تراه في النصارى (^١).
ولو لم يرد في السنة إلا هذا الحديث لكفى به زاجرا ورادعا للأمة عن الوقوع في الغلو، كيف والسنة مليئة بالأحاديث التي تحذر من الغلو وتبين خطره وهلاكه.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "هلك المتنطعون": قالها ثلاثًا (^٢).
قال النووي: ["هلك المتنطعون": أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم] (^٣).
وقال أيضا: "المتنطعون: المتعمِّقون المشدِّدون في غير موضع التشديد" (^٤)، فهذا الحديث موافق لما جاء في الحديث السابق من الإخبار بهلاك أصحاب الغلو. وهناك أحاديث كثيرة نهي فيها النبي ﷺ
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٠٦).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون (٨/ ٥٨).
(٣) شرح النووي (١٦/ ٢٢٠).
(٤) رياض الصالحين باب الاقتصاد في الطاعة (ص ٨٨).
[ ٢٣٦ ]
أصحابه رضوان الله عليهم عن الغلو في جوانب معينة من الدين نذكر اثنين منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها. فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" (^١).
فسمَّى النبي ﷺ الغلو في جانب العبادات والسنن التي سنها لهم رغبة عن الشرع الذي جاء به، وتبرأ ممن هذه حاله، حتى وإن كان الدافع لذلك التقرب إلى الله تعالى ذلك لأن هذا الغلو فيه هدم للأصل الثاني من أصول هذا الدين ألا وهو الإتباع فنحن مأمورون بالاقتداء به ﷺ والأخذ بسنته. والغلو في هذا الجانب مناقض تماما لهذا الأصل، ولذلك فلا غرابة أن يتبرأ النبي ﷺ ممن غلا في جانب ما سنه وشرعه للأمة.
لأنه لو فتح هذا الباب وولجته الأمة لأصبحت عبادة الله مجالا لأهواء الناس وعقولهم وبذلك يتلاشى دينها وتنطمس معالمه فتستحق بذلك غضب الله ومقته فتهلك كما هلكت الأم السابقة.
وعن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح برقم (٥٠٦٣)، واللفظ له، ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب لمن تاقت له نفسه إليه برقم (١٤٠١).
[ ٢٣٧ ]
بين الساريتين فقال "ما هذا الحبل؟ " قالوا: هذا حبل زينب فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي ﷺ: "حلُّوه ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد" (^١) وعند مسلم "حبل لزينب تصلي".
قال ابن حجر: "وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق فيها … " (^٢).
وقد حذَّر النبي ﷺ أمته كذلك من الغلو في حقه ﷺ.
وذلك لما ينطوي عليه الغلو من الشر العظيم، ولما يعلمه ﷺ من منزلته في قلوب المؤمنين.
فقد خشي ﷺ أن يدفعهم حبهم وتعظيمهم له إلى رفعه فوق منزلته التي جعلها الله له وتشريكه مع الله في بعض ما هو حق لله.
فحذرهم من الغلو في شخصه بأساليب مختلفة وذلك حماية منه لجناب التوحيد وقطعا لذريعة الشرك.
وقد جاء تحذره تارة بأسلوب النهي الصريح.
وتارة بالتجائه إلى ربه ودعائه بأن لا يتحول قبره إلى وثن يعبد.
وتارة بلعنة الغلاة الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
فمما ورد عنه قوله ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله" (^٣).
قال ابن حجر: "الإطراء: المدح بالباطل تقول أطريت فلانًا: مدحته فأفرطت في مدحه" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة. انظر: فتح الباري (٣٦١٣) ح ١١٥٠. وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أمر من نعس في صلاته … (٢/ ١٨٩).
(٢) فتح الباري (٣/ ٣٧).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء برقم (٣٤٤٥).
(٤) فتح الباري (٦/ ٤٩٠).
[ ٢٣٨ ]
فمعنى الحديث: "أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا عبد الله ورسوله.
فأبى عباد القبور إلا مخالفة لأمره، وارتكابا لنهيه، وناقضوه أعظم المناقضة وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يدعى ولا يستغاث به، ولا ينذر له، ولا يطاف بحجرته، وأنه ليس له من الأمر شيء، ولا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، أن في ذلك هضما لجنابه وغضا من قدره، فرفعوه فوق منزلته، وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبا منه، فسألوه مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب وغير ذلك من الأمور (^١).
وقد ذكر شيخ الإسلام في كتاب تلخيص الاستغاثة (^٢) عن بعض أهل زمانه أنه جوز الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف فيه مصنفا. وكان يقول أن النبي ﷺ يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. وحكي عن آخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا أنه كان يقول إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر الله عليه.
ومن هؤلاء من يقول في قول الله تعالى ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب]: إن الرسول ﷺ هو الذي يسبح بكرة وأصيلا.
ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله فيجعلون الرسول معبودًا ويقول قائلهم:
فإن من جودك الدنيا وضرتها … ومن علومك علم اللوح والقلم
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٢٧٢ - ٢٧٣).
(٢) الرد على البكري (ص ٢١٨).
[ ٢٣٩ ]
فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ (^١).
فانظر إلى ما أدى إليه هذا الإطراء من صرف أمور قد اختص بها الرب ﷿ فصرفت للنبي ﷺ.
ولكن ما على الرسول إلا البلاغ فقد سد النبي ﷺ كل ذريعة مؤدية إلى الغلو والشرك حتى يبقى هذا الدين وسطًا صافيًا لا كدر فيه، وتبقى عقيدة التوحيد نقية قوية خالدة.
فلقد نهي الرسول الكريم عن المبالغة في مدحه لعلمه بأن هذه المبالغة بريد إلى الغلو ومدعاة للشرك والانحراف عن الطريق السوي.
وهذا من الحرص الكامل للرسول ﷺ على حماية التوحيد، فبهذا النهي الشديد سد الرسول ﷺ طريق الغلو.
والنهي عن المبالغة في الإطراء لا يعني التقليل من قدره وتوقيره فإن للتوقير والتعظيم وسائله المشروعة والتي سبق ذكرها.
ولكن هناك أناس شق عليهم التوقير المشروع فلجأوا إلى التوقير الممنوع فنسجوا قصائد مطولة أغرقوا فيها بالمديح المجاوز للحد والمنافي لقواعد التوحيد والذي لا يرضى به الله ورسوله بل جاء التحذير منه بنص القرآن والسنة المطهرة.
ولقد كان النبي ﷺ أحرص الخلق على تجريد التوحيد حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" (^٢).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٢٧٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٥٤٥ (ح ٩٨٧).
[ ٢٤٠ ]
ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك.
ونهي أن يصلى إلى القبر أو يتخذ مسجدا أو عيدا أو يوقد عليه سراج، بل مدار دينه على هذا الأصل - أي تجريد التوحيد - الذي هو قطب رحا النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا مناقضته فيه (^١).
والغلو بشتى صوره وأشكاله مناف لأصلي التوحيد ويكفيك أن تعلم أن سبب عبادة الأصنام هو الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه، وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله. فهو سبحانه ينفي، وينهي، أن يجعل غيره مثلا له، وندا له وشبها له. لا أن يشبه هو بغيره إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني آدم.
وإنما الأول هو المعروف في طوائف أهل الشرك، غلوا فيمن يعظمونه، ويحبونه، حتى شبهوه بالخالق وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله، وأنكروا جعل الآلهة إلها واحدا وقالوا: ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] وصرحوا بأنه إله معبود، يرجى، ويخاف، ويعظم، ويسجد له ويحلف باسمه، وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى. فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبه من كل وجه (^٢).
فحقيقة الشرك هو التشبه بالخالق أو التشبيه للمخلوق به فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٧٤.
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٦).
[ ٢٤١ ]
فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده.
فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا - فضلًا عن غيره - شبيها لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.
فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه وهذا من المحال أن تجئ به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل
[ ٢٤٢ ]
فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها. ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوفق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورًا على نور ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [النور: ٣٥].
إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.
ومنها المتوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه.
وأما في جانب التشبه به: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه.
وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته" (^١).
وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الكبر برقم (٢٦٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ برقم ٧٥٥٩. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (٢١١١).
[ ٢٤٣ ]
فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر وقال ﷺ: "أشد الناس عذابا يوم القيامة المصوِّرون يقال لهم أحيوا ما خلقتم" (^١) (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب عذاب المصوِّرين يوم القيامة برقم (٤٩٥٠ - ٤٩٥١)؛ وأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة برقم (٢١٠٨).
(٢) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦١).
[ ٢٤٤ ]