إن من علامات محبته ﷺ والتي يجب على المؤمن الأخذ بها، محبته لمن أحب النبي ﷺ، ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين فمن أحب شيئًا أحب من يحبه (^١).
فإن من محبة الله وطاعته: محبة رسوله وطاعته.
ومن محبة رسوله وطاعته: محبة من حب الرسول، وطاعة من أمر الرسول بطاعته (^٢).
أ - قال البيهقي: "ودخل في جملة محبته ﷺ حب آله (^٣).
وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول ﷺ (^٤).
فعن زيد بن أرقم (^٥) ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى "خما" بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: "أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين:
_________________
(١) الشفا (٢/ ٥٧٣).
(٢) حقوق آل البيت (ص ١٩).
(٣) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٢).
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).
(٥) زيد بن أرقم بن زيد، صحابي جليل، لم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغر سنه، وأول مشاهده الخندق وقيل المريسيع، مات بالكوفة سنة ست وستين، وقيل ثمان وستين. الإصابة (١/ ٥٤٢).
[ ٩٣ ]
أوليهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي".
فقيل لزيد: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قيل: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قيل: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم (^١).
وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله لما أنزل عليه ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، سأل الصحابة النبي ﷺ كيف يصلون عليه فقال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (^٢). فالصلاة على النبي ﷺ حق له ولآله دون سائر الأمة (^٣).
وقال أبو بكر الصديق ﵁: "أرقبوا (^٤) محمدا ﷺ في أهل بيته" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (/ ١٢٢، ١٢٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ. فتح الباري (١/ ١٥٢) (ح ٦٣٥٧). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٦).
(٣) جلاء الأفهام (ص ١٧٤).
(٤) أرقبوا: المراقبة للشيء المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم فلا تسيئوا إليهم. فتح الباري (٧/ ٧٩).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول كله ﷺ. فتح الباري (٧/ ٧٨) (ح ٣٧١٣).
[ ٩٤ ]
وعنه أيضا أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁: "والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي" (^١).
"فآل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ " (^٢).
"فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقر به عينه، ويزيده الله به شرفا وعلوًا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا" (^٣).
"وكذلك علينا احترامهم وإكرامهم والإحسان إليهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا.
ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعليّ وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين" (^٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥) "وآل محمد ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة (^٦) هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء".
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول ﷺ. فتح الباري (٧/ ٧٧، ٧٨) (ح ٣٧١٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ "لا نورث وما تركناه صدقة" (٥/ ١٥٥، ١٥٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).
(٣) جلاء الأفهام (ص ١٧٥).
(٤) تفسير ابن كثير (٤/ ١١٣).
(٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).
(٦) قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "واختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال: القول الأول: هم الذين حرمت عليهم الصدقة. وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه. والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة وهذا مذهب أبى حنيفة، والرواية عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك. والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى بني غالب، ويدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك حكاه صاحب "الجواهر" عنه، وحكاه اللخمي في "التبصرة" عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب. وهذا القول في الآل أعني - أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي. القول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في التمهيد. القول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم من روى عنه هذا القول جابر بن عبد الله، ذكره البيهقي عنه، ورواه عن سفيان الثوري وغيره، واختاره بعض أصحاب الشافعي. حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ محي الدين النووي في شرح مسلم واختاره الأزهري. القول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته حكاه حسين والراغب وجماعة". ثم ذكر ﵀ حجج هذه الأقوال وبين ما فيها من الصحيح والضعيف إلى أن قال: "والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني. أما القول الثالث والرابع فضعيفان". جلاء الأفهام (ص ١٦٤ - ١٧٧).
[ ٩٥ ]
والأحاديث في فضائلهم ومناقبهم كثيرة جدًّا، وهي مبسوطة في الصحيحين والمسند والسنن وغيرها من كتب الحديث.
ب - وكذلك فإن من أصول أهل السنة أنهم يتولون أزواج رسول الله ﷺ. ويحفظون لهن فضلهن، وحقوقهن.
فقد أبانهن الله من نساء العالمين في الفضيلة فقال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وجعلهن أمهات المؤمنين فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٤) وتفسير القرطبي (١/ ١٢٣، ١٧٧).
[ ٩٦ ]
وجعل حرمة الزوجية بعد وفاة النبي ﷺ باقية ما بقين فقال تعالى: ﴿وما كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَدًا﴾ فعلينا من حفظ حقوقهن بعد ذهابهن الصلاة عليهن مع الصلاة على النبي ﷺ.
فعن أبي حميد الساعدي (^١) ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلى عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: "قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (^٢).
فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهن (^٣). وكذلك الاستغفار لهن، وذكر مدائحهن، وفضائلهن وحسن الثناء عليهن، وما على الأولاد في أمهاتهم اللاتي ولدنهم وأكثر، وذلك لمكانتهن من رسول الله ﷺ، وزيادة فضلهن على غيرهن من نساء هذه الأمة (^٤).
وأزواج النبي ﷺ هن من دخل بهن من النساء وهن إحدى عشرة:
١ - خديجة بنت خويلد ﵂ (^٥).
_________________
(١) أبو حميد الساعدي، اختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن بن سعد وقيل غير ذلك، صحابي مشهور، شهد أُحدًا وما بعدها، وتوفي في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد. الإصابة (٤١/ ٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب هل يصلى على غير النبي ﷺ. فتح الباري (١/ ١٦٩) (ح ٦٣٦٠) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٧).
(٣) جلاء الأفهام (ص ٢٠٠)
(٤) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٢ - ٢٨٤).
(٥) وهي أولهن، وقد تزوجها ﷺ بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته فآمنت به ونصرته فكانت له وزير صدق وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح ومن خصائصها ﵂:
(٦) أنه لم يتزوج عليها غيرها.
(٧) أن أولاده كلهم منها إلا إبراهيم فإنه من سريته مارية.
(٨) أنها خير نساء الأمة. جلاء الأفهام (ص ١٨٠).
[ ٩٧ ]
٢ - عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن أبيها (^١).
٣ - سودة بنت زمعة ﵂ (^٢).
٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ وعن أبيها (^٣).
٥ - أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ (^٤).
_________________
(١) تزوجها وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وقيل لثلاث وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة. ومن خصائصها ﵂:
(٢) أنها كانت أحب أزواج رسول الله ﷺ إليه فقد سئل النبي ﷺ أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قيل ومن الرجال؟ قال: "أبوها" متفق عليه (خ/ ٤٣٥٨) (م/ ٢٣٨٤).
(٣) أنه لم يتزوج بكرا غيرها. جلاء الأفهام (ص ١٨٢ - ١٨٥).
(٤) سودة بنت زمعة بن قيس. تزوجها بعد خديجة، وكبرت عنده وأراد أن يطلقها فوهبت يومها لعائشة ﵂ فأمسكها وهذا من خواصها: أنها آثرت حرمها لعائشة تقربًا إلى النبي ﷺ وحبًا له. جلاء الأفهام (ص ١٨٢).
(٥) حفصة بنت عمر بن الحطاب، تزوجها النبي ﷺ بعد عائشة، وقيل إنها ولدت قبل المبعث بخمسة سنين، وكانت قبل أن يتزوجها النبي ﷺ عند حصن بن حذافة وكان ممن شهد بدرًا ومات بالمدينة. وكانت ﵂ صوامة قوامة. الإصابة (٤/ ٣٦٢، ٣٦٠) وجلاء الأفهام (ص ١٨٥).
(٦) واسمها رملة بنت صخر بن حرب، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر بالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشي. وهي التي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة، وقالت: إنك مشرك، ومنعته من الجلوس عليه. الإصابة (٤/ ٢٩٨ - ٣٠٠).
[ ٩٨ ]
٦ - أم سلمة ﵂ (^١).
٧ - زينب بنت جحش ﵂ (^٢).
٨ - زينب بنت خزيمة الهلالية ﵂ (^٣).
٩ - جويرية بنت الحارث ﵂ (^٤).
١٠ - صفية بنت حيي ﵂ (^٥).
_________________
(١) واسمها هند بنت أبي أمية، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وتوفيت سنة اثنتين وستين ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتا، وقيل: بل ميمونة. الإصابة (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٥ - ١٩٧).
(٢) زينب بنت جحش: وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة، فطلقها فزوجها الله إياه من فوق سبع سموات وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله ﷺ. وتقول: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماواته" توفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع. الإصابة (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٣) زينب بنت خزيمة الهلالية، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند عبد الله بن جحش فاستشهد بأحد، وكانت تسمى أم المساكين، لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة ثم توفيت ﵂. الإصابة (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨).
(٤) جويرية بنت الحارث المصطلقية، وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوجها سنة ست من الهجرة وتوفيت سنة ست وخمسين، وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ وكان ذلك من بركتها على قومها. الإصابة (٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨).
(٥) صفية بنت حيي: من ذرية هارون بن عمران، أخي موسى، تزوجها النبي ﷺ سنة سبع، فإنها سبيت من خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق، فقتله رسول الله ﷺ، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل سنة خمسين. من خصائصها أن الرسول ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها، وقال لها النبي ﷺ: "إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك تحت نبي". الإصابة (٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨ - ١٩٩).
[ ٩٩ ]
١١ - ميمونة بنت الحارث الهلالية ﵂ (^١).
فهؤلاء جملة من دخل لهن من النساء وهن إحدى عشرة.
ج - ومن محبته ﷺ محبة أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين:
قال البيهقي: "ويدخل في جملة حب النبي ﷺ حب أصحابه؟ لأن الله ﷿ أثنى عليهم ومدحهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهُمْ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح].
وقال تعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة].
وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال].
فإذا أنزلوا هذه المنزلة استحقوا من جماعة المسلمين أن يحبوهم ويتقربوا إلى الله ﷿ بمحبتهم لأن الله تعالى إذا رضي عن أحد أحبه
_________________
(١) ميمونة بنت الحارث الهلالية: تزوجها بسرف، وبنى بها بسرف، وماتت بسرف، وهي علي سبعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، وتوفيت سنة ثلاث وستين، وهي خالة عبد الله بن عباس ﵄، وهي خالة خالد بن الوليد أيضا. الإصابة (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٩) وجلاء الأفهام (ص ١٩٩).
[ ١٠٠ ]
وواجب على العبد أن يحب من يحب مولاه (^١).
فمن واجب الأمة نحو أصحاب رسول الله ﷺ محبتهم والترضي عنهم والدعاء لهم كما أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالأِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر].
فهم قوم اختارهم الله وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ وخصهم في الحياة الدنيا بالنظر إليه وسماع حديثه من فمه الشريف ونصرته والذب عنه والجهاد معه في سبيل الله ونشر دين الإسلام.
وبعد وفاته كانوا هم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين الأمة، فقد بلغوا عن رسول الله ما بعثه الله به من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها ونشروا هذا الدين في شتى بقاع الأرض: وجاهدوا في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وذبوا عن هذا الدين بسنانهم ولسانهم فكان لهم بذلك الأجر العظيم والمنزلة العالية عند ربهم وعند نبيهم وعند المسلمين الموحدين جميعًا.
وكيف لا يكونون كذلك وهم خير قرون هذه الأمة كشهادة النبي ﷺ.
فعن عمران بن حصين (^٢) ﵄ قال: قال النبي ﷺ "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قآل عمران: لا أدري أذكر النبي ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة … الحديث (^٣) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٧).
(٢) عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، صحابي جليل، أسلم عام خيبر وغزا عدة غزوات وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح مات سنة اثنتين وخمسين وقيل سنة ثلاث وخمسين من الهجرة. الإصابة (/ ٢٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كناب الشهادات، باب لا يشهد على جور إذا أشهد. فتح الباري (/ ٢٥٨ - ٢٥٩) (ح ٢٦٥١)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين بلونهم (٧/ ١٨٣ - ١٨٤).
[ ١٠١ ]
النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … " الحديث (^١).
ومما يدل على عظم فضل الصحبة وجلالة شأنها ما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (^٢) فهذا الحديث يدل على أن شأن الصحبة لا يعدله شيء.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول ﷺ: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم" (^٣)
ولقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ فيما يدل على فضل الصحابة رضوان الله عليهم ووجوب تعظيمهم وإكرامهم وكونهم خير قرون هذه
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على جور إذا أشهد. فتح الباري (٥/ ٢٥٩) (ح ٢٦٥٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ "لو كنت متخذا خليلًا". فتح الباري (٧/ ٢١) (ح ٣٦٧٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه من حدث أبي هريرة ﵁، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃ (٧/ ١٨٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان. انظر: فتح الباري (٧/ ١١٣) ح ٣٧٨٤ واللفظ له. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان وعلاماته … (١/ ٦٥).
[ ١٠٢ ]
الأمة بعد النبي ﷺ. ولقد عقد البخاري ومسلم في صحيحيهما وكذا أهل السنن وغيرهم، كل منهم كتابًا لفضائل الصحابة أوردوا فيه الكثير من الأحاديث الواردة في فضل الصحابة رضوان الله عليهم.
وعن معتقد السلف نحو أصحاب رسول الله ﷺ يقول أبو زرعة الرازي (^١): "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق. وذلك أن الرسول حق والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة. وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة" (^٢).
وقال الخطيب البغدادي (^٣): "عدالة الصحابة ثابتة ومعلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن، فمن ذلك:
قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وهذا اللفظ وإن كان عامًا فالمراد به الخاص وقيل: هو وارد في الصحابة دون غيرهم.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح].
_________________
(١) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي، أبو زرعة من أئمة حفاظ الحديث، ذكر أنه يحفظ مائة ألف حديث، توفي سنة (٦٤ هـ). تهذيب التهذيب (٧/ ٣٠ - ٣٤).
(٢) الكفاية في علم الرواية (ص ٩٧).
(٣) أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين وصاحب مصنفات من أشهرها تاريخ بغداد، توفي سنة (٤٦٣ هـ). الأعلام (١/ ١٧٢).
[ ١٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقوله تعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة].
وقوله تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال].
وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ والَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدّارَ والأِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر].
في آيات يكثر إيرادها، ويطول تعدادها.
ووصف رسول الله ﷺ الصحابة مثل ذلك،، وأطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم
وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له …
على أنه لو لم يرد من الله ﷿ ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين.
وهذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء (^١).
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية (ص ٩٣ - ٩٦).
[ ١٠٤ ]
وقال ابن حجر: "اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة" (^١).
وقال صاحب "العقيدة الطحاوية": "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من بغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإحسان، وبغضهم كفر وطغيان" (^٢)
وقال البيهقي: "وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان فحبهم أن يعتقد فضائلهم ويعترف لهم بها ويعرف لكل ذي حق منهم حقه، ولكل ذي عنا في الإسلام عناه ولكل ذي منزلة عند الرسول ﷺ مزلته، وينشر محاسنهم ويدعو بالخير لهم ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم ولا يتتبع زلاتهم وهفواتهم ولا يتعمد تهجين أحد منهم ببث ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم وبالله التوفيق" (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالأِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر].
وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسُّنَّة والإجماع: من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل،
_________________
(١) الإصابة (١/ ١٧).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢٨).
(٣) شعب الإيمان للبيهقي (ص ٢٩٧).
[ ١٠٥ ]
على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (^١) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة (^٢) كما أخبر به ﷺ، بل قد ﵁ ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة كالعشرة وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵃، كما دلت، عليه الآثار وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة … ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم" (^٣).
وبعد: فهذه نماذج من أقوال السلف ومعتقدهم تجاه الصحابة رضوان الله عليهم تبين مدى اعترافهم بفضلهم ومراتبهم ومنازلهم التي وردت بها نصوص القرآن والسنة، فهم أصحاب رسول الله ﷺ فبحبهم لرسول الله ﷺ وحب رسول الله ﷺ لهم، نحبهم ونحفظ لهم فضلهم ونحترم لهم تلك المنزلة التي أنزلوا إياها، ونرجوا أن يحشرنا الله معهم وأن يجمعنا بهم في الجنة على سرر متقابلين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرا. فتح الباري (٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥) (ح ٣٩٨٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر (.. / ١٦٨ - ١٦٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان (٧/ ١٦٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٣).
[ ١٠٦ ]