وقد تفنن الغلاة في هذا.
"فمن قائل يقول إنه يستغاث به في كل يستغاث فيه بالخالق بمعنى أنه يطلب منه كما يطلب من الخالق.
فهؤلاء جعلوا الرسول ﷺ يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله تعالى.
فآذوا الرسول وأساؤا في حقه إذ سألوه ما لا يقدر عليه مخلوق، وسوَّوه برب العالمين وسلطوا عليه العامة، فهذا يطلب منه إنزال المطر، وهذا يطلب منه غفران الذنوب، وهذا يطب منه النصر على الأعداء، وهذا يطلب منه أن يتزوج، وهذا يطلب منه الولد.
وهذا يطلب منه المعيشة وهذا يطلب منه الملك، وهذا يطلب منه الولاية، وهذا يطلب منه قضاء دينه، وهذا يطلب منه شفاء مريضه إلى غير ذلك من الأمور فنزلوا المخلوق منزلة الإله وطلبوا منه من جلب
_________________
(١) انظر أضواء البيان (٧/ ٦٧٣ - ٦٧٧).
[ ٢٩٤ ]
المنافع ودفع المضار ما لا يقدر عليه إلا الله" (^١).
ومن نظم بعضهم في هذا قوله:
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي … إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي … محمدًا وهو أوفى الخلق بالذم
إن لم يكن في معادى آخذا بيدي … فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم (^٢)
فنفى أن يكون له ملاذ إذا حلَّت به الحوادث، إلا النبي ﷺ وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا إياه ﷾.
ودعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك الشرك في الإلهية (^٣).
ومن شعر بعضهم قوله:
ماذا تعامل يا شمس النبوة من … أضحى إليك من الأشواق في كبدي
فامنع جناب صريع لا صريخ له … نائي المزار غريب الدار مبتعدي
حليف ودك واه الصبر منتظر … لغارة منك يا ركني ويا عضدي
أسير ذنبي وزلَّاتي ولا عمل … أرجو النجاة به إن أما لم تجد
وجرى في شركه وإلى أن قال:
وحل عقدة كربي يا محمد من … هم على خطرات القلب مطرد
أرجوك في سكرات الموت تشهدني … كيما يهون إذ الأنفاس في صعد
وإن نزلت ضريحًا لا أنيس به … فكن أنيس وحيد فيه منفرد
وارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن … يليه من أجله وانعشه وافتقد
_________________
(١) الرد على البكري (ص ٣٣٥، ٣٣٦) بتصرف.
(٢) ديوان البوصيري (ص ٢٤٨).
(٣) تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٧).
[ ٢٩٥ ]
وإن دعا فأجبه واحم جانبه … من حاسد شامتٍ أو ظالم نكد
وقوله من أخرى:
يا رسول الله يا ذا الفضل يا … بهجة الحشر جاهًا ومقاما
عد على عبد الرحيم الملتجى … بحمى عزك يا غوث اليتامى
وأقِلني عثرتي يا سيدي … في اكتساب الذنب في خمسين عاما
وقوله:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي … ويا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني
هبني بجاهك ما قدت من زلل … جودا أو رجح بفضل منك ميزاني
واسمع دعائي واكشف ما يساورني … من الخطوب ونفسه كل أحزاني
فأنت أقرب من ترجى عواطفه … عندي وإن بُعدت داري وأوطاني
إني دعوتك من نيابتي برع … وأنت اسمع من يدعوه ذو شأن
فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبى … برحمة وكرامات وغفران
لقد أنسانا هذا ما قبله، وهذا بعينه هو الذي ادعته النصارى في عيسى ﵇، إلا أن أولئك أطلقوا عليه اسم الإله، وهذا لم يطلقه ولكن أتى بلباب دعواهم وخلاصتها، وترك الاسم، إذ في الاسم نوع تمييز، فرأى الشيطان أن الإتيان بالمعني دون الاسم أقرب إلى ترويج الباطل، وقبوله عند ذوى العقول السخيفة، إذ كان من المتقرر عند الأمة المحمدية أن دعوى النصارى في عيسى ﵇ كفر، فلو أتاهم بدعوى النصارى اسما ومعنى لردوه وأنكروه، فأخذ المعنى وأعطاه البرعى وإضرابه، وترك الاسم للنصارى وإلا فما ندرى ماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث للخالق تعالى وتقدس من سؤال مطلب أو تحصيل مأرب، فالله المستعان (^١).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (١٨٩، ١٩٠).
[ ٢٩٦ ]
ويقول صاحب المواهب اللدنية: وينبغي للزائر - لقبره - أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل والتوجه به لا فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه فإن كلا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه للنبي ﷺ واقع في كل حال كل خلقه وبعده في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة (^١).
ومن هؤلاء من يرى أن زيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الحج إلى الكعبة وأن دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به أفضل من الاستغاثة بالله تعالى ودعائه (^٢).
ومنهم من يظن أن الرسول يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه ويقدر على ما يقدر عليه الله ويعلم ما يعلمه الله" (^٣).
* ومنهم من يقول "إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان" يريدون بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود، ولا من مكان إلا هو فيه موجود (^٤).
* ومنهم من يقول: "إنه يحضر في كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته" (^٥).
* ومنهم من يقول في قوله تعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح].
_________________
(١) انظر الأنوار المحمدية (ص ٦٠٤).
(٢) الرد على البكري (ص ٣٤٩).
(٣) الرد على البكري (ص ٣٠).
(٤) غاية الأماني (١/ ٤٨).
(٥) هذه هي الصوفية (ص ٨١).
[ ٢٩٧ ]
يقول: إن الرسول هو الذي يصبح بكرة وأصيلا.
* ومنهم من يقول: أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت.
دع ما ادَّعته النصارى في نبيهم … واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف … وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له … حد فيُعرب عنه ناطق بفم
لو ناسبت قدره آياته عظما … أحيا اسمه حين يدعى دارس الرم (^١).
* ومنهم من يقول نحن نعبد لله ورسوله فيجعلون الرسول معبودا (^٢).
بل لم يكتف غلاة الصوفية بهذا القدر حتى اعتقدوا أنه هو الله سبحانه ذاتًا وصفة (^٣).
وكُتُب أصحاب البدع وعبَّاد القبور مملؤة بالكثير من أنواع هذا الغلو وألوانه والذي لا يشك الموحد بكذبه وبطلانه.
وسأتطرق في المباحث القادمة للرد على أشهر تلك الأنواع، فنسأل الله الإعانة على ذلك.
_________________
(١) ديوان البوصيري (ص ٢٤١).
(٢) الرد على البكري (ص ٢١٩).
(٣) هذه هي الصوفية (ص ٧٤ - ٧٥).
[ ٢٩٨ ]