وفي هذا يقول قائلهم:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من … لولاه لم تخرج الدنيا من العدم (^٢)
وقول الآخر ممن هو من نقطة وشكله:
لولاه ما خلقت شمس ولا قمر … ولا نجوم ولا لوح ولا قلم (^٣)
ويستند هؤلاء على أحاديث موضوعة وأخبار مكذوبة منها حديث: "لولاك ما خلقت الأفلاك "وهو موضوع (^٤).
وعن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله إلى عيسى يا عيسى آمن
_________________
(١) انظر في هذا الشأن رسالة تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق.
(٢) ديوان البوصيري (ص ٢٤٠)، تنبيه الحذاق (ص ٢٧).
(٣) تنبيه الحذاق (ص ٢٧).
(٤) قاله الصغاني في الأحاديث الموضوعة (ص ٧)، وانظر الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني (ص ٣٢٦) وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني رقم ٢٨٢.
[ ٢٩٢ ]
بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت جنة ولا نار … " (^١).
وهذه الأحاديث الموضوعة وأمثالها لا يمكن أن يعول عليها في إثبات أمر شرعي كهذا.
أضف إلى ذلك مخالفتها للشرع فالذي تدل عليه النصوص الشرعية أن الله ﷿ إنما خلق الجن والإنس لغاية ذكرها في القرآن الكريم حيث قال ﷿ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات].
قال ابن كثير: "ومعني الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ومن عصاه عذبه أشد العذاب" (^٢). وقال تعالى ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقال تعالى ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف].
فصرح جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق
_________________
(١) لا أصل له مرفوعًا إنما أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٤، ٦١٥) من طريق عمرو بن أوس الأنصاري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: فذكره موقوفا وقال: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي بقوله "أظنه موضوعًا على سعيد". وقد قال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٤٦) عند ترجمته لعمرو بن أوس الذي روى هذا الحديث عن سعيد ما نصه: "عمرو بن أوس يجهل حاله أتى بخبر منكر، أخرجه الحاكم في مستدركه، وأظنه موضوعًا من طريق جندل بن والق" ثم ذكر نص هذا الحديث. ووافقه ابن حجر في اللسان (٤/ ٣٥٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٨).
[ ٢٩٣ ]
هي اختبارهم وابتلاؤهم ليجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
فهذه هي الحكمة من خلقهم أولًا وبعثهم ثانيًا (^١).
والنصوص من آيات وأحاديث كلها تؤكد هذا الأمر وتدل عليه، وفي الوقت نفسه تبطل ما زعمه الغلاة من أن الغاية من خلق الخلق هي من أجل محمد ﷺ.
فهذه الدعاوى يعرف بطلانها من له أدني بصيرة في نصوص الشرع والنبي ﷺ قد أعطاه الله خصائص وفضائل كثيرة تدل على فضله ومكانته، فليس هو بحاجة إلى أن ترفع مكانته ويبين شرفة بمثل هذه الأخبار الباطلة الموضوعة.