يظن البعض من الناس أن له الحق في التعبير عن محبته للنبي ﷺ بما يراه ويستحسنه من الأمور، من غير أن يراعي في ذلك قواعد الشرع وأصوله وهذا الصنف من الناس تراه منساقا مع عواطفه جاعلا لها حق التشريع في هذا الدين. فتراه يغلو في حق النبي ﷺ حتى كمل به إلى بعض مراتب الألوهية. وتراه يبتدع في دين الله أمورا تصل إلى حد العظائم. وتراه يقدم على الشركيات والكفريات. وكل ذلك بدعوى، محبة النبي ﷺ ولقد حكم الله ﷿ بالضلال على هذا الصنف فقال تعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
فالمتبعون لعواطفهم وأهوائهم المحكمون لها، لابد وأن يكونوا نابذين لهدي الله المتمثل في الكتاب والسنة، واللذين يشتملان على قواعد هذا الدين وأصوله والتي من ضمنها تحريم الابتداع في الدين والإحداث فيه، وتحريم الغلو بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم الشرك بمختلف صوره وألوانه.
ولذلك حكم الله بضلالهم وغوايتهم وبعداهم عن الصراط المستقيم. فحري بأمثال هؤلاء أن يقلعوا عن غيهم، وأن يتحكموا في عواطفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ.
فمحبة النبي ﷺ من الدين، وتحقيقها يكون عن طريق ما شرع في هذا الدين، لا عن طريق البدع وما تهواه النفوس فالبدع قد حذرنا نبينا ﷺ منها
بقوله: "إياكم ومحدثات الأمور" وهذا الحديث يعني في هذا المقام أن ليس لأحد الحق في التعبير عن محبة النبي ﷺ إلا بما
[ ١١٠ ]
جاء به النبي ﷺ، فعلى المسلم أن يدرك هذا الأمر وليحذر من سبل أهل الضلال والانحراف.
قال تعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وإن الناظر في أحوال أولئك المفتونين بالبدع تحت دعوى محبة النبي ﷺ يجد أنهم قد رغبوا في تلك الأمور المبتدعة لأنها أمور لا مشقة فيها على النفس فجعلوها بدلا مما يجب عليهم من الأعمال والطاعات التي تشق على نفوسهم الضعيفة المريضة، فالمحبة عند هؤلاء تنحصر في مظاهر التعظيم اللساني المليء بالغلو والشرك والمقترن بالاجتماع على موائد الطعام والذي لا يخلو في بعض الأحيان من المنكرات والمحرمات.
ويحق للمرء أن يتساءل أي محبة هذه التي تجيز لهؤلاء أن يبتدعوا في دين الله بزيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل؟ لا شك أن فعل هذه الأمور يناقض المحبة ويضادها جملة وتفصيلا، ولا عذر لفاعلها فيما أقدم عليه وإن كان فعل ذلك بحسن نية، فحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فلقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، فمازالوا على حالهم تلك حتى صارت أديانهم على غير ما جاءت به رسلهم.
ومما يؤسف له أن كثيرا من الناس يتمسك بتلك البدع تقليدا لمشائخه أو عشيرته أو أهل بلده. إلى غير ذلك من العصبيات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي أعمت بصائر الكثير منهم وأضلتهم عن سبيل الله.
ولقد كان من الحري بهؤلاء أن يقتدوا بصحابة رسول الله ﷺ، الذين كانوا أشد الأمة محبة للنبي ﷺ، وأشدهم تعظيما له وكانوا
[ ١١١ ]
أحرص الناس على الخير ممن جاء بعدهم، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في هذا السبيل. فلقد كان من سنن الصحابة رضوان الله عليهم حرصهم على اتباع النبي ﷺ لأنهم يؤمنون بأن منشأ محبته وثباتها قوتها إنما يكون بمتابعته ﷺ في أقواله وأفعاله وسلوكه وتصرفاته.
كما أنهم يؤمنون بأن الابتداع في الدين يضاد تلك المحبة وينافيها ولذلك لم يعهد عنهم أنهم ابتدعوا أشياء من عند أنفسهم لإظهار محبتهم للنبي ﷺ كما ابتدع المتأخرون ما ابتدعوه من البدع تحت ستار المحبة والتعظيم له ﷺ. فإذا كان هذا هو شأن الصحابة فيما أثر عنهم من الآثار وهم المشهود لهم بأنهم أشد الأمة وأفضلها محبة وتعظيما للنبي ﷺ، أفلا يسع من جاء بعدهم ما وسعهم، فيتركوا تلك الأمور المبتدعة التي أحدثت من بعدهم، والتي لم يأذن بها الله ولم تكن من هدي رسول الله ﷺ، من ولا من عمل أصحابه ﵃ وأرضاهم، ومن لم يتسع له ما اتسع للصحابة ﵃، فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة.
فعن قتادة قال: قال ابن مسعود ﵁: "من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (^١).
* * *
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٩).
[ ١١٢ ]