تمهيد:
قبل التعرض لبيان حكم الشرع في هذه المسائل يجدر التنبيه على نقطة هامة جدا تتعلق بالمعاني التي استعملت فيها هذه الألفاظ في هذه المواضع. ذلك أن كل من لفظ "التوسل" و"الشفاعة" و"الاستغاثة" قد ورد ذكرها في القرآن والسنة وكلام الصحابة واستعملت لمعاني معينة.
ولكن الذي حدث بعد ذلك أن أهل البدع والأهواء أحدثوا اصطلاحات ومعاني لهذه الألفاظ خلافا لما كانت تستعمل فيه من معان في خطاب الشرع وعرف الصحابة آنذاك، قاصدين بذلك استعمال الأدلة الشرعية بما يوافق أهوائهم وأغراضهم، ومن ثم لبسوا على الناس وأفهموهم أن تلك الألفاظ لم ترد إلا لتلك المعاني التي أحدثوها هم، وهذا التلاعب بمعاني تلك الألفاظ هو الذي سهل على أهل البدع استعمال تلك النصوص في حججهم وسهل على عامة الناس تقبل تلك البدع لظنهم أن تلك النصوص دالة على تلك المعاني الباطلة.
ولذا كان من الواجب عند بيان الحق في هذه المسائل أن نبين المعني الشرعي لتلك الألفاظ ونحذر من المعاني المبتدعة المحدثة (فالألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الشارع
[ ٢٩٩ ]
بها ليثبت ما أثبته وينفي ما نفاه من المعاني) (^١) ويجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن لم يعرف لغة الصحابة التي يتكلمون بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه.
فإن كثيرا من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادتهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك.
وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم.
وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معان أخر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم، ويقولون إنا موافقون للأنبياء" (^٢).
ولفظ "التوسل" و"الاستشفاع" ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول وأصحابه، ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم (^٣).
وبناء على ما تقدم فإني أجد لزامًا عليَّ في هذا المقام أن أبين مراد الشارع بألفاظ التوسل والشفاعة والاستغاثة ليتضح ما أثبته الشارع من المعاني ومما نفاه وذلك حتى يستنير الحق لطالبه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٤).
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٢ - ١٥٣).
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٨).
[ ٣٠٠ ]
فهذه النقطة هي موضع اللبس عند كثير من الناس، فمتى ما وضحت زالت الغشاوة عن الأفهام، وأمكن بالتالي فهم النصوص وفق مراد الشارع وأمره فهنا مكمن الداء والدواء. وأول ما نشرع به من هذه الألفاظ لفظ "التوسل".
[ ٣٠١ ]