[.. كان الناس أمة واحدة على الإسلام، موحدين متفقين على الحق والتوحيد في زمن أبينا آدم ﵇، إلى قبيل زمن نوح ﵈.
ثم اختلفوا بسبب مكر الشيطان وحيله الخفية، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (^٢) عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" (^٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" (^٤).
_________________
(١) من الكلمات الشهرية لسماحة الشيخ محمد علي فركوس حفظه الله برقم (١٠٦)
(٢) من الجلاء؛ أي: ترك الإنسان موطنه ومكانه، وهنا بمعنى: ترك الدين والابتعاد عنه. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٣٣٧)، مادة: (جلل).
(٣) "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١١/ ٣١٣)، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز (٥٥٨) جزء من حديث رواه مسلم، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار برقم (٢٨٦٥).
(٤) "جامع البيان" للطبري (٢٩/ ٩٩)، و"المستدرك" للحاكم (٢/ ٥٤٦) وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "تحذير الساجد" (ص ١٤٧).
[ ٢٤ ]
وبهذا يتضح لنا أن الأمة كانت على شريعة واحدة؛ التي هي التوحيد الخالص، ثم طرأ الشرك عليها (^١).
وإليك التدرج الذي فعله الشيطان مع بني الإنسان لإخراج الناس من عبادة الله وحده إلى الشرك به وعبادة غيره، وهو مأخوذ من تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح]، حيث إن هؤلاء الخمسة كانوا عبادًا صالحين، فلما ماتوا، أوحى الشيطان إلى قومهم؛ أن انجبوا لهم أنصابًا، وسموها بأسمائهم، واعكفوا عليها لتتذكروهم، وتقتدوا بأعمالهم الصالحة، فلما ذهب هذا الجيل، وأتي من بعدهم، أوحي إليهم الشيطان: إن أسلافكم كانوا يعبدونهم، فافعلوا كما كانوا يفعلون، ففعلوا؛ فوقع الشرك في بني آدم من طريق الغلو في الصالحين، ومن ثم أرسل الله جل وعلا نوح ﵇ ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك، فلم يستجيبوا له إلا قليل منهم.
ويتضح هذا المعنى بذكر الآثار الواردة في تفسير الآية المتقدم ذكرها من سورة نوح ﵇، وإليك بعضا منها:
عن ابن عباس ﵄، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم، عُبدت" (^٢).
وما روى ابن جرير بإسناده عن محمد بن قيس، قال: كانوا قوم صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدرون بهم، فلما ماتوا
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢/ ٤٣٧، ٨/ ٢٨٥، ٢٠/ ١٠٦، ١٠٧) بتصرف.
(٢) "صحيح البخاري"، كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، باب ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق. "الفتح" (٨/ ٥٣٥)، حديث رقم (٤٩٢٠).
[ ٢٥ ]
قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم؛ كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كان يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم" (^١).
فهنا قولان:
الأول: أنها كانت في قوم نوح.
الثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين.
ولا فرق بين القولين، فإن كونها أسماء أصنام لا ينافي كون تلك الأصنام لرجال صالحين في الأصل.
قال ابن حجر ﵀ بعد حكايته للقولين -: "بل مرجع ذلك إلى قول واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك" (^٢).
إذا علم ذلك كله، ظهر أن أعظم أسباب الشرك وعبادة الأصنام الغلو في المخلوقين، ورفعهم فوق منازلهم (^٣)، فلذلك نهى الله عن الغلو ومشابهة أهل الكتاب الذين غلوا في أنبيائهم وصالحيهم حتى عبدوهم من دون الله؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود].
_________________
(١) "جامع البيان" للطبري (٢٩/ ٩٨، ٩٩).
(٢) "فتح الباري" (٨/ ١٣٧).
(٣) "مجموع الفتاوى" (١٤/ ٣٦٢)، وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق لابن تيمية (ص ٤٢، ٤٣) بتصرف.
[ ٢٦ ]
وكذلك اهتم النبي ﷺ بهذا الباب، فحذر أشد التحذير من الغلو، وسد ذرائعه وأبوابه، وحاربه في جميع ميادين ونواحي العبادة (^١).
ومما ورد عنه في ذلك قوله ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (^٢).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ بعد إيراده لهذا الحديث ما نصه: "أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي، كما غالت النصارى في عيسى؛ فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله، فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله" (^٣).
* منها ما جاء عن عائشة ﵂: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة - رأينها بالحبشة فيها تصاوير - لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (^٤).
قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم؛ إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢/ ٤٠٤، ٤٠٥) بتصرف
(٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾. [الفتح] (٦/ ٥٥١)، حديث رقم (٣٤٤٥).
(٣) (تيسير العزيز الحميد) (ص ٣١٤).
(٤) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب بناء المسجد على القبر برقم (١٣٤١)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد برقم (٥٢٨).
[ ٢٧ ]
الصالحين … فهذه المفسدة - التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره - هي التي حسم النبي ﷺ مادتها؛ حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا … (^١) (^٢).
* منها ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته -: "هات القط لي" فلقط له حصيات هن حصى الخذف (^٣)، فلما وضعتهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (^٤).
قال شيخ الإسلام ﵀ بعد إيراده لهذا الحديث -: "إن هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال" (^٥).
_________________
(١) يشير إلى قوله ﷺ: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، رواه ابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (١/ ٢٤٦)، حديث رقم (٧٤٥) واللفظ له؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (١/ ٣٣٠)، حديث رقم (٤٩٢)؛ والترمذي، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (١/ ١٣١)، حديث رقم (٣١٧)، وقال: فيه اضطراب. وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (١/ ٢٣١) حديث رقم (٦١٢).
(٢) "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٦٧٤)
(٣) هو: الحصى الصغير الذي يمكن حمله بأطراف الأصابع لصغره. انظر: "لسان العرب" (٤/ ٤٤)، مادة: (خذف).
(٤) رواه النسائي في "سننه"، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى (٥/ ٢٩٦)، حديث رقم (٣٠٥٧)؛ وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي (٢/ ١٠٠٨)، حديث رقم (٣٠٢٩). وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (٣/ ٤٩)، حديث رقم (٢٤٧٣).
(٥) "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٢٨٩).
[ ٢٨ ]
* ومنها: أنه ﷺ نهى أن يجصَّص القبرُ، وأن يُقعَد عليه، وأن يبنى عليه (^١).
* ومنها: أمره ﷺ بتسوية القبور وطمس التماثيل؛ فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: "ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته" (^٢)
* ومنها: ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ "، قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي ﷺ: "لا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر، فليقعد" (^٣).
قال ابن حجر ﵀ تحت هذا الحديث: "وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها" (^٤).
وغيرها كثير من أقواله ﷺ في النهي عن التشدد، والأخذ بالأيسر، والرفق في الأمر كله (^٥)؛ كما قال ﷺ: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدينَ
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه (٢/ ٦٦٧)، حديث رقم (٩٧٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر (٢/ ٦٦٦)، حديث رقم (٩٦٩)
(٣) رواه البخاري في كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة. "الفتح" (٣/ ٤٣)، حديث رقم (١١٥٠)؛ ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (١/ ٥٤١، ٥٤٢)، حديث رقم (٧٨٤).
(٤) "فتح الباري" (٣/ ٤٥).
(٥) "قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق" (ص ٤٢ - ٤٥).
[ ٢٩ ]
أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوَةِ (^١) والرَّوْحَةِ (^٢) وشيءٍ من الدُّلْجَةِ (^٣) (^٤)، والله تعالى أعلم] (^٥).
* * *
_________________
(١) الغَدْوة: السير في أول النهار.
(٢) الرَّوحة: السير بعد الزوال.
(٣) الدُّلْجة: السير آخر الليل، والمراد هنا، قال ابن حجر: "أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة". انظر في هذا كله: فتح الباري لابن حجر (١/ ١١٨).
(٤) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر. "الفتح" (١/ ١١٦) حديث رقم (٣٩).
(٥) انظر: "الجواب الباهر في زوار المقابر" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، دراسة وتحقيق د. إبراهيم بن خالد المخيف حفظه الله (ص ٨٥ - ٩١).
[ ٣٠ ]