أما على صعيد الثواب الأخروي فمن أعظم ما ورد في ذلك تلك البشارة التي وردت على لسان النبي كلها والتي استبشر لها الصحابة رضوان الله عليهم ولم يفرحوا بشيء بعد الإسلام أشد من فرحهم بها.
فعن أنس بن مالك؟ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "وما أعددت للساعة؟ "
قال: حب الله ورسوله. قال: "فإنك مع من أحببت".
قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ "فإنك مع من أحببت".
قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم (^١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله ﷺ " المرء مع من أحب" (^٢).
ولا شك أن هذه البشرى عامة للأمة جميعها بمعنى أن من تحققت فيه محبة الله ورسوله فهو مستحق لتلك البشرى، ولكن مما يجدر
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب المرء مع من أحب، برقم (٦١٧١)، ومسلم في كتاب البر والصلة: باب المرء مع من أحب برقم (٢٦٣٩) واللفظ له.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله. انظر: فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) (ح ٦١٦٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب المرء مع من أحب (٨/ ٤٣) واللفظ له.
[ ١٢٠ ]
التنبيه عليه ههنا مرة أخرى أنه لا يكفي مجرد دعوى محبة الله ومحبة النبي ﷺ باللسان فقط بل لابد من تحقيق المتابعة له، وكل ما يوصل إلى تحقيق المحبة، فمرافقة النبي ﷺ في الجنة لابد أن يصاحبها اجتهاد ممن يطلبها، وإن كان ليس من شرط ذلك الاجتهاد في الطاعة أن يصل إلى درجة اجتهاد النبي ﷺ ومما يشهد لهذا ويؤكده ما ورد في حديث ربيعة بن كعب الأسلمي (^١) أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: "سل".
فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: "أو غير ذلك؟ ". قلت: هو ذاك. قال: "فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود" (^٢).
فطلب النبي ﷺ من الصحابي الذي سأل مرافقته في الجنة أن يكثر من صلاة النافلة، وفي هذا دليل على أن العمل مطلوب ممن أراد أن يصل إلى هذه الأمنية العظيمة وأن مجرد تمني القلب وقول اللسان لا يكفي لتحقيق ذلك.
ومما يؤكد أن نوال شرف مرافقة النبي ﷺ في الجنة متعلق باتباع شريعته وطاعته، قوله تعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء]. ومن الثواب الأخروي الذي يناله المحب لله ولرسوله هو غفران الذنوب وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
فأخبر سبحانه في هذه الآية عن مغفرته لذنوب الذين حققوا محبته ومحبة نبيه على الوجه المطلوب منهم، وهذه منة امتن الله بها على أهل
_________________
(١) رببعة بن كعب بن مالك الأسلمي، صحابي، كان من أهل الصفة مات سنة ثلاث وستين من الهجرة. الإصابة (١/ ٤٩٨)
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه (٢/ ٥٢).
[ ١٢١ ]
محبته، إذ وعدهم إن هم اتبعوا رسوله ﷺ وأطاعوه أنه يجزيهم على فعلهم ذلك، ويكرمهم بشرف محبته لهم ويتوج ذلك الشرف العظيم والمنزلة العالية بأن يمحو عنهم خطاياهم ويكفر عنهم سيئاتهم التي اكتسبوها.
ولا شك أن حصول هذين الأمرين أي "المحبة" و"المغفرة" هما غاية ما يتمنى المؤمن الفوز به، فأي فوز أعظم وأكبر من الفوز برضى الله وغفرانه.
فرضى الله هو سبيل كل نعيم دائم مقيم، وغفرانه هو الأمان من كل عذاب أليم. ومن ثمرات محبته ﷺ ما ورد في ثواب ذكره الذي هو أحد علامات ودلائل محبته فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا" (^١) والصلاة معناها هنا الثناء، فهي ثناء على الرسول ﷺ وإرادة من الله أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسول الله ﷺ جزاه الله من جنس عمله بأن يثني عليه ويزيد تشريفه وتكريمه (^٢). فهذه ثمرة من ثمرات الذكر الذي هو علامة من علامات المحبة.
ومما ورد كذلك حديث أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟
قال: "ما شئت". قلت: الربع؟
قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: النصف؟
قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: الثلثين؟
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٧).
(٢) جلاء الأفهام (ص ٧٩).
[ ١٢٢ ]
قال: "ما شئت وإن زدت فهو خير".
قال: أجعل لك صلاتي كلها.
قال: "إذا تُكفى همَّك، ويغفر لك ذنبك" (^١).
والعبارة الأخيرة هي موطن الشاهد ههنا، فهذا من الثواب الحاصل من المحبة لأن من أحب شيئا أكثر من ذكره، "وكما أن الذكر من نتائج الحب، فالحب أيضا من نتائج الذكر، فكل منهما وشمر الآخر، وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر، وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة (^٢).
وقد سبق بيان معنى الحديث (^٣).
وعلى العموم فإن ثواب كل طاعة من الطاعات إنما هو في الحقيقة ثمرة للمحبة وذلك لأن المحبة أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب صفة يوم القيامة برقم (٢٤٥٧)، والإمام أحمد في مسند (٥/ ١٣٦) والحاكم (٢/ ٤٢١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٦) وحسنه الألباني في الصحيح برقم (٩٥٤).
(٢) روضة المحبين (ص ٢٦٥).
(٣) انظر (ص ٣٢٧).
[ ١٢٣ ]