اعلم أن الله ﷾ قد أوجب لنبيِّنا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقًا زائدة على مجرد التصديق بنبوته، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أمورا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه. وحرم سبحانه لحرمة رسوله - مما يباح أن يفعل مع غيره - أمورا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته.
فمن تلك الحقوق حقه ﷺ بأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دلت على ذلك الأدلة من القرآن والسنة (^١) والتي سيأتي ذكرها. "فحب النبي ﷺ من أعظم واجبات الدين" (^٢).
فهذه المحبة الواجبة له ﷺ هي من محبة الله، فهي حب لله وفي الله، ذلك لأن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ، فوجب بذلك محبته حقا، فهي متفرعة عن محبة الله وتابعة لها واقتران ذكرها مع محبة الله في القرآن والسنة إنما هو للتنبيه على أهميتها وعظم منزلتها.
وبمقتضى هذه المحبة يجب موافقة الرسول ﷺ في حب ما يحبه وكره ما يكرهه، أي بتحقيق المتابعة له فيحب بقلبه ما أحب الرسول، ويكره ما كرهه الرسول، ويرضى بما يرضى الرسول، ويسخط ما يسخط الرسول، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض
_________________
(١) الصارم المسلول (ص ٤٢٠، ٤٢١) بتصرف يسير.
(٢) الرد على الأخنائي (ص ٢٣١).
[ ٥٣ ]
وقد انقسم الناس في فهمهم لهذه المحبة إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: أهل الإفراط.
القسم الثاني: أهل التفريط.
القسم الثالث: الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط.
أما أصحاب القسم الأول: فهم الذين بالغوا في محبته بابتداعهم أمورًا لم يشرعها الله ورسوله ﷺ، ظنا منهم أن فعل هذه الأمور هو علامة المحبة وبرهانها.
ومن تلك الأمور احتفالهم بمولده، ومبالغتهم في مدحه وإيصاله إلى أمور لا تنبغي إلا لله تعالى ومن ذلك قول قائلهم:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي … فضلا وإلا فقل يا زلَّة القدم (^١)
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرَّتها … ومن علومك علم اللوح والقلم
فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ، ومن بعض علومه علم اللوح والقلم لأن "من" للتبعيض، فماذا للخالق جل وعلا؟
إضافة إلى صرف بعض أنواع العبادة له كالدعاء والتوسل والاستشفاع والحلف به والطواف والتمسح بالحجرة التي فيها قبره ﷺ إلى غير ذلك من البدعيّات والشركيّات التي تفعل بدعوى المحبة للرسول ﷺ، وهي أمور لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ولم يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم الذين عُرفوا بإجلالهم وتقديرهم ومحبتهم لرسول الله ﷺ، وإضافة إلى ذلك فإن ما يقوم به هؤلاء هي أمور مخالفة
_________________
(١) ديوان البوصيري (ص ٢٣٨).
[ ٥٤ ]
لما جاء به الشارع، بل هي أمور قد حذر الشارع من فعلها، ولقد صار حظ أكثر أصحاب هذا القسم منه ﷺ مدحه بالأشعار والقصائد المقترنة بالغلو والإطراء الزائد الذي حذر منه الشارع الكريم، مع عصيانهم له في كثير من أمره ونهيه، فتجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه (^١).
فيا ترى أي محبة هذه التي يخالف أصحابها شرع نبيهم، فيحلُّوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، فكرهوا ما أحب الله ورسوله، وأحبوا ما كرهه الله ورسوله. فكيف تكون لهؤلاء محبة وهم قد ابتدعوا ما ابتدعوه من أمور لم تشرع في الدين، ونعلم أن رسول الله ﷺ قد تبرأ ممن ابتدع في هذا الدين فقال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
والذي يجب على أمثال هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول وتعظيمه إنما تكون بتصديقه فيما أخبر به عن الله، وطاعته فيما أمر به، ومتابعته، ومحبته وموالاته، لا بالتكذيب بما أرسل به، والإشراك به والغلو فيه، فهذا لا يعدو كونه كفرا به، وطعنا فيما جاء به ومعاداة له (^٢).
كما يجب عليهم أن يفرقوا بين الحقوق التي يختص بها الله وحده ويبين الحقوق التي له ولرسله، والحقوق التي يختص بها الرسول، فقد ميز سبحانه بين ذلك في مثل قوله ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح]، فالتعزير والتوقير للرسولوالتسبيح بكرة وأصيلا لله، وكما قال: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور]، فالطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى لله وحده وكما يقول المرسلون: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح].
فعلى هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول ﷺ لا تنال بدعائه
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٦).
(٢) الرد على الأخنائي (ص ٢٤، ٢٥) بتصرف.
[ ٥٥ ]
والاستغاثة به، فتلك أمور صَرْفُها لغير الله يعد شركا مع الله فالله وحده هو الذي يدعى ويستغاث به فهو رب العالمين، وخالق كل شيء، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو القريب الذي يجيب الداع إذا دعاه وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وسيأتي بإذن الله مزيد تفصيل لما وقع فيه أصحاب هذا القسم من الغلو في حقه، وذلك في الباب الثالث الذي عقدته للكلام عن الغلو في حقه ﷺ.
أما أصحاب القسم الثاني: فهم أهل التفريط الذين قصروا في تحقيق هذا المقام فلم يراعوا حقه ﷺ في وجوب تقديم محبته على محبة النفس والأهل والمال. كما لم يراعوا ماله من حقوق أخرى كتعزيره وتوقيره وإجلاله وطاعته واتباع سنته والصلاة والسلام عليه إلى غير ذلك من الحقوق العظيمة الواجبة له. والسبب في ذلك يعود إلى إحدى الأمور التالية أو إليها جميعا وهي:
أولا: إعراض هؤلاء عن سنة نبيهم ﷺ وعن اتباع شرعه بسبب ما هم عليه من المعاصي، وإسرافهم في تقديم شهوات أنفسهم وأهوائهم على ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي.
ثانيا: اعتقاد الكثير أن مجرد التصديق يكفي في تحقيق الإيمان، وأن هذا هو القدر الواجب عليهم، ولذا تراهم يكتفون بالتصديق بنبوة محمد ﷺ، دون تحقيق المتابعة له، وهذا هو حال أهل الإرجاء الذين يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان ويقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو تصديق القلب وإقرار اللسان وما أكثرهم في زماننا هذا.
ثالثا: جهل الكثير منهم بأمور دينهم بما فيها الحقوق الواجبة له ﷺ، والتي من ضمنها محبته ﷺ فكثير من الناس - ولا حول ولا قوة إلا بالله - ليس لهم من الإسلام إلا اسمه وليس لهم من الدين إلا رسمه.
فالواجب على هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم وأن يقلعوا عن غيهم،
[ ٥٦ ]
وما هم عليه من المعاصي والذنوب التي هي سبب نقصان إيمانهم وضعف محبتهم وبعدهم عما يقربهم إلى الله تعالى.
كما يجب عليهم أن يعلموا أن مجرد التصديق لا يسمى إيمانا بل الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان، فليس لأحد أن يخرج العمل عن مسمى الإيمان فلذلك يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يطيع الله ورسوله ويتبع ما أنزل الله من الشرع على رسوله ﷺ، فبذلك يحصل الإيمان، فإن الاتباع هو ميزان الإيمان فبحسب اتباع المرء يكون إيمانه، فمتى ما قوي اتباعه قوي إيمانه والعكس بالعكس.
كما يجب عليهم معرفة أمور دينهم وبخاصة الواجب منها والتي من ضمنها معرفة ما للمصطفى ﷺ من الحقوق الواجبة فلقد ذم الله ﵎ أولئك النفر الذين لم يعرفوا ما للنبي ﷺ من حق في عدم رفع الصوت عند مخاطبته أو مناداته ووصفهم الله بأنهم لا يعقلون قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات]، وفي السورة نفسها أثنى على الذينعرفوا حق المصطفى ﷺ فقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات]، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر]. وليعلم هؤلاء أنه لا يتحقق لهم إيمان ولا محبة إلا باتباعهم للمصطفى ﷺ واقتدائهم بسنته والسير على نهجه وهداه.
أما القسم الثالث: فهم الذين توسطوا بين الطرفين السابقين أهل الإفراط وأهل التفريط. فأصحاب هذا القسم هم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكما وقاموا بمقتضاها اعتقادا وقولا وعملا. فأحبوا النبي ﷺ فوق محبة النفس والولد والأهل وجميع الخلق امتثالا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ
[ ٥٧ ]
فجعلوه أولى بهم من أنفسهم تصديقًا لقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب]، وأيقنوا بوجوب أن يوقى بالأنفس والأموال طاعة لقوله تعالى ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. وقاموا بمقتضى هذه المحبة اعتقادا وقولا وعملا بحسب ما أو جب الله لنبيه ﷺ من حقوق على القلب واللسان والجوارح من غير إفراط ولا تفريط. فآمنوا وصدقوا بنبوته ورسالته وما جاء به من ربه ﷿. وقاموا - بحسب استطاعتهم - بما يلزم من طاعته والانقياد لأمره والتأسي بفعله والاقتداء بسنته إلى غير ذلك مما يعد من لوازم الإيمان برسالته.
قال تعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وامتثلوا لما أمر به ﷾ من حقوق زائدة على مجرد التصديق بنبوَّته وما يدخل في لوازم رسالته.
فمن ذلك امتثالهم لأمره سبحانه بالصلاة عليه والتسليم قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب]. وما أمر به سبحانه من تعزيره وتوقيره قال تعالى: ﴿وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
فتعزيره يكون بنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه ﷺ.
وتوقيره: يكون بإجلاله وإكرامه وأن يعامل بالتشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار (^١).
ويدخل في ذلك مخاطبته بما يليق قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وحرمة التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرمة رفع الصوت
_________________
(١) الصارم المسلول (ص ٤٢٢).
[ ٥٨ ]
فوق صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِبَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات].
فقاموا بهذه الأمور امتثالًا وطاعة لأمر الله ﵎ وأدوا ما فرض عليهم من الحقوق الأخرى التي يطول ذكرها والتي هي مذكورة في ثنايا هذا البحث. وهم مع قيامهم بهذه الأمور لم يتجاوزوا ما أمروا به فلم يغالوا ولم يبالغوا كما فعل أهل الإفراط الذين وصفوا النبي ﷺ بأمور لا تنبغي لغير الله كعلم الغيب، وصرفوا له أمورا لا يجوز صرفها لغير الله كدعائه والسجود له والاستغاثة به والطواف بقبره.
بل هم مؤمنون بأن ما أكرم الله به نبيه ﷺ من النبوة والرسالة والرفعة وعظم القدر وشرف المنزلة، كل ذلك لا يوجب خروجه عن بشريته وعبوديته لله قال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.
واعتقدوا أنه ليس من المحبة في شيء الغلو في حقه وقدره ووصفه بأمور قد اختص الله بها وحده، بل علموا أن في هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة ومناقضة لما أمر به ﷾ نبيه ﷺ أن يقوله لأمته: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلَّا اللَّهُ ومايَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل].
فكل غلو في حقه ﷺ ليس من محبته في شيء بل يعد مخالفة لما
[ ٥٩ ]
أمر به فيجب الابتعاد عن ذلك والحذر من عقوبته قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور] كما يعد مشاقة للرسول ﷺ. قال تعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء]، ولذا فإنه يجب الحذر من حال الغلاة الذين غلوا في حق النبي ﷺ بما ابتدعوه من الأمور التي لم يشرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله، بل حذر الله ورسوله منها.
وقد يظن البعض بأن السير على منهج أهل التوسط فيه انتقاص من قدر النبي ﷺ وغمط لحقه، والأمر على عكس ما يظنون فالذي يعتقده السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين أن الحق الواجب أن يثنى على النبي ﷺ بما هو أهل له من الخصائص الثابتة له التي خصه الله بها والفضائل العظيمة التي شرفه بها والصفات الحقيقية والخلقية التي كان عليها وذلك للتعرف وتعريف الناس بفضله ومكانته وعظيم قدره عند الله وعند خلقه حتى يتأسى ويقتدى به في أقواله وأفعاله فهو الأسوة والقدوة عليه أفضل الصلاة والتسليم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب].
فمن صميم المحبة له ﷺ الاشتغال بمعرفة سيرته بقصد التأسي والاقتداء بما كان عليه من كريم الخصال ومحاسن الأفعال والأقوال. وكذا معرفة شمائله ودلائل نبوته التي تعمق إيمان المسلم بصدق نبوته وتزيد في محبته وتعظيمه ﷺ. ولقد اهتم السلف بهذه الجوانب وأولوها رعايتهم واهتمامهم فاعتنوا بتأليف المؤلفات التي أوضحت هذه الجوانب وأبرزتها.
فقد ألِّفت لهذا الغرض كتب الشمائل التي اعتنت بذكر صفاته وأحواله في عباداته وخلقه وهديه ومعاملاته (^١)، كما ألفت كتب الدلائل
_________________
(١) من تلك الكتب: كتاب الشمائل للترمذي، كتاب الشمائل لابن كثير.
[ ٦٠ ]
التي اعتنت بدلائل وعلامات نبوته ﷺ (^١).
هذا بالإضافة إلى ما كتب في الفضائل والخصائص التي كانت للنبي ﷺ. كما اعتنوا بأصل هذه الجوانب جميعها ألا وهو سيرته الشريفة ﷺ فقد ألفت لهذا الغرض المؤلفات التي اعتنت بحياته منذ ولادته إلى وفاته وضمت في جوانب ذلك الحديث عن نشأته وبعثته وما حدث له من الأمور قبل الهجرة وبعدها وما كان من أمر دعوته وغزواته وسراياه وما يتعلق بهذه الجوانب وغيرها مما هو داخل في سيرته (^٢).
فقد دوِّنت هذه الجوانب جميعها وخدمت بقصد أن يتأسى الناس به ﷺ وأن يتعرفوا على كمال ذاته ﷺ وما تميز به من صفات، وتفرد به من أخلاق لتزيد تلك المعرفة من محبتهم له وتنميتها في قلوبهم ولتبعث في نفوسهم تعظيمه وإجلاله.
وبهذا يعلم أن أهل التوسط لم ينتقصوا من قدره ﷺ بل حفظوا وحافظوا على كل ما من شأنه أن يضمن استمرارية محبة الأمة وتعظيمها له.
فهذه حال أهل التوسط وهذا هو منهجهم فمن أراد أن يسير على النهج القويم ويسلك الصراط المستقيم فعليه بسبيل أهل الإيمان وطريقهم ألا وهو الكتاب والسنة فذاك طريق الحق، والحق أحق أن يتبع.
وهذا منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، فقد كانت محبتهم للنبي ﷺ تحكمها قواعد الكتاب والسنة، فما أمر به الشارع ائتمروا به وما نهى عنه الشارع انتهوا عنه، ولم يحكموا في هذه المحبة عواطفهم وأهواءهم كما
_________________
(١) منها: كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، وكتاب دلائل النبوة للبيهقي.
(٢) ومن أشمل الكتب التي تحدثت عن سيرته ﷺ كتاب السيرة لابن كثير.
[ ٦١ ]
فعل أهل الإفراط الذين زلت بهم أقدامهم بسبب غلوهم في حقه ذاك الغلو الذي دفعهم إليه تحكيم أهوائهم، وهو غلو ما أنزل الله به من سلطان بل إن نصوص الشرع تنص على تحريمه، وإنه ليصدق وصف أهل الإفراط بقوله تعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.
فخلاصة القول في هذا الجانب أن المفهوم الصحيح لمحبته ﷺ يتمثل في ذلك المفهوم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم. ذلك المفهوم المستمد من آيات القرآن ونصوص السنة والذي لم يخرج عنهما قيد أنملة.
وما ذكرته ههنا عن هذا المفهوم الصحيح على سبيل الإجمال، وتفصيل ذلك مستوفى بين دفتي هذا البحث فمنه ما سبق بيانه ومنه ما سيأتي تفصيله ونسأل الله الإعانة على ذلك.
* * *
[ ٦٢ ]